ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟

ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟

مشاهدة

26/10/2019

أبدت الدول الأوروبية، خاصّة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وبعض الدول الإسكندنافية، موقفاً متشدّداً رافضاً للاجتياح التركي لشمال شرق سوريا، في إطار عملية "نبع السلام"، ومن الواضح، سيطرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هذا الملف، ومساومة الأوروبيين عليه، لأسباب عديدة منها؛ ملف اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا، الذين يناهز تعدادهم ثلاثة ملايين ونصف المليون، و"ابتزاز" أردوغان للأوروبيين بهذا الملف، وهو ما لوّح به بعد انطلاق العملية ضدّ الاكراد، بفتح الباب أمام اللاجئين، لخلق "أزمة" دولية وإنسانية لأوروبا.

اقرأ أيضاً: تركيا ترحّل السوريين قسراً.. منظمات حقوقية دولية تكشف الطريقة
بعد الإعلان عن الاتفاق التركي – الأمريكي على هدنة، ولاحقاً إعلان تركيا وقف إطلاق النار، فقد أظهرت التحركات الأوروبية أنّها تذهب بخطة لمواجهة تركيا، وربما "معاقبة" أردوغان، تتجاوز حدود ردود الفعل "الانفعالية"، ووفق ما تسرَّب عبر الإعلام، فإنّ الخطة الأوروبية تقوم على ثلاثة محاور، هي:
أولاً: تدويل المنطقة الآمنة في الشمال السوري
المطالبة بتدويل المنطقة الآمنة التي طرحها أردوغان في الشمال السوري؛ حيث طرحت ألمانيا هذه المبادرة، وحيث تشارك روسيا وتركيا فيها، وقد عدّتها روسيا "مبادرة جديرة بالاهتمام"، فيما أيّدتها أمريكا وحلف الناتو، وتدويل المنطقة الآمنة يرسل رسائل طمأنة للأكراد ولدمشق، بعدم تفرّد تركيا والميليشيات السورية التابعة لها بإدارة المنطقة، ووأد أحلام أردوغان باحتلال أراض في الشمال السوري والبقاء فيها، إضافة لطمأنة تركيا بعدم سيطرة الأكراد على المنطقة الآمنة، إلا أنّ دخول قوات الجيش السوري إلى مناطق سلمها الأكراد له بعد "نبع السلام" يطرح تساؤلات حول دور الجيش السوري في المنطقة، إضافة لـ "الجيش الوطني السوري"، والدور الأمريكي في المنطقة، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة بقاء جزء من قواتها في المنطقة.

اقرأ أيضاً: ترامب يكافئ تركيا على عدوانها
من غير الواضح مستقبل المقترح الألماني، لكنّ التقارب الذي ظهر بين روسيا وأوروبا، على خلفية عملية "نبع السلام"، بالتزامن مع ازدياد الفجوة بين المواقف الأمريكية وأوروبا، إضافة إلى احتمالات أن يحقّق التدويل الحدّ الأدنى من مطالب غالبية الفاعلين في الملف السوري، رغم تناقضاتها، تجعل احتمالات نجاح المقترح الألماني واردة، خاصّة أنّه يتزامن مع إعادة الملف السوري إلى الأمم المتحدة، عبر اللجنة المكلَّفة بإعداد الدستور الجديد للدولة السورية.
ثانياً: الكشف عن علاقات أردوغان بالتنظيمات الإرهابية
     فتح الملف المسكوت عنه حول علاقة تركيا بالفصائل الإرهابية في سوريا "داعش والقاعدة"؛ فقد وجّه الرئيس التشيكي اتهامات مباشرة للرئيس أردوغان بهذا الخصوص، فيما تتصاعد حدّة الاتهامات لأردوغان وعلاقاته المشبوهة مع "داعش والقاعدة"، في أوساط البرلمان الأوروبي، وتستندّ كلّ الاتهامات لجملة حقائق، في مقدمتها؛ أنّ كافة "المجاهدين" الذين التحقوا بتنظيمي؛ داعش والقاعدة في سوريا جاؤوا عبر الحدود التركية، وعبر تسهيلات منسقة أشرفت عليها الاستخبارات التركية، كما أنّ غالبية منفذي العمليات التي شهدتها العواصم الأوروبية، لندن وباريس وبروكسل، كانوا من عناصر "داعشية" عائدة من سوريا، عبر تركيا أيضاً.

تتصاعد حدّة الاتهامات لأردوغان وعلاقاته مع داعش والقاعدة في أوساط البرلمان الأوروبي؛ فالذين التحقوا بالتنظيمين جاؤوا عبر الحدود التركية

ويبدو أنّ لدى الأوروبيين ما يكفي من الأدلة حول علاقات أردوغان بداعش، في سوريا والعراق، وهي مرتبطة بشخص أردوغان وعائلته؛ إذ تتردّد، وعلى نطاق واسع، اتهامات لـ "بلال أردوغان"، الابن الثالث لأردوغان، بالتعاون مع داعش في تجارة نفط سوري وعراقي مسروق، وإنجاز عقود لتصدير هذا النفط مع شركات أوروبية وآسيوية، فيما أشارت مصادر "كندية"، وفق تحقيقات موثّقة إلى تولي "سمية"، ابنة الرئيس أردوغان، مسؤولية تقديم خدمات طبية لعناصر "داعش"، تنفيذاً لاتفاق أردوغان مع "داعش"، وإنشاء مستشفى عسكري في مدينة شانلي أورفا، على بعد حوالي مئة كيلومتر عن الحدود مع سوريا، مهمّته معالجة جرحى "داعش"، إضافة إلى إنشاء مركز لاستقبال العناصر الجهادية في أحد أحياء مدينة إسطنبول "حي السلطان"، كما كشفت شهادات جنرالات في الجيش التركي وجود تنسيق ودعم لوجستي واسع، تقدّمه الاستخبارات التركية لتنظيم داعش، بما في ذلك إرسال شحنات أسلحة متنوعة للقاعدة وداعش في سوريا، تحديداً خلال عام 2014، وهو ما دفع المعارضة التركية في البرلمان التركي حينها لتوجيه استجوابات للحكومة التركية حول تلك العلاقات.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟
ورغم النجاحات التي يمكن أن يحققها الأوروبيون في طرح ملف اتهام أردوغان بعلاقاته مع تنظيم داعش، وربما لاحقاً تقديم أدلة "سرية" أكثر موثوقية، إلا أنّ تلك الاتهامات ستبقى عرضة للتشكيك، وقنبلة موقوتة صواعقها بيد أردوغان، قد يتم استخدامها من قبله في مراحل لاحقة، على خلفية احتمالات أنّ علاقات أردوغان الموثقة مع "داعش"، كانت بتنسيق ومعرفة الأجهزة الأمنية الأمريكية والأوروبية، والشكوك في أنّ أوروبا أرادت التخلص من "الجهاديين" من مواطنيها، ودفعت بهم، وسهّلت إدخالهم إلى سوريا والعراق، بتنسيق مع الاستخبارات التركية.
ثالثاً: توجيه الاتهام للجيش التركي بارتكاب جرائم حرب

تتصاعد في الصحافة الأوروبية ومراكز ومنظمات حقوقية دعوات لمحاسبة تركيا، على خلفية ارتكاب جرائم حرب خلال عملية "نبع السلام"، ويبدو أنّ تقرير منظمة العفو الدولية الذي تضمن اتهامات للجيش التركي بارتكاب تلك الجرائم، فتح الباب أمام هذا الملف، وباتجاهات تنذر باحتمالات توسعه، وبما يحرج تركيا، خاصة أنّ هذا التقرير يؤكّد أنّ لدى المنظمة "أدلة دامغة" على هجمات على مناطق سكنية دون تمييز، وعمليات قتل "بدم بارد" من قبل فصيل موال لتركيا "أحرار الشرقية"، استهدف سياسيين من بينهم السياسية الكردية، هرفين خلف، كما ظهرت تقارير تؤكد استخدام تركيا أسلحة محرَّمة دولياً، من بينها "الفوسفور الأبيض"، واستشهدت بحالات جرحى في المستشفيات، أصيبوا بحروق جراء تعرّضهم للفوسفور، وردّت تركيا بأنّ الفصائل الكردية استخدمت أسلحة كيماوية لاتهام الجيش التركي.

تتصاعد في الصحافة الأوروبية ومراكز ومنظمات حقوقية دعوات لمحاسبة تركيا على خلفية ارتكاب جرائم حرب خلال العدوان على سوريا

آفاق التوسع في ملف اتهام تركيا بارتكاب جرائم حرب واردة وبقوة، وترتبط بقدرة الأكراد على تقديم المزيد من الأدلة التي تدين الجيش التركي، وربما لا تحتاج أوروبا لمزيد من الأدلة في هذا الملف، في ظلّ توفّر أدلة أكثر موثوقية حول انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، ضدّ الصحفيين والإعلاميين، والمعتقلين الأوروبيين، وقضايا حرية التعبير والرأي، وحرية الإنترنت.
التوقعات لمستقبل محاور الخطة الأوروبية المذكورة، تشير إلى إمكانية أن تحقق بعض النجاحات، خاصة إذا قوبلت بدعم من أمريكا وروسيا، وهو غير متوقّع في المدى المنظور، في ظلّ نجاحات أردوغان في الحفاظ على توازنات في علاقاته مع روسيا وأمريكا معاً، رغم أنّ هذه النجاحات غير ثابتة وقابلة للكسر، لكن ربما ما يقلل احتمالات نجاحها بشكل كامل؛ أنّ أوروبا تبني سياساتها بالتعامل مع سياسات أردوغان على أسس براغماتية، دلّلت انتهازيتها بالتعامل مع عملية "نبع السلام"، وفق مرجعية واحدة، وهي المخاوف من مستقبل عناصر مواطنيها المنضوين في تنظيم داعش، على أنّ الدول الأوروبية ربما تتراجع عن تلك الخطة، أو بعض محاورها.

الصفحة الرئيسية