ما الذي يدفع مسيحيي غزة إلى هجرة أراضيهم؟

غزة

ما الذي يدفع مسيحيي غزة إلى هجرة أراضيهم؟

مشاهدة

30/12/2018

يعود تاريخ وجود المسيحيين في قطاع غزة إلى بدايات اضطهاد الدولة الرومانية لأتباع الدين الجديد؛ حيث كانت من المناطق التي قصدوها قبل تحوّل الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية واعتمادها ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية في بداية القرن الرابع الميلادي.

ورغم هذا الوجود التاريخي الأصيل للمسيحيين في هذه المنطقة، إلا أنّ أعدادهم أخذت بالتناقص تدريجياً خاصة منذ العام 2006، بعد أن تواطأت عليهم الظروف الداخلية الجديدة، والخارجية التي يتشاركون معاناتها مع أبناء شعبهم من اعتداءات وتضييقات الاحتلال الإسرائيلي التي لا تتوقف.

أزمات متلاحقة

ينقسم مسيحيو قطاع غزة اليوم إلى ثلاثة أقسام؛ فهناك مسيحيون من سكان غزة الأصليين، كانوا يسكنونها منذ القدم، وآخرون هاجروا قسراً إليها من ديارهم إبان النكبة الفلسطينية العام 1948، أما القسم الثالث فهم الذين كانوا بالخارج، وجاؤوا العام 1994 مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وأقاموا فيها ومايزالون حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: مسيحيو الشرق: 2000 عام من المحبة والتسامح وتقاسم القداسة

سبريون الترك (22 عاماً)، مسيحيّ يعيش في قطاع غزة منذ ولادته، لكنّه غادر القطاع قبل عامين، برفقة عائلته، متجهاً إلى مدينة رام الله بالضفة الغربية، للعيش هناك بحثاً عن حياة أفضل، كما يقول.

ويضيف في حديثه مع "حفريات": "منذ العام 2006 ونحن نعاني الأمرّين؛ فلم نحصل على فرصة عمل نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تحياها غزة؛ بفعل الحصار الإسرائيلي، والانقسام بين حركتي فتح وحماس، فضلاً عن الحروب الإسرائيلية الثلاثة التي استهدفت الحجر والبشر، ولم يسلم منها أحد".

من احتفالات عيد الميلاد في غزة

ويتابع الترك: "مع بداية كلّ عام كنا نتوقع أن تتحسن الظروف، وأن نعيش بكرامة، لكن دون جدوى، فنفاجأ بأزمات جديدة تكون أشد من سابقتها مثل: زيادة معدلات البطالة، وعدم وجود فرص عمل، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، لذلك قررنا البحث عن مكان ينبض بالحياة بعيداً عن هذا الواقع"، مستدركاً أنّ إقامتهم بالضفة الغربية لم تكن دائمة، وهناك احتمالية عودة عائلته إلى القطاع في حال تحسنت الظروف وعادت الحياة إلى ما قبل العام 2006.

أحلام الرحيل

أما المواطن المسيحي أبو جورج (46 عاماً)، الذي فضّل عدم الإفصاح عن اسمه بالكامل؛ فهو يحلم بأن يغادر قطاع غزة ويتوجه إلى دولة أوروبية، للعيش بعيداً عن ظروف غزة التي وصفها بـ "غير المناسبة للعيش".

الترك: مع بداية كلّ عام نتوقع أن تتحسن الظروف وأن نعيش بكرامة لكن دون جدوى!

ويقول في حديثه لـ"حفريات": "منذ العام 2006 ونحن نواجه صعوبات كبيرة؛ فأوضاعنا لم تعد كالسابق، وهناك بعض المضايقات من قبل حكومة حماس، إضافة إلى صعوبة التنقل للضفة الغربية في أعياد الميلاد، بفعل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال، فنحن لم ننعم بالحرية والراحة بالقطاع؛ لذلك الهجرة هي أسمى أمانينا".

ويكمل حديثه: "نحن أصحاب أرض وقضية، وبقاؤنا في غزة واجب علينا للدفاع عن قضيتنا، لكنّنا لم نعد نتحمل أكثر من ذلك، وحاولنا تقبل هذا الواقع، لكن دون جدوى، فحال غزة لن يتغير وسيزداد سوءاً، في حال عدم تطبيق المصالحة الفلسطينية، وهذا سبب آخر يجعلني أفكر بالهجرة إلى إحدى الدول الأوروبية، بحثاً عن الحرية والحياة الكريمة".

اقرأ أيضاً: بالصور: مسلمون ومسيحيون يتحدون الإرهاب بترانيم تخشع لها القلوب

ويبيّن أبو جورج أنّ فكرة الهجرة كانت مرفوضة لديه، وأن كثيراً من أصدقائه وأقاربه من الديانة المسيحية هاجروا قبل عدة أعوام، وهو أراد أن يبقى في قطاع غزة، لكن عندما أخبروه عن الفرق بين الحياة في غزة والحياة خارج حدودها، أعاد النظر بذلك وعزم على الهجرة، كما يقول.

مؤشرات خطيرة

من جهته، يتفق مسؤول العلاقات العامة في كنيسة الروم الأرثوذكس بغزة، كامل عياد أنّ "الأوضاع الاقتصادية التي يشهدها قطاع غزة، والحصار الإسرائيلي، والانقسام الفلسطيني، من الأسباب التي دفعت المسيحيين في قطاع غزة للتفكير بالهجرة، فالأوضاع لم تكن مناسبة للعيش، لذلك أرادوا البحث عن حياة أفضل".

 

 

ويحذر عياد في حديثه لـ"حفريات" من أنّ هجرة المسيحيين بشكل مستمر من قطاع غزة، وتوجههم للعيش في الدول الأوروبية والضفة الغربية، "يعدّ مؤشراً خطيراً، ويؤثر في الوجود المسيحي في القطاع، فالأعداد تناقصت كثيراً وأعداد المواليد المسيحيين انخفضت بشكل كبير، ولم تعد كالسابق بفعل الهجرة، وهذا يعني عدم وجود أجيال جديدة من المسيحيين في غزة".

اقرأ أيضاً: مسلمون ومسيحيون في رمضان على مائدة مشتركة

ويتابع "ربما من الأسباب التي دفعت المسيحيين إلى مغادرة قطاع غزة؛ اقتصار الأعياد على الشعائر الدينية في الكنيسة فقط، وعدم الاحتفال بالأماكن العامة والمتنزهات، كما كان يتم بالسابق، في عهد السلطة الفلسطينية قبل الانقسام الفلسطيني، فكانت الاحتفالات تعمّ كافة أرجاء القطاع، ويتم إشعال شجرة الميلاد والتجول بالشوارع باحتفالات كبيرة، لكنّ الوضع الآن تغير".

رغم الوجود التاريخي الأصيل للمسيحيين في غزة إلا أنّ أعدادهم أخذت بالتناقص تدريجياً خاصة منذ العام 2006

ويوضح عياد أنّهم ضدّ هجرة المسيحيين من قطاع غزة وتوجههم للعيش في مدن الضفة الغربية والدول الأوروبية؛ لافتاً إلى أنّهم في الكنيسة حاولوا إقناع الكثير من الشباب والعائلات بعدم الهجرة والبقاء في القطاع، لكنّهم نادراً ما كانوا يوفقون في هذا المسعى؛ لأنّ ذلك يعدّ في النهاية حرية شخصية، لا يمكن فرض تغييرها، على حد تعبيره.

ويشير عياد إلى أنه يمكن التغلب على هجرة المسيحيين في "حال إتمام المصالحة الفلسطينية وعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وخلق فرص عمل، وتغيير الوضع الاقتصادي للأفضل، وتثبيت الشباب في وطنهم، وتوفير الظروف الحياتية التي يبحثون عنها بالخارج، وإقناع المواطن المسيحي بثقافته الوطنية التي اهتزت كثيراً."

وفد ديني مسيحي في غزة

من جهته، يؤكد الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، الدكتور حنا عيسى؛ أنّ الوجود المسيحي في فلسطين حالياً يشكل 5% فقط من إجمالي سكان الأراضي الفلسطينية (قطاع غزة، مدينة القدس، الضفة الغربية)؛ وذلك بفعل هجرة المسيحيين، بينما تبلغ النسبة الأصلية 20% من إجمالي الفلسطينيين؛ داخل فلسطين، وخارجها، وفي أماكن اللجوء.

اقرأ أيضاً: رمضان في بيت لحم عندما يمتزج دم المسيحي بالمسلم

وأكد لـ "حفريات" أنّ "الاحتلال الإسرائيلي ساهم مساهمة مباشرة في هجرة المسيحيين من قطاع غزة، من خلال منعه إصدار تصاريح كاملة للمسيحيين في غزة، لإحياء أعياد الميلاد في مدينة بيت لحم، فيتم إصدار تصاريح للأب دون الأم، وفي بعض الأحيان للأم والأب دون الأبناء، الأمر الذي جعلهم يشعرون بالتقيد؛ لذلك فكروا بالهجرة".

ويضيف "توجُّه المسيحيين الفلسطينيين للهجرة والعيش خارج حدود الوطن، ساهم في انخفاض أعدادهم، فلم يبقَ في قطاع غزة سوى 733 مسيحياً من أصل 3500 كانوا يعيشون في السابق، و37 ألف مسيحي يعيشون في الضفة الغربية، بجانب أقل من 5000 ألف مسيحي في مدينة القدس، وهذا بدوره يهدّد الوجود المسيحي في الأراضي الفلسطينية".

حنا عيسى: يشكل الوجود المسيحي في فلسطين 5% من إجمالي سكان فلسطين

ويستدرك "من واجب المؤسسات الرسمية والأهلية الفلسطينية منع هجرة المسيحيين وترسيخ بقائهم، وإيجاد الوسائل الفاعلة، والتطلع إلى هجرة معاكسة ومواجهة الأوضاع الاقتصادية الخانقة بدعم اقتصادي جاد، الأمر الذي يزيد الثقة عند الذين يرون في الهجرة ممرّ أمان".

وينتقد عيسى الكنائس في قطاع غزة وفلسطين عموماً "لتركيز اهتمامها على الطقوس الدينية وإقامة الصلوات والشعائر"، مطالباً إياها بتحمل مسؤولياتها في هذه الظروف الصعبة؛ بالاهتمام أكثر بجوهر مشاكل المسيحيين الحياتية، ومحاولة معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى الهجرة.

الصفحة الرئيسية