ما مصير الثروات الليبية المجمّدة في الدول الغربية؟

ما مصير الثروات الليبية المجمّدة في الدول الغربية؟

مشاهدة

07/02/2021

تثير الثروات الليبية المجمدة في الدول الغربية شهية هذه الدول للحصول على جزء منها، بعد أنّ بات مصير فوائد الأرصدة المجمدة منذ عام 2011 غامضاً.

وتقدر الثروات المجمدة بنحو 67 مليار دولار؛ ما بين أرصدة بنكية وعقارات، بعضها مُودع باسم المؤسسة الليبية للاستثمار، ومؤسسات تابعة لها، وبعضها غير معلوم؛ كوّنه موضوعاً بأسماء أفراد في إطار سياسة الرئيس الراحل، معمر القذافي للتهرب من العقوبات الدولية، خاصة بعد قضية لوكربي.

قُدرت الاستثمارات الليبية بالخارج والداخل بحوالي 67 - 68 مليار دولار، لكن من غير المعروف قيمة فوائد الودائع والسندات ومكاسب المحافظ الاستثمارية أو مصيرها

وكان مجلس الأمن أصدر قراراً بتجميد هذه الثروات، أثناء الثورة على القذافي، مانعاً أي دولة أو جهة ليبية بالتصرف فيها دون الحصول على موافقة مجلس الأمن، لكن تلجأ عدّة دول أوروبية إلى التحايل على ذلك عبر رفع دعاوى قضائية بتعويضات أمام القضاء الوطني، للحجز على بعض هذه الأموال، وخاصة الأرصدة البنكية.

ثروات ليبية مجمدة

في آذار (مارس)، 2011، أقرَّ مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1973 بفرض عقوبات على النظام السابق، من بينها تجميد الأصول الليبية، وشمل القرار كل الأصول المالية والأموال والموارد الاقتصادية التي يملكها نظام القذافي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أراضي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

وقُدرت الاستثمارات الليبية بالخارج والداخل التي تديرها المؤسسة الليبية للاستثمار بحوالي 67 - 68 مليار دولار، وفق تصريحات رئيس المؤسسة السابق، عبد المجيد بريش في عام 2015، ويتبعها 550 شركة، ونصف هذه الأموال أرصدة نقدية مجمدة، والباقي استثمارات في شكل صناديق ومحافظ استثمارية.

وتشمل الاستثمارات الخارجية؛ قطاع العقارات والخدمات كالاتصالات والطاقة والمناجم بنسبة 80%، و9% في قطاع الصناعة، والباقي في قطاع الزراعة.

وتعاقب على إدارة المؤسسة أكثر من شخص، وتدخلت ميليشيات طرابلس في عملها، مستفيدة من سيطرتها بقوة السلاح على مقرها، وتعيين موالين لها في مناصب إدارية.

إحدى شركات المؤسسة الليبية للاستثمار

ويقول المحلل السياسي الليبي، ومستشار لجنة البرلمان في حوار المغرب فيصل بو الرايقة، حول الأموال المجمدة إنها "تشمل الأموال السائلة والعقارات، وهي ملك المؤسسة الليبية للاستثمار والشركات التابعة لها، وهناك حديث حول ثروات أخرى مسجلة بأسماء أشخاص من قبل النظام السابق، تهرباً من الرقابة الدولية، نتيجة عقوبات قضية لوكربي".

وحاول المؤتمر الوطني العام السابق، تشكيل لجنة لاسترداد ما يعرف باسم الأموال المنهوبة، وهي غير المسجلة في شركات المؤسسة الليبية للاستثمار، ويقول بو الرايقة في حديثه، لـ"حفريات" حول هذه الجهود، "خصص المؤتمر نسبة 10% للمسؤول عن إدارة أي من هذه الأموال، حال ردها إلى الدولة الليبية".

 وقدر ديوان المحاسبة الليبي، قيمة الأموال المجمدة في الخارج، في شكل ودائع وأسهم ومحافظ وصناديق استثمارية، بنحو 33 مليار دولار بنهاية العام 2016، ويوجد منها 15 مليار دولار في بلجيكا وحدها.

اقرأ أيضاً: ما قصة الأموال الليبية المصادرة في مالطا؟

أين تذهب الفوائد؟

وجادلت خمس دول أوروبية، وهي؛ المملكة المتحدة، وألمانيا، وبلجيكا، وإيطاليا، ولوكسمبورج، حول ما إذا كان قرار التجميد الصادر عن مجلس الأمن يشمل الفوائد أم لا، وترى هذه الدول أنّ قرار التجميد لا يشملها، بينما سبق وطالب رؤساء سابقون للمؤسسة الليبية للاستثمار بتجميد هذه الفوائد.

ومن غير المعروف قيمة فوائد الودائع والسندات، ومكاسب المحافظ الاستثمارية، أو مصيرها، وهناك تضارب بين بيانات الدول الأوروبية والمؤسسة الليبية للاستثمار، وغيرها من الشركات التابعة لها، بسبب تعدد الجهات الفاعلة في الملف في ليبيا، خاصة بعد سيطرة حكومة الوفاق على طرابلس منذ عام 2016.

وفي 2019، اعترفت الحكومة البلجيكية لأول مرة، بتصرفها في فوائد الأموال الليبية المجمدة في بنوكها، وتحويل جزء منها لتسديد مستحقات وديون شركات ومؤسسات بلجيكية عاملة في ليبيا.

المحلل السياسي الليبي، فيصل بو الرايقة

وذكرت المؤسسة الليبية للاستثمار في عام 2018، أنّ بلجيكا وحدها هي من تصرفت في فوائد الأرصدة المجمدة، وكانت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة رفضت ادعاءات الدول الخمس بأنّ الفوائد لا تخضع للتجميد، بينما ردت هذه الدول بأنّ قوانينها المحلية لا ترى أنّ قرار التجميد يشمل الفوائد، بحسب تقرير نشره موقع "Politico".

وحول مصير هذه الفوائد، يرى المحلل السياسي فيصل بو الرايقة، أنّها "جرى السطو عليها من الدول التي توجد فيها الأرصدة".

وذكر تقرير "Politico" السابق، أنّ بلجيكا حوّلت ملايين الدولارات من الفوائد والأرباح إلى جهات غير معلومة في بنوك في دولتي؛ لوكسبمورج والبحرين، في عام 2018.

ومنذ عام 2012 كانت بلجيكا اتخذت قراراً بعدم تجميد الفوائد والأرباح، بحسب إيميل رسمي أرسلته إلى المؤسسة الليبية للاستثمار، ما يعني أنّ أرباح وفوائد 10 أعوام، على أموال تقدر بـ 15 مليار دولار لا يعرف أحد مصيرها، ومن المؤكد أنّها خرجت عبر وساطات ليبية داخلية، من المؤسسة التي تعاقب على رئاستها أكثر من شخص.

وفي آذار (مارس)، 2019، صرح عضو اللجنة المكلفة بمتابعة قضية التصرف في الأموال الليبية المجمدة في الخارج، عمر تنتوش، بحدوث تحويل مبالغ مالية من الأرصدة المجمدة أو فوائدها إلى مؤسسات مالية ليبية، "بلغت قيمتها نحو ملياري يورو خلال الفترة من سبتمبر 2011 إلى ديسمبر 2017".

أطماع غربية

ولم يصدر عن المسؤولين في بلجيكا تعليقات حول السبب وراء الإفراج عن الفوائد. وفي سابقة من نوعها، وافق وزير المالية البلجيكي، فنسنت فان بيتيغيم، في 14 كانون الثاني (يناير) الماضي، بعد سنوات من الطلبات المتكررة من مصفّي مؤسسة الأمير لوران السابقة، على إخطار لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة برفع التجميد عن جزء من الأرصدة الليبية البنكية المجمدة في بلجيكا؛ لاقتطاع مستحقات على عاتق الدولة الليبية، تقدر بنحو 47 مليون يورو. وأثار القرار البلجيكي مخاوف من استقطاع الأرصدة بعد ما تصرفت في الفوائد والأرباح.

وحذر المبعوث الأممي السابق، غسان سلامة في 4 كانون الأول (ديسمبر)، 2017 من المخاطر المحدقة بالأموال الليبية المجمدة، وأكد امتلاكه إثباتات بأنّ هذه الأرصدة إن لم تتم إدارتها بسرعة فهي معرضة للذوبان، "لا أحد حاليًا يدير الأرصدة الليبية في الخارج".

وقدّر ديوان المحاسبة الليبي قيمة الخسائر السنوية الناتجة عن تجميد أصول المؤسسة الليبية للاستثمار بالخارج بأكثر من 43 مليون دولار سنويّاً، وطالب بالسماح بإدارة هذه الأصول، مع بقاء التجميد.

المحلل السياسي الليبي فيصل بو الرايقة لـ"حفريات": ثمة ثروات أخرى مسجلة بأسماء أشخاص من قبل النظام السابق، تهرباً من الرقابة الدولية، بعد حادثة لوكربي

وكانت بريطانيا قدرت قيمة الأصول الليبية المجمدة بنحو 11.2 مليار جنيه إسترليني، في مطلع 2019، بينما قالت المؤسسة الليبية للاستثمار أنّ قيمة أرصدتها تفوق 12 مليار جنيه إسترليني، وتراجعت الحكومة البريطانية لاحقاً في كانون الأول (ديسمبر)، من العام ذاته، وأعلنت عن وجود خطأ محاسبي، تسبب في إنقاص 840 مليون جنيه إسترليني من الأموال الليبية المجمدة، دون الكشف عن المتسبب في ذلك.

وتشهد بريطانيا؛ ثاني أكبر الدول التي بها أرصدة ليبية مجمدة، بعد بلجيكا، دعاوى قضائية من ضحايا حوادث إرهابية، يتهمون نظام القذافي بالمسؤولية عنها، ويطالبون بتعويضات من الأرصدة الليبية المجمدة، ما يثير مخاوف حول هذه الأموال، خاصة أنّ بريطانيا ترى أنّ الأرباح والفوائد غير خاضعة لنظام العقوبات الدولية.

ويعلق بو الرايقة "هناك تقارير صحفية غربية كثيرة حول الحجز على أرصدة ليبية، وتواطؤ عدد من الليبيين في ذلك، خاصة في بلجيكا وبريطانيا".

ويرى بو الرايقة أنّ التجميد لن يرفع عن هذه الأموال حتى وجود حكومة منتخبة، ويتطلب ذلك قراراً من مجلس الأمن الدولي.

وتستفيد الدول الغربية من استمرار تجميد الأموال الليبية، عبر الحصول على الفوائد والأرباح، والتي تقدر بملايين الدولارات، كما أنّ هناك مخاوف من تعنت بعض هذه الدول في الإفراج عن هذه الأموال، حتى لو صدر قرار من مجلس الأمن الدولي بذلك، ومن المحتمل أنّ تتعرض ليبيا للابتزاز والمساومات خلال المرحلة المقبلة عن طريق هذه الأرصدة.

ويزيد من المخاطر المحيقة بالثروات المجمدة تصارع الأطراف الداعمة لحكومة الوفاق على السطو على المؤسسات. وفي إطار الصراع ألقت قوة الردع الخاصة القبض على  المدير العام للمؤسسة الليبية للاستثمار، علي محمود حسين في 6 شباط (فبراير)، 2019، بتهم فساد مالي واختلاسات، قبل أنّ يُفرج عنه ويعود لمنصبه في خطوة غامضة. 

الصفحة الرئيسية