ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟

ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟
صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
10104
عدد القراءات

2019-10-26

أبدت الدول الأوروبية، خاصّة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وبعض الدول الإسكندنافية، موقفاً متشدّداً رافضاً للاجتياح التركي لشمال شرق سوريا، في إطار عملية "نبع السلام"، ومن الواضح، سيطرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هذا الملف، ومساومة الأوروبيين عليه، لأسباب عديدة منها؛ ملف اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا، الذين يناهز تعدادهم ثلاثة ملايين ونصف المليون، و"ابتزاز" أردوغان للأوروبيين بهذا الملف، وهو ما لوّح به بعد انطلاق العملية ضدّ الاكراد، بفتح الباب أمام اللاجئين، لخلق "أزمة" دولية وإنسانية لأوروبا.

اقرأ أيضاً: تركيا ترحّل السوريين قسراً.. منظمات حقوقية دولية تكشف الطريقة
بعد الإعلان عن الاتفاق التركي – الأمريكي على هدنة، ولاحقاً إعلان تركيا وقف إطلاق النار، فقد أظهرت التحركات الأوروبية أنّها تذهب بخطة لمواجهة تركيا، وربما "معاقبة" أردوغان، تتجاوز حدود ردود الفعل "الانفعالية"، ووفق ما تسرَّب عبر الإعلام، فإنّ الخطة الأوروبية تقوم على ثلاثة محاور، هي:
أولاً: تدويل المنطقة الآمنة في الشمال السوري
المطالبة بتدويل المنطقة الآمنة التي طرحها أردوغان في الشمال السوري؛ حيث طرحت ألمانيا هذه المبادرة، وحيث تشارك روسيا وتركيا فيها، وقد عدّتها روسيا "مبادرة جديرة بالاهتمام"، فيما أيّدتها أمريكا وحلف الناتو، وتدويل المنطقة الآمنة يرسل رسائل طمأنة للأكراد ولدمشق، بعدم تفرّد تركيا والميليشيات السورية التابعة لها بإدارة المنطقة، ووأد أحلام أردوغان باحتلال أراض في الشمال السوري والبقاء فيها، إضافة لطمأنة تركيا بعدم سيطرة الأكراد على المنطقة الآمنة، إلا أنّ دخول قوات الجيش السوري إلى مناطق سلمها الأكراد له بعد "نبع السلام" يطرح تساؤلات حول دور الجيش السوري في المنطقة، إضافة لـ "الجيش الوطني السوري"، والدور الأمريكي في المنطقة، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة بقاء جزء من قواتها في المنطقة.

اقرأ أيضاً: ترامب يكافئ تركيا على عدوانها
من غير الواضح مستقبل المقترح الألماني، لكنّ التقارب الذي ظهر بين روسيا وأوروبا، على خلفية عملية "نبع السلام"، بالتزامن مع ازدياد الفجوة بين المواقف الأمريكية وأوروبا، إضافة إلى احتمالات أن يحقّق التدويل الحدّ الأدنى من مطالب غالبية الفاعلين في الملف السوري، رغم تناقضاتها، تجعل احتمالات نجاح المقترح الألماني واردة، خاصّة أنّه يتزامن مع إعادة الملف السوري إلى الأمم المتحدة، عبر اللجنة المكلَّفة بإعداد الدستور الجديد للدولة السورية.
ثانياً: الكشف عن علاقات أردوغان بالتنظيمات الإرهابية
     فتح الملف المسكوت عنه حول علاقة تركيا بالفصائل الإرهابية في سوريا "داعش والقاعدة"؛ فقد وجّه الرئيس التشيكي اتهامات مباشرة للرئيس أردوغان بهذا الخصوص، فيما تتصاعد حدّة الاتهامات لأردوغان وعلاقاته المشبوهة مع "داعش والقاعدة"، في أوساط البرلمان الأوروبي، وتستندّ كلّ الاتهامات لجملة حقائق، في مقدمتها؛ أنّ كافة "المجاهدين" الذين التحقوا بتنظيمي؛ داعش والقاعدة في سوريا جاؤوا عبر الحدود التركية، وعبر تسهيلات منسقة أشرفت عليها الاستخبارات التركية، كما أنّ غالبية منفذي العمليات التي شهدتها العواصم الأوروبية، لندن وباريس وبروكسل، كانوا من عناصر "داعشية" عائدة من سوريا، عبر تركيا أيضاً.

تتصاعد حدّة الاتهامات لأردوغان وعلاقاته مع داعش والقاعدة في أوساط البرلمان الأوروبي؛ فالذين التحقوا بالتنظيمين جاؤوا عبر الحدود التركية

ويبدو أنّ لدى الأوروبيين ما يكفي من الأدلة حول علاقات أردوغان بداعش، في سوريا والعراق، وهي مرتبطة بشخص أردوغان وعائلته؛ إذ تتردّد، وعلى نطاق واسع، اتهامات لـ "بلال أردوغان"، الابن الثالث لأردوغان، بالتعاون مع داعش في تجارة نفط سوري وعراقي مسروق، وإنجاز عقود لتصدير هذا النفط مع شركات أوروبية وآسيوية، فيما أشارت مصادر "كندية"، وفق تحقيقات موثّقة إلى تولي "سمية"، ابنة الرئيس أردوغان، مسؤولية تقديم خدمات طبية لعناصر "داعش"، تنفيذاً لاتفاق أردوغان مع "داعش"، وإنشاء مستشفى عسكري في مدينة شانلي أورفا، على بعد حوالي مئة كيلومتر عن الحدود مع سوريا، مهمّته معالجة جرحى "داعش"، إضافة إلى إنشاء مركز لاستقبال العناصر الجهادية في أحد أحياء مدينة إسطنبول "حي السلطان"، كما كشفت شهادات جنرالات في الجيش التركي وجود تنسيق ودعم لوجستي واسع، تقدّمه الاستخبارات التركية لتنظيم داعش، بما في ذلك إرسال شحنات أسلحة متنوعة للقاعدة وداعش في سوريا، تحديداً خلال عام 2014، وهو ما دفع المعارضة التركية في البرلمان التركي حينها لتوجيه استجوابات للحكومة التركية حول تلك العلاقات.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟
ورغم النجاحات التي يمكن أن يحققها الأوروبيون في طرح ملف اتهام أردوغان بعلاقاته مع تنظيم داعش، وربما لاحقاً تقديم أدلة "سرية" أكثر موثوقية، إلا أنّ تلك الاتهامات ستبقى عرضة للتشكيك، وقنبلة موقوتة صواعقها بيد أردوغان، قد يتم استخدامها من قبله في مراحل لاحقة، على خلفية احتمالات أنّ علاقات أردوغان الموثقة مع "داعش"، كانت بتنسيق ومعرفة الأجهزة الأمنية الأمريكية والأوروبية، والشكوك في أنّ أوروبا أرادت التخلص من "الجهاديين" من مواطنيها، ودفعت بهم، وسهّلت إدخالهم إلى سوريا والعراق، بتنسيق مع الاستخبارات التركية.
ثالثاً: توجيه الاتهام للجيش التركي بارتكاب جرائم حرب

تتصاعد في الصحافة الأوروبية ومراكز ومنظمات حقوقية دعوات لمحاسبة تركيا، على خلفية ارتكاب جرائم حرب خلال عملية "نبع السلام"، ويبدو أنّ تقرير منظمة العفو الدولية الذي تضمن اتهامات للجيش التركي بارتكاب تلك الجرائم، فتح الباب أمام هذا الملف، وباتجاهات تنذر باحتمالات توسعه، وبما يحرج تركيا، خاصة أنّ هذا التقرير يؤكّد أنّ لدى المنظمة "أدلة دامغة" على هجمات على مناطق سكنية دون تمييز، وعمليات قتل "بدم بارد" من قبل فصيل موال لتركيا "أحرار الشرقية"، استهدف سياسيين من بينهم السياسية الكردية، هرفين خلف، كما ظهرت تقارير تؤكد استخدام تركيا أسلحة محرَّمة دولياً، من بينها "الفوسفور الأبيض"، واستشهدت بحالات جرحى في المستشفيات، أصيبوا بحروق جراء تعرّضهم للفوسفور، وردّت تركيا بأنّ الفصائل الكردية استخدمت أسلحة كيماوية لاتهام الجيش التركي.

تتصاعد في الصحافة الأوروبية ومراكز ومنظمات حقوقية دعوات لمحاسبة تركيا على خلفية ارتكاب جرائم حرب خلال العدوان على سوريا

آفاق التوسع في ملف اتهام تركيا بارتكاب جرائم حرب واردة وبقوة، وترتبط بقدرة الأكراد على تقديم المزيد من الأدلة التي تدين الجيش التركي، وربما لا تحتاج أوروبا لمزيد من الأدلة في هذا الملف، في ظلّ توفّر أدلة أكثر موثوقية حول انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، ضدّ الصحفيين والإعلاميين، والمعتقلين الأوروبيين، وقضايا حرية التعبير والرأي، وحرية الإنترنت.
التوقعات لمستقبل محاور الخطة الأوروبية المذكورة، تشير إلى إمكانية أن تحقق بعض النجاحات، خاصة إذا قوبلت بدعم من أمريكا وروسيا، وهو غير متوقّع في المدى المنظور، في ظلّ نجاحات أردوغان في الحفاظ على توازنات في علاقاته مع روسيا وأمريكا معاً، رغم أنّ هذه النجاحات غير ثابتة وقابلة للكسر، لكن ربما ما يقلل احتمالات نجاحها بشكل كامل؛ أنّ أوروبا تبني سياساتها بالتعامل مع سياسات أردوغان على أسس براغماتية، دلّلت انتهازيتها بالتعامل مع عملية "نبع السلام"، وفق مرجعية واحدة، وهي المخاوف من مستقبل عناصر مواطنيها المنضوين في تنظيم داعش، على أنّ الدول الأوروبية ربما تتراجع عن تلك الخطة، أو بعض محاورها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الدوحة وأنقرة والخرطوم.. لماذا اختارها الإخوان؟

2020-01-28

عندما أدرك الإخوان هزيمتهم أمام الشعب المصري وجيشه، في العام 2013، فرّوا إلى ثلاث عواصم؛ الأولى الخرطوم، والثانية الدوحة، والثالثة أنقرة، لم يكن هروباً عشوائياً، بل كان عملاً منظّماً، وُضعت له الخطط والخطط البديلة، ورُصدت له الميزانيات، وتم تجهيز آليات الانتقال.

الخرطوم شهدت حضوراً إسلامياً قوياً منذ انقلاب البشير ووصوله إلى سدة الحكم في العام 1989

إنّ تفسير العلاقة بين الدول الثلاث وتنظيم الإخوان، من منظور الانتماء الفكري الأيديولوحي هو تبسيط مخلّ، من الواضح أنّ ثمة علاقة جمعت العواصم الثلاث بالإخوان المسلمين، جزء منها التنظيم، وجزء منها الرابطة الفكرية؛ فالعواصم الثلاث وإن أعلنت الترحيب بقادة الإخوان والفارّين من التنظيم وسمحت لهم بالتواجد، لكنها في الوقت نفسه لم تسمح لهم بإنشاء منظمات أو كيانات مختلطة بين الإخوان المسلمين المصريين والأتراك أو القطريين، فمن الواضح أنّ ما يجمعهم أكبر من الفكرة ومن التنظيم.

تحولت الخرطوم بعد عزل البشير من مأوى للفارين من الإخوان إلى عاصمة يفرون منها

فقد شهدت العواصم الثلاث مواقف متباينة من فكر الإخوان ومن التنظيم؛ فالدوحة تعرّفت على فكر الإخوان المسلمين في منتصف القرن الماضي عندما وصل إليها بعض الإخوان الفارّون من صراع الجماعة وقادة ثورة يوليو في العام 1954، ومنهم: عبد البديع الصقر، ويوسف القرضاوي، وعبد المعز عبدالستار، وأحمد العسّال، وكمال ناجي، واستطاعوا كذلك أنْ يقيموا علاقات جيدة مع الأسرة الحاكمة، ويتمتعوا باحترامها وثقتها.
ونظراً لوجود هؤلاء القادة التربويين وتوغّلهم في المجتمع القطري ومؤسسات الدولة، قاموا بتجنيد مجموعة من الشباب على رأسهم جاسم سلطان، ثم قرروا تأسيس فرع لتنظيم الإخوان المسلمين في قطر، العام 1975، نشط التنظيم في مطلع الثمانينيات مع توافد مجموعة من الإخوان المسلمين السوريين إلى قطر، بعد الصدام الدامي مع النظام، العام 1982، كما استمر تركّز نشاط التنظيم في الجانب الدعوي والتربوي.

اقرأ أيضاً: هل لقطر أذرع خفيّة في السودان؟
وفي خلال فترة حكم الأمير الشيخ حمد، اتخذ التنظيم (الفرع القطري) قراراً غامضاً ومفاجئاً؛ فقد حلّ نفسه العام 1999، وقتها لم يفهم المتابعون الدافع من وراء القرار، فلم يكن ثمة صدامات مع السلطة، ولا يوجد تهديد مباشر أو غير مباشر على الإخوان القطريين، ثم وضح السبب في الأعوام التالية، فقد شنّت الولايات المتحدة حرباً على العراق في 2003، وبدأت تتواصل مع أطراف الإسلام السياسي في العالم، فاجتمعت مع قادة الإخوان فيما يعرف باجتماع النادي السويسري، ذلك الاجتماع الذي تقرّبت فيه الجماعة من صناع القرار الغربي (الأوروبي والأمريكي) وبدّدت مخاوفهم من تصرف الجماعة حيال وصولهم للحكم.

عندما أدرك الإخوان هزيمتهم في مصر العام 2013 فرّوا إلى 3 عواصم: الخرطوم والدوحة وأنقرة

وفي نفس الوقت وصل أردوغان إلى الحكم، منشقّاً عن معلمه وأستاذه والأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا "نجم الدين أربكان"؛ فالإخوان في تركيا لم يكن لهم تنظيم تابع لهم كفرع من الجماعة، لكن كان لهم الأخطر هو وجود تيار يؤمن بأفكارهم، فتركيا منذ كمال أتاتورك وهي دولة علمانية وحريصة على مظاهر العلمانية، وفي خمسينيات القرن الماضي بدأ بعض السياسيين الأتراك في الإفصاح عن ميولهم الإسلامية ومحاولتهم الاستفادة من المكانة الشعبية للإسلام هناك في تقديم أفكارهم الإخوانية، لكن أغلبية النخبة العلمانية الحاكمة لتركيا أبدت اعتراضها على خلط الدين بالسياسة.
وبحلول السبعينيات من القرن الماضي ظهر جيل من السياسيين الإسلاميين الأتراك، كان على رأسهم نجم الدين أربكان الذي استخدم منهجاً مثل منهج الإخوان، في تربية أعضاء حزبه، وإن لم يسمح أن يكوّنوا تنظيماً سرياً تابعاً للإخوان، فكوّن حزب النظام الوطني في العام 1970، كأول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ إقرار العلمانية.

اقرأ أيضاً: إخوان السودان يعودون مجدداً للمتاجرة بالشعارات الدينية.. فهل ينجحون؟
وبعد انتخابات 14/10/1973 شكّل حزب السلامة مع حزب الشعب ائتلافاً وزارياً أحرز فيه أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، كما نال الحزب سبع وزارات، هذا الاستقرار في بداية سبعينيات القرن الماضي شهد عودة ما يسمى بالصحوة الإسلامية، في العالم العربي والإسلامي، فأرسل نجم الدين أربكان تلميذه النابه "رجب طيب أردوغان" للمشاركة في المؤتمر العالمي للندوة العالمية للشباب الإسلامي، وخلال القمة تمكن أردوغان من تكوين صداقات مع عدد من الأشخاص الذين أصبحوا بعد ذلك قيادات لحركات وتنظيمات تابعة لجماعة الإخوان كبرهان الدين ربّاني، الذي قاد التنظيم الإخواني في أفغانستان، وأنور إبراهيم نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق.
استمر تيار الإخوان مسيطراً (فكرياً) على أعضاء حزب السلامة الذي تحوّل إلى حزب السعادة ثم حزب الرفاه، وأصبح أردوغان الرجل الثاني خلال التسعينيات، قبل أن ينشق عن أستاذه ويؤسس حزب "العدالة والتنمية" العام 2001، ويصل إلى سدة الحكم في العام 2002، في هذه المرحلة قرر أردوغان الاستثمار في الإسلام السياسي، لم يجد أفضل من قطر لتنفذ معه مشروع السيطرة، فالمال الوفير والحدود الضيقة لا يجعل قطر دولة قوية إقليمياً، لكن بعد الشراكة من الممكن أن تصبح دولة قوية ذات نفوذ متعدّ، تحاول به أن تتساوى مع قوة دولة الإمارات أو المملكة العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: ما هي المساعي الحقيقية لقطر في السودان؟
أما الخرطوم، التي شهدت حضوراً إسلامياً قوياً منذ انقلاب البشير ووصوله إلى سدة الحكم في العام 1989، فلم يكن لديها أي تعارض مع المشروع التركي القطري، ولا خلاف فكري مع جماعة الإخوان المسلمين، فرغم أنّ السطلة في السودان كانت بين حزبي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي إلا أنّ الجذر الفكري للحزبين هي أفكار الإخوان المسلمين، مما يعني أنّه لم يكن ثمة أي معارضة تجاه استقبال الإخوان في الأراضي السودانية، فقط كل ما يحتاجه السودان التأمين السياسي والاقتصادي، فدولة ذات مساحة شاسعة تعاني من مشكلات مالية وتعاني من عزلة دولية، ورئيسها مطلوب للمحاكمة الدولية نظير جرائم الحرب في دارفور، من السهل استقطابها في المشروع التركي.

رغم ترحيب العواصم الثلاث بالإخوان الفارّين لكنها لم تسمح لهم بإنشاء منظمات أو كيانات مختلطة هناك

بالفعل شهدت العلاقات السودانية القطرية والتركية تطوراً في الجانب الاقتصادي، فقد وصلت قيمة استثمارات البلدين في الفترة التي تلت "الربيع العربي" في السودان إلى مليارات الدولارات، ففي كانون الأول (ديسمبر) 2017 وقّع الرئيس السوداني السابق عمر البشير مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان اتفاقاً يقضي بتشكيل مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، الذي كان مقرراً أن يجتمع مرة واحدة كل عام.
اعتبر السودان تشكيل المجلس خطوة مهمة لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، لا سيما أنّ الخرطوم وأنقرة أعلنتا لاحقاً عن توقيع 12 اتفاقاً في المجالات الاقتصادية والعسكرية والزراعية، وبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين 500 مليون دولار، لكن أردوغان تعهد بزيادة استثمارات بلاده إلى مليار دولار كخطوة أولية وتمهيدية للوصول إلى 10 مليارات دولار.

اقرأ أيضاً: إخوان تونس وإخوان السودان
بدورها، قامت قطر بنصيبها في الاستثمار في السودان فوقّعت كل من قطر والسودان صفقة بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير ميناء سواكن شمال شرقي السودان، والذي بلغت تكلفته في المرحلة الأولى 500 مليون دولار، هكذا أصبحت الخرطوم قادرة على استقبال الفارّين من الإخوان وفق مخطط ثلاثي يقوم باستيعابهم، والإنفاق عليهم من قبل قطر، لم تكن السودان مجرد ملاذ آمن؛ إذ أثبتت الأحداث اللاحقة أنّ ما كان مخططاً أن تكون منصة أو نقطة ارتكاز ينطلق منها المتطرفون في عمليات حدودية ضد الدولة المصرية.
بيد أنّ متغيراً حدث في المخطط، عندما قام الشعب السوداني بثورته على الإخوان ككل ورفضهم القاطع لحكمهم، أصيبت الدول التي دعمت نظام البشير بصدمة خشية فقدان مصالحها في السودان الثائر ضد البشير وضد الإخوان والإسلامويين، مما سبّب قلقاً في الدوحة وأنقرة، وأصبح أعوان قطر وتركيا في السودان مهدّدين نظراً لشبهات تورّط بعضهم في قضايا فساد مالي أو سياسي.

الدوحة عرفت فكر الإخوان منتصف الخمسينيات عندما وصل إليها بعض الفارّين من صراع الجماعة وقادة ثورة يوليو

دفع هذا بعض الإخوان إلى تكوين شبكة منظمة تعمل على تسهيل انتقال أفراد وعائلات وأموال عناصر تنظيم الإخوان الفارّين من السودان إلى تركيا، سواء المصريون أو السودانيون، وحسب "سكاي نيوز" فإنّ السلطات السودانية رصدت واقعتين ذاتَي دلالة في هذا السياق خلال الأسابيع الماضية، الأولى تتعلق بأمر القبض الذي حررته نيابة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بحق الإخواني عصام البشير المقرب من النظام المعزول، بعد تورطه في تحويل مئات الآلاف من اليوروهات إلى حسابه في أحد البنوك التركية، أما الواقعة الثانية فهي منح تركيا إشارة بث لقناة "طيبة" المملوكة للإخوان، التي يديرها عبد الحي يوسف أحد أكبر الداعمين لنظام البشير، هكذا تحولت الخرطوم من عاصمة تؤوي الفارين من الإخوان الى عاصمة يفر منها الإخوان.

للمشاركة:

سيد قطب والصحابة: الانتقاء وفن تلميع التاريخ (6)

2020-01-27

وصف سيد قطب جيل الصحابة، رضي الله عنهم، بصفات مثالية عديدة من بينها "جيل قرآني فريد"، و"جيل مميز في تاريخ البشرية جميعه". ويعود تميز ذلك الجيل، من وجهة نظره، إلى "تفرّده في تلقّي فكره من نبع وحيد هو القرآن الكريم" قبل أن "تختلط الينابيع مع فلسفة الإغريق، وأساطير الفرس، وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى، فلم يتكرر ذلك الجيل أبداً". ورأى في ذلك الجيل "ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان". لماذا؟ يجيب قطب "لأنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها".

اقرأ أيضاً: سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم (1)
لا يشك أيّ مسلم وأيّ مؤرخ نزيه في أنّ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكتف بتبليغ الوحي مشافهة، وإنما أسّس جماعة قوية خاضت تجربة فريدة، وأنّ هذه الجماعة لعبت دوراً حاسماً في تجسيد معاني القرآن الكريم على أرض الواقع، وخلقت نواة الأمة الإسلامية التي ستمتد وتغير مجرى التاريخ.

كان قطب مثالياً جداً في وقوفه عند جيل الصحابة، رضي الله عنهم، حتى كاد أن يحولهم إلى مجموعة ملائكة

لا خلاف حول ضرورة أن تدرس أيّ حركة إسلامية الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، لكونها الحقبة التأسيسية التي لم يرتبط وجودها فقط بسردية نزول الوحي لمدة ثلاث وعشرين عاماً، وإنّما أيضاً باعتبار أنّ ذلك الجيل قد كان له دور في بناء المرجعية الإسلامية التي لا يمكن فهم تفاصيلها إلا بالرجوع إلى البيئة التي احتضنت تلك المرجعية وغذّتها بتجربتها ومعاناتها وصمودها وخلافاتها. كما حفظتها ونقلتها إلى الأجيال اللاحقة.
مع التسليم بذلك، ارتكب سيد قطب ثلاثة أخطاء كبرى في تناوله لمرحلة الصحابة رضي الله عنهم:
أولاً: كان مثالياً جداً في وقوفه عند جيل الصحابة، رضي الله عنهم، حتى كاد أن يحولهم إلى مجموعة ملائكة. فالانطباع الذي يبقى في ذهن من قرأ "معالم في الطريق" وتأثر به وأعجب بكاتبه أنّ الصحابة بشر فوق النقد، وأنّهم منزهون عن الخطأ، وكأنهم عاشوا خارج التاريخ وماتوا بدون أن يتأثروا بغرائز البشر، ولم تستهوهم أحياناً الحسابات الصغيرة ولم يتورط الكثير منهم في صراعات خطيرة، ولم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الخضوع لشهوة السلطة والرغبة في الغنيمة. قَالَ الرَّسُولُ فِي صحابي لَمَّا مَاتَ فِي الْغَزْوِ مَعَهُ، وَكَانَ مُوَكَّلًا أي مكلفاً بِثَقَلِ النَّبِيِّ خَادِماً لَهُ، (هُوَ فِي النَّارِ)، فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا مَعَهُ شَمْلَةً )كِساء من صوف أو شعر يُتَغَطَّى به(  سَرَقَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ!

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الوجه المطمئن مقابل الوجه الآخر (2)
هذه النظرة التمجيدية للتاريخ الإسلامي الأول التي اعتمدها قطب تشكل خطورة على وعي العاملين في حقل الدعوة الإسلامية؛ لأنها لن تهيئهم للتعامل مع حقائق التاريخ، ومن شأنها أن تجعلهم عرضة للفتنة العلمية، وتضعهم في موقع الأضعف عندما يتم إخراجهم من دائرة الدعوة إلى دائرة البحث العلمي، عندها ستصدمهم الوقائع، وسيشكون في معارفهم، وقد يفتنون في دينهم عندما يشعرون بالعجز أمام أهل الاختصاص.
لم يساعد قطب أنصاره على تحديد هوية "الصحابة". من هم؟ وهل جميعهم كانوا صفاً موحداً وصنفاً واحداً أم هم أجيال وتيارات ودرجات وانتماءات اجتماعية مختلفة وطموحات متعددة. إذ رغم الجهود الجبارة التي بذلها الرسول، صلى الله عليه وسلم، معهم في سبيل تربيتهم وتطهير ثقافتهم وصقل مواهبهم ومساعدتهم على التخلص من موروثهم الجاهلي، إلا أنّ الواقع التاريخي يكشف بوضوح أنّ درجة التفاعل معه كانت متباينة، وأنّها اختلفت في العمق من شخص إلى آخر. وهو ما ستكشفه الأيام والأعوام التي توالت فيما بعد وفاة الرسول الكريم، لتكشف الخلافات العميقة بينهم، والتي أدت إلى أحداث ضخمة ومؤلمة شهدتها الجزيرة العربية، ولا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)
ما لم يذكره قطب وأراد أن ينساه المتأثرون به أنّ جيل الصحابة خاض حرباً أهلية كادت أن تدمر البناء كله، وأن تأكل نيرانها الأخضر واليابس، وقد سميت بـ "الفتنة الكبرى". لم يتعرض للأسباب العميقة لتلك الحرب التي قضت على الآلاف من القراء وتم اغتيال كبار الصحابة؟ وماذا ترتب عنها؟ وكيف يجب أن يتعامل معها أصحاب الدعوة اليوم؟ هل يتجاهلونها، أو يكذبون وقوعها؟. أسئلة كثيرة قفز عليها كتاب "المعالم" واعتبرها المؤلف وكأنها غير موجودة، أو افترض أنّ العقل الإسلامي السليم لن يطرحها؛ لأنه لو طرحها الداعية لأثبت قطب له بكونه مصاباً بلوثة "الجاهلية"!

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الجاهلية نظرية في الخروج من التاريخ (4)
ثانياً:
عمّق سيد قطب في أطروحته فكرة راسخة عند عموم المسلمين، تتمثل في أنّ مجدهم ونموذجهم الأعلى قد تحقق في ماضيهم، وأنّ المطلوب منهم هو الالتفات دائماً إلى الوراء لمحاولة تكرار ما حصل خلال لحظة التأسيس. فمستقبلهم يكمن في ماضيهم، ولهذا يجدون أنفسهم باستمرار مشدودين إلى الأجداد، وغير قادرين على التحرر منهم والتفكير جدياً في تجاوزهم.

اقرأ أيضاً: سيد قطب و"الظلال".. اختل المنهج فسقط البناء (5)

يطالبون باستمرار بالعودة إلى الإسلام؛ لأنهم يعتقدون في أعماقهم بأنّ الحلم الجميل موجود وراءهم، ولم يفترضوا أنّ الإسلام أمامهم وليس خلفهم، وأنّه مشروع مستقبلي وليس مشروعاً ماضوياً. وشتان بين الحالتين. فالتجديد الحضاري لن يتحقق إذا لم يتم فك الارتباط الآلي بين المجد القديم وبين الحاضر لبناء المستقبل. وفك الارتباط لا يعني رفض الاستعانة بالتاريخ وتحليله في عملية إعادة البناء والتأسيس. ولكن حتى نتجاوز النظرة الدائرية للتاريخ، وبشكل أدق حتى يتم التخلص من الرؤية الانحدارية للتاريخ الإسلامي التي بنيت على حديث نبوي ورد فيه "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). لقد فهم الكثيرون من ذلك أنّ التاريخ الإسلامي يبدأ من الأعلى في شكل سلّم يبدأ من فوق أي من مرحلة الصحابة التي تعتبر القمة في كل شيء، ثم كلما اتجه المسلمون نحو الأمام؛ أي سايروا حركة الزمن إلا وزادت أوضاعهم سوءاً مقارنة بنقطة البداية. وهي نظرة قاتلة للوعي الحضاري ومدمرة للشعوب والأمم. فمن شروط سياقة السيارة أن يلتفت السائق من حين لآخر للمرآة العاكسة التي تكشف له ما وراءه، لكنه لو بقي ينظر إليها باستمرار ولم ينظر أمامه لتسبب في حادث خطير يمكن أن يؤدي به إلى الموت.   

هذه النظرة التمجيدية للتاريخ الإسلامي الأول التي اعتمدها قطب تشكل خطورة على وعي العاملين في حقل الدعوة الإسلامية

ثالثاً: خلص قطب من تأملاته في المرحلة التأسيسية إلى نتيجة أدت عملياً إلى الوقوع في مآزق كثيرة. اعتقد بأنّ تجربة الصحابة تتضمن المنهج الصحيح للدعوة الإسلامية، وأنّ جميع الدعاة في أي زمان ومكان مطالبون بالالتزام بذلك المنهج وعدم الخروج عليه أو تجاوزه. قال "سنلقى في هذا عنتاً ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية. وإنه لمن الخير أن ندرك دائماً طبيعة منهجنا، وطبيعة موقفنا، وطبيعة الطريق الذي لا بد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد... ".
هذه الفرضية مثلها مثل الفرضيات السابقة زادت من تعقيد المنهج، وأدت عملياً وحتى نظرياً إلى وضع معالم خاطئة في الطريق.
لا يوجد منهج واحد ووحيد لإصلاح الواقع وتغييره. المنهج مرتبط بالظرف والزمان والمكان والسياق وطبيعة التحديات المطروحة على الشعوب والجماعات. لهذا اختلفت المسارات والتجارب والمحاولات التي خاضتها حتى الحركة الواحدة، وهو ما حصل للإخوان المسلمين الذين دعوا إلى وحدة التنظيم والمنهج، وأسسوا لذلك تنظيماً دولياً، لكن كان الواقع أقوى من الفكرة؛ حيث تعددت الاجتهادات إلى حد التناقض فيما بينها، وهو ما أدى إلى انفراد كل حركة بتحديد مصيرها وفق ما تقتضيه مصلحتها، وأصبح الانتماء إلى هذا التنظيم صورياً أو يكاد بالنسبة للعديد من هذه الحركات، تستفيد من الغطاء لكنها لا تلتزم بكثير مما يقال. (يتبع...)

للمشاركة:

لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟

2020-01-27

باتت فرنسا تعاني من أجل تحسين صورتها أمام شعوب منطقة الساحل الأفريقي؛ حيث تنفذ الجماعات الإرهابية المسلّحة هجمات دموية دون انقطاع منذ بداية الصراع في مالي عام 2012، وحيث تتواجد القوات الفرنسية منذ عام 2013، حين تدخلت عسكرياً بطلب رسمي من حكومة باماكو الماليّة.

اقرأ أيضاً: مؤشر الإرهاب 2019: لماذا أفريقيا الأكثر تضرراً؟
ولإعادة تصحيح الوضع وتعزيز الحرب على الجماعات الجهادية المسلّحة، عقدت فرنسا وبلدان الساحل "النيجر، تشاد، موريتانيا، بوركينا فاسو، مالي" اجتماعاً الأسبوع الماضي في ضواحي العاصمة الفرنسية، وقررت رفع مستوى التعاون العسكري المشترك بينها في مواجهة تنامي العمليات الإرهابية.

جاء الاجتماع بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون في أعقاب تزايد الشعور المعادي للوجود العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي

وجاء الاجتماع بدعوة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في أعقاب تزايد الشعور المعادي للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، بعد أن شهدت بعض بلدان المنطقة في الأسابيع القليلة الماضية مظاهرات احتجاجية ضد هذا التواجد، شارك فيها المئات من المواطنين الذين نددوا بـ"الاحتلال الفرنسي" وأحرقوا الأعلام الفرنسية مطالبين برحيل القوات الفرنسية والدولية، تحت شعارات مثل "فلتسقط فرنسا"، الأمر الذي دفع باريس إلى طلب "توضيحات" من حكومات المنطقة فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة إليها بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وبالطموحات الاستعمارية.
وبدأ الشعور المعادي للوجود الفرنسي والدولي في المنطقة بعد الاصطدام الذي وقع بين طائرتين عسكريتين فرنسيتين في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والذي أدى إلى مقتل 13 جندياً فرنسياً، ممّا كشف عن حضور عسكري قوي لفرنسا، وبدأ مواطنون في بلدان المنطقة بالتعبير عن استنكارهم للوجود العسكري الفرنسي على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل الأمر إلى حد اتهام فرنسا باستهداف قاعدة عسكرية في النيجر بشكل سرّيّ ومحاولة إبقاء الجماعات المسلّحة فاعلة لإدامة حالة عدم الاستقرار، ولقيت تلك الشائعات رواجاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع السفير الفرنسي في النيجر إلى تكذيبها يوم 24 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
وخلال الاجتماع السداسي، أعلن الرئيس الفرنسي عن إرسال 220 جندياً إضافياً إلى منطقة الساحل لتعزيز القوات العاملة في إطار عملية "بارخان"، التي بدأتها فرنسا منذ عام 2013 لمواجهة التنظيمات الجهادية المسلّحة، وتتشكل من 4500 جندي يقيمون هناك منذ ذلك التاريخ، لمراقبة الأوضاع الأمنية في منطقة واسعة تساوي تقريباً مساحة أوروبا.
وفقدت فرنسا حتى اليوم 41 جندياً في الساحل منذ أول تدخل عسكري لها عام 2013، لصد هجمات الجماعات المسلّحة التي كانت تسعى إلى دخول عاصمة مالي بعد سيطرتها على مناطق شاسعة في الشمال، وتعد هذه الخسارة أكبر الخسائر العسكرية لفرنسا في جميع عملياتها لحفظ السلام في العالم.

اتهم مواطنون فرنسا باستهداف قاعدة عسكرية في النيجر بشكل سرّيّ ومحاولة إبقاء الجماعات المسلحة فاعلة لإدامة حالة عدم الاستقرار

واتفقت فرنسا والبلدان الخمسة على إنشاء مجموعة عسكرية أطلق عليها اسم "التحالف من أجل الساحل" بهدف تنسيق الخطط العسكرية، في إطار سياسي وإستراتيجي وعملياتي جديد، يتناسب مع تحديات المرحلة؛ حيث سيجمع هذا التحالف بين القوات الفرنسية العاملة في إطار عملية بارخان، وقوات البلدان الخمسة.
وقررت الدول الست تركيز عملياتها العسكرية خلال الفترة المقبلة في المنطقة الحدودية الحساسة بين 3 بلدان هي؛ مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي تتحرك فيها الجماعات الجهادية بشكل مكثف؛ حيث تسمح لها الفجوات الأمنية على الحدود بالتسلل والتحرك بحرية وتنفيذ هجمات إرهابية قبل العودة إلى قواعدها، خصوصاً مسلّحي ما يسمّى "الجماعة الإسلامية للصحراء الكبرى"، وسيتم في حزيران (يونيو) من العام الجاري عقد قمة جديدة لمناقشة الحصيلة ووضع إستراتيجية جديدة في مواجهة التحديات الإرهابية المتنامية في المنطقة، وذلك بحسب البيان المشترك الذي صدر عقب الاجتماع.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
وتواجه بلدان المنطقة تحديات أمنية كبيرة منذ أعوام، لكنها مرشحة للارتفاع في حال نفّذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارها بسحب قواتها؛ حيث كان قائد القوات العسكرية الأمريكية الجنرال مارك ميللي، قد صرح في وقت سابق بأنّ القوات العسكرية الأمريكية في منطقة الساحل قد يتم تقليص عددها، كما يمكن نقلها كلها إلى منطقة الباسيفيك، وهو ما يشكل عامل قلق لعواصم المنطقة التي تشكو منذ فترة طويلة من عجزها عن مواجهة العمليات الإرهابية، لذلك تريد إقناع الإدارة الأمريكية بإبقاء قواتها هناك.

حضور فرنسا المنفرد في الساحل سيعزز صورتها أمام الشعوب كدولة استعمارية تقليدية تريد بعث الإرث الاستعماري القديم

وتلتقي تلك الرغبة التي عبّر عنها زعماء دول المنطقة مع رغبة فرنسا، التي لا تريد أن تبقى وحيدة في مواجهة الجماعات المسلّحة؛ إذ إنّ حضورها المنفرد في المنطقة من شأنه أن يعزز صورتها أمام تلك الشعوب كدولة استعمارية تقليدية تريد بعث الإرث الاستعماري القديم، وهو ما أعلنه الرئيس الفرنسي؛ حيث قال خلال الاجتماع مع البلدان الخمسة لمنطقة الساحل بأنّه سيحاول إقناع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأنّ التحدي الإرهابي "يوجد أيضاً في هذه المنطقة وبأنّ الوضع في ليبيا لا يمكن فصله عن الأوضاع العامة في الساحل وفي منطقة بحيرة تشاد"، مشدداً على خطورة انتشار الظاهرة الإرهابية في حال فشل الدول الأوروبية والولايات المتحدة في التعاون لمواجهتها.
ويوجد في إقليم الساحل الأفريقي نحو 7 آلاف جندي أمريكي من القوات الخاصة، يعملون في إطار العمليات المشتركة مع القوات النظامية للبلدان الخمسة ضد الجهاديين، خصوصاً في الصومال.

للمشاركة:



الفلسطينيون يلوحون بالتصعيد..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

دعت القيادة الفلسطينية اليوم ، إلى اجتماع طارئ وسط دعوات لتظاهرات غاضبة في الضفة الغربية وقطاع غزة بالتزامن مع إعلان "صفقة القرن" الأمريكية للسلام مع الكيان الصهيوني.

وينطلق الاجتماع مساء اليوم في مدينة رام الله عند الساعة السابعة بالتوقيت المحلي، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية.

ومن المقرر أن يضم الاجتماع أعضاء اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وأمناء فصائل المنظمة، بينما نقلت وكالة "فرانس برس"، عن القيادي في حركة فتح عزام الأحمد، أنّ الدعوة وجهت أيضاً لـ "حركة حماس لحضور اجتماع القيادة الطارئ وسيحضرون الاجتماع"، وهدف الاجتماع مناقشة آليات الرد.

دعت القيادة الفلسطينية إلى اجتماع طارئ يضم كل التنظيمات الفلسطينية بالتزامن مع إعلان "صفقة القرن"

ويتزامن هذا الموعد مع إعلان خطة أمريكية يرفضها الفلسطينيون ويعتبرونها استهدافاً لتصفية قضيتهم ومنحازة إلى دولة الاحتلال.

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد أعلن أنّ خطته للسلام سوف يعلن عنها اليوم، معرباً عن اعتقاده بأنّ الفلسطينيين سيدعمونها في نهاية المطاف وأنّ عدداً من الدول العربية تعتبرها بداية جيدة.

ورغم أنّ الخطة لم يكشف عن تفاصيلها رسمياً بعد، إلا أنّ هناك تسريبات تناقلتها وسائل الإعلام طيلة العام الماضي واصفة الخطة بـ "صفقة القرن".

وأمام رفض الفلسطينيين لهذه الخطة، يرحب الكيان الصهيوني بها. ولن يكون الرئيس الأمريكي بمفرده عند الإعلان عن "صفقة القرن"، بل سيقف إلى جانبه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المتواجد في المكتب البيضاوي منذ أمس، إلى جانب منافس نتانياهو في الانتخابات بني غانتس. ودعوة غانتس إلى البيت الأبيض هي مؤشر على حساسية التوقيت قبل شهر من انتخابات جديدة في اسرائيل، مع اتهامات الفساد التي تلاحق نتنياهو.

وهدد الفلسطينيون بالانسحاب من اتفاقية أوسلو التي تحدد العلاقة مع إسرائيل. وشدد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات على أنّ "خطواتنا للرد على إعلان صفقة القرن تتمثل بإعلان تنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير وأبرزها إعلان انتهاء المرحلة الانتقالية".

وتنص اتفاقات أوسلو الثانية الموقعة في أيلول (سبتمبر) 1995، على فترة انتقالية من خمس سنوات يتم خلالها التفاوض على قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين

وبموجب هذه الاتفاقات، قسّمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: الأولى خاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، والثانية تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية اسرائيلية والثالثة تخضع لسيطرة مدنية وأمنية إسرائيلية.

 

للمشاركة:

حكومة الوفاق الليبية تتستر على قتلى من المرتزقة السوريين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

أفاد تقرير للاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الليبي بوجود جثث لعشرات المرتزقة السوريين داخل أكياس بثلاجة مستشفى طرابلس المركزي.

وأكد الحساب الرسمي للقيادة العامة للجيش الليبي عبر تويتر، أنّ الميليشيات تمنع الأطباء الشرعيين من إجراء عمليات تشريح للجثث كما هو متبع.

الجيش الليبي يؤكد وجود جثث لعشرات المرتزقة السوريين داخل أكياس بثلاجة مستشفى طرابلس المركزي

يأتي ذلك فيما أكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، في مؤتمر صحافي، أول من أمس، أنّ تركيا تنقل الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا بوتيرة عالية.

هذا ونقلت صحيفة " The New York Review of Books"الأمريكية، عن أحد المقاتلين السوريين في ليبيا، يدعى أحمد قوله: "أنا تابع للجيش التركي. كل منا لديه منزل في تركيا إما في مدينة إسطنبول أو مدينة غازي عنتاب".

الخبير في الشؤون الدولية في مركز “Carnegie” فريدريك ويهري، أوضح أن بعض المقاتلين السوريين أبعدوا الاهتمام والأنظار عن الحرب في سوريا من خلال الخطوة التي اتخذتها أنقرة بإرسال قوات إلى ليبيا.

مقاتل من الميليشيات السورية يؤكد أنه يتبع للجيش التركي وأن لدى المقاتلين منازل في إسطنبول وغازي عنتاب

الخبر تناول أيضاً حصول المقاتلين السوريين على راتب شهري 2000 دولار أمريكي، من الحكومة التركية، مشيراً إلى حصولهم على وعود بالحصول على الجنسية التركية في نهاية الحرب في ليبيا.

 

للمشاركة:

استجابة إماراتية سريعة للمنكوبين في حريق كراتشي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

قدمت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، مساعدات إغاثية عاجلة للمتأثرين من الحريق الذي شب في مدينة "تين هتين" بكراتشي في باكستان.

وأكد الدكتور الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، محمد عتيق الفلاحي، في تصريح صحفي نقلته وكالة الأنباء الإماراتية "وام"، أنّ المساعدات جاءت في إطار تضامن الإمارات الدائم مع ضحايا الكوارث والأزمات الطبيعية حول العالم، وضمن المسؤولية الإنسانية التي تضطلع بها الدولة لتحسين الحياة، وتخفيف المعاناة في المناطق والساحات الضعيفة.

وأكد الفلاحي على دور الإمارات التنموي على الساحة الباكستانية، مشيراً إلى أنّ مبادرات الهلال الأحمر الإماراتي العديدة في مختلف الأقاليم الباكستانية تأتي منسجمة مع توجهات الإمارات في الوقوف بجانب الأشقاء في باكستان في كل الأحوال والظروف.

وأضاف أمين عام الهلال الأحمر: "تأتي هذه المساعدات أيضاً استجابة من الهيئة للنداءات الإنسانية العاجلة التي أطلقها أهالي المدينة، الذين فقدوا ممتلكاتهم واحتياجاتهم الأساسية، ويواجهون ظروفاً إنسانية صعبة بسبب ظروف المناخ وبرودة الطقس".

أهالي المدينة يوجهون شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات على ما تقدمه من مساعدات إنسانية

وكان فريق القنصلية العاملة لدولة الإمارات لدي كراتشي، قد توجه للمنطقة التي نشب بها الحريق والذي تسبب في حرق كل الخيام والأكواخ الموجودة في المنطقة وتقطنها 150 أسرة، لتلمس احتياجاتهم وتوزيع مساعدات إغاثية على المئات من السكان الذين يعانون من تدهور أوضاعهم الاقتصادية من قبل.

من جانبهم أعرب أهالي المدينة عن سعادتهم بهذه الحملة الإغاثية العاجلة التي جرت خلال 24 ساعة من الحريق، والتي تعكس سرعة استجابة الهلال الأحمر الإماراتي بالتعاون مع القنصلية العامة لدولة الإمارات ومفوض كراتشي، والتي خففت من معاناة أهالي المنطقة المتضررة، موجهين شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات على ما تقدمه من مساعدات إنسانية ضرورية ترفع عن كاهلهم أعباء الحياة المعيشية اليومية الصعبة.

 

للمشاركة:



خطر المحور التركي القطري على الأمن العالمي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

سوسن الشاعر

لن يطول الوقت حتى يلزم المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم من المحور «القطري التركي». وما هذه المماطلة من التيارات اليسارية الغربية المتحالفة مع جماعة «الإخوان المسلمين» لتأخير هذه الخطوة أو منعها، إلا تضييع وقت ومحاولة لإبعاد الأنظار عما تمارسه هذه الجماعة من رعاية للمتطرفين.

وقد بدأ خطر هذا المحور على الأمن الدولي والاستقرار العالمي يهدد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فعلاً، السلطات التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بدأت تتعرض لضغوط من اجل إدراج «الجماعة» وتصنيفها ضمن "الجماعات الإرهابية"، كما ذكر أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور طارق فهمى في تصريحات لـ«اليوم السابع» إن النواب بالكونغرس الذين يسعون إلى فتح ملف نشاط الإخوان مدعمين بتقارير الخارجية الأمريكية وملفات الاستخبارات الأمريكية التي تحذر من إهمال ملف الجماعة، وعدم وضعه على الأولويات والمطالبة بالكشف عن المسكوت عنه في دوائر محددة تحاول غلق الملف وإنهاء التحقيقات الفيدرالية.

وأشار الدكتور فهمي إلى أن هناك مجلس العلاقات المتخصصة ومركز سابان ومركز التقدم الأمريكي وهي مراكز بيوت خبرة وتهتم بموضوعات الجماعة الإرهابية بدأت في الفترة الأخيرة سلسلة تقارير موجهة بشأن ضرورة التعامل مع حالة الإخوان وحظر الجماعة والنشاط الاقتصادي الكبير في أمريكا ومخالفة القوانين والقواعد الفيدرالية الأمريكية.

الجديد أن التقارير الأمريكية بدأت تبرز الدور القطري والتركي في رعاية هذه الجماعة، وبدأت تتكلم عن خطر هذا المحور على الأمن الدولي، فقد نشر موقع «ناشيونال إنترست» الأمريكي معلومات تفصيلية عن التقرير الذي كتبه اثنان من كبار الباحثين.

ووصف التقرير تركيا وقطر بـ«الأخوين»، اللذين يشاركان في التمويل غير المشروع لتعزيز الأيديولوجيات المتطرفة، وهو الأمر الذي سيحتم على واشنطن استجابة «متعددة الجوانب» لإجبار الدوحة وأنقرة على الحد من سلوكهما «الخبيث».

وأوضح المصدر أن المحور القطري التركي بات يتنافس بقوة على نفوذه في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من العراق إلى ليبيا، ما يعقد الوضع في المنطقة «المضطربة فعلاً».

وأضاف: «بدا التحالف القطري التركي واضحاً بشكل بارز، في أعقاب بدء الأزمة القطرية وقطع عدد من الدول علاقاتها مع الدوحة بسبب دعمها التطرف وتعاونها مع إيران لزعزعة استقرار المنطقة».

وأبرز التقرير الذي نشره الموقع تحت عنوان «الإخوة في السلاح: توحيد المحور التركي-القطري» أن أيديولوجية «الإخوان» هي قلب هذا المحور، الذي ازداد قوة ومتانة بعد صعود رجب طيب أردوغان إلى الحكم.

وتابع: «وفرت تركيا وقطر ملاذات آمنة لمعتنقي هذه الأيديولوجية وقياداتها، ما يشكل انتهاكاً صارخاً للعقوبات الأمريكية والأممية».

كما سلط الضوء على أن أجندة تركيا وقطر المدمرة والمزعزعة للاستقرار «مثيرة للقلق بالنسبة إلى واشنطن»، قائلاً: «الدولتان حليفتان للولايات المتحدة، على الأقل ظاهرياً.. كما أنهما تستضيفان قواعد عسكرية أمريكية مهمة، لكنهما أصبحتا إخوتين في السلاح وفي مشاريعهما المشجعة على الأيديولوجيات المتطرفة».

هذه التقارير تحث الإدارة الأمريكية على اتخاذ خطوات حازمة تجاه هاتين الدولتين، وكما طال الوقت حتى اضطرت الجماعات الغربية اليسارية والليبرالية أن ترضخ وتصنف «حزب الله» ضمن الجماعات الإرهابية، فلن يطول الوقت حتى تقر في النهاية ما يعرفه الجميع أن هذه الجماعة هي جماعة «الإخوان المسلحين» لا جماعة للإخوان المسلمين، وأن أبرز داعمي هذه الجماعة هما دولتا قطر وتركيا وأن هذا المحور بات يشكل خطراً على الأمن العالمي.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

مهدي خلجي

بعد اغتيال قاسم سليماني، انصبّ التركيز بشكل كبير على العمليات الخارجية التي ينفذها "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني. غير أن الفيلق لعب دورا بارزا في الداخل أيضا، لكن مستقبله لم يعد واضحا حاليا. وعلى وجه الخصوص، كان سليماني نفسه في موقع جيد يخوله أن يكون شخصية جامعة توفر الاستقرار ما أن تواجه إيران التحدي المتمثل في تعيين خلف للمرشد الأعلى علي خامنئي.

سليماني كجندي مثالي لخامنئي
بنظر المرشد الأعلى، كان سليماني مثالا يحتذى به حول الطريقة التي ينبغي لقائد عسكري التصرف بها مهنيا وسياسيا. فخامنئي لم يكن يثق بأي قائد بارز آخر، وهذه حقيقة كانت واضحة في المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لسليماني في كثير من الأحيان.

على سبيل المثال، عندما استلم خامنئي السلطة في عام 1989، اعتمد سياسة جديدة تقوم على تحديد مدة الخدمة الفعلية في المراكز العسكرية والسياسية، بما في ذلك المنصب الأعلى في "الحرس الثوري" الإيراني الذي تمّ تحديده بعشر سنوات.

ولم يكن خامنئي يُعتبر خلفا طبيعيا لروح الله الخميني وافتقر إلى المؤهلات الدينية والجاذبية التي كان يتمتع بها القائد المؤسس، لذا كان إعادة تشكيل التسلسل الهرمي العسكري بحذر بين الحين والآخر وسيلة بديلة لتوطيد سلطته وترسيخها.

وحتى اليوم، في وقت يتمتع فيه بصلاحية شبه مطلقة، يساهم تناوب المراكز بين العناصر من ذوي الرتب العليا والمتوسطة في منع القادة من تشكيل دوائر سلطة وتحالفات خاصة بهم.

غير أن سليماني شكّل حالة استثنائية لهذه القيود المفروضة على مدة الولاية، ويُعزى ذلك جزئيا إلى أنه كان ينحدر من مجموعة صغيرة من قادة "الحرس الثوري" الذين كانوا مقربين من خامنئي أكثر من خصومه خلال المرحلة الانتقالية [بعد وفاة] آية الله الخميني. وفي أعقاب تعيين سليماني كقائد لـ "فيلق القدس" في عام 1997، بقي في هذا المنصب إلى حين مقتله بعد أكثر من عشرين عاما.

ولم يكتسب سليماني مكانته المميزة هذه فقط بسبب ولائه لخامنئي منذ البداية وإنجازاته العسكرية اللاحقة. فبخلاف الأغلبية الساحقة من ضباط "الحرس الثوري" الإيراني، تجنّب أيضا الانخراط في الأنشطة الاقتصادية والسياسية، وبدلا من ذلك عاش حياة متدينة بحتة.

وبفضل هذه السمات كان محببا إلى خامنئي الذي غالبا ما أشار إلى الجنرال و "فيلق القدس" الذي يرأسه على أنهما دليل على أن استراتيجية "المقاومة" كانت فعالة أكثر من المقاربة الدبلوماسية التي يفضلها الرؤساء الإيرانيون.

وتميز سليماني بانتهاج هذه الاستراتيجية من دون الإدلاء بتصريحات علنية سواء داعمة للسياسات المتشددة أو مناهضة لمسؤولين منشقين، حتى خلال الدورات الانتخابية الساخنة. وتعذّر على مراكز القوة النافذة التأثير عليه ـ فكان يتلقى الأوامر مباشرة من المرشد الأعلى وكان مسؤولا أمامه فقط، لذا لم يكن مهتما بما أراده رؤساء البلاد أو المسؤولين الآخرين.

فالشخص الوحيد الذي كرّر ولاءه المطلق له بفخر وبشكل متكرر هو خامنئي. وفي المقابل، غالبا ما وصف المرشد الأعلى شخصية سليماني وخدمته بصفات لم تُستخدم لوصف أي قائد آخر.

وتجسّدت هذه المحسوبية المتبادلة أيضا بالطريقة التي توليا بها إدارة السياسة الإقليمية. ففي أوائل 2019، على سبيل المثال، رافق أفراد من "فيلق القدس" الرئيس السوري بشار الأسد من دمشق إلى مكتب خامنئي في طهران دون علم مسبق من الحكومة.

ورد وزير الخارجية محمد جواد ظريف بغضب على استبعاده من الاجتماع وعرض استقالته، لكن تمّ رفضها. وحتى أن الرئيس حسن روحاني نفسه استُبعد من أجزاء من الاجتماع ـ في المقابل، جلس سليماني ورفاقه إلى جانب خامنئي طيلة فترة المحادثات حيث أشاد به المرشد الأعلى والرئيس السوري وأغدقا عليه المدح.

بالإضافة إلى ذلك، وبفضل الحملة الدعائية التي تشنها الدولة والتغطية الإعلامية الغربية، اعتبرت شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني سليماني بطلا، رغم أنه كان يقول صراحة إنه ليس شخصية قومية بل جندي في خدمة الإسلام والنظام. ويُعدّ لقب "البطل القومي" الذي غالبا ما وُصف به لقبا نادرا في اللغة الفارسية، لا يُعطى إلا لشخصيات في الملاحم وعلم الأساطير الفارسي وليس لمسؤولين عسكريين معاصرين.

ومن هذا المنطلق، أصبح سليماني مقدسا من الناحية الأيديولوجية بقدر خامنئي نفسه تقريبا. ولم يكن مسموحا انتقاد سجله أو دوره علنا، كما مالت نخبة النظام إلى التحدث عنه باحترام، وحتى بمحبة، بغض النظر عن تبعياتها الفصائلية. فبنظرهم، كان يتمتع بالمقومات الضرورية لتسهيل عملية صنع القرار والتوصل إلى تفاهم وإجماع في وقت الأزمات ـ وهو شخصية لا مثيل لها يتمتع بسلطة وحكمة كان سيتم قبولها دون أدنى شك من قبل أقرانه العسكريين، والنخبة السياسية وجزء كبير من الشعب.

وتم تعزيز هذه السمعة في السنوات الأخيرة كلما تمّ تكليف "فيلق القدس" بالاضطلاع بدور أكبر على الساحة المحلية. على سبيل المثال، فبعد عجز الحكومة عن التعامل بفعالية مع أزمة الفيضانات التي أصابت البلاد العام الماضي، تدخلت قوات سليماني لتوفير الإغاثة. ونظرا إلى وصفه هذه القوة بأنها هيئة وطنية مكلفة بالعديد من المهام العسكرية وغير العسكرية، سيكون من المثير للاهتمام رؤية ما إذا كانت القيادة الجديدة تشعر مضطرة إلى إعادة توضيع التنظيم وكيف.

ويُعتبر محمد حسين ـ زاده حجازي، النائب الجديد لقائد "فيلق القدس"، شخصية تُجسد هذه المعضلة. فقبل انضمامه إلى "فيلق القدس"، كان له دور مهم في تحويل ميليشيا "الباسيج" إلى قوة قمعية أقدمت بوحشية على قمع احتجاجات "الحركة الخضراء" في عام 2009.

ورغم توليه أدوارا خارجية منذ ذلك الحين، إلا أن خلفيته الإجمالية تتركز بشكل كبير على الأمن الداخلي. يُذكر أن "فيلق القدس" بقي عموما خارج مساعي النظام الرامية إلى قمع الاضطرابات التي شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، مثل مقتل المئات لاحتجاجهم على رفع أسعار البنزين. ونتيجة لذلك، تلقى "الفيلق" لوما مخففا بسبب هذا القمع، لكن ذلك قد يتغير.

الخلافة تحتاج إلى شخصية تحافظ على الاستقرار
إن آيات الله الثمانية والثمانين الذين يشكلون "مجلس الخبراء" الإيراني مكلفون بموجب الدستور بتعيين خلف للمرشد الأعلى، لكن هذه المؤسسة تُعرف باعتمادها على جهات فاعلة من الخارج، ولا سيما "الحرس الثوري" الإيراني.

فعادة ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر "الحرس الثوري"، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية ـ الأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس.

إن موت سليماني يجعل هذا الوضع أكثر تعقيدا إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لأيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريبا، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل ـ بما فيها "الحرس الثوري" الإيراني ـ سلطة محورية ترسي عليها أساسا جديدا للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطرا وجوديا على النظام ككل.

والمفارقة أن خامنئي هو "رجل المؤسسات" الذي يؤمن بالبيروقراطية الحديثة غير المحدودة من أجل إضعاف دور الجهات الفاعلة من الأفراد. ومع ذلك، فإن تركيزه على دعم مجموعة من المؤسسات لا يهدف إلى تمكين هيكليات الحكومة الديمقراطية، بل إضعاف إمكانية إقامة تحالفات مستقلة ومؤسسات ديمقراطية قوية.

واليوم، من الشائع أن يتم تكليف مؤسسات إيرانية بمهام متداخلة مع عدم وجود خيارات للتنسيق مع بعضها البعض أو اعتبار نفسها مسؤولة أمام أي سلطة غير المرشد الأعلى. ويساعد هذا التصميم خامنئي على عزل سلطته عن أي تهديدات محلية، سواء من النخبة أو من الشعب، مما يسمح له بالتمتع بصلاحية قصوى ـ ولكن مع الحد الأدنى من المسؤولية عندما تسوء الأمور.

وأخيرا، إن خطر تركيز الكثير من السلطة بيد خامنئي أمر واضح: ما الذي سيحصل عند رحيله؟ لقد كان سليماني يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، كان شخصا قد منح خامنئي على الأرجح راحة البال بأن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية.

حتى الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه ـ شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به دون اللجوء إلى التدابير القسرية. والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة لطهران، كما أن مستقبل النظام أقل تأكدا.

عن "الحرة"

للمشاركة:

هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

2020-01-28

ترجمة: إسماعيل حسن


استفزازات إيران السابقة واليائسة؛ المتمثلة في الهجوم على ناقلات النفط، والمسّ بتصدير النفط السعودي، والهجوم على السفارة الأمريكية، وإسقاط الطائرات المسيرة، كلّها تدلّ على ضائقة عميقة في ضوء نجاح العقوبات، تهدف إلى جرّ ترامب إلى مواجهة في صيغة تخيف ناخبي تشرين الثاني، وتقنعهم بفكر أوباما، وكأنّ البديل هو بين المصالحة والحرب والكثير من القتلى الأمريكيين، وقد فضّلت الولايات المتحدة عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مبادر إليها، وتشديد الضغوط في المجال الاقتصادي المؤلم، الذي أثبت نجاعته.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟
بالتوازي؛ بحثت عن خطوة ضارة ومهينة ترمم الردع حيال إيران ومصداقيتها في نظر حلفائها في المنطقة، وقد قدّمت تصفية سليماني خليطاً متكاملاً، لدولة هشّة أكثر من أيّ وقت مضى، ولدى الولايات المتحدة الأدوات لضربها دون الدخول في مواجهة برية مكثفة، هذا النظام جدير باللجم والإضعاف والردع وتقويض أساساته، لقد صالحه أوباما في اتفاق وعد بهدوء مؤقت، بالضبط حين كان الإيرانيون في حاجة إلى مثل هذا الهدوء، كي يطوروا وسائل إطلاق الصواريخ والرؤوس المتفجرة، في المقابل؛ ترامب يضرب هذا النظام في المكان الأكثر هشاشة، وهي مداخيل الدولة، الأمر الذي يفشل محاولة النظام أن يضمن دفعة واحدة من احتياجاته الإستراتيجية الأساسية الثلاثة، وهي: الهدوء في الداخل، والهيمنة الإقليمية، والنووي.

التحذير ليس نظرياً

التحذير ليس نظرياً، إنما الفعل على أرض الواقع هو ما يؤلم ويوثر، إيران سيطرت في العام الماضي على بضع سفن، أبرزها الناقلة البريطانية "ستينا أمبيرو"، كردّ على خطوة مشابهة من بريطانيا ضدّ سفن إيرانية نقلت النفط إلى سوريا، وبحسب الادعاءات في الغرب، فإنّ إيران تقف أيضاً خلف الهجوم على ميناء الفجيرة، أحد أهم موانئ النفط في الإمارات، وضرب ناقلات نفط في قلب البحر، لم تأخذ طهران المسؤولية عن ذلك، لكنّ الولايات المتحدة نشرت أدلة تدين القوة البحرية التابعة للحرس الثوري بالعودة إلى ساحة الحدث، وكانت ذروة النشاط القتالي الإيراني في المجال البحري، في اعتراض مسيرة أمريكية متطورة فوق المياه الدولية، في شهر حزيران (يونيو) الماضي، في ضوء الأسلوب المختلف للهجمات الإيرانية في الساحة البحرية، يبدو تعاظم قوة إيران في المجال مشوشة بالأساس، فإلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة التي يستخدمونها بشكل سرّي. ما هو مهم أن نفهمه حول القوة البحرية الإيرانية؛ أنّها في واقع الأمر تتألف من قوتين منفصلتين تماماً؛ فإلى جانب سلاح البحرية الإيراني الرسمي الذي يحوز كمية كبيرة من السفن، حتى إن كانت قديمة في قسم منها، فثمة قوة بحرية سرّية للحرس الثوري، وفي أساسها تحوز أسطولاً كبيراً ومجهولاً من القوارب الصغيرة والغواصات، وتستهدف تنفيذ أعمال هي على حافة السياسة أو في واقع الأمر إرهابية.

رغم الخطابة الحماسية

الكاتب أبراهام بن تسفي يقول: "رغم الخطابة الحماسية، اختارت الزعامة الإيرانية بعد ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية نقل رسالة تقول إنّ النظام ليس في نيّته أن يقترب حالياً من شفا الهاوية، وبالفعل، إن كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، بالتالي؛ هو يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبثّ تصميماً والتزاماً بالردّ على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقّه سليماني، وبين تطلعه في الوقت نفسه لمنع ترامب من أن يردّ ردّاً عسكرياً واسعاً وأليماً، من شأنه أن يقوض قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل.

يرى الكاتب عوديد من خلال الرؤية الحالية للأحداث أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني

نقطة التوازن التي اختيرت بعد اغتيال سليماني، أنّ ترامب أراد إمساك العصا من الطرفين؛ فمن جهة أعلن زيادة العقوبات واستمرار سياسة ضغط الحدّ الأقصى على طهران، رغم أنّها حققت، حتى الآن، نتائج معاكسة لما وعد به، وحولت إيران إلى دولة أكثر عدائية ومارقة أكثر من السابق. ومن جهة أخرى؛ طلب ترامب من حكام إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وفي تل أبيب، بلا شك، تمّ تسجيل انتقاد متزايد؛ عندما أمعن ترامب في مدح صفقته، رغم أنّ النار على القوات الأمريكية كانت سابقة وكانت تجاوزاً واضحاً للخط الأحمر؛ ففي الماضي كان من يدورون في فلك إيران هم من يهاجمون أهدافاً أمريكية، إلا أنّهم ركّزوا على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزوها، من هذه الناحية يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني والهجوم الإيراني بالصواريخ، وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا ناراً صاروخية، ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة إلى الحكم الإيراني، واضح أيضاً الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الردّ، وصبّ معانٍ بعيدة الأثر فيه.

هجوم للاستهلاك الإيراني المحلي

مع ذلك، وبالنسبة إلى العديد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، الحاليين والسابقين، لم  يعلقوا كثيراً على الضربات الصاروخية الإيرانية التي أطلقها الحرس الثوري على قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، غرب العراق، أو قاعدة أربيل العسكرية في كردستان العراق، إذ يقول الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق لموقع "ديفنس" الدفاعي الأمريكي: إيران كانت لديها خيارات عدة، لكنّ هذا الاختيار الذي نفذته في النهاية يرجع إلى كونه هجوماً مباشراً يصلح للاستهلاك المحلي قبل الدولي، بصرف النظر عن مدى الأضرار التي لم يسببها، يمكن عملياً أن يشير إلى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي والبعد السلوكي الذي يشهد على حساسية إيرانية للثمن المتوقع على ردّ مغامر وعديم الثبات من جهته.

إلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة بشكل سري

وبالفعل، في المرحلة الحالية على الأقل، أمامنا استخدام لقوة إيرانية شديدة، بالنسبة إلى إيران على يقين بأنّ ضربات أمريكا موجعة بكل الأحوال، فعندما حاولت إيران أن تنتقم تجنبت الوقوع في حرب شاملة تهدّد وجودها في المنطقة، وفي أغلب الظنّ أثّر تهديد ترامب السابق للردّ الإيراني على تراجع إيران في ضرب أهداف حيوية مأهولة، من شأنها أن توقع خسائر بشرية، وفي هذا السياق؛ استهدفت تصريحات ترامب بعد الردّ الإيراني الفاشل فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية.
وبالتزامن مع ذلك؛ عمّت المظاهرات الشعبية أرجاء المدن الإيرانية، التي طالبت الخميني بالرحيل؛ حيث غرّد الرئيس ترامب في هذا الإطار برسالة عبر تويتر إلى الإيرانيين، داعماً بالوقوف إلى جانبهم في الاحتجاجات المطالبة برحيل النظام الفاسد، وهذا لربما من شأنه أن يؤجج الأوضاع ويجعلها أكثر تدهوراً داخل إيران، وأن يؤثر في طبيعة الدعم للحلفاء في المنطقة، نتيجة تأزم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ومع ذلك يفهم من تصريح الرئيس أيضاً؛ أنّه فضلاً عن العقوبات الجديدة التي على الطريق، لا توجد نية للولايات المتحدة لرفع المواجهة إلى مستوى عسكري أعلى؛ إذ إنّ تصريحه تضمن أيضاً أقوالاً متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الإيراني ومع قيادته إذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف، ولا ينبغي أن نتجاهل الآثار الكفيلة للعملية الإيرانية لأن تكون على مستوى كوريا الشمالية، وقد رجّحت وسائل إعلام أمريكية متخصصة في شؤون الدفاع؛ أن تكون إيران اختارت أن يكون هجومها بالصواريخ الباليستية لأنّها لا تملك سلاحاً جوياً أو بحرياً قوياً، يمكن أن يجابه قوة السلاح البحري والجوي الأمريكي في المنطقة، لكنّ الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الموجهة هي سلاحها المفضل الذي اختبرته من قبل أكثر من مرة ضدّ داعش والأكراد، وفي اليمن على يد الحوثيين.

موقف روسيا بعد اغتيال سليماني

وفي ظلّ وجود بعض المؤشرات حول إن كانت لدى إيران نوايا في تنفيذ مزيد من الهجمات ضدّ أهداف أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة، إلا أنّ دولاً أوروبية أبدت قلقها من نشوب مواجهة عسكرية شاملة؛ إذ كان لدى روسيا قلق كبير من أن تجر عملية اغتيال سليماني المنطقة إلى حرب واسعة؛ حيث حظيت زيارة الرئيس الروسي "بوتين" المفاجئة إلى سوريا، برفقة وزير دفاعه، سيرجيه شويغو، وضباط روس كبار، ولقاؤه بشار الأسد في مقرّ قيادة الجيش الروسي في دمشق، بعناوين عادية في وسائل إعلام الدولتين، فلم تنبئ بالتخوف الحقيقي الذي يسود الكرملين، والشرق الأوسط كله، بعد تصفية سليماني، من أن تشتعل المنطقة في أيّة لحظة، وربما يكون الردّ قد انتهى بالنسبة إلى إيران بضرب قاعدة الأسد في العراق.

اقرأ أيضاً: صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟
وبحسب قول الكاتب والمحلل العسكري، عوديد غرانوت، يمكن لقلق بوتين من وقوع حرب في المنطقة أن يشهد عليه الردّ الروسي المنضبط على التصفية، فإيران وروسيا حليفتان ظاهرياً، ومؤخراً أجرتا مناورات في شمال المحيط الهندي. كان من الممكن أن نتوقع من بوتين توجيه اتهامات شديدة لترامب على الفعلة عديمة المسؤولية التي اتّخذها، وأن يبدي تعاطفاً مع بكاء خامنئي، فيؤيد حقّ إيران في الانتقام، لكنّ كلّ هذا لم يحصل؛ فقد شجب الروس بلهجة هزيلة واكتفوا بمكالمات مواساة للمسؤولين في موسكو مع نظرائهم في طهران.
يجب أن نتذكر أنّ بوتين بطل العالم في العثور على فرص الكسب السياسي، وخبير أيضاً في تشخيص المخاطر، ها هو يشمّ خطراً بعد سليماني، فردّ آخر منفلت العقال من الإيرانيين على اغتيال الجنرال تجاه أمريكيين في الشرق الأوسط، لا بدّ من أنّه سيجرّ ردّ فعل غير متوازن من القوة العظمى الأقوى في العالم، فالمسافة قصيرة إلى الاشتعال الكبير، اشتعال يمسّ بمصالح روسيا أيضاً، في طبيعة الحال يتعلق هذان القلقان لدى بوتين بسوريا التي هي معقله الأساس في المنطقة، القلق الأول في شرق الدولة؛ حيث قوات أمريكية، وإذا ما حاول الإيرانيون المسّ بها فستعمل أمريكا في سوريا، لا في شرق الدولة، بل في كلّ مكان فيه ميليشيات مؤيدة لإيران، وهذا سيحرج القوات الروسية المرابطة في سوريا. القلق الآخر؛ هو من أن تتلقى تلك الميليشيات أمراً من طهران للعمل ضدّ إسرائيل من الأراضي السورية، كجزء من حملة الانتقام على التصفية.

ضرب رموز النظام في دمشق

يفهم بوتين أنّ إسرائيل لن تتجلد على عملية واسعة النطاق ضدّها من خلف الحدود، بل قد تتجاوز خطوطاً حمراء تقررت بين الدولتين؛ كضرب رموز النظام في دمشق، ووفق مصادر روسية أشارت إلى أنّ الزيارة المفاجئة التي قام بها الزعيم الروسي إلى دمشق، كانت محاولة للتأكد من أنّ الأسد يعمل على لجم وتهدئة الميليشيات المؤيدة لإيران في أراضيه؛ فبوتين يريد هدوءاً في سوريا وسيبحث ذلك مع مضيفيه في إسرائيل في الزيارة القريبة التي كانت مخططة مسبقاً، لكنّها أصبحت ذات صلة أكبر من أي وقت مضى بعد تصفية سليماني، كلّ ذلك شريطة ألا يقدم الإيرانيون على أيّ ردّ جديد قبل الزيارة.

إذا كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة للتصعيد

من دمشق واصل بوتين طريقه إلى أنقرة كي يبرد منطقة أخرى، وفي ليبيا ستبدأ في الأيام المقبلة حرب بين المرتزقة الروس المؤيدين لجيش حفتر، والمرتزقة الذين أرسلتهم تركيا لمساعدة الحكومة، وسيحاول بوتين إقناع أردوغان بأنّ معركته خاسرة؛ لأنّ جيش الجنرال سيطر على معظم أراضي الدولة، ومن الأفضل لموسكو وأنقرة التعاون لمنع اشتعال كبير إذا كان ممكناً في المنطقة الأقرب لحدود تركيا، إذا نجح بوتين في مهمة التهدئة، فإنّ ليبيا ستصبح المعقل البحري الثاني لروسيا في حوض البحر المتوسط بعد سوريا.
ويرى الكاتب عوديد، خلال الرؤية الحالية للأحداث من منظوره الشخصي، أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني، ومن حسن الحظّ أنّ إيران لا تمتلك السلاح النووي حتى الآن، وإلا لكانت استخدمته في تفجير العالم من غضبها، في حين أنّ مقتل سليماني نجح في تقليص مخططات التمدّد، فسليماني كانت مهمته توسيع نفوذ إيران ليس على صعيد العراق وسوريا، بل أيضاً في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن هذه الرؤية يجب على العديد من الدول الأوروبية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ألّا تقدم خططاً إستراتيجية تقوم على الدفع نحو إقامة علاقات إيجابية مع إيران، فمثل هذه العلاقات تعطي إيران حرية في التمدّد السرّي، والذي من شأنه في المستقبل أن يشكّل خطراً، وتصعب السيطرة عليه، فإسرائيل تعاملت بمثل هذه الأساليب كثيراً، وهكذا أيضاً تعاملت مع تهديد حماس.
إنّ تعبير سحق رأس الأفعى لم يكن شعاراً شعرياً، بل يمثل إستراتيجية ترتكز على مفهوم مركزي وهو أنّ ما يعدّ تنظيماً أو حتى خلية إرهابية حجمه غير مهم، فقط اقطع رأسه، وبهذا ينتهي التهديد.


مصدر الترجمة عن العبرية: يسرائيل هيوم
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722869
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722485
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722163

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية