انتشار زراعة الماريجوانا سراً في المنازل بالضفة الغربية

انتشار زراعة الماريجوانا سراً في المنازل بالضفة الغربية
25306
عدد القراءات

2018-11-07

في داخل منزله ببلدة جماعين إلى الجنوب الغربي من مدينة نابلس، اصطحبنا المواطن "يونس. ب" 45 عاماً
إلى مستنبت قام بإنشائه في أحد أطراف حديقة منزله، والذي احتوى بداخله على أكثر من 300 نبتة ماريجوانا تقدر قيمتها بعشرات آلاف الدولارات، إضافة إلى معدات متطورة للعناية بالشتلات ومتابعتها، في محاولة منه للالتفاف على العادات والتقاليد الفلسطينية المحافظة، وليكون في مأمنٍ عن ملاحقة الأجهزة الأمنية له، بعد أن تجرّأ الكثيرون على زراعة الماريجوانا نظراً للعوائد المالية الباهظة التي تحققها.

صرح يونس بأنه منذ ثلاثة أعوام وهو يقوم بزراعة الماريجوانا داخل منزله

انتشار زراعة الماريجوانا في المنازل

ويبين يونس لـ "حفريات" أنه "بعد إغلاق منافذ التهريب على الحدود اللبنانية والأردنية والمصرية، انتشرت زراعة الماريجوانا في بعض منازل المواطنين بالضفة الغربية وفي داخل الأراضي الزراعية البعيدة عن مراكز المدن، مقابل حصول مزارعيها على مبالغ مالية، للعناية فقط بهذه الشتلات والمحافظة عليها، لحين نضوجها وتصبح جاهزة لمرحلة الاتّجار بها بداخل السوقين الفلسطيني والإسرائيلي".

عندما تتراوح أطوال الشتلة ما بين 60 إلى 200سم يتم قطفها ويبلغ ثمن كيلو الماريجوانا أكثر من 4 آلاف دولار

وصرح بأنه "منذ ثلاثة أعوام وهو يقوم بزراعة الماريجوانا داخل منزله، من خلال تزويده ببذور الشتلات من قبل أحد تجار المخدرات الإسرائيليين ويدعى "إيلي" والذي يقيم في مستوطنة "يتسهار" جنوبي نابلس، مقابل حصوله على مبلغ 150 ألف شيكل، ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة يعمد تجار المخدرات الإسرائيليون إلى استغلال وإغراء بعض المواطنين بالضفة الغربية ودفعهم لزراعة الماريجوانا في منازلهم وأراضيهم الزراعية، مقابل حصولهم على مبالغ نقدية كبيرة".

اقرأ أيضاً: "محبة بابلو" : كيف تصنع المخدرات ملهماً لا يرحم؟

ويقر يونس بأنّ "زراعة الماريجوانا ليست بحاجة لجهد وأيدي عاملة كبيرة، ولكن تتطلب العناية والمتابعة الدورية للشتلات في بداية نموها، حيث يتم استخدام الأحواض البلاستيكية لزراعة البذور على مدار العام، ومن ثم يجري نقلها وزراعتها بداخل الدفيئات الزراعية، ولا ترتبط زراعتها بأوقات محددة، وعندما تتراوح أطوال الشتلة ما بين 60- 200سم، يتم قطفها وتجهيزها لعملية التجفيف اليدوي بتعريضها لأشعة الشمس، قبل أن يتم تصنيعها وخلطها ببعض المواد الكيميائية، حيث يبلغ ثمن الكيلو جرام الواحد من الماريجوانا المصنعة أكثر من 4 آلاف و500 دولار أمريكي".

اقرأ أيضاً: لماذا يتعاطى الجنود الإسرائيليون المخدرات؟

ويشرح "بعد أن تجف أوراق الماريجوانا جيداً، يتم طحنها وسحقها في ماكينات خاصة لتصبح خليطاً متجانساً على هيئة بودرة خشنة الملمس ويميل لونها بين البني والأخضر، ويتم تعاطيها من خلال تدخينها مع السجائر، أو وضعها على بعض أنواع من الأطعمة والحلويات، وفي بعض الأحيان يتم مضغها عن طريق الفم مباشرة من قبل المتعاطي ليشعر بتأثير المادة المخدرة عليه بعد ساعتين إلى ثلاثة ساعات تقريباً من تعاطيها".

عصابات المخدرات الإسرائيليين يتوجهون للقرى الفلسطينية الواقعة في المناطق التي تصنف (ج)

خاصرة رخوة

ويلجأ تجار المخدرات الإسرائيليون لزراعة الماريجوانا بالضفة الغربية، "نظراً لأنّ القانون الإسرائيلي يمنع زراعتها داخل الأراضي الإسرائيلية ويعاقب مرتكبي هذه الجريمة، وبالتالي يدفع هذا الأمر بعصابات المخدرات الإسرائيليين للتوجه للقرى والبلدات الفلسطينية الواقعة في المناطق التي تصنف (ج) كونها تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، ولا يسمح لرجال الأمن الفلسطينيين بدخولها إلا بعد الحصول على تنسيق مسبق مع قوات الاحتلال، وبذلك تشكل تلك المناطق خاصرة رخوة لانتشار زراعة المخدرات ومن بينها الماريجوانا، كما أنها تعتبر بيئة آمنة لتنقل وتحرك تجار المخدرات دون ملاحقة أجهزة الأمن الفلسطينية لهم".

اقرأ أيضاً: هكذا تُغيث أموال المخدرات بنوك العالم!

ورغم أنّ هذه المهنة تدرّ على يونس دخلاً جيداً، إلا أنه يعترف بأنّ من يتعاطاها من الشباب والمراهقين يعتقد أنها تمكّنه من الهروب من الواقع والظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة، "نظراً للأعراض النفسية والذهنية السريعة التي تحدثها، فهي تشعر المتعاطي بالنشاط والخفة، وتمكنه من النوم لفترات طويلة، وعدم القدرة على الانتباه والتركيز، إضافة لإحساسه ببعض الهلوسات والاضطرابات البصرية والسمعية، والتي تجعله لا يعلم بما يقوم به من تصرفات وأفعال".

الماريجوانا تعدّ من أخطر المواد المخدرة في العالم

استغلال الفلسطينيين لزراعة الماريجوانا
مدير مركز حماية لمكافحة المخدرات منذر صافي يقول لـ "حفريات" إنّ "ظاهرة زراعة الماريجوانا في الضفة الغربية والقدس المحتلة في تزايد مستمر، ويتم استغلال المناطق الفلسطينية القريبة من المستوطنات الاسرائيلية لزراعة الماريجوانا، حيث أصبحت المستوطنات الاسرائيلية مرتعاً وبيئة خصبة لعصابات ومافيا تجارة المخدرات في إسرائيل، وذلك في ظل انعدام الرقابة الأمنية عليهم، وليتمكن هؤلاء التجار من الإيقاع ببعض العمال الفلسطينيين الذين يعملون في بعض المصانع والمنشآت الصناعية بهذه المستوطنات، من خلال إغرائهم بزراعة الماريجوانا سراً في منازلهم أو بين المحاصيل الزراعية".

اقرأ أيضاً: حزب الله يبسط سيطرته على البقاع عبر المخدرات واسترضاء القبائل

ويؤكد أن الماريجوانا تعدّ من أخطر المواد المخدرة في العالم، "لاحتوائها على مادة تتراهيدرو كانابينويد بنسب متفاوتة، وهي التي تدفع بالمتعاطي ليكون عدوانياً في تعامله مع الآخرين، وقيامه بالسرقة وارتكاب الجرائم المختلفة، ومن بينها الجرائم الجنسية، إضافة لمعاناته الدائمة من الإحباط، وغالباً ما يتم الإدمان تدريجياً بتناول المتعاطي سيجارة واحدة من الماريجوانا، ثم يتدحرج لتدخين عدة سجائر، إلى أن يصل إلى مرحلة الإدمان، وخاصة بين الشباب والمراهقين".

هجمة ممنهجة من قبل إسرائيل لزراعة الماريجوانا  بمناطق في الضفة الغربية

أضرار صحية بالغة

وعن المضار الصحية لتناول الماريجوانا يبين صافي "كون الماريجوانا لا يتم تناولها إلا من خلال تدخينها واستنشاقها، فإنّ أضرارها تنتشر بسرعة بين المتعاطين لها، فهي تزيد من فرص الإصابة بسرطان الرئة، وارتفاع حاد في الدورة الدموية وضغط الدم، وضيق في التنفس، وإتلاف في بعض خلايا الدماغ، وفي بعض الأحيان يتسبب إدمان الماريجوانا لحدوث أعراض أخرى تظهر على بعض المدمنين كاصفرار الجلد وشحوب الوجه وسقوط الشعر".

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين المخدرات والإرهاب العابر للحدود؟

ويشير صافي إلى أنّ القانون الفلسطيني استمر لسنوات بمعاقبة مروجي ومتعاطي المواد المخدرة وفق القانون الأردني الصادر عام 1960، والذي وصفه بأنه "لا يرتقي إلى المستوي المطلوب في ردع مروجي هذه الآفة، إلى أن صادق رئيس السلطة الفلسطينية في 19 أيار (مايو) 2015 على مشروع القانون الفلسطيني بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، والذي نص على تشديد عقوبة مروجي ومنتجي المواد المخدرة لتصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة".

الشرطة الفلسطينية لا تألو جهداً في محاربة وملاحقة تجار المخدرات بالأراضي الفلسطينية

هجمة اسرائيلية شرسة
ويرى لؤي ازريقات الناطق الرسمي باسم الشرطة الفلسطينية بأنّ ثمة هجمة ممنهجة من قبل جهات اسرائيلية لزراعة الماريجوانا بشكل ملحوظ بمناطق مختلفة بالضفة الغربية، "وعلى الرغم من الانتشار الواسع لزراعة هذه الآفة، إلا أنه لا يمكن اعتبار زراعة الماريجوانا في فلسطين جريمة منظمة".

حوالي 26500 شخص يتعاطون المخدرات في فلسطين، بينهم 16453 في الضفة يتعاطون بشكل رئيسي الحشيش والماريجوانا الصناعية

ويبين ازريقات لـ "حفريات" بأنه بعد مداهمات عدة لمستنبتات الماريجوانا بالضفة الغربية "قامت الشرطة الفلسطينية منذ بداية العام الجاري بضبط 40 مشتلاً للماريجوانا ضم ما يقارب من 24 ألف نبتة، حيث تركزت هذه المشاتل في القرى والمناطق النائية والمنازل الواقعة في المنطقة (ج) والتي تفتقر للمتابعة الأمنية الفلسطينية لخضوعها تحت السيطرة الإسرائيلية والقريبة من التجمعات الاستيطانية، لسهولة تحرك عصابات ترويج الماريجوانا في هذه المناطق بحرية دون رقابة".

ويشير إلى أن "الشرطة الفلسطينية لا تألو جهداً في محاربة وملاحقة تجار المخدرات بالأراضي الفلسطينية من خلال القيام بعمليات المداهمة لأوكارهم، بالإضافة لقيامها بإصدار النشرات التوعوية وتقديم العديد من المحاضرات التثقيفية لطلبة المدارس والجامعات والمشاركة بالبرامج الإذاعية لتوعية المواطنين بمخاطر المخدرات بشكل عام، وبضرورة مساعدة الأجهزة الأمنية بالإبلاغ عن المشتبه بهم بالإتجار والترويج للمواد المخدرة للتعامل معهم وفق القانون" .

اقرأ أيضاً: مخدرات "داعش" في قبضة السلطات الإيطالية

وبحسب إحصائية صادرة عن المعهد الوطني للصحة العامة، بالتعاون مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية في فلسطين، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والوكالة الكورية للتعاون الدولي، فإنّ حوالي (26500) شخص يتعاطون المخدرات في فلسطين، بينهم (16453) في الضفة يتعاطون بشكل رئيسي الحشيش والماريجوانا الصناعية، و(10047) في غزة يتعاطون بشكل رئيسي الترامادول والليريكا، وأنّ هناك (1118) شخصاً من أصل (26500) يتعاطون المخدرات بالحقن، (61%) منهم من شمال الضفة الغربية و(20%) منهم من وسط الضفة الغربية بدأوا بالتعاطي تحت سن الـ (18) سنة.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال والمخدرات مصادر تمويل حزب الله في فنزويلا

وتشير الإحصائية أيضاً إلى أنّ أكثر من 50% من متعاطي المخدرات في فلسطين يستخدمون أكثر من نوع واحد من المخدرات، علماً بأنّ أكثر الأنواع تعاطياً هي الحشيش والماريجوانا الصناعية والترامادول والليريكا.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حماس في السلطة: أين وصل مسار الجمع بين المقاومة والحكم؟

2020-05-23

بين الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأولى عام 1996 والثانية عام 2006، حصل التحوّل في موقف حركة حماس من المقاطعة إلى المشاركة، ليبدأ تحدي الجمع بين الخيارات المتناقضة، فهل استطاعت الحركة إدارة التناقض؟ وهل غيرت السلطة من مفهوم وشكل وغاية المقاومة؟

اعتبرت حماس أنّ قرار المشاركة في السلطة جاء كضرورة للمحافظة على سلاح المقاومة، ورفضت لذلك شروط الرباعيّة الدوليّة

جاءت انطلاقة حركة حماس مع اندلاع أحداث الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى عام 1987، والتي تزامنت أحداثها مع دخول المنطقة في تحوّلات ما بعد حرب الخليج، ومع إعلان منظمة التحرير قيام "الدولة" الفلسطينيّة من الجزائر عام 1988، ثم دخولها مسار التفاوض من أجل تحقيق السّلام مع الجانب الإسرائيلي استناداً للقرارات الدوليّة وفي مقدمتها القرار "242" القاضي بانسحاب "إسرائيل" إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967. بدأت المفاوضات في مدريد عام 1991، وتُوّجت بتوقيع اتفاقيّة أوسلو عام 1993، وكان موقف حركة حماس آنذاك هو رفض الاتفاقيّة والانضمام لتحالف "الفصائل العشرة" المعارضة لها.
اعتبرت حماس الاتفاق باطلاً ووصفته بـ "الخيانة الكبرى"؛ كونه اعترف بـ "إسرائيل"، ومنحها 78% من أرض فلسطين، وذلك توافقاً مع ما جاء في ميثاق الحركة الصادر عام 1988 والذي نصّت المادة 11 منه على: "حُرمة التفريط بأيّ جزء من فلسطين التي هي وقف لأجيال المسلمين بعامّة، وليست ملكاً لجيل من الأجيال يحقّ له التصرّف فيها". وبناءً عليه، رفضت الحركة ما بُني على الاتفاق من اتفاقيات واستحقاقات لاحقة، بما في ذلك رفضها المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 1996.

اقرأ أيضاً: صحفيو غزة يثورون ضدّ حماس
بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية وقرار حركة فتح الانخراط بالعمل المسلح فيها، واقتحام الجيش الإسرائيلي المناطق (أ) من الضفة الغربية في عملية السور الواقي عام 2002، رأت حماس ذلك بمثابة النهاية الفعليّة لاتفاق أوسلو، ومع الاتفاق على إعلان القاهرة عام 2005 وما تضمنه من موافقة على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينيّة "وفق أسس يتم التراضي عليها"، رأت فيه حماس تأسيساً لأرضية جديدة تتجاوز اتفاق أوسلو.

رفضت حركة حماس اتفاقية أوسلو واعتبرتها خيانة كبرى

قرار المشاركة.. التناقض والضرورة
وفي هذا السياق الجديد، جاء استحقاق الانتخابات التشريعيّة عام 2006، وجاء معها قرار الحركة بالمشاركة، والذي كان بمثابة انقلاب ونقطة تحوّل عن المسار الذي اتخذته منذ معارضتها اتفاق أوسلو. وهنا، بدت بوادر التناقض؛ حيث إنّ السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وأجهزتها مرتبطة بالضرورة بالإقرار باتفاق أوسلو المنبثقة عنه، والاقرار تباعاً بما تضمنه من تعهدات أمنيّة تتعارض مع الاستمرار بالعمل المقاوم المسلح، الذي لم تكن حماس مستعدة لإعلان التخلي عنه.

اقرأ أيضاً: "حماس" والعدوان التركي
اعتبرت حماس أنّ قرارها في المشاركة جاء كضرورة للمحافظة على سلاح المقاومة ولتعزيز حصانتها واكتسابها الصفة الشرعيّة. وفي حوار له مع صحيفة "السبيل" الأردنيّة عام 2010 يجيب خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة، آنذاك، عن سؤال المشاركة فيوضّح بأن "برنامج القيادة الجديدة (والمقصود محمود عباس) كان يبعث على القلق الشديد إزاء مستقبل المقاومة؛ فأنت إن أسلمت لها مقاليد السلطة والقرار السياسي، فإنك تساعدها في السيطرة على كل مفاصل الحياة اليومية للشعب والتحكم في خياراته ومساراته النضاليّة، وتمكّنها من الهيمنة على القرار الفلسطيني، وتصبح أنت محاصراً ومحشوراً في الزاوية. هذا المتغير كان بالغ الخطورة، وفرض على المقاومة أن تعيد النظر في تعاملها مع السلطة وموضوع المشاركة فيها".
تشكيل الحكومة.. ورفض شروط الرباعيّة
شاركت حماس في الانتخابات وفازت بالأغلبية (76 مقعداً من 132)، وشكّلت الحكومة برئاسة إسماعيل هنيّة، وبعد أن باتت جزءاً من السلطة، بدأت الحركة بالإعراب عن إمكانيّة القبول  بدولة فلسطينيّة على حدود 1967، مشترطة إن تكون دولة ذات سيادة، وذلك كحلّ عاجل ومؤقت، دون التخلي عن كامل التراب الفلسطيني.

منذ نهاية حرب 2014 بدأت مساعي حماس تتجه نحو تثبيت هدنة طويلة مع تحصيل مطالب بتحسين ظروف القطاع

وفور إعلان حماس تشكيلها الحكومة الفلسطينيّة، اشترطت اللجنة الرباعيّة الدوليّة، المكلّفة برعاية تنفيذ "خارطة الطريق"، والمتكونة من كل من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة، ثلاثة شروط لقبول الحكومة، وهي: نبذ العنف (المقاومة المسلّحة)، والاعتراف بحق "إسرائيل" بالوجود، والقبول بالاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينيّة في السابق.
رفضت حماس الشروط باعتبارها تخلياً عمليّاً عن نهج "المقاومة"، وعن سبب التمسك بهذا النهج، يجب مشعل (في الحوار ذاته) بأنّ حماس تنظر للمقاومة (المسلحّة) باعتبارها وسيلة لتحقيق مكتسبات في المفاوضات، وأنّه بدونها يكون الموقف للجانب الفلسطينيّ غاية في الضعف أمام الجانب الإسرائيلي الممتلك صاحب الأرجحيّة في ميزان القوّة، تماماً كما هو موقف محمود عباس ومعاونيه، القائم على التمسّك بخيار السلام  دون الاحتفاظ بأيّ أوراق ضغط.

شكّل إسماعيل هنيّة الحكومة بعد فوز حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي

منعطف الانقسام
مع رفض الحركة الشروط جاء قرار الدول المانحة (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكيّة) بالامتناع عن تقديم المساعدات للحكومة الفلسطينيّة بقيادة حماس، والتي تقدّر بحوالي مليار دولار بالسنة، كما امتنعت "إسرائيل" عن تقديم حصيلة الضرائب والجمارك التي تحصّلها على البضائع الفلسطينيّة عند المعابر التي تسيطر عليها، والتي كانت قيمتها في حينه تقدر بحوالي (55) مليون دولار في الشهر.
وكانت النتيجة أن فقدت حماس أهم مصادر التمويل، ما جعلها عاجزة عن دفع مرتّبات الموظفين، وهو ما استغلّته حركة "فتح" عبر دفع موظفيها للتحرك للمطالبة برواتبهم المتأخرة، وهنا بدأ الصراع بين الحركتين يأخذ منحى جديداً.

اقرأ أيضاً: تدوير المناصب الحكومية في غزة.. حماس تعزز الانقسام

واستمر التصعيد مع قرار عباس تشكيل قوّات خاصةّ جديدة بقيادة من حركة فتح ودون موافقة حركة حماس، وتطوّرت الخلافات إلى مناوشات وحالة انفلات أمني في قطاع غزة، تطوّرت إلى اقتتال فلسطيني - فلسطيني مسلح، بلغت ذروته في حزيران (يونيو) عام 2007، إلى أن تمكّنت كوادر حماس من السيطرة عسكرياً على القطاع بشكل تام.
قابل عباس ذلك بالإعلان عن إقالة حكومة إسماعيل هنيّة، وتكليف سلام فيّاض بتشكيل حكومة طوارئ، وهو ما رفضته حركة حماس واعتبرته انقلاباً ضد "الشرعيّة"، وليبدأ بذلك مسار الانقسام والانفصال بين الضفة والقطاع.

بعد الانقسام أصبحت السلطة الفلسطينية سلطتين.. واحدة في الضفة والأخرى في غزة

ثلاثة حروب.. ومسعى للهدنة
تبع ذلك تشديد الحصار على قطاع غزة، وهو ما دفع بحماس لتطوير وسائل مثل حفر الأنفاق، كما تمكّن الجناح العسكري لحركة حماس (كتائب عزّ الدين القسّام) في تلك الفترة من إدخال تطويرات على الصواريخ محليّة الصنع، وجعلها قادرة على ضرب أهداف في عمق "إسرائيل". وفي هذا السياق، ومع انتهاء هدنة الستة أشهر الموقعّة في حزيران (يونيو) عام 2008، نفّذت "إسرائيل" غارات جويّة على قطاع غزة في يوم 27 كانون الأول (ديسمبر) من ذلك العام، ردّت عليها حركتا حماس والجهاد الإسلامي بإطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على أهداف في غلاف قطاع غزة وجنوب "إسرائيل"، واستمرّت الحرب حتى 18 كانون الثاني (يناير) من عام 2009.

اقرأ أيضاً: "حماس" و"حزب الله" والجوامع المشتركة
وتكرر مشهد الحرب على غزّة عام 2012، بعد اغتيال أحمد الجعبري، قائد كتائب القسّام، بغارة جويّة إسرائيليّة. وجاءت الحرب الثالثة على القطاع عام 2014، بهدف وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، التي أطلقتها حماس بعد حملة اعتقالات واسعة شنّتها "إسرائيل" ضد المنتسبين لها في الضفّة، في ظل التوتر المتصاعد فيها آنذاك بعد اختطاف وقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير على يد مجموعة مستوطنين في تموز (يوليو) من ذلك العام. واستخدمت حماس في حرب 2014 صواريخ جديدة وصلت إلى حيفا وتل أبيب، وانتهت الحرب بالتوصل، بعد خمسين يوماً، إلى اتفاق تهدئة برعاية مصريّة. ومنذ ذلك الحين بدأت مساعي حماس تتجه نحو تثبيت هدنة طويلة المدى مع تحقيق أكبر قدر من المكاسب التي تحسّن من الأوضاع المعيشيّة في قطاع غزة وتؤدي إلى التخفيف من  الحصار وانهائه.
وثيقة معدّلة
وفي عام 2017 أصدرت حركة حماس وثيقتها المعدّلة، لتتماشى مع المرحلة الجديدة، والتي تضمنت النصّ على قبول حركة حماس بـ "المرحليّة" والقبول بإقامة دولة على حدود الـ 67، لكن دون الإقرار بالتنازل عن سائر أرض فلسطين، ودون الإقرار كذلك بالاعتراف بدولة "إسرائيل"، فجاء في الوثيقة: "لا تنازلَ عن أيّ جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال. وترفض حماس أي بديلٍ عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، من نهرها إلى بحرها. ومع ذلك - وبما لا يعني إطلاقاً الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا التنازل عن أيٍّ من الحقوق الفلسطينية - فإنّ حماس تعتبر أنّ إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة".
مسيرات العودة.. وتصعيد منضبط
وفي عام 2018 رعت حركة حماس إطلاق "مسيرات العودة" بمناسبة حلول الذكرى السبعين للنكبة، والتي هدفت إلى تحويل الضغوطات واحتمالات الانفجار الداخليّة إلى الخارج، والاستفادة منها بالضغط على "إسرائيل" مع عرض وقف المسيرات مقابل ترتيبات وحلول جزئيّة تتضمن تحسين الأوضاع المعيشيّة لسكان القطاع في إطار مساعي كسر الحصار.

اقرأ أيضاً: حماس في الخطوط الأمامية دفاعاً عن إيران
وفي هذا الإطار أيضاً، أبقت حماس على خيار التصعيد العسكري المنضبط، بحيث لا تدفع الأمور نحو مواجهة عسكريّة شاملة، كما حصل في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2018، بعد ردّها على العملية الإسرائيليّة السريّة في خان يونس، وكذلك في أيار (مايو) وآب (أغسطس) من العام 2019.

حافلة جنود إسرائيليّة محترقة.. بعد استهدافها بصاروخ كورنيت ذاتي التوجيه

واليوم، تتركز مساعي الحركة نحو إرساء هدنة طويلة الأمد مع تحصيل مطالب تتعلق أساساً بتحسين ظروف القطاع، مع التطلع إلى تحقيق مصالح على المستوى الأبعد، من اتفاقيات تبادل الأسرى، إلى بدء عملية الإعمار في القطاع، وصولاً حتى إنشاء ميناء بحريّ، وإعادة بناء مطار ياسر عرفات. ومن جهتها، تبدي "إسرائيل" حرصاً على عدم انهيار حكم الحركة في القطاع، في ظلّ عدم وجود بديل عن سلطتها قادر على ضبط الأوضاع والمحافظة على اتفاق الهدنة الموقعّ عام 2014.

للمشاركة:

الأزمات السياسية تحاصر الغنوشي.. هل خسر كل أوراقه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

يواجه زعيم حركة النهضة الإخوانية، راشد الغنوشي، موجة معارضة عاتية من داخل حزبه ومن خارجه، بسبب ممارساته وطموحاته الحزبية التي تعكس تفرّده في القرار داخلياً، وانسياقه خلف تحالفات دولية يمكن أن تسبب الضرر الكبير للدولة.  

ففي الداخل، خرج من رحم حزب الحركة الإخوانية التونسية، كيان سياسي جديد يقوده عدد من القيادات تحت اسم مجموعة "الوحدة والتجديد"، وفق ما ذكرت شبكة "روسيا اليوم".

مجموعة "الوحدة والتجديد" تطالب الغنوشي بالتنحي عن رئاسة حركة النهضة قبل نهاية العام الجاري

وتضم المجموعة، حسب بيان منسوب إليها، وفق ما أوردت وسائل إعلامية محلية ودولية كثيرة، عدداً من القيادات البارزة في النهضة، وهم : رئيس مجلس شورى الحركة عبدالكريم الهاروني، ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية بالحركة، رفيق عبدالسلام، ومسؤول المكتب السياسي نور الدين العرباوى، ومسؤول مكتب الانتخابات محسن النويشى.

ودعا الموقّعون إلى ضرورة عقد المؤتمر في آجاله القانونية، على ألّا يتجاوز ذلك نهاية العام 2020، والحرص على ضمان التداول القيادي في حركة النهضة بما يسمح بتجديد نخبها وذلك وفق مقتضيات نظامها الأساسي والأعراف الديمقراطية وسلطة المؤسسات في إطار تجديد عميق للحركة استجابة لمتطلّبات الواقع واحتياجات البلاد، في وقت يدفع فيه رئيس الحركة راشد الغنوشي باتجاه تأجيل المؤتمر الذي سينظر في خلافته على رأس الحزب، بدعوى أنّ الظرف الحسّاس الذي تمر به البلاد لا يسمح بانتقاله، وتداول أنباء عن وجود نية لدى الغنوشي للبقاء على رأس حزب النهضة لولاية أخرى، رغم معارضة القوانين الداخلية للحزب، التي تنهي عهدته في شهر أيار (مايو) الجاري.

اقرأ أيضاً: صندوق الزكاة واجهة دينية للتغطية على حيل "النهضة" لبناء دولة موازية

وجاء في البيان، أنّ الفكرة انطلقت بسبب تراكم بعض السلبيات والأخطاء خلال الأعوام الأخيرة، وتحديداً منذ المؤتمر العاشر للحزب في عام 2016، كما طرحت المجموعة خريطة طريق تدعو إلى عقد المؤتمر العام قبل نهاية العام الجاري.

ونص البيان على أنّه لم يعد خافياً أنّ حركة النهضة تعيش على واقع خلاف داخلي ذي طبيعة تنظيمية، أنتجت مناخاً سلبياً ساهم في إرباك الحزب وإهدار الطاقات والجهود، وممّا زاد في تعقيد الوضع أنّ تفاقم الخلافات الداخلية تجاوز الإضرار بصورة الحركة وتماسكها إلى التأثير أحياناً في خياراتها السياسية الكبرى.

وشددت المجموعة على أهمية تداول المناصب وتواصل الأجيال، ودعت الغنوشى إلى تأمين تداول قيادي ناجح.

وأكدت "الوحدة والتجديد" أنّ قضايا حركة النهضة أعمق من مجرد اختزالها في الانتقال القيادي، مشددة على ضرورة استبعاد زعيمها من أي دور مستقبلي داخل الحركة.

أما من خارج الحزب، فقد أعلن مكتب البرلمان التونسي، أمس، أنّه سيعقد جلسة عامة في الثالث من حزيران (يونيو) المقبل، بهدف "مساءلة" رئيسه راشد الغنوشي، حول مواقفه السياسية "المشبوهة" في الملف الليبي، حسبما أورد موقع "ميديل ايست أون لاين".

ويأتي قرار البرلمان على خلفية تعالي الأصوات المطالبة بمحاسبة الغنوشي بشأن تحركاته السياسية واتصالاته الخارجية فيما يتعلق بليبيا، بما لا يتماشى مع الدبلوماسية التونسية التي ترفض التدخلات الخارجية بما فيها الصراع في ليبيا.

وفي هذا الإطار، قالت عضو مكتب البرلمان النائبة عن الحزب الحر الدستوري سميرة السايحي في تصريحات إعلامية، إنّ "قرار عقد الجلسة جاء على خلفية تقديم كتلة الحزب الدستوري الحر (16 مقعداً من 217)، لائحة تهدف إلى رفض البرلمان للتدخل الخارجي في ليبيا".

وأضافت السايحي أنّ اللائحة "تأتي على ضوء اعتصام نفذته كتلة الدستوري الحر داخل البرلمان، إثر رفضه لطلب تقدمت به الأسبوع الماضي، ويهدف إلى مساءلة الغنوشي حول اتصالاته الخارجية والتدخل في شؤون دول أخرى".

اقرأ أيضاً: حساسية المرحلة ترجئ المواجهة بين سعيد والنهضة

وأوضحت أنّ "الكتلة أعادت تقديم طلبها للبرلمان، وتم قبول لائحتها".

ولفتت إلى أنّ أربع كتل نيابية ساندت اللائحة وهي كتل؛ "تحيا تونس" (14 مقعداً) و"قلب تونس" (29 مقعداً) و "الإصلاح" (16 مقعداً) و "المستقبل" (8 مقاعد).

وفي ظل هذه المستجدات يكون البرلمان التونسي قد استجاب لكل مطالب الحزب الدستوري الحر، والذي رفض الأربعاء الماضي تعليق الاعتصام رغم استجابة المكتب لـ6 من مطالبه؛ أي كلها باستثناء مساءلة الغنوشي .

مكتب البرلمان التونسي يعلن أنه سيعقد جلسة عامة لمساءلة الغنوشي حول مواقفه الدولية

وكان الغنوشي أقدم، مؤخراً، خلال اتصال هاتفي بما وصفته المعارضة بـ "تصرف صادم"، بتهنئته رئيس حكومة الوفاق الليبي فايز السراج باستعادة قاعدة الوطية، من الجيش الليبي الذي أكد أن انسحابه من القاعدة جاء "تكتيكياً ومدروساً".

وتصاعدت الانتقادات في تونس عقب تهنئة الغنوشي، واستنكرت ذلك أحزاب المعارضة في تونس في بيان مشترك صدر الأربعاء الماضي.

وقالت الأحزاب السبعة (التيار الشعبي وحزب العمال وحركة تونس إلى الأمام والحزب الاشتراكي والحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي وحزب القطب وحركة البعث) في البيان الذي نقلته "العربية"، إنّ التهنئة "تجاوز لمؤسّسات الدولة وتوريط لها في النزاع الليبي إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها".

ودعا البيان الرئيس التونسي قيس سعيد إلى التدخل والرد على التهم التي تتهم تونس بـ"تقديم دعم لوجستي لتركيا في عدوانها على ليبيا"، كما طالبت المنظمات الوطنية لاتخاذ موقف حازم من الغنوشي وجماعته الذين "يحاولون الزج بتونس في النزاع الليبي وتوريطها مع التدخل التركي في ليبيا وهو ما يشكل خطراً كبيراً على تونس والمنطقة".

كما انتقدت الأحزاب الاتصالات "المشبوهة" للغنوشي في الخارج، مشيرة إلى أنّه يقدم مصلحة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين على مصالح الشعب ما يعتبر تهديداً للأمن القومي التونسي.

هذا وطالبت عريضة إلكترونية أطلقها، مؤخراً، ناشط تونسي تطالب بالتدقيق في ثروة الغنوشي وتشكيل ﻟﺠﻨﺔ مستقلة للكشف عن مصدر أمواله الطائلة.

كما طالبت العريضة التي لاقت رواجاً كبيراً، بالتدقيق القانوني في ثروة الغنوشي، وغيرها من الثروات "المشبوهة"، وبتشكيل لجنة مستقلة تضم أكبر نقابة عمالية في البلاد (الاتحاد العام التونسي للشغل)، ونقابة أرباب العمل، ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة التونسية لمكافحة الفساد، والبنك المركزي وغيرها.

للمشاركة:

كيف غير الحوثيون ثوبهم الطائفي في سبيل السلطة؟

2020-05-23

طوال قرون سابقة تعايش الزيدية والشافعية، المذهبان الرئيسيان في اليمن، بسلام، إلا أنّ تحوُّل بدر الدين الحوثي من الفكر الزيديّ المعتدل إلى الجارودية أخلّ بهذه المعادلة، وأدى إلى تصاعد الفتنة الطائفية وظهور جماعة الحوثي، التي أوصلت البلاد إلى وضع غير مسبوق في تاريخها.
لقد فرّ الحوثيون من الطائفة الزيدية إلى الجارودية ومنها إلى الاثني عشرية، والبداية حين أقام علماء الزيدية نقاشات واسعة، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي، حول شرط النسب الهاشميّ للإمامة وأنّه صار غير مقبول اليوم، وأنّ هذا كان لظروف تاريخية، والشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن أو الحسين، إلا أنّ بدر الدين الحوثي اعترض بشدَّة؛ بل إنّه أصدر كتاباً بعنوان "الزيدية في اليمن"، شرح فيه أفكار الجارودية، وأوجه التقارب بينها وبين الاثني عشرية؛ ثم اضطر إلى الهجرة إلى طهران، واصطحب معه ابنه حسين، الذي سيؤسس جماعة الحوثي فيما بعد في منطقة صعدة والمناطق المحيطة العام 1997، بعد أن انشق عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية.

تحوُّل بدر الدين الحوثي من الفكر الزيدي المعتدل إلى الجارودية أدى إلى تصاعد الفتنة الطائفية باليمن

ووفق ما كتبه، الأمين العام السابق لمنتدى الشباب المؤمن، محمد يحيى سالم عزان، في كتابه "الخلافات الجلية للحوثي مع مذهب الزيدية"، فإنّ هذه الفرقة تُنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني الأعمى الكوفي (المتوفى العام 150هـ)، الذي كان يرى أنّ الصحابة، رضي الله عنهم، أخطأوا بتركهم بيعة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لمخالفتهم النص الوارد عليه، كما يرى أنّ تعيين الإمام لا يكون إلا من الله تعالى، ليس بالتسمية ولكن بأوصاف لا تتوفر إلا فيه، وعلى الأمة أن تبحث عمن تتوافر فيه تلك الأوصاف وتتخذه ولي أمر مطاعاً في شؤون الدين والدنيا.

اقرأ أيضاً: ماذا تفعل ميليشيات الحوثي في تبرعات شهر رمضان؟

المذهب الزيدي الذي يُطلَق عليه "شيعة السنّة وسنّة الشيعة"، الإمامة لديهم ليست بالنص، وهي ليست وراثية بل تقوم على البيعة؛ بل ويجيز وجود أكثر من إمام في وقت واحد في قطرين مختلفين، ويقر خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، إلا أنّ الجارودية مختلفة نوعاً ما، وتتشابه مع الاثني عشرية في زكاة الخمس، وجواز التقية، وتفضيل الأحاديث الواردة عن آل البيت على غيرها، لذا فقد ناصرت إيران الحوثيين عقدياً، وكان لا يمكن استيعاب أنّ جماعة قليلة في إحدى المحافظات اليمنية الصغيرة يمكن أن تصمد هذه الفترة الطويلة دون مساعدة خارجية مستمرة، وعند تحليل الوضع كانت طهران هي التي تستفيد من ازدياد قوة التمرد الحوثي، فهي دولة اثنا عشرية تجتهد بكل وسيلة لنشر مذهبها.
بدر الدين الحوثي

التحول إلى إيران
لقد وجد حسين الحوثي فكرة "ولاية الفقيه"، التي أتى بها الخميني حلّاً مناسباً للصعود إلى الحكم حتى لو لم يكن من نسل السيدة فاطمة، رضي الله عنها، وهو ما ليس موجوداً في الفكر الزيدي، كما أنّ حياته في طهران مكّنته من طلب العون السياسي والاقتصادي والعسكري، وهذا ما يحصل منذ العام 2004 وحتى الآن، حين تحول تنظيم الشباب المؤمن، الذي أسسه الحوثي، إلى مرحلة التنظيم المسلح العلني، ومنذ شهر حزيران (يونيو) من العام 2004، تحوّل التنظيم، إلى ميليشيات عسكرية ذات بعد أيديولوجي.

اقرأ أيضاً: اتهامات للحوثيين إثر تفاقم الأمراض النفسية بمناطق سيطرتهم
ومنذ تصاعد نفوذ جماعة الحوثيين في اليمن العام 2011، بدأت تنتشر على نحو محدود داخل قاعات مغلقة مظاهر الندب واللطم وطقوس وعادات شيعية كتلك التي يمارسها أتباع المذهب الاثني عشري (الجعفري) في إيران والعراق.

وجد حسين الحوثي في فكرة "ولاية الفقيه" التي أتى بها الخميني حلّاً مناسباً للصعود إلى الحكم

وكثيراً ما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد تسجيلية مصورة لشباب وأطفال يمارسون تلك الطقوس المذهبية غير المألوفة في اليمن.
وعلى مدى السنوات السابقة تصاعدت مظاهر احتفاء جماعة الحوثيين على نحو لافت بالمناسبات الدينية التي تحتفل بها الطائفة الشيعية الاثني عشرية، مثل؛ عيد الغدير الذي تسميه الجماعة يوم (الولاية) (18 ذي الحجة)، ويوم عاشوراء (10 محرم)، الذي يصادف يوم مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، في كربلاء، ومناسبة مولد النبي عليه السلام (12 ربيع الأول)، والذي أعلنته الجماعة يوم إجازة رسمية.

اقرأ أيضاً: الحوثيون وطهران: كيف أصبح اليمن مجالاً لحركة النشاط الثوري الإيراني؟
يقول أحمد محمد الدَّغشي، مؤلف كتاب "الحوثيون الظاهرة والتكوين"، إنّ الحوثيين طلبوا قبل ذلك وساطة المرجع الشيعي العراقي آية الله السيستاني، لتأكيد مذهبيَّة التمرد، هذا إضافة إلى أنّ الحكومة اليمنية آنذاك أعلنت عن مصادرتها لأسلحة كثيرة خاصة بالحوثيين، وهي إيرانية الصنع.
وقد دأبت الحكومة اليمنية على الحديث عن مساعدة إيران للحوثيين، وأنكرت الثانية المساعدة، وهي لعبة سياسية مفهومة، خاصة في ضوء عقيدة "التقية" الاثني عشرية.
حسين الحوثي

سياسات طائفية
يقول الصحافي المختص بالشؤون الإيرانية علي رجب، في حديثه لـ"حفريات": "إنّ الحركة الحوثية الجارودية أصبحت قريبة جداً من الطائفة الاثني عشرية، ودأبت على نشر الفكر الإمامي بين أتباعها من جهة، وبين أوساط أهل السنّة من جهة أخرى، عبر عدة وسائل، منها: توزيع كتابات حسين الحوثي وغيره، التي تزخر بالتشيع وتمجيد الخميني على الطلاب والشباب، وإقامة ما يسمى بالشعائر الحسينية وطقوس عاشوراء واحتفالات يوم الغدير وغيرها، وبث اللطميات الشيعية، التي تعتبر غريبة عن الوسط اليمني الزيدي والسني، وإقامة دورات تعريفية ودعوية بالتشيع للشباب والشابات، ورفع وتعليق صور الخميني وخامنئي وحسن نصر الله وبشار الأسد، وشعارات التبجيل والتعظيم للتشيع في شوارع صنعاء وغيرها".

منذ تصاعد نفوذ الحوثيين بدأت تنتشر داخل قاعات مغلقة مظاهر الندب واللطم وطقوس وعادات شيعية

كما يؤكد الكاتب أسامة شحادة، في مقال صحافي، أنّ الحوثيين استعملوا المال في تشييع البعض، خاصة مع تفشي حالة الفقر والبطالة، واشتروا ولاء الوجهاء وشيوخ القبائل والأكاديميين من المنتفعين والمرتزقة، ليكونوا جسراً لنشر التشيع في المناطق السنّية.
ولم يكتفِ الحوثيون بذلك، وفق شحادة، بل استهدفوا المساجد ودور القرآن الكريم، وكان تدميرها سياسة وإستراتيجية ثابتة، ومن أوائل المساجد والمراكز التي دُمرت، مسجد ومركز دمّاج العام 2014، الذي أسسه الشيخ السلفي مقبل الوادعي.
وبحسب إحصائيات رابطة علماء اليمن قام الحوثيون بتفجير 29 مسجداً، دُمّرت بالكامل، فيما تعرض 24 مسجداً لأضرار بليغة جداً، وتهدمت أجزاء كبيرة من مبانيها، نتيجة استهدافها بالتفجير أو القصف بالدبابات والصواريخ، وبذات الأسلوب فجر الحوثيون 16 داراً للقرآن الكريم ومركزاً دينياً لعلوم الحديث، وذلك في العام 2017 وحده، وقاموا بتحويل أكثر من 300 مسجد في اليمن إلى ثكنات عسكرية ومستودعات للأسلحة، كما صرح بذلك وزير الأوقاف اليمني أحمد عطية.

 

ووفق شبكة "الراصد" المختصة في شؤون التشيع، فإنّ الانقلاب الحوثي لم يتوانَ عن إغلاق جميع مكاتب الصحف الحزبية والأهلية والمستقلة المخالِفة له في الرأي، بل أقدمت المليشيات التابعة له على نهب مكاتبها واعتقال محرريها والعاملين فيها، ومن هذه الصحف: الأهالي، أخبار اليوم، صحيفة المصدر، الصحوة، مأرب برس، الميثاق، كما هاجموا مقرات القنوات الفضائية التي لا تتماشى معهم مثل قنوات؛ سهيل ويمن شباب والرشد واليسر وآزال.

 

علي رجب: الحركة الحوثية الجارودية دأبت على نشر الفكر الإمامي بين أتباعها بل وبين أوساط أهل السنّة

ونقل "الراصد" عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي اليمني تبديل الحوثيين المناهج لتتوافق مع أيديولوجيتهم الطائفية، ومن أمثلة ذلك إبدال اسم عمر باسم محمود حتى لو كان في دروس اللغة العربية، كما تم حذف اسم صلاح الدين الأيوبي، وتم إضافة صورة لزعيم الحوثيين حسين الحوثي في كتب مدرسية، كما شكّلوا لجاناً لتفتيش مكتبات المدارس ومصادرة كتب العقيدة الإسلامية التي تتعارض مع عقيدتهم الجارودية، وإجبار الطلاب في المدارس على ترديد الصرخة الحوثية، كما حدث في مدرسة النصر في بني أسعد التابعة لمدينة المحويت.
وفي تقرير نقلته صحيفة "الوطن" المصرية، فإنّ الحوثيين قدموا منحاً دراسية للطلاب في إيران والعراق من أجل تشييعهم، وعودتهم بعقيدة طائفة الاثني عشرية.

اقرأ أيضاً: مطالب بتدخل أممي بعد حجز الحوثيين لأدوية خاصة بمرضى السرطان
في هذا السياق، يقول الكاتب المختص في الشأن الإيراني، محمد شعت، في حديثه لـ"حفريات": "إنّ إيران تحتل اليمن، عن طريق نشر عقيدة "الاثني عشرية"، وهي تستغل الشعارات الدينية والسياسية في حشد الجماهير، وذلك عقب صلوات الجمعة، تحت شعار "آل البيت" ونصرتهم".
إنّ التدخل الخارجي الإيراني على نحو غير مسبوق باليمن، أصبح مظلة لبعض المتحوّلين إلى طهران، وأدى إلى أنّ الحركة التي أسسها حسين الحوثي، أو من هو على خطّه الفكري بعد رحيله، فرّت الآن من الزيدية، وتسير باليمن على نحو مسبوق إلى الاثني عشرية، مما ينبئ بعواقب أكثر سوداوية على مستقبل بلد لطالما تعايش أهله بعيداً عن التجاذبات الطائفية الوافدة على ثقافته المجتمعية.

للمشاركة:



"حفريات" تهنئ في العيد وتستأنف مسيرة النّور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ.. فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ".

لو كان المتنبي بيننا، لما وجدَ خيراً من هذا الشّعر ليعبّر عن مأساة الإنسان الذي اعتقله "كورونا" وجعله رهين محابس كثيرة أولها الخوف.

لا يأتي عيد الفطر هذا العام بأمر فيه تجديد؛ فالوباء يضرب هنا وهناك، وليس على البشر إلا أن يتعايشوا مع عواصفه، ويتنظروا بشائر أمل قد تلوح بعد عام، وتحمل معها أنباء اللقاح المنتظر، فتنهض البشرية من ذعرها وتستأنف الحياة.

الأحبة في العيد بينهم البيداء والحَجْر الصحي ومواعيد الإقفال التي تفرضها الحكومات التي حبست شعوبها في أقفاص، فتطلقهم في موعد وتحشرهم في آخر، وهم راضون مسلّمون.

"حفريات" في هذه القنطرة التي تفصل زمنين من الخوف والرجاء لا تملك إلا أن تستدرج الخير، وتأمل أن يكون القادم أجمل. وهي تعاهد قرّاءها على استئناف المسيرة في الحفر المعرفيّ من أجل طمر الكراهية والتطرف والفساد، وإحياء النّور "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

للمشاركة:
الوسوم:

خطوة تركية جديدة في ليبيا.. وواشنطن: لا للحل العسكري

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

نشرت مواقع متخصصة في رصد حركة الطائرات حول العالم تحركات غير اعتيادية لطائرات نقل عسكرية تركية إلى جانب عدد من الطائرات الحربية التركية، وقالت هذه المراصد، وفق وسائل إعلام، إنّ الطائرات تحركت في أجواء شرق البحر المتوسط وقرب السواحل الليبية، مؤكدة وصول طائرات نقل عسكرية كبيرة، أمس، إلى مطار مصراته قرب طرابلس.

وصول مقاتلات حربية تركية وطائرات نقل عسكرية كبيرة إلى ليبيا لمساندة ميليشيات الوفاق

وفي مقال له في صحيفة "خبر تورك" كتب الصحفي الكردي تشيتينار تشيتين، أمس: "في القريب يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية الجوية مقراً لها، هذا الأمر ممكن في إطار الاتفاقيات الموقع عليها بين تركيا وحكومة الوفاق".

وفي السياق شدد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على معارضة الولايات المتحدة للتصعيد العسكري الأخير واستمرار تدفق الأسلحة التركية إلى ليبيا.

وقال بيان لوزارة الخارجية الأمريكية إنّ بومبيو أكد في اتصال مع رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فايز السراج، أنّه "لا حل عسكرياً للأزمة الليبية" وأنّ "الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي والالتزام بنتائج مؤتمر برلين"، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية.

اقرأ أيضاً: الغرياني يتحدث عن دور تركيا وقطر في ليبيا.. ماذا قال؟

وعبر وزير الخارجية الأمريكي عن "استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة والذخائر إلى ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التدخلات التركية المتنامية في ليبيا.

تشيتين: يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية مقراً لها

وكان رئيس حكومة الوفاق، المدعومة من الميليشيات الإخوانية، سمحت لتركيا عبر اتفاقية أمنية وعسكرية وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بتركيز قواعد عسكرية والتدخل في البلاد لمواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقال تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية الشهر الماضي إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا ما لا يقل عن 100 ضابط عسكري، كما أرسلت سفناً محملة بأسلحة ودفاعات جوية إضافة إلى نحو ألفي مرتزق.

كما أعطى البيان، الصادر عن البيت الأبيض قبل يومين بشأن الأوضاع المستجدة في ليبيا، إشارات واضحة برفض التدخل التركي المتنامي في البلد الغارق بالفوضى.

وقال البيت الأبيض إنّ الرئيس دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ناقشا بواعث القلق حول "التدخل الأجنبي المتزايد" في ليبيا و"اتفقا على الحاجة الماسة لوقف التصعيد".

بومبيو يعبر عن استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة التركية والذخائر إلى ليبيا

وعكس بيان البيت الأبيض دعوة صريحة إلى ضرورة وضع حد للتدخل التركي في الشأن الليبي، الذي أغرق البلاد بالمرتزقة الذين جلبهم للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق.

هذا وكان المؤتمر الدولي الذي عقد بألمانيا في كانون الثاني (يناير) الماضي دعا إلى وقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات، لكن تزايد التدخلات التركية ومواصلة أنقرة إرسال المرتزقة إلى البلاد وشن هجمات على مراكز للجيش تسبب في فشل الجهود الدولية مما دفع نحو تصاعد للعمليات العسكرية.

للمشاركة:

تقرير: إيران متورطة بأنشطة إرهابية في 40 دولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

تطرقت وزارة الخارجية الأمريکية، في بيان لها، إلى الأنشطة الإرهابية للنظام الإيراني، وإلى الانتهاكات التي يتعرض لها المعارضون السياسيون بالخارج.

وزارة الخارجية الأمريكية: النظام الإيراني تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة

وقالت الخارجية الأمريكية في بيان صدر أمس: "إنّ النظام الإيراني منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة"، وفق ما نقل موقع "إيران انترناشيونال".

وتابع البيان: "وأعلن مسؤولون إيرانيون بارزون أنّ إيران تتابع عن كثب وتراقب باستمرار، المعارضين الإيرانيين في دول أخرى؛ من أجل قمعهم وتوجيه ضربات حاسمة ضدهم".

وأردف: "شملت حملة الإرهاب العالمية التي شنّتها إيران ما يقرب من 360 اغتيالاً في دول مختلفة، وهجمات بالقنابل أدت إلى مقتل وتشويه المئات".

ولفت بيان الخارجية الأمريكية إلى أنّ "إيران نفذت هذه الاغتيالات وغيرها من الهجمات بشكل أساسي من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، ولكن أيضاً عبر أطراف أخرى ووكلاء مثل حزب الله".

ويضيف البيان: "كما يتضح من مذكرات التوقيف وتحقيقات القضاء والشرطة وأجهزة المخابرات وتقارير الشهود، تورط دبلوماسيين إيرانيين مراراً في اغتيالات بالخارج".

اقرأ أيضاً: الحوثيون وفلسطين.. متاجرة تكشف نشاز المشروع الإيراني- الإخواني

ويستطرد: "وبسبب التدقيق المتزايد الذي سبّبه الإرهابيون الإيرانيون الذين يستخدمون الغطاء الدبلوماسي، أظهرت إيران استعداداً لاستخدام العصابات الإجرامية وعصابات المخدرات وأطراف ثالثة أخرى لتنفيذ خططها للاغتيال في الخارج"، مشيراً إلى أنه "حتى عندما يُضبط موظفوها الدبلوماسيون وهم يراقبون الأهداف المراد اغتيالهم، ويوفرون المتفجرات أو يهربون من مسرح الجريمة تكذب إيران باستمرار حول تورّطها في عمليات قتل بالخارج".

حملة الإرهاب التي شنّتها إيران شملت اغتيال ما يقرب من 360 معارضاً في دول مختلفة

وفي إشارة إلى فرض الولایات المتحدة عقوبات على وزير الاستخبارات الإيراني السابق، علي فلاحيان، ذکرت الخارجية الأمريكية أنّ "المعلومات الموثوقة تُظهر أنه كان متورطًا في انتهاكات لحقوق الإنسان عندما كان وزيراً للاستخبارات والأمن".

وأضافت: "تورّط فلاحيان خلال فترة عمله في اغتيال عديد من المعارضين السياسيين الإيرانيين بأوروبا، وضمن ذلك الحالات التي أصدرت فيها المحاكم السويسرية والألمانية أوامر باعتقاله.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإلى جانب استهداف المعارضين السياسيين وقادة ونشطاء الأقليات العرقية والدينية ومسؤولين حكوميين أجانب عبر اغتيالهم، هدّدت إيران بشكل متزايدٍ نشطاء المجتمع المدني والصحافيين الإيرانيين في الخارج.

اقرأ أيضاً: "العفو الدولية" تطالب بالتحقيق بمجزرة احتجاجات إيران.. أدلة وأعداد

وختم بيان الخارجية بالقول: "في وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تفيد بأنّ المخابرات الإيرانية هددت باختطاف صحافيين من قناة "إيران إنترناشيونال" ومقرها لندن، ونقلهم قسراً إلى إيران".

للمشاركة:



7 تطورات ومفاجآت تعيد سوريا إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

إبراهيم حميدي

عاد الملف السوري إلى تصدر الأوراق البحثية لمراكز التفكير الغربية والعربية إلى حد يذكر نسبياً بأجواء 2012. وذهبت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية لمستقبل البلاد. وأطل مسؤولون واقتصاديون سوريون حاليون وسابقون من بوابات مختلفة لتقديم «أوراق الاعتماد». كما أدلى مسؤولون غربيون بمواقفهم وطموحاتهم لمستقبل البلاد. وانتشر عسكريون في أجواء سوريا وأراضيها في تموضع جيوسياسي في مناطق النفوذ الثلاث.

عودة الملف السوري إلى الواجهة رغم انشغال العالم بوباء «كورونا» مرتبط بسبعة تطورات، هي:

1 - رامي مخلوف. لعقدين من الزمان كان هو الواجهة الاقتصادية وصاحب القرار الاقتصادي الرئيسي في سوريا، لكن منذ صيف العام الماضي، بدأت الأمور تنقلب عليه. انطلقت حملة لتفكيك جميع مؤسساته الاقتصادية وشبكاته العسكرية والإنسانية والسياسية. وعلى عكس جميع التجارب السورية، جاء مخلوف بتصرفات لا تنتمي إلى «القاموس السوري». تحدى بلغة دبلوماسية، وراح يوزع بيانات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. رفض ثم قبل شروط الحكومة لسداد شركته «سيريتل» مبلغ 185 مليون دولار.

أين روسيا وإيران من مخلوف؟ ماذا يعني هذا على بنية النظام؟ ولماذا الآن؟ وهل هناك جهة خارجية وراءه؟ هل يحصل في سوريا ما يحصل في كل الحروب الأهلية بأن التغييرات السياسية تأتي عندما يسعى «أمراء الحرب» إلى شرعنة أعمالهم؟

 توضيح بعد صمت

2 - الحملة الروسية. بعد زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في مارس (آذار) الماضي وطلبه من الرئيس بشار الأسد التزام اتفاق روسيا وتركيا حول إدلب وإثارته ملفات اقتصادية تتعلق بالإعمار، اندلعت فجأة حملة إعلامية من منصات بحثية وإعلامية قريبة من الكرملين. بقيت موسكو صامتة لبضعة أسابيع، لكنها عادت في الأيام الأخيرة وشنت حملة مضادة. مسؤول عسكري روسي جال في دمشق قبل أيام للتأكيد أنه «لا تغيير في موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الأسد». وأجرى السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف مقابلة مع صحيفة سورية أمس، ليقول بأن العلاقات بين موسكو ودمشق «تتميز بالطابع الصديق والاستراتيجي... والذين يصرون على قراءة التعاون بطريقة الكذب يقومون بعملية تخريب إعلامي فقط لا غير».

هل غيرت موسكو موقفها؟ هل تقصدت الصمت على الحملة بحيث تصل الرسالة إلى دمشق ثم تتراجع؟ ما هو حد التغيير في موسكو: الضغط على الأسد أم تغيير الأسد؟ للإصلاح أم للتغيير؟ هل فعلا، لا تريد روسيا الغرق في المستنقع السوري... اقتصاديا؟ وهل وصل النفوذ الروسي في المنطقة إلى الجدار ويحتاج إلى قفزة؟

3 - الحوار الروسي - الأميركي. تحدث مسؤولون أميركيون عن رغبة موسكو باستئناف الحوار الثنائي. اللافت أن المبعوث الأميركي جيمس جيفري قال لـ«الشرق الأوسط» بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران. وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن: «أؤمن أن للحوار الروسي – الأميركي دوراً رئيسياً، وأشجع الطرفين على مواصلته».

وطرح دبلو ماسيون: لماذا تريد موسكو الحوار حاليا؟ إلى أي حد غير مواقفها؟ وهل يمكن الوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية؟ هل فعلا «بوتين غاضب من الأسد» أم أنها مناورة «قيصرية» جديدة؟

 انسحاب تكتيكي

4 - الانسحاب الإيراني: أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن إيران «انسحبت تكتيكيا» من سوريا. جاء هذا بعد شن إسرائيل غارات مكثفة على مواقع إيرانية من دمشق إلى حلب إلى دير الزور. لكن هذا تزامن مع أمرين: الأول، إعلان «المرشد» الإيراني علي خامنئي ومسؤولين آخرين بقاء قوات إيران في سوريا والتمسك بـ«الدكتور بشار الأسد رئيسا شرعيا». الثاني، قيام إيران بتشجيع فصائل موالية لها لاستعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان، بما ناقض الاتفاق الروسي - الأميركي - الأردني - الإسرائيلي في بداية 2018، بإبعاد «القوات غير السورية»، أي الإيرانية إلى أكثر من 80 كلم من الحدود والخطوط الجنوبية. هنا، لم تتردد روسيا بإرسال قواتها لإخراج الإيرانيين من ريف درعا في الأيام الأخيرة. واللافت هنا، قول مسؤول إيراني بأن بلاده دفعت بين 20 و30 مليار دولار لدعم دمشق، وتريد استرجاع المبلغ.

ماذا تريد إيران من الانسحاب وإعادة التموضع؟ هل هذا مرتبط بأزمتها الاقتصادية بسبب العقوبات و«كورونا» أم ضغوطات روسية تلبية لمطالب إسرائيلية؟ لماذا فتحت المستحقات المالية من دمشق؟ لماذا عادت واشنطن وتل أبيب للتركيز على الوجود الإيراني؟

5 - هدنة إدلب: رغم خروق كثيرة في هدنة إدلب التي بدأ تنفيذها في 5 مارس (آذار) الماضي، تواصل روسيا وتركيا التزامهما وتسيير دوريات مشتركة. إحدى الدوريات وصلت إلى عمق إدلب باتجاه اللاذقية. تركيا أقامت قاعدة في قمة جبل استراتيجية، هي الأعلى في جبل الزاوية. ورغم التوتر والصدام بين الطرفين في ليبيا بسبب دعم طرفين مختلفين وإرسال كل منهما مرتزقة سوريين لدعم فريقه، لا تزال أنقرة وموسكو تعملان سوية في إدلب وشرق الفرات. هذا طرح أسئلة حول مستقبل هدنة إدلب وديموميتها؟ وتأثير الحدث الليبي سوريا؟ ومصير المتطرفين في إدلب وموعد نفاد صبر روسيا؟

بوابة التغيير

6 - الانتخابات السورية: تأجلت الانتخابات البرلمانية إلى يوليو (تموز) بسبب «كورونا»، لكن الأعين تتجه إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل. يتحدث مسؤولون غربيون عن دعم مرشح معارض، وعادت أميركا لدعم المعارضة ماديا. وقام بعض المعارضين بالمبادرة في ترشيح أنفسهم. بل إن باحثا إسرائيليا سمى مرشح تل أبيب للرئاسة. وقال بيدرسون: «هذه الانتخابات ستعقد وفقاً للترتيبات الدستورية القائمة. فالأمم المتحدة ليس لديها ولاية محددة ولم يُطلب منها الانخراط في هذه الانتخابات. إن تركيزي لا يزال منصباً، في سياق الميسر للقرار 2254. على العمل من أجل انتخابات حرة ونزيهة تُجرى عملاً بدستور جديد وتُدار تحت إشراف الأمم المتحدة».

هل تصل أميركا، التي ستخوض انتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ، وروسيا بتوافق إقليمي إلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية بوابة التغيير، للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية؟ هل هذا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ «تغيير الأنظمة»؟

7 - العقوبات والمساعدات: فتحت أميركا ملف بوابة اليعربية بين العراق وشرق الفرات لإرسال مساعدات بعدما لاحظت أن روسيا لم تنفذ التزاماتها بإيصال المساعدات من دمشق بعد التوافق على قرار خاص بالمساعدات بداية العام. هناك توقعات بمواجهة دبلوماسية روسية - غربية جديدة في مجلس الأمن. وهناك مواجهة قائمة إزاء العقوبات. موسكو تحمل العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية عدم قدرة دمشق على مواجهة «كورونا» والمعيشية. واشنطن وبروكسل خرجتا عن صمتهما وشنتا حملة إعلامية للقول بأن العقوبات لم تعرقل وصول الأدوات الطبية أو الإنسانية إلى سوريا. عليه، هل يشكل الملفان بوابة جديدة لتفاهمات خطوة مقابل خطوة أم منعطف الافتراق؟

ليس سهلاً الجزم بأي اتجاه تنتهي مآلات التحركات في سوريا وحولها، لكن لا شك هذه التطورات تطرح أسئلة كبيرة يحاول كل طرف محلي وخارجي أن يجير إجاباتها إلى ضفته، في وقت يبدو الجميع في حالة اللايقين.

للمشاركة:

عندما انبطح العثمانيون وجاهروا بالخيانة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

وليد فكري

"أُسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة".. هكذا انطبق شَطر بيت الشعر على الطاووس العثماني الذي طالما نفخ صدره نافشًا ريشه متشدقًا بأنه "حامي حِمَى بلاد الإسلام والمسلمين"، حتى إذا ما فوجيء بجيش مصر يجتاح بلاده ويهدد عاصمته سارع بالاستغاثة بالقوى الأجنبية التي كان حتى الأمس القريب يدعي حمايته البلاد والعباد منها!

لم يتوقف فتح السلطان العثماني باب التدخل الخارجي عند سماحه بإنزال عسكري روسي على سواحله ورسو أساطيل الروس أمام سراي الحكم، ولا عند طلبه تهديد بريطانيا لمصر بضرب الإسكندرية لإجبار محمد علي على إيقاف القتال... ولكنه استغل الهدنة واتفاقية كوتاهية للتورط في مزيدًا من الخيانات.

خونكار اسكله سي.. اتفاقية الخيانة:

لطالما طمع الروس في الوصول ل"المياه الدافئة" كما أوصاهم قيصرهم السابق "بطرس الأكبر"، وها قد أهداهم العثمانيون تلك الهدية.

فقد ارتمى العثماني على أعتاب الروس-المصنفون أصلًا كأعداء-يستغيث بهم، وعقد معهم اتفاقية مهينة هي "خونكار إسكله سي"، وهي اتفاقية دفاع مشترك تقضي بتدخل العثمانيين لرد أي عدوان على روسيا وتدخل الروس للدفاع عن الدولة العثمانية.. ولكنها تضمنت بندًا سريًا أعفى العثمانيين من عبء إرسال قوات لدعم روسيا حال مهاجمتها، بينما سمح للروس بإرسال قواتهم للدفاع عن العثمانيين.. وبناء عليه تعهد الباب العالي بالسماح للأسطول الروسي بالمرور من أي من المضائق وإغلاقها في وجه أية دولة بينها وبين روسيا حالة حرب!.

أي أن السلطان العثماني إمام المسلمين حامي البلاد الإسلامية صاحب البيرق السلطاني والذي يحمل لقب "الغازي" قبل اسمه، قد قرر إثر صدامه مع محمد علي باشا وجيش مصر أن يستدعي طرفًا أجنبيًا معاديًا طامعًا لكي يحميه وليستخدمه كفزاعة لمحمد علي باشا من ناحية، وللقوى الأوروبية التي اتهمها العثمانيون بالتقاعس عن نصرتهم من ناحية أخرى، وقدم له ثمنًا لذلك وصولًا سهلًا ل"المياه الدافئة" وفتح له أبواب أمنه القومي على مصاريعها!.. بم نصف ذلك إن لم يكن بالخيانة؟.

لعبة الفتنة وارتكاب خيانة جديدة:

لم تقف الخيانة العثمانية عند هذا الحد، بل أن العثمانيون استدعوا سلاحهم القديم "زرع الفتنة" لضرب الوجود المصري بالشام.. فقاموا بدس الدسائس لتأليب الأهالي على الحكم المصري وإثارة الفتن والاضطرابات هنا وهناك ضد إبراهيم باشا ورجاله.

وإحقاقًا للحق فإن مسئولية السماح بذلك تقع على عاتق محمد علي باشا وابنه، فصحيح أن إبراهيم باشا كان نشيطًا في إزالة المظالم والمفاسد العثمانية من فتن قبلية وعشائرية وطائفية، وانعدام للأمن، ومؤامرات متبادلة، وفساد إداري ومالي.. ولكنه وأبوه ارتكبا خطئًا إذ حسبا أن ما يسري على مصر يسري على الشام، فمن ناحية أبدى أهل الشام مقاومة شديدة لفكرة "التجنيد الإجباري"، ومن ناحية أخرى كان من المستحيل إقناعهم بفكرة "نزع السلاح" حيث أن ثقافتهم الحياتية-آنذاك وربما حتى الآن في بعض المناطق-تعتبر أن حيازة الفرد أو العشيرة للسلاح هي جزء من الأمن والشرف.

وكان الأحرى بمحمد علي باشا وإبراهيم باشا أن يحترما تلك الخصوصية لأهل الشام وأن يراعيا اختلاف نمط حياتهم عن نمط الحياة المصري.

استغل العثمانيون حالة السخط تلك وقرروا أن ينفخوا في الشرر ليتعاظم ويتحول إلى نار كبيرة.. ولكن هل فعلوا ذلك بأنفسهم فحسب؟.

كلا.. هنا إلى جانب "خيانة زرع الفتنة" نجد "خيانة فتح الباب للدسيسة الأجنبية".. فبريطانيا التي ارتاعت للاتفاقية العثمانية الروسية ومحاولة روسيا الانفراد بالتدخل في الملف العثماني، عرضت على العثمانيين المساعدة من خلال زرعها الفتنة بين الإدارة المصرية وأهل الشام.. ووافق العثمانيون! هكذا بكل بساطة!.

واستغل السلطان اندلاع الثورات في الشام ضد سياسات محمد علي باشا، وأرسل جيشًا جرارًا بقيادة حافظ باشا لمهاجمة قوات إبراهيم باشا في الشام.. رغم وجود اتفاقية سلام بين الجانبين، ليضيف لخيانة البلاد معرة خيانة العهد!.

الخيبة العثمانية الثقيلة:

تقدمت القوات العثمانية-100000 مقاتل- بقيادة حافظ باشا من أرض المعركة عند مدينة "نصيبين".. وفي المعسكر المصري المكوّن من 40000 مقاتل فقط، نظر سليمان باشا الفرنسوي-مساعد إبراهيم باشا-إلى قادة الجند وقال "بإذن الله نشرب القهوة بعد ثلاث ساعات في خيمة قائدهم حافظ باشا".

وبعد ساعتين فقط، أذل فيها الجيش المصري ناصية الجيش العثماني-رغم الفارق العددي الكبير-كان إبراهيم باشا وسليمان باشا والقادة يشربون القهوة في خيمة حافظ باشا التي كانت مترفة بشكل لا يلائم قائدًا متوجهًا لمعركة حربية!.

وكان الأمر بهذا التحرك هو آخر أوامر السلطان العثماني محمود الثاني الذي مات ممرورًا بحسراته وحاملًا خيباته إلى قبره!
واعتلى ابنه  عبد المجيد الأول العرش.

وكأنما تنقص العثمانيون مصائب جديدة، فقد توجه القبودان باشا (القبطان) قائد الأسطول العثماني بسفنه ووضعها تحت تصرف محمد علي!.

سرعان ما استغل الروس الهزيمة العثمانية والتي أدت لانهيار قوة العثمانيين العسكرية (يومًا بيوم مرج دابق) وسارعوا بفرض حمايتهم العسكرية على العثمانيين وفقا للمعاهدة المذكورة، وارتاع البريطانيون من أن وجود محمد علي في تلك المنطقة يهدد أطماعهم في العراق والجزيرة العربية وطريق الهند، وسعت النمسا لمساندة العثمانيين خوفًا من انفراد روسيا باللعبة.

وحاول العثمانيون مخاطبة محمد علي بالمود ودعوته لنسيان مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة-بعد أن كانوا في الأمس القريب يهددون ويتوعدون-ويعده بحكم مصر وراثيًا.

ولكن لأن العثمانيون قد ارتضوا أن تكون يدهم هي السُفلى، فقد سارعت الدول الأوروبية روسيا والنمسا وفرنسا وبروسيا وبريطانيا لإرسال مذكرة للباب العالي "تأمر" فيها الدولة العثمانية ألا تبرم أية اتفاقيات بدون الرجوع للدول الأوروبية الخمسة أولًا!.

ووافق الباب العالي رغم مراسلة محمد علي للصدر الأعظم خسرو باشا يطالبه بعدم السماح بإدخال وسيط أجنبي بينهما!.

وراحت القوى الأوروبية تتجادل حول تسوية الأوضاع في الشرق وقد وقف العثماني المتغطرس سابقًا المنكسر حاليًا موقف المتفرج وكأنما الجدل لا يدور حول بلاد يدعي حقه في حكمها.. وفي خضم ذلك حاول البريطانيون والفرنسيون إقناع الباب العالي بالتخلي عن المعاهدة مع الروس والاستعانة بحمايتهما، فسارع الروس بتهديد العثمانيين لو تخلوا عن تلك الاتفاقية!.

وراح العثمانيون يستَعدون القوى الأوروبية ضد محمد علي إلى حد السماح لبريطانيا بالتهديد بضرب مصر بعد أن قصف الأسطول البريطاني بيروت بالفعل، بل وعرض الروس كذلك أن يقوموا بهذا الدور ضد بلد لطالما ادعى المحتل العثماني أنه حاميه!.

وأخيرًا بعد كل تلك الضغوط وحالات الشد والجذب، لم يجد محمد علي باشا في العام 1841م حلًا يقي دولته الدمار سوى أن ينسحب من الشام على أن يتم تثبيته على ولاية مصر ويصبح حكمها وراثيًا في أسرته، مقابل تعهده بدفع الجزية للباب العالي، وأن يلتزم بحد أقصى لعدد القوات التي تعتبر جزئًا من القوات العثمانية، وأن تسري القوانين العثمانية على مصر.

فشلت محاولة محمد علي باشا التوسعية، ولكن ليس بسبب قوة العثمانيين وإنما بسبب سماحهم بتدخُل الأوروبي المتلمظ لاستعمار الشرق.. في حلقة جديدة من سلسلة الخيانات العثمانية..

فرح العثمانيون بهزيمة محمد علي، ولكنهم نسوا أن كرة الثلج كانت قد تحركت وأن مصر ما بعد تلك التجربة تختلف تمامًا عن تلك التي عهدوها قبلًا.. وأن محمد علي باشا قد بدأ مشروعًا استقلاليًا عن الباب العالي قد يكون تعرقل ولكنه لم يُسحَق!.

وبينما كانت دولة العثمانيين تتداعى، كانت مصر تتقدم حضاريًا وصناعيًا وثقافيًا وتعليميًا.. فالحقيقة أن العثمانيين قد انتصروا في معركة-وانتصارًا لم يحققوه بأنفسهم-ولكنهم قد خسروا الحرب.

ربما يفسر هذا أن كثيرًا من العثمانيين الجدد وأتباعهم ما زالوا ينقمون على محمد علي باشا ويكيلون له الاتهامات المشينة إلى يومنا هذا.. وعلى رأسهم أحد أبرز أبواقهم الإخواني دكتور علي الصلابي الذي بلغ به التدليس أن أفرد فصلًا في كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي باشا بأنه "ماسوني متآمر ضد المسلمين مع الحركة الماسونية العالمية"، وهي تهمة مضحكة تليق بعقلياتهم، لها حديث خاص للرد عليها.. فللحديث بقية.

عن "سكاي نيوز"

للمشاركة:

رهان تركي خاسر، هل تهوي أسعار الغاز القطري إلى ما دون الصفر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

موسكو - لم تُخفِ تركيا أبداً أنّ وجودها في كلّ من قطر وليبيا نابع من الرغبة في منافع متبادلة، سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنقرة، التي تُعاني منذ نحو 3 سنوات من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور لا يتوقف في عملتها الوطنية، لا تزال مستوردا لموارد الطاقة، بينما تسوء العلاقات التركية مع الكثير من الدول في مُحيطها الإقليمي، ومع الاتحاد الأوروبي الذي يُهدّد بتصاعد عقوباته الاقتصادية على إثر أزمة التنقيب عن النفط والغاز التي تُثيرها أنقرة في شرق المتوسط.
ويبدو أنّ تركيا تُسابق الزمن نحو مواصلة استغلالها للأزمة الخليجية للحصول على المزيد من الأموال القطرية، قبل أن تنفذ، على شكل استثمارات وصفقات ضخمة، وودائع أو هبات مالية لا تُرد، وذلك في مقابل توفير الدعم العسكري الذي بات يصفه بعض المُراقبين الدوليين اليوم بأنّه أشبه باحتلال تركي لقطر.
وفي حين طلبت تركيا من حكومة الوفاق الوطني الليبية مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، وبينما زاد حجم اتفاق مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار في اتفاق يوفر سيولة أجنبية تشتد حاجة تركيا إليها، كان من اللافت اهتمام الصحافة الروسية بهذه التطورات الاقتصادية السياسية، مُلمحة لرهانٍ تركي خاسر.
وتحت عنوان "أردوغان يفتح جبهة نفطية في ليبيا"، تحدث إيغور سوبوتين، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن استياء دول عربية تُعتبر حليفة للجيش الوطني الليبي، من خطط تركيا البدء في التنقيب عن النفط والغاز في السواحل الليبية، بينما تنوي أنقرة زيادة حصتها من الإنتاج ولعب دور موزع للنفط الليبي إلى أوروبا.
وبحسب كبير المحاضرين في قسم العلوم السياسية بالمدرسة الروسية العليا للاقتصاد، غريغوري لوكيانوف، فإن الوضع حول ليبيا معقد، ومن شأن أي رهان إضافي أن يلاقي معارضة من خصوم تركيا الرئيسيين، بينما لن يقف أنصار الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مكتوفي الأيدي.
أما على صعيد الاستغلال التركي المتواصل للغاز القطري، فإنّ الدوحة تُعاني اليوم من خسائر فادحة، وسوف تواجه قريبا خيارا صعبا إما تخفيض الإنتاج أو إطلاق حرب أسعار، وقد تفقد حصتها في السوق وتفسح المجال لأستراليا لتكون أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم".
كما حذّرت وكالة بلومبرغ من اندلاع حرب أسعار في سوق الغاز، متوقعة أنّ "أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال (قطر) قد يدخل في معركة من أجل السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التخزين".
وأشارت الوكالة إلى أن قطر في فبراير الماضي بعد انتشار فيروس كورونا في آسيا قامت بإعادة توجيه شحنات الغاز من آسيا إلى أوروبا، إلا أن القارة العجوز تعاني الآن ضعفا في الطلب على الغاز بسبب الفيروس، إذ هوت مشتريات الطاقة في أوروبا بشكل حاد.
وانخفضت أسعار الغاز العالمية بعد شتاء دافئ وامتلاء المخزونات وتراجع الطلب بسبب جائحة كورونا، وفي ظل ذلك فإن مصدري الغاز يواجهون وضعا صعبا، ولاسيما قطر، التي تعتمد على صادرات الغاز.
ويحذر محللون من أن منتجي الغاز في العالم قد يكونوا قريبين من خوض حرب أسعار للحصول على حصة إضافية في الأسواق ما قد يدفع أسعار الوقود الأزرق إلى مستويات سلبية إلى أن يقوم بعضهم بكبح الإنتاج لدعم الأسعار.
ومنذ بداية العام انخفضت الأسعار بنحو النصف، فعلى سبيل المثال وصلت أسعار الغاز في أوروبا والولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1999.
وعلق على ذلك الخبير رون أوزر من شركة "ستاتار كابيتال"، ومقرها نيويورك، قائلا، إنه "لا يمكن لسوق استيعاب الإمدادات الزائدة في ظل الطقس الدافئ ووباء كورونا، وهذا ما وضع قطر في وضع صعب للغاية".
وفي ظل هذا الوضع تملك الدوحة خيار تخفيض الإنتاج، لكن هذا من الممكن أن يقوض خططها المستقبلية، ففي يناير من العام الماضي كشفت قطر عن خطة لزيادة إمدادات الغاز من 77 مليون طن سنويا إلى 110 ملايين طن سنويا بحلول 2024، إلى 126 مليون طن سنويا بحلول 2027.
وفي حال نفذت الدوحة هذا الخيار فسيؤثر ذلك على الميزانية القطرية، وتقول "بلومبرغ" بهذا الصدد إن "انخفاض صادرات الغاز سيؤدي إلى تراجع إيرادات الميزانية في قطر".
ولا يستبعد خبراء أن تضطر قطر في نهاية المطاف إلى خفض إنتاجها، إذ أن تقليص الإنتاج سيساهم في دفع أسعار الغاز إلى الأعلى.
وفي حال أشعلت قطر حرب أسعار في سوق الغاز، فمن الممكن أن تهوي الأسعار إلى مستوى دون الصفر كما حدث في سوق النفط العالمية في أبريل الماضي.
وعن المتضررين من حرب الأسعار، يستبعد خبراء من تداعيات كبيرة لذلك على روسيا، إذ أن الغاز الطبيعي المسال يشكل حصة ضئيلة من صادراتها، أم الغاز الطبيعي الذي تصدره عبر الأنابيب فإن ذلك يتم عبر عقود طويلة الأمد وفي حال رفض المشتري الشراء فسيتعرض لغرامات كبيرة.
في ذات الصدد، تحدثت أولغا ساموفالوفا، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن ملامح حرب أسعار في سوق الغاز، تديرها أميركا وقطر.
وجاء في المقال الذي ترجمته ونشرته "روسيا اليوم" إنّ "هناك تنافس على أسواق الغاز في مناطق مختلفة من العالم، تُستخدم فيه القوة، أكثر فأكثر. وثمة معركة أخرى تتكشف بين موردي الغاز في تركيا، حيث يزاحم الغاز المسال الأميركي الغاز الطبيعي من إيران وروسيا. فقد اتهمت وسائل الإعلام الإيرانية تركيا بالمماطلة في إصلاح خط أنابيب الغاز الذي يتم من خلاله استجرار الخام الإيراني. وبدلاً من ذلك، تفضل تركيا شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما خفضت أنقرة بشكل كبير مشتريات الغاز الروسي، على الرغم من إتمام بناء مشروع "التيار التركي".
وأكدت الكاتبة أنّ قطر تلعب الآن دورا مهما في سوق الغاز، وهي تزود تركيا أيضا بالغاز الطبيعي المسال. وإذا ما خفضت الدوحة أسعار الخام وأطلقت العنان لحرب أسعار، فإن ذلك سيؤدي إلى ركود طويل الأمد في سوق الغاز، سوف يؤثر على كافة الدول.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية