ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟

ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟

مشاهدة

01/08/2019

يتّسع الدرس اللغوي اليوم، ليتجاوز معيارية اللغة ونظريات الصرف والنحو (المعيارية) للغة العربية، وأصبح يشمل قضايا مرتبطة بما يعرف بالنقد الثقافي، ومن بينها بحث أثر العولمة والتكنولوجيا، وغيرهما من الظواهر المستجدة على اللغة العربية، في ظلّ مفاهيم علم اللغة الاجتماعي، التي تؤكّد أنّ اللغة هي تعبير وصورة حقيقية لماضي المجتمعات وموروثها، من عادات وتقاليد ومُثل وقيم وأديان، وارتباطها بمفاهيم الهوية والمقدس، وتمظهرها بوصفها عنوان أية أمة.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟

وتكتسب اللغة أهميتها في ميدان الاتصال؛ كونها الأداة الأساسية التي من خلالها يمكن توحيد المفاهيم، الأفكار، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، لدرجة أصحبت معها مقولة: "من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه"، كما ينظر للغة من حيث قوتها وسيادتها، كونها أحد أبرز مظاهر الاستقلال والحرية.

تشير دراسات إلى أنّ ما بين 3 إلى 4 آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين بسبب العولمة

إنّ المفاهيم السابقة تعطي مؤشراً واضحاً على واقع اللغة العربية اليوم؛ إذ بفقدانها فقد العربي استقلاله، وهو ما أدركته قوى تعاقبت على استعمار العرب في العصور الحديثة، بدءاً من الجمعية الطورانية التركية في أوائل القرن الماضي؛ التي شكّل "تتريك" العرب واستبدال اللغة العربية بالتركية، جوهر أهداف هذه الجمعية التي قامت على أساس قومي، فيما يتم النظر اليوم لاستخدام القوة الناعمة في تحويل العرب عن لغتهم الأم إلى اللغة الإنجليزية، أحد أبرز مظاهر الغزو الثقافي الغربي، وخاصة الأمريكي، وهي مقاربة، حريّ بالدارسين التوقف عندها، في ظل حقيقة أن هناك الكثير من الولايات الأمريكية (الجنوبية) تتحدث الإسبانية، فيما تتحدث كندا الإنجليزية إلى جانب الفرنسية، ودون أن ينعكس ذلك سلباً على الانتماء الثقافي لسكان أمريكا وكندا، وهو ما يدعو للتساؤل عن حقيقة كون اللغة إحدى أدوات التصدي للخارج.
وفي ظلّ ما يوصف بـ (سطوة) العولمة وعمق تأثيرها؛ فإنّ دراسات موثقة تشير إلى أنّه ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين، خاصّة في القارة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: 3 طرق لتطوير مهارات الكتابة باللغة الإنجليزية.. عليك تعلمها
من هنا، فإنّ الدراسة تنطلق من التوقف عند المفاصل الأساسية، التي تشكّل معايير حقيقية يمكن الركون إليها، في استجلاء حقيقة تأثيرات العولمة على اللغة العربية، في ظلّ سيادة رؤية أحادية تزعم أنّ اللغة العربيّة في خطر، وأنّها تخوض حرباً ضروساً بمواجهة العولمة، التي تستهدف اقتلاعها من جذورها، وبالتالي التأثير على القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدّس ليس عند العرب فقط، بل عند كلّ المسلمين.
من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه

اللغة العربية والعولمة
تهدف هذه الدراسة لاستجلاء آثار العولمة، السلبية والإيجابية، في اللغة العربية، ومدى انتشار لغة الضاد، وتقلّصها أمام اللغات التي تمثل القوى الفاعلة والرائدة في العولمة (الإنجليزية والفرنسية)، وما يوصف بأنّه حرب داخلية تُشنّ من قِبل بعض أبناء اللغة العربية على اللغة الفصحى، بالمطالبة بتقنين اللهجات المحلية في الأقطار العربية، بوصفها واقعاً معيشاً، وبديلاً عن اللغة الفصحى، والشبهات حول ارتباط بين الدعوات بالمستشرفين ودوائر غربية تستهدف الأمة العربية، وتاريخها، ولغتها.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

تكمن أهمية الدراسة في استجلاء مدى إدراك الباحثين والدارسين في العالم العربي، للجوانب الإيجابية والسلبية للعولمة على اللغة العربية، والوصول إلى خلاصات علمية، تبيّن وفق منهجية الدراسة، حقيقة الأفكار والأحكام والمواقف تجاه هذه القضية، خاصة أنّ غالبيتها تتّخذ موقفاً سلبياً من العولمة، وتنظر لتأثيرات العولمة في اللغة العربية، بأحكام مسبقة، تعكس في جوهرها أبعاداً ثقافية ونفسية تجاه الآخر المستعمر، الذي يستهدف الأمة ولفظها وتاريخها وإرثها الحضاري.

التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف لا المواجهة

تطرح الدراسات جملة من الأسئلة، بوصفها إشكاليات تواجهه اللغة، وتأمل أنّ الإجابات عليها ستشكل مفاتيح لدراسة الظاهرة، واكتشاف حقيقة هذا التأثير للعولمة على اللغة العربية:
1.  ما هو واقع اللغة العربية، مقارنة مع اللغات الأخرى؟
2.  هل هناك إيجابيات للعولمة، يمكن أن تنعكس إيجاباً على اللغة العربية، من ناحية زيادة انتشارها واستخدام التطبيقات الحاسوبية التي تشكل الأداة الرئيسية للعولمة؟
3.  هل هناك سلبيات للعولمة، تؤثّر في اللغة العربية؟ وهل هناك إمكانية للتعامل مع تلك السلبيات وتقليل آثارها ومخاطرها على اللغة؟

اقرأ أيضاً: علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

تنطلق الدراسة من فرضية أنّ العولمة، وبقوة مظاهرها وأدواتها، أثّرت سلباً في اللغة العربية، رغم أنّ هناك إيجابيات لتلك العولمة، لكن لم يُحسن العرب استخدامها، وذهبوا للتعامل مع العولمة وأداتها التكنولوجية، بما يخدم (الثوابت المقدسة)؛ بدلالة أنّ المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية، يغلب عليه طابع التطرف، وإنتاج (قواميس) جديدة تحفل بخطابات مليئة بالكراهية، ونبذ الآخر، وشيطنته، وأنّ التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف، لا المواجهة.

اعتمدت الدراسة مقاربة المدخلات والمخرجات؛ أي دراسة ما أدخلته العولمة على اللغة العربية من تأثيرات إيجابية أو سلبية، وكيف تعاملت اللغة العربية، من خلال القائمين عليها والناطقين بها مع بعض المدخلات.

العولمة أثّرت سلباً في اللغة العربية

الفصل الأول: الإطار النظري:
- مفهوم الإشكالية.
- مفهوم العولمة.
- مفهوم اللغة.

الفصل الثاني: مظاهر تأثر اللغة العربية بالعولمة.

الفصل الأول
الإطار النظري
•  الإشكالية.
• العولمة.
•  اللغة.
أولاً: الإشكالية:
الإشكالية في اللغة مشتقة من الفعل (شَكَل)، وقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: الشين والكاف واللام، معظم بابه المماثلة، تقول هذا شكل هذا؛ أي مثله، ومن ذلك أمر مشكل كما يقال أمر مشتبه؛ أي هذا شابه هذا، وهذا دخل في شكل هذا، ومن باب الشُّكلة: وهي حمرة يخالطها بياض، ويسمّى الدم "أشكل" للحمرة والبياض المختلطين منه.

من أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين الفصحى والعامية

وفي لسان العرب؛ الشكل بالفتح: الشّبه والمثل، والجمع أشكال وشكول، وخلاصة القول: في المعنى المعجمي لمادة (ش. ك. ل) معان عدة، مشتركها الالتباس والاختلاط.
أما الإشكال، فهو الالتباس، ويطلق على ما هو مشتبه، وفي الموسوعة الفرنسية؛ الإشكالية هي: سمة أو قضية قد تكون صحيحة.
والإشكالية في تبني القضية التي يمكن الإقرار بها بالإثبات أو النفي، أو أنّها تحمل النفي والإثبات معاً، وتستبطن غموضاً وتعدداً في الحلول، وهو ما يميزها عن المشكلة التي تحتمل إجابات مغلقة وحاسمة، قد تكون صحيحة أو خاطئة.
ووفق مفهوم "الإشكالية"، بوصفها القضية التي تحتمل إجابات مفتوحة، قد تحمل النفي والإثبات، ذهب الباحث إلى وصف ما تواجهه اللغة العربية في ضوء العولمة بالإشكالية استناداً لكونها قضية مفتوحة، وأن تأثيرات العولمة على اللغة العربية تؤكد أنّ هناك جوانب إيجابية، لم يتم استثمارها واستخدامها، وهناك سلبيات، يبدو أنّها الأكثر وضوحاً، وكلّ من السلبيات والإيجابيات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمواقف ومقاربات وأفكار مُصدر هذا الحكم أو ذاك، تجاه العولمة والآخر، وهواجسه من العولمة ومخاوفه على اللغة العربية بوصفها لغة مقدسة.

سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ

ثانياً: العولمة
تتعدّد تعريفات العولمة، وتخلط تلك التعريفات بين العولمة بوصفها مفهوماً، ومظاهرها وأدواتها، وتكاد تركز على الجوانب الاقتصادية، ومفهوم الشركات المعلومة، متعددة الجنسيات، بما يضفي مفهوماً قاصراً لها؛ إذ إنّها تغطي كافة مظاهر حياة المجتمعات: السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثانية؛ فهي نظام عالمي جديد تقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية والاتصالية، والإبداع التقني، دون النظر إلى الحضارات والثقافات والقيم السائدة في المجتمعات والحدود الجغرافية، "وهي كذلك" القوى التي لا يمكن السيطرة عليها من أسواق الدولة والشركات متعددة الجنسيات، التي لا سلطة لأية دولة قريبة عليها.
وذهب آخرون إلى أنّها: "عملية إخضاع العالم بأكمله لأنماط واحدة في السياسة والاقتصاد والثقافة".

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي
إنّ سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ، كون انتقال البضائع والسلع، وبمفاهيم السوق الحرّ، تشكّل أبرز عناوين العولمة وتمظهراتها، فيما يتحدث آخرون حول الشقّ السياسي للعولمة؛ كونها وصفة استعمارية جديدة تقضي على مفاهيم السيادة الوطنية للدول، من خلال ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحريات الأفراد والمجتمعات، وهو ما يعني، بحسب رأيهم، القضاء على السيادة الوطنية لصالح الولاء والانتماء لمؤسسات وأفكار عالمية فوق وطنية.

مقولة: اللغة العربية في طريقها للاندثار مثل كثير من اللغات غير دقيقة

ولكن في المقابل؛ هناك من يبشّر بفوائد العولمة، ومنهم الكاتب الأمريكي (فوكوياما)؛ الذي يرى أنّ العولمة ستقرر شعوب الأرض لتوافق تدريجي لكافة التناقضات بين الشعوب.
ويستند مؤيدو العولمة، ومعارضوها، إلى جملة من المظاهر التي تشكّل نتائج للعولمة؛ حيث يرى المؤيدون أنّها ستعمل على: تقريب الاتجاهات العالمية، وزيادة وإنعاش الاقتصاد العالمي، والإنتاج المحلي للدول، في إطار تنافسية حرة، وحلّ المشكلات الإنسانية؛ كأسلحة الدمار الشامل، والبيئة، والمناخ، وفي المقابل؛ يرى معارضوها أنّها تثبت هيمنة الاقتصاد الأمريكي، والتحكم في قرارات الدول لصالح أمريكا، وتدمر الهويات الوطنية ونسيجها الاجتماعي، وتجعل الدول النامية مكشوفة، من خلال تعزيز الصراعات الإثنية بين شعوبها، وتساعد في انتشار الفوضى والجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة.
ومن الواضح أنّ وجهتَي النظر تستبطنان ما يؤيدها وما يرفضها؛ فعلى سبيل المثال: إنّ اقتصاديات الصين والهند والبرازيل المتصاعدة، والمتفوقة، أو المنافسة بقوة لاقتصاديات أمريكيا وأوروبا، تجعل مقاربة أنّ العولمة ما هي إلا سيطرة أمريكية على العالم موضع شكّ، فيما تحوّلت بعض الدول إلى طريق الديمقراطية، بدلاً من الحكم الدكتاتوري الشمولي، كما في ليبيا والعراق، رغم أنّ ديمقراطية هذه الدول ما تزال في مرحلة تحولات عميقة، وقد جهد مفكرون في التمييز بين العولمة والعالمية؛ حيث يقول محمد عابد الجابري: إنّ "العالمية تفتح العالم على الثقافات الأخرى والاحتفاظ بالاختلاف الثقافي والخلاف الأيديولوجي، أما العولمة؛ فهي نفي للآخر، وإحلال للافتراق الثقافي".

ثالثاً: اللغة
يختلف مفهوم اللغة باختلاف نظرة معرفيها وتصورهم لوظائفها؛ فهي عند ابن جنى: "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"، وهذا التعريف يؤكد الطبيعة الصوتية للغة، ووظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر. أما تراجر، فتعرفها: بأنّها "نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية متعارف عليها، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم".
ويعرفها تشومسكي، صاحب نظرية النحو التوليدي، بقوله: "اللغة مجموعة من الجمل المحددة، أو غير المحددة، يمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر".
وترتبط اللغة بالعديد من الوظائف، أبرزها: (النفعية، التنظيمية، التفاعلية، الاستكشافية، التخيلية، البيانية، والشعائرية).

اقرأ أيضاً: اللغة وكيفية الإفادة من الحُزم الرّمزية
وبموازاة ذلك؛ ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالمفهوم التواصلي؛ حيث إنّها بنية تعتمد على عدد من المراحل، كما وصفها "جاكبسون"، هي: مرحلة تكوين الرسالة، وإطلاقها من خلال أصوات، وتلقّي تلك الأصوات في المرحلة الثانية من قبل المتلقي، ومن ثم القيام بعمليات تحليل الرموز التي تضمنتها تلك الأصوات بوصفها شيفرات، تحليلاً صرفياً ونحوياً ودلالياً.
من هنا، فإنّ أهمية التعاطي مع المفهوم التواصلي للغة العربية، كون اللغة تحمل رسالة، تحظى بأهمية أكبر في هذه المرحلة، خاصة أنّ اللغات العالمية تطورت بهذا الاتجاه، ما مكّنها من الوصول إلى أوسع القطاعات؛ بمن فيهم غير الناطقين بها أصلاً، مقابل جمود اللغة العربية وتوقفها عند المعنى المعجمي، الذي يمتدّ عمره لأكثر من ألف عام مضى؛ لذا فإنّ التساؤلات حول قدرة اللغة على حمل تلك الرسالة، في ضوء تغول لغات أخرى عليها، بما في ذلك السؤال فيما إذا كان القصور من اللغة ذاتها، أو من القائمين عليها، يبدو مقبولاً اليوم، رغم عدم القدرة على الوصول إلى إجابات شافية.

كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة

الفصل الثاني
مظاهر تأثّر اللغة العربية بالعولمة

لا تواجه اللغة العربية وحدها التفاعل والتحديات للتعامل مع العولمة؛ حيث إنّ كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة، تعكس مدى تفهم الناطقين بأيّة لغة، والعلاقة بين أية لغة والعولمة، يحدّدها مستقبل تلك اللغة وتطويرها، واحتمالات بقائها أو تراجعها أو اندثارها، والذي يعكس بالضرورة احتمالات بقاء أو تراجع أو اندثار الناطقين بها، وامتلاك القوة الذاتية والقدرات التقنية والعلمية، تشكّل أدوات مهمة في المواجهة المفترضة بين الأقوى والأضعف، من هنا؛ فإنّ تطوير اللغة العربية وجعلها لغة عصرية أصبح ضرورة مرتبطة بمستقبل الناطقين بها.

اقرأ أيضاً: اللغة الصينية في السعودية
وبعيداً عن الأحكام المسبقة؛ فإنّ للعولمة إيجابيات على اللغة العربية، في إطار العولمة الثقافية التي تهدف إلى الانتقال بالأفكار والثقافة من المحلية إلى العالمية، على أساس الحرية في انتقال الأفكار والقيم والاتجاهات والقيم، رغم أنّ هذه اللغة لم ترتقِ إلى أن تكون لغة عالميّة، لكنّ اللغة العربية استفادت من التقنيات التكنولوجية والوسائل السمعية والبصرية الاتصالية، وتحديداً في تعليم اللغة العربية، كما أسهم انتشار الفضائيات، بما فيها الأجنبية الناطقة باللغة العربية في نشرها، بما تبثّه من برامج ثقافية واجتماعية ومسلسلات مدبلجة، وأصبحت اللغة العربية مطلباً للشعوب والأمم الأخرى، خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001؛ إذ تزايد الإقبال على تعلّم اللغة والثقافة العربية، وازدادت أعداد المعاهد والأكاديميات التي تدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها.

تشير توقعات مستشرقين إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء الإنجليزية والإسبانية والصينية والعربية

ومع ذلك؛ فإنّ تلك الإيجابيات ستبقى مرهونة بظروف محددة تضمن الابتعاد عن التطرف والتعصب، وتنمية الفكر بروح عصرية، يتم خلالها التحرر من الرواسب والأنساق المغلقة، وانفتاح المدارس والجامعات ودور العلم على الآخر، وهو ما يؤشّر إلى صعوبة المهمة؛ كونها مرتبطة بجهات عديدة، رسميّة وشعبية.
أما سلبيات العولمة على اللغة العربية؛ ففي ظلّ سطوة العولمة وجبروتها، بدأت تدخل الكثير من الألفاظ الإنجليزية إلى العربية، ويتم التعامل مها باعتبارها عربية (كنتاكي، ماكدونالدز، ببايز، فاستافود، سوبر ماركت، تلفون، إنترنت، إستراتيجية، أكاديمية، كمبيوتر، تاكسي، ماسج، موبايل، فورمات، ...إلخ)، وشيوع استخدام التقويم الميلادي، حتّى أنّ المركبات والوثائق والصحف والفضائيات جميعها تستخدم الإنجليزية والفرنسية، ويتعدى الأمر ذلك لاستخدام الشباب العربي لغة خاصة أثناء استخدام الإنترنت (عربيزي)، ورغم أنّ كثيرين يربطون استخدام الشباب العربي للغة جديدة بنوازع التمرد الاجتماعي عند هذه الفئة، غير أنّ أحداً لا يقرّ بالمقاربة التي تقول إنّ اللغة العربية، وفي ظلّ حالة "الجمود" وعدم القدرة على تطويرها، بما يجعلها مقبولة، وتزويدها بأسباب القوة لمجاراة العصر، فإنّ الشباب العربي ذهب للبديل الأسهل والذي توفره التكنولوجيا.
كما أنّ الكتابة باللغة العربية من خلال الإنترنت تواجه تحديات في ظلّ عقبات متعددة ومتنوعة، منها: تعدّد صيغ الحرف العربي والكتابة العربية وعلامات الترقيم، كما أنّ ارتباط الكلمات في اللغة العربية بالجذور الثلاثية يُصعّب إدخالها في برامج الكمبيوتر؛ حيث إنّ اللغات الأخرى تعتمد صيغة الفعل أو الاسم المجرور.

اقرأ أيضاً: اللغة الإنجليزية في خطر.. هذا هو السبب
ولعلّ أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية، تكمن في طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية ومفاهيم الازدواجية والثنائية في اللغة، وفيما إذا كانت الفصحى عاجزة عن إيصال الأفكار والمعاني للجمهور، وإذا ما كانت الفصحى معقدة وصعبة لدرجة ألّا يستطيع الجمهور فهمها؟ إضافة إلى تساؤلات أخرى مرتبطة بالعلاقة بين اللغة والهوية، وأنّه مع ما يوصف بضياع اللغة العربية؛ فإنّ الهوية الجامعة للأمة معرضة هي الأخرى للضياع.

إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر

النتائج
إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر، خاصة أنّها مرتبطة بالعولمة، كما أوضحنا، تلك العولمة التي يواجه مُطلقها المفترض، وهو أمريكا وأوروبا، ذات التحديات التي تواجهها الدول الأخرى؛ إذ يبدو أنّ مقولة: "العولمة (حصان) لم يعد صاحبه قادراً على أن يضبطه بعد فكّ لجامه"، تخطئ بشيء من الموضوعية.

اقرأ أيضاً: اللغة بين نمطين من التفكير.. هل "العربية" استثناء؟
ويبدو أنّ هناك مصداقية في فرضية البحث المتضمنة أنّ آثار العولمة السلبية في اللغة العربية أكبر من آثارها الإيجابية، لأسباب أبرزها: أنّ الناطقين بهذه اللغة، من عرب ومسلمين، هم في آخر سُلّم الأمم في المعرفة والقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أما الإيجابيات؛ فرغم استثمار الأداة التكنولوجية والإنترنت، إلا أنّ ذلك أسهم في شيوع اللهجات العامة، خاصة في البرامج الإعلامية، من مسلسلات وغيرها، غير أنّ الأخطر فيها هو شيوع العامية في برامج الأطفال.
ومع ذلك؛ فإنّ مقولة: "اللغة العربية في طريقها للاندثار، مثل كثير من اللغات"، هي مقولة غير دقيقة، خاصة أنّ تلك اللغة ما تزال هي اللغة الرسمية للدول والحكومات العربية، كما أنّها لغة الدين وخطباء وروّاد المساجد، هذا إضافة إلى توقعات تصدُر عن مستشرقين تشير إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء (الإنجليزية، الإسبانية، الصينية، والعربية).

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد
إنّ الاعتراف بحقيقة أنّ اللغة بمعياريتها ومعجميتها التي بنيت قبل ألف عام، غير قادرة على الاستجابة لتطورات العصر، تعدّ ضرورة قومية للبدء بالبحث عن حلول فاعلة وقابلة للتطبيق، للحفاظ على اللغة، وإعادة فحص المزاعم حول علاقة اللغة بالمقدس، وإنّ تحديث اللغة العربية لا يعني  استهداف القرآن الكريم، ولعلّ التساؤل المطروح: كيف يمكن فهم القرآن الكريم بالنسبة إلى متلقٍّ لم يعد يفهم هذه اللغة؟ كما أنّ إصرار مجامع اللغة العربية في الدول العربية على الالتزام باللغة العربية الفصحى، وعدم القدرة على توفير بدائل تستجيب لمنطق العصر، مدعاة لإعادة النظر بالقائمين على تلك المجامع، وإنتاج مناهج وطرق جديدة للخروج بحلول توافقية تضمن الاحتفاظ بالمعنى، والتوقف عن اتخاذ موقف معادٍ ورافض للهجات العامية.


المصادر والمراجع:
1.  أبو زعرور، محمد سعيد بن سهو، 1998، العولمة، ط 1، دار البارق، الأردن.
2.  جابري، محمد عابد، 1997، قضايا في الفكر المعاصر، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3.  حديثي، مؤيد عبد الجبار، 2002، العولمة الإعلامية، ط 1، الأهلية للنشر، عمان – الأردن.
4.  حسين، عدنان السيد، 1998، نظرية العلاقات الدولية، منشورات الجامعة اللبنانية.
5.  الجناوي، مصطفى محمد، واقع لغة الإعلام المعاصر، دار أسامة للنشر، عمان – الأردن، 2011.
6.  خطيب، أحمد شفيق، المواصفات المصطلحية وتطبيقاتها على اللغة العربية، المنظمة العربية للثقافة والفنون، الجامعة العربية، تونس.
7.  عايد، حسن عبد الله، 2004، أثر العولمة في الثقافة العربية، ط 1، دار النهضة، بيروت.
8.  فريحة، أنيس، في اللغة العربية وبعض مشكلاتها، ط 1، دار النهار، بيروت.
9. مجاهد، أسامة أحمد، اللغة والهوية والتفاعل الثقافي، منشورات جامعة القاهرة.
10. ناهدة محمد محمود، اللغة العربية والتحديات، كتاب المؤتمر الدولي الثاني "اللغة العربية في قطر"، دبي، 2013.
11. مرتاض عبد الجليل، اللغة والتواصل، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر.

الصفحة الرئيسية