ما الصيغ التي ابتلعت إنسانيتنا؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
4400
عدد القراءات

2019-04-20

حين ذهب سارتر إلى أنّ الوجود أسبق على الماهية، حاول أن يعيد للإنسان جوهره المهمّش، في رحلة إقصائية طويلة، عبر تاريخ ربما أخطأنا في صناعته. هذه الرحلة التي قادتها أحكام قبلية، قيّدت الوجود لوقتٍ طويل وحرمته فرصة أن يرتقي، ما حَرَمَنا القدرة على الذهاب أبعد من الخطوات التي رُسمت لنا، وبعبارة أدقّ: ما حرمنا أن نتمتع بإنسانية حرّة يتعطّل فيها الخوف والجشع؛ فالهويات التي ارتدتها البشرية حتى الآن، استطاعت مضاعفة القلق والفشل، ثم نجحت في إنتاج جحيمٍ أرضي، بعد أن زوّدته بكل ما يلزم لجعل الحياة عقاباً.

اقرأ أيضاً: نعلّم أطفالنا القراءة.. فأين يختفي القارئون؟
المفردات التي بات يتسم بها عصرنا بشدة، كالتنافس والتفوق والأقوى والأفضل والأميز، وغيرها من صيغ التفضيل التي تحمل دلالة الأسبقية، تتبناها النظم التربوية كماهيات، وتتعامل معها كمفاتيح لأبواب المستقبل، للوهلة الأولى يمكننا أن نصف هذه المفردات بمفردات القوة، ولكن في الجزء الخفي منها، سنرى أنّ القمة لا تتسع للجميع، وهذا بالضبط ما سيهدد وجودنا، ويعمل على تسمين الخوف في داخلنا، إنّه الخوف الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بالآخرين، ليصبح "الآخرون هم الجحيم" بتعبير "سارتر"، فلا يمكن للآخر أن يصبح جحيماً إلا إذا أصبح تهديداً، هذا التهديد الذي يمنحه السلطة واحتكار الحكم. 

الهويات التي ارتدتها البشرية حتى الآن، ضاعفت  القلق والفشل، ثم نجحت في إنتاج جحيمٍ أرضي وتحويل الحياة لعقاب

قبض "جورج أورويل" على جوهر السلطة في رواية "1984"، حين أعلن على لسان إحدى شخصيّاتها: "يفرض إنسان سلطته على إنسان آخر، بأن يجعله يعاني"، لا شك أنّ حالة التهديد المستمّر التي يفرضها الآخر، أو نفرضها على الآخر، كما نفعل مع أطفالنا، ستكون جوهر معاناتنا التي ستسم كامل الوجود؛ حيث تكمن  خطورتها في أنّها تدير العالم من حولنا وتحدده، المعاناة تبدأ من فضاء الرؤية التفاضلية التي نزج أطفالنا بها منذ نعومة أظفارهم، لماذا؟ لكي نخطو بهم نحو المستقبل، وفي الحقيقة نحن ندفعهم باتجاه المعاناة ثم نجعلهم يعتقدون أنّ هذا هو المسار الطبيعي لحياتهم، ومن حيث لا ندري نقودهم إلى "الإيمان الزائف".
الإيمان الزائف حسب تعبير "سارتر" و"سيمون دي بيفوار" هو "الظاهرة التي يكون فيها الإنسان تحت ضغط شديد من القوى الاجتماعية السائدة، فيضطر إلى تبني قيم زائفة، منكراً أو متخلياً عن حريته الفطرية، وبالتالي يتصرف بلا أصالة"؛ فالمفردات التي نجحت أن تعمم نفسها كبديهيات لزمنٍ طويل، تمكّنت من أن تفرض حضورها كأحكام على الوجود، وبهذا أغلقت منافذ الوعي الإنساني وجعلته يراوح في مكانه، إنّ قدرة هذه البديهيات تكمن في إعفاء العقل من التفكير، واعتبار الواقع مسلّمة، الواقع المسلّمة تخلقه ذهنية الأفراد الذين يعتقدون أنّ الماهية تسبق الوجود، فهذه الذهنية تعطي للإكراه وللعنف مقبولية اجتماعية، باعتبارهما حالتين طبيعيتين تشجع عليهما.

اقرأ أيضاً: لماذا لا نصغي؟ ..هل نحن مصابون بصمم وجودي؟
لنراقب الأطفال في حصة دراسية، سنلاحظ أنّ أغلبهم جاهزون للاستهزاء والحط من شأن بعضهم البعض، إنهم متصيدون بارعون للهفوات والزلّات، كما أنّ  التنمر الذي يعتبر مشكلة مدرسيّة عامة، لا يولد في وسط لا يشجع نموّه، فالطفل المتنمّر هو ردّ فعلٍ على تنمّر وقع عليه، حيث نحشر أطفالنا في الزاوية وبالمقابل نطلب منهم أن يكفوا عن فعل ما نفعل، إنّ نتائج أخطائنا التي نتعامل معها كماهيات، ستخلق أهدافاً متناقضة نسعى لتحقيقها؛ فمثلاً نسعى لتربية (طفل مطيع ومتفوّق ومميّز)، ومن جهة أخرى ننتظر منه أن يكون (مستقلاً ومتعاوناً ومحباً للآخرين)، كيف يمكن الجمع بين هذه المتناقضات؟ وصيغة التفضيل لا تقبل جمعاً لأنها نظام إقصاء، في الأعلى المكان لا يتسع إلّا لأفضل واحد، وأقوى واحد وأمهر واحد ومتفوق واحد، نحلّ هذه المعضلة بأن يصبح ما نسعى إليه أساسياً وما ننتظره ثانوياً؛ لأنّ نظام التنافس والتفاضل هو نظام وعينا المغرم بنموذج القبليات والقياس عليها، هذا النموذج ينتجه فقط ماهيةٌ تسبق الوجود.
ولكن ماذا لو كانت الماهية لا تسبق الوجود في وعينا؟ ما الذي سيتغيّر؟ ببساطة سيتغيّر وعينا نفسه للعالم، هذا كل ما سيحدث، ولكن في هذا الوعي الجديد ستتنحى مفردات الإقصاء جانباً؛ فالحط من شأن الآخر والاستهزاء به، لن يعود ملاذاً لدونيتنا، وسيفسح المجال كاملاً لاعتراف الإنسان بأخيه الإنسان، لن يقع وقتها الحكم على الفرد، بل سيقع على فعله وسلوكه؛ بالتالي سنتجاوز تضليل التعميمات التي أسقطناها على الآخر الذي لن يعود جحيماً، ستصبح النيّة الطيبة هي البادئة القبلية، لعلاقات تؤسس على التعاون والثقة والحب انطلاقاً من تفعيل ملكة الفهم. 

علينا إعادة التفكير بصيغنا ومسلّماتنا، فارتهاننا للمسبقات والأحكام القبلية، تحوّل العنف القائم على الإلغاء والنفي لسلوك وفعل واقعيين

فملكة الفهم تنحسر عندما تسبق الماهية الوجود، وهذا الانحسار ينتج عن عدم فهمنا لمبدأ السببية، "العالم الذي نعيش فيه عالمٌ بلا أسباب"، والنتائج التي تُحال دائماً إلى الظروف، تتناسى في جزء كبير منها  أننا من ننتج الظرف، أو أننا المساهمون الأكبر في إنتاجه، قد تكون الحرب أحد المؤشرات الأقوى على ذلك، فهي تبدأ عندما ينام الوعي، وبالطبع ليس هناك منوّم أفضل من الخوف لهدهدة الوعي، قد يبدأ كل هذا في الحلقة الأولى للتربية، فالأم التي تعاني من طفلها العنيد ــــ وقس على ما يشبهه ـــ لم تستطع أن تفصل طفلها عن السلوك الذي يتمثّله، بالرغم من أنّ سلوك طفلها في جانب هو مكتسب، ومن جانب آخر يتبع لمرحلة نموه، ومع هذا تنظر إلى الأمر على أنه طبيعة أصيلة في طفلها، ومنذ هذه اللحظة ستحدد ماهية هذا الطفل طبيعَته، وتحدد وجوده وطريقة تربيته، أو بالأحرى ترويضه، وستتردد دائماً جملة "يا له من عنيد"!، أليس المتطرّف ينتج  عن هذه الرؤية القبلية ذاتها، الرؤية التي تتلخص في أنّ العنف ميل طبيعي في الإنسان؟ ألا تضرب التربية عرض الحائط بمسؤوليتها إذا ما اعتقدت بهذا؟

اقرأ أيضاً: ما السلام الذي ننشده من وراء حصوننا؟
جميع الوصفات التي قُدّمت لم تكن سوى حلول موضعية لآلامنا المزمنة، كما لم ننجح حتى الآن بحل مشكلة إلّا بمشكلة، لهذا مازلنا نعتقد أنّ الحرب يمكن أن تكون حلّاً ويمكن أن تنهي صراعاً، الوقت بات مناسباً لنكون أكثر شجاعة ونعيد التفكير بصيغنا ومسلّماتنا، فارتهاننا للمسبقات والأحكام القبلية، تحوّل  العنف القائم على الإلغاء والنفي، إلى سلوك وفعل واقعيين، سنجد لهما مبررات اجتماعية قوية ودائمة، وسنلحظ هذا العنف في كل شيءٍ يدور حولنا، ابتداءً بألعاب الأطفال، مروراً بحروب الكبار، وصولاً لما آل إليه كوكبنا من تلوث ونقص موارد واحتباس حراري،
"الانسان أخو الانسان" الجملة المقترنة بتحقيق إنسانيتنا، لم يعد بإمكاننا أن نتعامل معها كما السابق، شعار نرفعه حيناً ونهمله كثيراً، لقد أصبحت  ضرورة وحاجة ملحة، لا تقترن فقط بإنسانيتنا، وإنما بضمان استمراريتنا على هذا الكوكب.

اقرأ المزيد...

الوسوم: