ماذا يعني التنوير تحديداً بالنسبة إلينا؟ وما مرجعيته ونماذجه؟

ماذا يعني التنوير تحديداً بالنسبة إلينا؟ وما مرجعيته ونماذجه؟

مشاهدة

25/04/2020

بات مصطلح التنوير مختزلاً في طرحه وتناوله حدّ الابتذال أحياناً، سواء بأثر نقد فلسفة ما بعد الحداثة، اللاموضوعي في بعض جوانبه، أو من طغيان الأدلجة السطحية والجهل بتاريخيته، ومن طبيعة الأشياء أن ينسحب على المفاهيم ما يطرأ على المجتمع البشري من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وجغرافية أيضاً، وهذا ما يضمن دينامية المصطلح واستمراريته، تلك الدينامية التي تفرض إعادة النظر في ماهيته بحسب السياق، وتجديد أسئلة البحث المعنية بإمكانات تحققه واقعياً.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
نسأل: هل نحن في حاجة إلى التنوير؟ نعم، لكن ماذا يعني التنوير تحديداً بالنسبة إلينا؟ وما مرجعيته ونماذجه؟ هل يقتصر على فتح باب الاجتهاد ووضع التراث الديني تحت مشرط النقد دون شرط، أم يشتمل على التحديث في أنظمة الحكم والاقتصاد والمجتمع؟ هل نريد التنوير بمفهومه العلماني الذي يعني الفصل بين السلطتين؛ الزمنية والدينية، أم التنوير بمعنى فتح باب الحريات الفردية دون تقييد وترك المجتمع يعمل بآلية السوق نفسها ألا وهي التنظيم الذاتي؟ هل لدينا ثقة في قدرة العقل البشري وطاقاته كمرجعية؟ هل نمتلك أدوات تمكينه؟ وما هي تلك الأدوات؟

من طبيعة الأشياء أن ينسحب على المفاهيم ما يطرأ على المجتمع البشري من متغيرات

وفي السياق ذاته؛ ما هو نموذجنا التنويري الذي يمكن الاستعانة به؟ وهل تحقق كمنجز تام تاريخياً؟ هل التنوير الغربي؟ وفي أيّة فترة تاريخية، وأيّ نموذج؛ هل النموذج الإنجليزي الذي عني بماهية الطبيعة البشرية والفضيلة الاجتماعية أم النموذج الألماني المثالي الذي أعطى الأولوية لوحدة الأمة العضوية، أم النموذج الفرنسي الذي أعلن أغلبه معاداته للجمود الديني وأعلى من سلطة العقل فوق كلّ سلطة، أم النموذج الأمريكي الذي لم يأبه بمعركة الدين وإنما بالحريات السياسية؟

اقرأ أيضاً: تنوير ديني تقوده المجتمعات للحيلولة دون تدنيس المقدّس
 وفي حال رفض النموذج الغربي كلياً، كما يميل التيار الأصولي الديني أو الثقافي في بعض وجوهه اليسارية القومية؛ فهل يوجد مشروع بديل حقيقي وجاهز لأن يكون مرجعية ناجعة؟ وما هي القوى الاجتماعية المخولة بإنتاج قيم هذا التنوير؟ هل الطبقات العليا أم يستلزم تكوين طبقة خاصة من الأنتلجنسيا تضمّ تشكيلة مختلفة من الأصول الاجتماعية؟
وما هي سبل التغيير الفكري؛ هل المنطق الثوري الراديكالي أم الإصلاحي؟ وكيف يمكن التوافق؟ وإلى أيّ حدّ يمكن القبول بأيّ منهما؟ وهل يُفرض من سلطة متعالية أم جعله يتمخض من القاعدة الشعبية؟ وكيف يمكن إنشاء نسخة ثقافية ثانية تكون بمثابة فلسفة شعبية ذي لغة سلسة يمكن فهمها وتشربها؟ وكيف يُصنع الحسّ المشترك من بين التعارضات؟ وما هي المؤسسات والوسائط المعرفية المنوطة بنقل المعرفة وضمان سريانها وفعاليتها؟ ما موقعنا من إنتاج المعرفة والفنون والاقتصاد المعلوماتي التقني على المستوى الكوني؟

في حال رفض النموذج الغربي كلياً فهل لدينا مشروع بديل حقيقي وجاهز لأن يكون مرجعية ناجعة؟

أسئلة عديدة لا بدّ من طرحها بالكثافة ذاتها التي يُطرح بها سؤال التجديد الديني، ونحن نثمّن كلّ الجهود المتواصلة والحثيثة في تلك المسألة، لكنّ التجربة التاريخية يعززها الواقع، يثبتان أنّ نقد الدين وحده ليس بكافٍ، وحين نقول إنّ الدين معطى اجتماعي، وأحكامه المتصلة بالواقع المعيش والحياة اليومية هي إحدى أشكال إنتاجه التي تتغير بتغير شروطه، إذاً فلا بدّ من أن أهتم بنفس القدر وربما أكثر، بفحص الشرط الاجتماعي ونقد نظامه بشكل كلّي، كي يتغير منظوره وفق ضروراته الضاغطة، التي تستلزم إتاحة سبل التعبير الحرّ عنها، وإلا نكون قد وقعنا في فخّ التناقض؛ بل والتزييف.

اقرأ أيضاً: الإعلام والتنوير وبناء البشر
العام 1932؛ حين نُشر كتاب "فلسفة التنوير"، لإرنست كاسيرر (1874-1945)، لم يكن يهدف الدفاع عن فلاسفة التنوير وعصره، بقدر ما أراد إعادة بثّ الثقة في قدرة الإنسان على التفكر والتأمل والتحرر من الوهم والوحشية والانحيازات الضيقة للجماعة والمصلحة الذاتية والفاشية، وقد أراد بالتنوير؛ أن يصبح الإنسان حراً، "حراً بالقدر الذي يمكنه الوصول إليه"؛ أي إنّ الحرية معنى مجرّد، لكنّه يتحقق بالإرادة والإمكانات المتاحة، ويعني أيضاً، أنّ قيم الحرية والعقلانية، رغم الإقرار بصعوبة تحققها على النحو الناجز والتام، تظلّ سؤالاً مفتوح دائماً يبحث عن تمكّنه في كلّ جيل وعصر.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين
والعقل هنا ليس خزينة لأفكار ثابتة، وإنما بمثابة قوس مفتوح لا ينتهي، وطاقة هائلة من الأفكار تحتاج إلى قدر من الخيال الذي يحررها، وإن فقد الإنسان ثقته في هذه الطاقة، فقد خلاصه، وقدرته على أن يفكّك ويبني من جديد، ومن ثمّ، يجترح التنوير، بوصفه حركة أفكار مستمرة، سبيلاً إلى الحرية، لأن تتصارع وتتناقض الأفكار في تنويعاتها، وينسحب ذلك على الدين وممثليه؛ بل يجب تشجيع تعدّد الديانات والطوائف والمذاهب داخل المجتمع الواحد، وحقّ الإنسان في ممارسه تديّنه وطقوسه، لكن دون تدخّلٍ تعسّفيّ من أيّة سلطة ما.

أسئلة عديدة لا بدّ من طرحها بالكثافة ذاتها التي يُطرح بها سؤال التجديد الديني

لذا؛ فالتنوير لا يرفض الدين من حيث المبدأ، إنما يقرّ بحريته داخل المجتمع، اتساقاً مع مبدأ الحرية ذاته، كما أنّ تاريخية التنوير في نموذجه المتحقق إلى درجة كبيرة، ألا وهو النموذج الغربي، يشهد أنّ رجال الدين كان لهم دور فعّال في مساره، سواء في مرحلة النهضة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وحتى حين تخفف المجتمع من سطوة الدين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على عكس ما يتصور البعض ممن يرفعون شعار "الإقصاء هو الحلّ"، ونقصد هنا الإقصاء بمعناه الاجتماعي، لا السياسي، وأوافق عزيز العظمة فيما ذهب إليه؛ من أنّ تصوّر بعض المثقفين عن العلاقة التاريخية بين الدين والدولة في حالة التنوير الأوروبي، هي صورة متخيلة، "ينشرونها استناداً، على الأرجح، إلى قراءة في المختصرات، أو إلى بقايا ذكرى دروس التاريخ في المدارس الثانوية أو الابتدائية"، واليوم، ربما من منشورات ومقالات التواصل الاجتماعي!

اقرأ أيضاً: التنوير بين مطرقة التسطيح وسندان الهمجي النبيل
بالتالي؛ فإنّ المسألة أعقد مما تُعرض، ولن يتسنى خوضها بجدية سوى بضمان جدلية الأفكار واحتدامها وتنافسيتها في ظلّ شروطها الاجتماعية المتغيرة، التي يتحكّم فيها النظام السياسي والاقتصادي، وذلك لأنّ مجتمعاتنا العربية متعددة الطوائف الدينية، مثل سوريا ولبنان والعراق، قد يستشهد بها البعض كنموذج للتفتت والحروب الأهلية، بل والعنصرية، وليس ما يبشّر بأيّة قيمة تنويرية من تلك التعددية، فنقول: "فتّش عن السياسة ومحاصصة الامتيازات الاقتصادية".
فضلاً عن أنّ تجربة التنوير والحداثة التاريخية بالمنطقة العربية ودول الشرق الأوسط وإفريقيا، ما تزال في طور التشكيل والتبلور، حتى يمكننا أن نعدّ المدّ الثوري أحد تمثلاتها التي لم تنضج بعد، ناهيك عن أنّ التخبط والعشوائية ما بين سياسات الاستعمار والاستقلال، ثمّ قيود التبعية الاقتصادية في النظام العالمي، قد أخّرت من ذلك النضوج، وعرجت به إلى انتكاساته؛ هل يعني أن نصرخ مع الصارخين ونحمّل الاستعمار والنظام العالمي وحدهما تبعة إخفاقاتنا؟
بالطبع لا؛ لأنّ موضوعية نقد الذات بثقة تتطلب الإقرار بمشكلاتنا الذاتية، وإعادة النظر في تشكيلات القوى الاجتماعية، وولاءات المجتمع الأبوية الوصائية السارية في وجداننا ولا وعينا، حتى عند أكثر المثقفين معرفة.

اقرأ أيضاً: أولى خطوات التنوير تبدأ بهزيمة المؤسسات الناقلة للتطرف
قد يقول قائل: نحن لسنا في حاجة إلى أفكار تنويرية، ويعترض على وصفنا متأخرين ومتخلفين بالنسبة إلى القياس الغربي، لكن نطرح سؤالنا البسيط؛ هل مجتمعاتنا قوية وجميلة وحرة داخلياً ولا تعاني من ظلمات الاستبداد؟ استبداد الرأي، واستبداد التقليد والعادات بمصائرنا، والاستبداد برغباتنا وأجسادنا وأفكارنا؟ وظلمة تخلفنا الذي لا نمتلك فيه صنع الدواء ولا لقمة العيش ولا معرفة العالم؟

التنوير لا يرفض الدين من حيث المبدأ إنما يقرّ بحريته داخل المجتمع اتساقاً مع مبدأ الحرية ذاته

الإجابة تفرض علينا أن نعود ونُلحّ بضرورة تسليط الضوء على تغير الشروط الاجتماعية التي تنتج وتحرك الوعي الجمعي، في عصر تسود فيه الشعبوية والجماهير، داخل عالم رقمي مفتوح عشوائي لا يمكن حجبه حتى وإن خضع لقوى الاحتكار العالمية التي بدأت التلاعب به.
وقد تبدّلت وسائط المعرفة وتجاوزت حدود القومية والإقليمية، حتى وإن انبعثت الهويات الإثنية والثقافية، فلم تعد المعرفة رهينة نخب ثقافية تقليدية، ومنصات الأكاديميات، ورفوف المكتبات، فالعالم يتغير اليوم بفضل ثورة الاتصالات على نحو أعنف وأسرع وأشمل وبكثافة، مما غيرته آلات الطباعة والبخار والمدافع.
ولم تعد الجماهير هي الغوغاء والهمج والمبتسرون، كما في نموذج التنوير الفرنسي الذي يعتنقه البعض بتعصب، بل على العكس؛ عدالة وكلمة الحشود، بصرف النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف بشأنها، هي من تحكم وتدفع الآن، ما يتبعه من ضرورة النظر في مسألة اللغة كوسيط وكتعبير عن الواقع منطوقاً، والأخذ في الاعتبار طبيعة وانعكاسات الوسيط الرقمي في سيكولوجية ووعي المتلقي، سيما الجيل الحديث الأكثر ذكاءً والأقلّ تفكيراً!

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
يحيلنا ذلك إلى النظر في قيمة الكلمة والإنتاج الفكري أصلاً في عالم يسوده التخصصية والتقنية والضجيج، على خلاف الفلاسفة والمفكرين الذين كانوا يمتازون بالمعرفة التركيبية التراكمية، ويتميزون بسعة الأفق؛ إذ كان الفيزيائي يفكر في فلسفة الجمال والطبيعة البشرية، كما يفكر في طبيعة الكون وقوانين المادة، اليوم، أغلب خريجي الكليات العلمية التجريبية لا يأبهون بفنون، ولا جماليات، ولا فلسفة، ولا خريجو الكليات النظرية يعلمون أكثر مما يحفظونه من مقررات قد تكون أبسط من مقررات المدارس؛ إذ تحوّل التعليم بديماغوجية من حيّز القيمة إلى مجرد وسيلة هدفها الارتقاء المهني أو الشكل الاجتماعي، وعليه، فأغلب الأجيال الحديثة لا تهتم بالقيمة المعرفية، السبيل الأولي للتنور والارتقاء بالوعي، ومن ثمّ بات المجتمع يسوده أنصاف متعلمين، ذوو ثقافة هجينة.

اقرأ أيضاً: الدين والتنوير العقلاني والسياسي
لكنّ هذا التهجين أو التمفصل الذي يدمج بين محتوى تقليدي وآخر حداثي، يصبح ركيزة استقطاب إما أن تستميله القوى الرجعية، أو تدفعه القوى التقدمية إلى الأمام، يتوقف ذلك بحسب القدرة على استغلال السياق الراهن وتوظيف ما يمتلكه كلّ تيار من أدوات مادية وخطاب حماسي عاطفي، ولنضرب مثالاً؛ نحن كثيراً ما نستمع إلى جدالات حامية علنية حول الديمقراطية في الإسلام، أو مثلاً مشروعية الاستثمارات البنكية، وغيرها من المسائل التي أُثيرت مطلع القرن العشرين.

تجربة التنوير والحداثة التاريخية في منطقتنا ما تزال في طور التشكيل والتبلور

لكن، هل إذا نزلنا إلى المواطنين في الشارع، وعرضنا عليهم العمل في مصنع ما، وهذا المصنع يكفل لهم عملاً وراتباً جيداً، وبه نقابة يُنتخب أعضاؤها على النهج الديمقراطي، وكذلك ملحق به مؤسسة تعليمية وتثقيفية حداثية تماماً، فضلاً عن امتلاك عدد من الأسهم ورصيد بنكيّ يدرّ مبلغاً ما، كم ستكون نسبة الرفض؟ هل مشكلة الناس هي رفض الديمقراطية، رفض نسبة فائض الربح الاستثماري، ورفض الأفكار الجديدة في عالم حداثي معولم يحيطهم من كلّ جانب، أم أنّ الواقع المعيش قد سلبهم ما يدفعهم لأن يتمسّكوا ويدافعوا عن أفكارهم، ويرتقوا بوعيهم على نحو واضح؟
الواقع يخبرنا؛ أنّ الدين نفسه في مجتمعنا الشرقي يمرّ بمأزق تاريخي، ولم يعد بالتأثير نفسه الذي كان يتمتع به، حتى وإن بدا عكس ذلك بشكل إنكاري يدل على ضعفه لا قوته؛ لأنّه يمثّل بالنسبة إلى كثيرين ورقة توت أخيرة لا يملكون سواها، أو ركيزة أيديولوجية بالنسبة إلى السياسيين، وكي يتنور الناس ويتحفّزوا لأن يدافعوا عن أفكارهم وتغيير واقعهم، وحتى يعودوا إلى إيمانهم القلبي، فلا بدّ من أن تتغير شروط واقعهم المادي، وأن تتجاوز بعض النخب الثقافوية "المسموعة شعبياً" تحيزاتها الاختزالية الضيقة، لتمدّ سبل النقد إلى مساحات أخرى، بدلاً من تضييع الجهد والوقت في ردات انفعالية على التيار الأصولي، تدلّ على الخضوع لمنهجه لا التحرّر منه.

اقرأ أيضاً: أفكار في عقل أبكار السقاف: رحلة كاتبة تنويرية
ونختتم بقول ديفيد هيوم (1711- 1776): "ستكون بداية عبثية إذا ما اخترنا رأياً واحداً من نهر الآراء وفيضها هذا، وجعلناه أنموذجاً نمهره بخاتم الحقيقة والصلاحية"، فلنترك الأفكار تفيض وتكشف نقائصها بوضوح، لكن دور العقل أن يعرف أين ومتى وكيف يوجهها بالنقد والتشريح وصنع البدائل، وإلا انفضّ الزارعون من حول النهر يائسين وساخطين.

الصفحة الرئيسية