محادثات كويتية-سعودية-إماراتية مع العراق حول ملف الطاقة.. ما الجديد؟

محادثات كويتية-سعودية-إماراتية مع العراق حول ملف الطاقة.. ما الجديد؟
64394
عدد القراءات

2018-10-03

بعدما أصبح ملف الطاقة في العراق باعثاً على احتجاجات شعبية، واضطرابات متعددة في بعض المحافظات العراقية، وخصوصاً الجنوبية منها، تتقدم الكويت والسعودية والإمارات بحلول ومباحثات تجريها مع الجانب العراقي، بعدما قطعت إيران إمداداتها للعراق من الكهرباء في أوج أشهر الصيف الملتهبة. وتحاول الدول الخليجية الثلاث عبر تلك المباحثات أنْ تعرِض حلولاً مستدامة، لا يتوقف تأثيرها على الجانب الاقتصادي من توثيق العلاقات مع العراق، وإنما الانفتاح عليه في سياق رؤية أمنية وسياسية مشتركة ذات طابع إستراتيجي.

الربط الكهربائي مع الشبكة الخليجية

في سياق كهذا، يمكن النظر إلى ما كشفه مسؤول إماراتي أمس عن أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي بدأت محادثات مع العراق للربط الكهربائي مع شبكته  وقال مطر النيادي وكيل وزارة الطاقة والصناعة الإماراتية لوكالة "رويترز" للأنباء إنّ "هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي تدرس مع السلطات العراقية ربطاً كهربائياً بمحافظة البصرة في جنوب العراق".

تتقدم الكويت والسعودية والإمارات بحلول ومباحثات تجريها مع الجانب العراقي بعدما قطعت إيران إمداداتها للعراق من الكهرباء

ويعاني العراق ومحافظته الجنوبية البصرة انقطاعات في الكهرباء منذ أعوام مع تدهور الخدمات العامة.  وذكر النيادي، على هامش مؤتمر في مدينة مراكش المغربية، أنّ مجلس التعاون الخليجي قد يصدّر فائضه من الكهرباء.  وأضاف أنّ مجلس التعاون الخليجي ينتج 100 جيجاوات سنوياً، لا يُستهلك منها إلا 30 بالمئة في فصل الشتاء. وأشار إلى أنّ مجلس التعاون الخليجي يدرس أيضاً ربطاً كهربائياً مع منطقة القرن الأفريقي وشبه الجزيرة الهندية، من دون الخوض في تفاصيل، وفق ما أفادت "رويترز".

الإمارات العربية المتحدة  بدأت محادثات مع العراق للربط الكهربائي مع شبكته

فشل عراقي في إقناع إيران

وكانت إيران قد قطعت خط الكهرباء المغذي للعراق بقدرة ألف ميغاواط مطلع تموز (يوليو) الماضي؛ بسبب تراكم الديون، ما أثّر سلباً وبشكل مباشر في عدد ساعات تجهيز الكهرباء في محافظات ذي قار والبصرة وميسان جنوبي البلاد. وقد أعلن وزير الكهرباء العراقي (في ذلك الحين)، قاسم الفهداوي، أنه فشل ووفد عراقي رافقه في زيارة إلى طهران، في إقناع الجانب الإيراني، باستئناف تزويد العراق بالطاقة الكهربائية، علماً أن خط الإمداد الإيراني كان يسهم في 6% من إمدادات الطاقة العراقية. وسرعان ما توجّه الوفد وقتها إلى المملكة العربية السعودية، التي تسعى للانفتاح على العراق منذ فترة بكل الوسائل، وتسعى لكسر الطوق الإيراني المفروض على المجتمعات الشيعية. ووفقًا لوكالة "بلومبيرغ" فقد وافقت السعودية على بناء محطة للطاقة الشمسية، وبيع الكهرباء إلى العراق بسعر مخفض.

دول الخليج العربية تشهد طفرةً في معدلات استهلاك الطاقة حيث سجل إجمالي الطلب على الطاقة لديها ارتفاعاً سنوياً بنسبة 5 في المئة 

وقد تسببت أزمة الكهرباء وأزمات خدمية أخرى في مظاهرات شعبية واسعة اجتاحت مدن الجنوب العراقي للمطالبة بتحسين الخدمات وتأمين فرص العمل للعاطلين.

وكانت هيئة المنافذ الحدودية العراقية أعلنت منذ أواخر تموز (يوليو) الماضي وصول العشرات من مولّدات الكهرباء المقدمة من الكويت؛ للمساعدة في سد احتياجات محافظة البصرة من الطاقة دون معوقات أو أي رسوم جمركية.
وقال رئيس الهيئة، الدكتور كاظم العقابي، في بيان، إنّ 17 مولداً كهربائياً كبيراً مقدمة من الكويت وصلت إلى الحدود العراقية، في الرابع والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، إلى جانب كميات كبيرة من الوقود؛ وذلك بناء على توجيهات من أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بهدف "التخفيف من معاناة الشعب العراقي"، وفق ما أوردت صحيفة "القبس" الكويتية حينذاك.

 وصول العشرات من مولّدات الكهرباء المقدمة من الكويت

طفرة خليجية استثنائيةً في معدلات استهلاك الطاقة

والواقع أنّ دول الخليج العربية تشهد طفرةً استثنائيةً في معدلات استهلاك الطاقة؛ حيث سجل إجمالي الطلب على الطاقة لديها بالمعدل ارتفاعاً سنوياً بنسبة 5 في المئة تقريباً، خلال العقد الأول من الألفية الثالثة؛ كما تذكر الباحثة عائشة السريحي، في دراسة نشرها "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" في الحادي والعشرين من آب (أغسطس) الماضي.

تظهر جهات كويتية توجّسها من إمكانية استغلال الميليشيات المسلّحة ذات الصلات بإيران للأوضاع في جنوب العراق

وتشير السريحي إلى أنه ما بين عام 2003 وعام 2013، ازداد استهلاك الكهرباء في المنطقة بمعدل 6 إلى 7 في المئة سنوياً – أي بوتيرة أسرع من أي مكان آخر في العالم. وقرابة الـ50 في المئة من إجمالي الطاقة الكهربائية المولّدة في دول الخليج مخصصة للقطاع السكني، حيث يحتكر تكييف الهواء جزءاً كبيراً من الطلب. وبما أن قطاع الطاقة مدعوم من الحكومة بنسبة عالية، يعتبر الاستهلاك الفردي للكهرباء في دول الخليج كبيرًا أيضاً، إذ فاق في عام 2014 العشرة آلاف كيلواط في الساعة للشخص الواحد، وتخطى بذلك المتوسط العالمي (البالغ 3127 كيلواط في الساعة للفرد) لا بل تخطى أيضاً المستويات المسجلة في الدول الصناعية الكبرى أمثال المملكة المتحدة (حيث المعدل 5129 كيلواط في الساعة للفرد) وحجّم المستوى المسجل في الدول النامية الأخرى كالهند (805 كيلواط في الساعة للفرد) والصين (3927 كيلواط في الساعة للفرد). وبالنتيجة، تضيف السريحي، تعاظم الطلب على الغاز في كل دول الخليج إلى الضعفين ونصف الضعف منذ عام 2000، وقد نتج ثلثا هذا النمو تقريباً عن توليد الطاقة وحده.

تطوير حقول النفط المشتركة

ولا يتعلق الانفتاح الخليجي على العراق في ملف الكهرباء فقط، بل تدرس الكويت والعراق تطوير حقول النفط المشتركة بينهما. وصرّح وزير النفط وزير الكهرباء والماء الكويتي المهندس بخيت الرشيدي، في آب (أغسطس) الماضي، أنّ الكويت والعراق سيعينان مستشاراً قريباً لدراسة تطوير حقول النفط المشتركة. وأبلغ الوزير الصحفيين أنّ الكويت والعراق حددا أربعة مستشارين حالياً، وسيختاران واحداً منهم لدراسة مشروع الحقول النفطية المشتركة. وأضاف أنّ الكويت تتوقع اتفاقاً مع العراق بخصوص استيراد الغاز وحقول النفط المشتركة قبل نهاية العام الحالي.

تتقدم السعودية بحلول ومباحثات تجريها مع الجانب العراقي

أولوية حفظ الأمن والاستقرار في العراق

وفي السياق الأمني والإستراتيجي الأوسع، تتابع الكويت بحذر شديد تطورات الأوضاع في العراق الذي تهزّه موجة احتجاجات غير مسبوقة على سوء الأوضاع الاجتماعية وتفشي الفساد لا تبدو متجهة نحو التهدئة، على ما نشرت صحيفة "العرب" اللندنية (21/7/2018)، حيث ذكرت أن الكويت تتخوف من انزلاق الأحداث نحو حالة من الانفلات، خصوصاً في مناطق جنوب البلاد، وهو ما يسبّب حالة القلق الكويتية التي تعبّر عنها عدّة دوائر سياسية وإعلامية، فيما تميل السلطات إلى التعامل مع التطورات بشكل استباقي وعملي، من خلال تعزيز إجراءات الأمن على الحدود مع العراق بالتوازي مع مساعدة الحكومة العراقية على تهدئة غضب الشارع، وهو الأمر الذي تجلّى عملياً بتزويد محطّات الكهرباء المتوقّفة عن العمل بالوقود اللاّزم لإعادة تشغيلها.

اقرأ أيضاً: ماذا قال عضو الكونغرس تيد بو عن وكلاء إيران في العراق؟

ولا تخفي جهات كويتية، تضيف "العرب"، توجّسها من إمكانية استغلال الميليشيات الشيعية العراقية المسلّحة، ذات الصلات القوية بإيران، للأوضاع في جنوب العراق، للانتشار هناك بذريعة حفظ الأمن، بما يتيح لها التمركز في المنطقة المطلّة على الخليج العربي، الذي تريد إيران الزجّ به في صراعها المتنامي مع الولايات المتحدة؛ حيث سبق لطهران أن هدّدت، تصريحاً لا تلميحاً، بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية وحركة تصدير النفط. وترى الجهات ذاتها أنّ تخلخل الاستقرار الهشّ في العراق، وصولاً إلى تهديد استقراره الحكومي، من شأنه أن ينسف الاتفاقات التي تمّت بين العراق والكويت منذ عام 2003 لحسم العديد من القضايا، وطيّ ملفات خلافية بين الطرفين حرصت دولة الكويت على إغلاقها بمرونة لتجنّب تعقيداتها وتداعياتها المحتملة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

2020-10-16

بين السلاسل الجبلية الممتدة ما بين شمال جبال زاغروس والمرتفعات الأرمنية شرق الأناضول، انتشرت قبائل الأكراد منذ العصور القديمة، وبعد سقوط مملكة ميديا في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، خضعوا لحكم الإمبراطوريات المتعاقبة، مع الاحتفاظ بقدر من الحريّة منحتهم إيّاها تضاريس بلادهم المنيعة.

في السبعينيات تبلور بين الشباب الكردي الاتجاه نحو إطلاق عمل سياسي ضمن الإطار اليساري

وبحكم ما اقتضاه نشوء الدول في صيغتها الحديثة من ترسيم وتثبيت حدود فاصلة بينها، وما استتبع ذلك من تقطيع وتجزئة لروابط عرقية واجتماعية وثقافية، تكوّنت وتشكّلت عبر عصور طويلة متلاحقة، ونتيجة عدم نشوء دولة جامعة للأكراد، كان مصيرهم التفرّق بين أربعة دول هي: إيران وتركيا والعراق وسوريا.
سنعرض في أربعة تقارير مسيرة تفاعل الأكراد على المستوى السياسي مع كلّ من الدول الأربع، والبداية في هذا التقرير مع تركيا.
من الانتفاضات المحليّة إلى الدولة الموعودة
عرف الأكراد في تركيا أطواراً عدّة فيما يتعلق بموقفهم وحراكهم على المستوى السياسي، وبالإمكان تتبع المرحلة الأولى في الفترة المتأخرة من العصر العثماني؛ حين كان الأكراد يحظون بقدر من الحكم المحلي، مع ظهور عدد من الأسر الحاكمة والزعامات القبليّة المحليّة، وذلك منذ اختيارهم الانحياز إلى جانب الدولة العثمانية عوضاً عن الصفويّة، لكن وفي عهد السلطان عبد الحميد، ومع حالة التراجع التي أصابت الدولة في أعقاب الخسارة في الحروب مع روسيا، شهدت مناطق الأكراد عدداً من الانتفاضات والثورات قادها زعماء محليون من أمراء وزعماء قبليين، كما نجد مثلاً في ثورة الأمراء البدرخانيين، عام 1879، وثورة مدينة "شمدينان" عام 1880، بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، وانتفاضة يزدان شير البوتاني، وحتى انتفاضة عبد السلام البارزاني في دهوك عشيّة الحرب العالمية الأولى.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
ومع دخول الدولة أتون الحرب العالمية الأولى؛ تمكّنت من تجنيد عدد كبير من الأكراد، قاتلوا إلى جانب الجيش العثماني الرابع، ومع نهاية الحرب وهزيمة الدولة العثمانية، جاء انعقاد مؤتمر الصلح في فرساي، عام 1991، والذي حرص الأكراد على إيصال صوتهم فيه عبر ممثلهم شريف باشا، وتمكن من إيصال مطالب الأكراد بإقامة دولتهم الخاصّة، وهو ما تمّت ترجمته فعلياً بعد ذلك بعام، عند توقيع معاهدة سيفر، عام 1920، فجاءت متضمنةً خطة مقترحة لإقامة دولة كردية مستقلّة، وكانت تلك اللحظة الأقرب لتحقيق الدولة المنشودة.

شريف باشا خندان حمل مطالب الكرد إلى مؤتمر الصلح في فرساي

تبدّد الوعد.. وبداية المواجهة
رفض الأتراك معاهدة سيفر القاضية بتقسيم بلادهم إلى عدّة دول على أساس العرق، وخاض الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال حرباً لأربعة أعوام، عرفت بـ "حرب الاستقلال"، انتهت بإقرار معاهد لوزان عام 1923، والتي قضت تماماً على سيفر ووعودها، بما في ذلك الدولة الكردية الموعودة، ولتصبح مناطق الأكراد جزءاً من دولة جديدة قامت، هي الجمهورية التركيّة، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
كانت دولة أتاتورك الجديدة دولة قوميّة، لا تعترف بالأقليّات، وإنما تسعى لدمجهم قسرياً ضمن النسيج القومي للدولة، ووجد الأكراد بذلك أنفسهم في مواجهة سياسات الإدماج القسري، فحُظر عليهم استخدام اللغة الكردية في الأماكن العامّة، ومنع استخدام كلمة "الكرد"، وأطلق عليهم اسم "شعب شرق الأناضول"، ومع بداية هذه المرحلة جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران الكردي، عام 1925، لتعبّر عن ذروة الرفض لسياسات الجمهوري الجديدة، قبل أن يتصدى الجيش لها ويقمعها.
استمرار النهج.. ولحظة الثورة
استمرت الحكومات التركيّة المتعاقبة بممارسة نهج التمييز والاضطهاد بحقّ الأكراد؛ فكان التكلّم بغير اللغة التركيّة في الأماكن العامّة محظوراً وتترتب عليه العقوبات والغرامات، وكان من المحظور إصدار الصحف، أو عقد الاجتماعات العامّة، التي تنادي بمطالب الأكراد وحقوقهم.

شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا

ضمن هذا السياق؛ اتّجه أغلب الشباب الكردي الناشط إلى الانتماء للأحزاب والحركات اليساريّة المعارضة، ومع مطلع السبعينيات، بدأ يتبلور بين الشباب الكردي اتجاه نحو إطلاق إطار جديد للعمل السياسي ضمن الإطار اليساري، للمناداة بالمطالب القومية الكردية على أساس مماثل للحركات الثورية والتحرريّة التي كانت منتشرة حول العالم آنذاك، ومن هنا جاء الإعلان عن تأسيس النواة الأولى لحزب العمال الكردستاني، في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1978، بعد أعوام من النشاط السريّ، واختير عبد الله أوجلان، كأول رئيس له.
تبنّى الحزب الهدف المنشود بإقامة دولة كرديّة في تركيا تكون بمثابة المرحلة الأولى على طريق إقامة دولة كردستان الكبرى، وتبنى الحزب بدايةً أساليب سلميّة، تقوم على نشر الأفكار، وتنظيم المظاهرات، وتوزيع المنشورات، وتعاملت السلطات التركيّة مع الحزب وأهدافه باعتبارها تهديداً يستهدف كيان الجمهوريّة، فتصدّت لأنشطته ولاحقت كلّ من انتسب له.

اختير عبدالله أوجلان كأول رئيس لحزب العمال الكردستاني

خمسة عشر عاماً من العمل المسلّح
وفي عام 1980، قاد كنعان إرفين انقلاباً عسكرياً في تركيا، وبعد استلامها الحكم، اتجهت الحكومة العسكريّة لتعزيز سياسات الإدماج، حتى شرعت بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية إلى أسماء تركيّة، وحظرت على الأكراد التسمّي بأسماء كرديّة. وفي عام 1984، مع اشتداد وطأة القمع، أعلن حزب العمال تبنّي خيار الكفاح المسلّح في مواجهته مع الدولة والمباشرة باستهداف مصالحها، حتى تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي، وفي بداية عقد التسعينيات تجاوز عدد مقاتلي الحزب العشرة آلاف مقاتل.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
جاء ردّ الدولة عبر إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الكردية، وشنّ حملات عسكريّة ضدّ معاقل الحزب وقواعده، وخلال أعوام الصراع؛ تمّ تدمير مئات القرى الكرديّة، وتدمير أجزاء من كبرى المدن في جنوب تركيّا، كديار بكر، وماردين، ونصيبين، وتسبب الصراع في نزوح نحو أربعمئة ألف كردي عن ديارهم.

مقاتلون من حزب العمال الكردستاني

عام 1998؛ قررت دمشق إبعاد عبد الله أوجلان من سوريا؛ حيث كان قد لجأ إليها ونشط منها منذ عام 1979، وقامت بترحيله إلى روسيا، ومن هناك ذهب إلى أوروبا، وتنقّل بين اليونان وإيطاليا، قبل أن يختار التوجّه إلى كينيا. وبعد وصوله إلى نيروبي، في الخامس عشر من شباط (فبراير) عام 1999، نفذّت الاستخبارات التركيّة، بمساعدة من جهازيْ الاستخبارات المركزيّة الأمريكية والموساد، عملية اختطاف لأوجلان، ونقلته إلى تركيّا، وهناك جرى عرضه بصورة مهينة على شاشات التلفزة بغرض بثّ شعور الهزيمة في نفوس الأكراد ومقاتلي الحزب، وتمت محاكمته وصدر بحقه الحكم بالإعدام قبل أن يخفف لاحقاً إلى عقوبة السجن المؤبد.

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
وفي العام ذاته؛ أعلن حزب العمال، في الأول من أيلول (سبتمبر)، هدنة، وانسحبت قواته من تركيّا إلى قواعده في شمال العراق، في المقابل أعلنت الحكومة التركيّة وقف العمليّات العسكريّة، رغم عدم التزامها الكامل بذلك واستمرارها في تنفيذ الطلعات الجويّة.
اتجاهات سياسية جديدة
شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا، تمثّلت في تأسيس أحزاب سياسية اتجّهت لتبنّي خيار العمال السلمي والمشاركة بالعملية الديمقراطيّة في البلاد، مع السعي لإيصال ممثلين عنها إلى البرلمان يحملون مطالب الشعب الكردي، بدايةً من تأسيس "حزب العمل الشعبي"، عام 1990، والذي نجح في الوصول إلى البرلمان التركي في انتخابات عام 1991، بعد تحالفه مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي، واشتهرت نائبته، ليلى زانا، التي أرادت القيام بأداء قسم اليمين في البرلمان باللغة الكردية، فمنعت، وأثارت ضجّة واسعة في حينها.
وعام 1993؛ جاء قرار المحكمة الدستوريّة التركيّة بإغلاق الحزب، وذلك بدعوى ثبوت إقامة أعضائه صلات مع حزب العمال، وعام 1994؛ أزيلت الحصانة البرلمانيّة عن ليلى زانا، وحُكم عليها بالسجن مدة خمسة عشر عاماً، بتهمة إلقاء خطابات انفصاليّة.
ومباشرة، بعد قرار إغلاق حزب العمل الشعبي، عام 1993، تأسس حزب كرديّ آخر؛ هو "حزب العمل الديمقراطي"، قبل أن تغلقه المحكمة الدستورية مباشرة بدعوى أنّه امتداد للحزب السابق.

ليلى زانا في مواجهة المحكمة

وفي أيار (مايو) 1994؛ أسّس المحامي الكردي، مراد بوزلاق، حزب "ديمقراطيّة الشعب"، وحرص الحزب الجديد على الابتعاد تماماً عن حزب العمال، تجنباً لمصير الأحزاب السابقة، لكن، وفي اجتماع للحزب، عام 1996، تمّ إنزال العلم التركي ورُفع علم حزب العمال، ما أدّى إلى اعتقال عدد من أعضاء الحزب.

تمكّن حزب الشعوب في انتخابات 2015 من حصد 13% من مجموع أصوات الناخبين في البلاد

شارك الحزب في الانتخابات التشريعية للعام 1995 والعام 1999، واستمر حتى عام 2003؛ حين صدر قرار المحكمة الدستوريّة بإغلاقه، وأيضاً من جديد بالتهمة ذاتها: إقامة صلات مع حزب العُمّال.
وفي عام 1997؛ تأسّس حزب الشعب الديمقراطيّ، وفي الانتخابات التشريعيّة للعام 2002، تمكّن الحزب من حصد (6.2%) من مجموع أصوات الناخبين في البلاد، لكنّه لم يتمكّن من دخول البرلمان لعدم تجاوزه العتبة (10%)، وعام 2005 اتجّه الحزب للاندماج في مبادرة "حركة التجمع الديمقراطي"، بقيادة ليلى زانا، التي نجم عنها تأسيس "حزب التجمّع الديمقراطي" عام 2005.
تحوّلات متسارعة
دخلت تركيا مع بداية الألفيّة منعطفاً جديداً، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عام 2002، والذي حرص على تأكيد الالتزام بإطلاق توجّه جديد في التعامل مع قضايا الشعوب والأقليات غير التركيّة في البلاد، وفي مقدمتها الأكراد، والتراجع عن الاتجاه الذي ساد والقائم على سياسات الدمج والتمييز والاضطهاد، وذلك مقابل الالتزام الكردي بالتراجع عن العمل المسلّح والتخليّ عن مطالبات الاستقلال والانفصال.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي
وفي هذه المرحلة، ومع تسارع التحوّل على مستوى المشاركة السياسة الكرديّة، وتحوّلها إلى الإطار القانوني، أعلن أوجلان في السجن عن مراجعة أفكاره السياسية، واتجه نحو التخلّي عن العنف، وفي آذار (مارس) عام 2005؛ أصدر منشوراً بعنوان "الكونفدراليّة الديمقراطيّة في كردستان"، تبنّى فيه مطلب إنشاء إقليم حكم ذاتي كرديّ على غرار الإقليم العراقيّ، وقد تبنى الحزب الرؤية الجديدة في العام ذاته.
المزيد من النواب الأكراد في البرلمان
بعد انطلاق نشاط حزب التجمع الديمقراطي عام 2005، لم تمر سوى أربعة أعوام حتى صدر القرار بحظره هو الآخر، عام 2009، بالتهمة ذاتها أيضاً، ومع حظره تأسس حزب بديل جديد وهو "حزب السلام والديمقراطيّة"، قبل أن يُحظر ويُحلّ عام 2014.
وفي عام 2012، تأسس "حزب الشعوب الديمقراطي" كحزب يساري يتبنى الديمقراطية الاشتراكية، ويناصر قضايا الأقليّات في تركيا، وفي مقدمتها قضايا المطالبة بالحقوق الكرديّة، وفي انتخابات عام 2015 تمكّن الحزب من تحقيق نقلة نوعيّة على مستوى العمل السياسي الكردي، مع تمكّنه من تجاوز نسبة الـ 10%، وحصوله على نحو 78 مقعداً، بعد حصده 13% من مجموع أصوات الناخبين، ما شكّل مفاجأة للمحللين حينها، وفي الانتخابات الأخيرة عام 2018، تمكّن من حصد نحو 11.7% من مجموع الأصوات، وحصل على 69 مقعداً في البرلمان من أصل 600 مقعد.

صلاح الدين ديمرداش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي

ويرى محمد عثمانلي، باحث الدكتوراه في التاريخ التركيّ الحديث، من جامعة "باموق قلعة" بتركيا، في إجابته لـ "حفريات" عن سبب التحوّل في شكل المشاركة السياسية لدى الأكراد في تركيّا؛ بأنّ "ذلك يعود بالأساس إلى شعور الناخب التركي بأنّ المسار الديمقراطي والمشاركة في الانتخابات جلبت له المنافع الملموسة عبر الحصول على المزيد من الحقوق على المستوى الثقافي، إضافة إلى تعزيز مستوى التنمية في المحافظات ذات الغالبية الكرديّة، عبر إيصال الممثلين إلى البرلمان، في حين أنّ القناعة ترسّخت لدى شريحة واسعة من الأكراد بأنّ نهج حزب العمال لم يحقق لهم مطالبهم، وإنّما أدّى إلى الكثير من الخسائر على مختلف الصعد".
ويعلّق عثمانلي على الاختلاف بين مشاركة الأحزاب الكرديّة الناشئة منذ التسعينيات وبين حزب العمال، بأنّ "تلك الأحزاب اتجهت إلى مناجزة الحكومات التركيّة عبر ذات الآليات الديمقراطية التي أوصلت الحكومات إلى السلطة، في حين أنّ حزب العمال لم يدرك التحوّلات في تركيّا، واستمر بمناجزة الدولة على الأساس ذاته الذي فرضته الحكومات غير الديمقراطيّة في العقود السابقة من القرن الماضي".

للمشاركة:

ما حقيقة مشروع التحالف السنّي في العراق؟

2020-01-18

في بلاد ترتقي فيها الأساطير إلى مرتبة الحقيقة، وتصبح القضايا المعلنة أسراراً وخفايا، كالعراق، لا يبدو تقصي الحقائق أمراً هيناً، وهو أمرٌ ينطبق تماماً على الحديث المتواتر عن "خطوات من أجل إحياء مشروع التحالف السنّي".
ومع أنّه، لو أقيم، حقٌ دستوري (البند الخامس من الدستور العراقي الجديد، الذي يتيح للمحافظة أو عدة محافظات المطالبة بإقليم إداري ضمن نظام العراق الاتحادي الفيدرالي)، على غرار إقليم كردستان الحالي، إلا أنّه يواجه بمواقف رافضة ومنددة حد "التخوين" من قبل الحكم الشيعي الذي عمل ويعمل على إخضاع السنّة لسلطته.

اقرأ أيضاً: العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي
المشروع في "صخبه" الجديد يتصل بمشروعٍ سابقٍ تبنّته "قوى سياسية عراقية (سنّية) مختلفة العام 2013، في ذروة الانتهاكات التي ارتكبت بمدن شمال وغرب العراق من قبل حكومة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، إلا أنّ طرحه اليوم، ومع ارتفاع مستوى الخطاب الوطني من خلال انتفاضة العراقيين، التي تلاشت معها الطروحات الطائفية والمناطقية، يعتبره مسؤولون عراقيون وسياسيون بأنّه "متعمد وعن قصد من أطراف محددة لها مصلحة بإشعال الجدل وإعادة الحس الطائفي" في البلاد.

النجيفي والسفير الأمريكي ماثيو تولر
وجاء التصويت على قرار برلماني بسحب القوات الأمريكية من العراق وسط مقاطعة سنّية وكردية ليظهر الإشارة الأولى لحاجة السنّة إلى تحالف طالما أنّهم يرفضون القرار ويواصلون انتقاده، كما في تصريح رئيس "جبهة الإنقاذ والتنمية" الشخصية السنّية البارزة ورئيس البرلمان السابق، أسامة النجيفي، في لقائه مع السفير الأمريكي، ماثيو تولر، فقد اعتبر النجيفي قرار مجلس النواب بإخراج القوات الأجنبية من العراق "قراراً متسرعاً يشوبه نقص واضح في جوانبه القانونية، ويمثل ضربة للوحدة الوطنية في ظل غياب مكونات أساسية في أمر يخص مصلحة البلد ككل، كما أنّه يزرع بذرة لخلافات مستقبلية ذات تأثير سلبي على العراق، ويعبّر عن اتجاه خطير قوامه الانفراد في اتخاذ قرارات مهمة، رغم أنّ الحكومة هي حكومة تصريف أعمال يومية لا يحق لها اتخاذ قرارات أو توصيات حول أمور استراتيجية".

أسامة النجيفي: القرار النيابي بإخراج القوات الأجنبية متسرع يشوبه نقص واضح في جوانبه القانونية ويمثل ضربة للوحدة الوطنية

ليس الشخصيات السنّية العلمانية، كما النجيفي، مَن تتجه نحو هذا المنحى، فثمة حديث عن "بدء شخصيات عراقية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بنسختها العراقية بإجراء اتصالات مع أطراف أمريكية فاعلة في الساحة المحلية تحت عنوان وضع تصورات لإقامة تخالف سنّي في المناطق السنّية العراقية".
احتمالات إحياء مشروع إقامة تحالف سنّي متكامل يؤدي إلى "ضمان احتواء تنظيم داعش ومواجهة عودة نشاطه" تأتي متوافقة مع تأكيد واشنطن المتواصل على أنّ وجود القوات الأمريكية في العراق مهم لضمان عدم عودة التنظيم الإرهابي، وإذا ما عرفنا أنّ معظم القواعد الأمريكية يتواجد في المناطق السنّية من العراق، يصبح اللقاء السنّي- الأمريكي متوافقاً لجهة الأسباب والذرائع.

تنديد شيعي

وتقابل القوى الشيعية الأساسية في العراق مثل هذا اللقاء بالحديث عن "مؤامرة التقسيم" الأمريكية، كما يقول النائب عن "تحالف البناء" (القوة الشيعية الأكبر في البرلمان) حنين القدو، وتأكيده  حول وجود "مخطط تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بتجزئة البلاد وإنشاء ما يسمى بالإقليم السني".

اقرأ أيضاً: ما هي مخاوف سنّة العراق بعد الانسحاب الأمريكي؟
ويقول القدو، في تصريح صحافي، إنّ "واشنطن تخطط مع قيادات سنية رفيعة على إعادة تفعيل قضية تقسم البلاد لإقاليم: سني وشيعي وكردي"، لافتاً إلى أنّ "التحالف السنّي يضم محافظات الأنبار وصلاح الدين وجزءاً من نينوى وديالى".
الحلبوسي والسفير الأمريكي

قيادات سنّية تنفي
من جهته، ينفي رئيس مجلس النواب، (السنّي) محمد الحلبوسي، وجود أي طرح يتعلق بتشكيل الأقاليم في العراق وما يطرح حالياً بشأن "التحالف السنّي"، حيث قال في تصريح صحافي، إنّه "لا وجود لأي طرح يتعلق بتشكيل أقاليم، فقد كنا ولا زلنا وسنبقى نؤمن ونعمل على وحدة العراق أرضاً وشعباً".

اقرأ أيضاً: الدولة العراقية "المارقة"... من صدام إلى معارضيه
لكن هناك مَن يؤكد أنّ مشروع التحالف "يعول عليه القادة السنّة (محمد الحلبوسي ورفاقه) من أجل الحصول على "تأييد الولايات المتحدة والمجتمع الغربي مقابل الموافقة على استمرار استضافة القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب من جانب وإيران من جانب آخر".
وكان رئيس حركة الحل، (السنّي) جمال الكربولي، قد أكد في تغريدة على "تويتر"، أنّه "لا مجال أخلاقياً ولا وطنياً لمناقشة أطروحات الأقاليم، فيما العراق يشهد حركة شعبية تصحيحية ستطيح برؤوس الفساد والطائفية وتعود بالعراق إلى طريقه القويم واحداً موحداً".

محمد الحلبوسي: لا وجود لأي طرح يتعلق بتشكيل أقاليم وسنبقى نؤمن ونعمل على وحدة العراق أرضاً وشعباً

وفي سياق متصل، ينفي النائب عن تحالف القوى (السنّية) أحمد مظهر الجبوري، وفق ما أورد موقع "الفرات نيوز"، مناقشة قضية التحالف السنّي في اجتماع لقادة عراقيين (سنّة) في إمارة دبي، مبيناً أنّ "الأقاليم هي حق كفله الدستور الذي كتب بأيدي جميع القوى السياسية الممثلة لجميع المكونات، بالتالي فهو حق مشروع ولا نحتاج للذهاب والاجتماع في دبي لمناقشة هذا الأمر".
لكن ذلك النفي لم يوقف إشارات ترويجية لإقامة التحالف السنّي، كما في فيديو توضيحي نشره "مركز العراق الجديد"، كما لم يمنع استمرار تداول الأخبار المتعلقة بمشروع التحالف.
والمشروع الجديد، حتى لو كان على مستوى الحوار فقط، فإنّه، وفق المصدر السابق، "وسيلة ضغط  للإبقاء على الوجود الأمريكي بالعراق، وتهديد القوى الشيعية الرافضة لذلك الوجود"، بل إنّ تفسيرات التحالف المفترض سيكون "حاضناً للقوات الأمريكية في حال انحسارها تواجدها في المناطق الأخرى".
لكن هذا الربط بين "ضرورات" التحالف والحاجة إليه وبين الحاجة الأمريكية إلى "فضاء آمن" للقوات، تنفيه تصريحات المسؤولين في واشنطن الذين يؤكدون على دعمهم لعراق موحّد.

قاعدة عين الأسد مقر القوات الأمريكية (غرب الأنبار)

صوت سنّي معتدل
وفي حديثه لـ"حفريات"، أكد السياسي (السنّي) المستقل حكمت الدليمي، أنّ "موضوع لقاء دبي (بين القادة السنة) والاتفاق على التحالف غير دقيق تماماً"، موضحاً أنّ "بداية الموضوع كانت في لقاء متلفز على قناة الفلوجة مع النائب فيصل العيساوي وذكره النائب كإنذار للكتلة الشيعية إذا ما ذهبت بخياراتها منفردة فإنّ بقية المكونات لها الحق في اتخاذ خياراتها ومنها التحالف".

اقرأ أيضاً: هل كانت الحكومة العراقية على علم بضربة إيران للقواعد الأمريكية؟
ويلفت الدليمي، الذي يوصف بأنّه "صوت سنّي معتدل" مع أنّه يرفض هذا التوصيف الطائفي له، إلى أنّ "هذا الحديث فتح شهية عدة جهات"، ويبدو أنّ العيساوي لم يتحدث من فراغ وإنما بناءً على تفاهمات وطلب من جهات دولية؛ بالتالي أخذوا بالتفكير باغتنام الفرصة ليكونوا في مقدمة المشروع، ومنهم من يراهن على هذا المشروع منذ أمد طويل، بل أكثر من ذلك التقسيم، وتقريباً أغلب هؤلاء الآن هم في جبهة الإنقاذ التي يترأسها النجيفي، فوجدوها فرصة لإذكاء هذا المشروع، وفق قوله.
ويضيف "هنالك الطيف الاجتماعي في المحافظات المحرَّرة، والتي تجثم ميليشيات ما يسمى بالمقاومة الإسلامية على أراضيهم ومقدّراتهم، وتستحوذ على جزء كبير من مصادر رزقهم، وعانوا من فترة رهيبة؛ حيث التُّهم الجاهزة بالإرهاب والطائفية، فوجدوا في هذا الحديث متنفساً لهم".
وحول المؤشرات الطائفية بشأن التحالف السنّي يقول "الأمريكيون وأغلب الدول العربية المجاورة يترقبون نتائج التظاهرات والصراع الأمريكي الإيراني، بالتالي هم ليسوا مع أي شيء يربك ويشتت هذين الحدثين وهذا واضح من رسائل ولقاءات".

للمشاركة:

هزة جديدة للنهضة: الغنوشي يشعل غضب التونسيين.. ما علاقة أردوغان؟

2020-01-16

بسبب زيارةٍ سريةٍ إلى تركيا، وعقد اجتماعٍ مغلقٍ مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يواجه زعيم حركة النّهضة الإسلامية، راشد الغنّوشي، دعوات برلمانية متصاعدة، ومطالب شعبية متواترة بسحب الثقة منه كرئيس برلمانٍ، خاصّة أنّها جاءت بعد ساعات قليلة من إسقاط حكومة الحبيب الجملي مرشّح النّهضة.

اقرأ أيضاً: تونس: الطبوبي يوجه رسالة للنهضة ولأردوغان
هذه الزيارة المفاجئة أثارت الريبة، لدى الرأي العام التونسي، نظراً لحساسية التوقيت والظرف الذي جاءت فيه، فضلاً عن المستجدات المحلية في البلاد التي تستعد لتشكيل حكومةٍ جديدة، والأحداث الإقليمية، المتعلّقة بالأزمة الليبية التي تلعب أنقرة دوراً كبيراً في تأجيجها، والانتقادات الموجّهة لتونس بدعمها في ذلك.
ردّاً على هذه الانتقادات، أوضحت قياداتٌ من حركة النهضة، في تصريحاتٍ مختلفةٍ أنّ الزيارة التي قام بها الغنوشي كانت بصفته رئيساً لحركة النهضة، وتندرج في إطار زيارةٍ مبرمجة مسبقاً، فيما قال الغنّوشي إنّ "الصفة الرسمية لا تلغي الحياة الشخصية".
راشد الغنوشي يعقد اجتماعاً سرياً مع أردوغان

عريضةٌ برلمانيةٌ
أثارت الزيارة وتبريراتها الغضب لدى بعض الأحزاب المعارضة، في مقدّمتهم الحزب الدستوري الحر، الذي دعا إلى مساءلة رئيس البرلمان ومن ثم سحب الثقة منه، وطالبت رئيس كتلته بالبرلمان التونسي (17 نائبا) عبير موسى، مختلف الكتل النيابية إلى التوقيع على عريضةٍ لسحب الثقة من الغنوشي، معتبرةً أنّها فرصةٌ للقطع مع الإسلام السياسي، الذي أظهر بالكاشف مخططاته الحقيقية وارتباطاته الخارجية.

تحتاج العريضة البرلمانية بسحب الثقة بالغنوشي إمضاء 73 نائباً لتمريرها على المجلس والنظر فيها

وقالت موسي، خلال مؤتمرٍ صحفي، إنّ طلب سحب الثقة من الغنوشي، مسألة "تتجاوز التجاذبات الحزبية والأيديولوجية؛ لأنّها تمسّ الأمن القومي"، نظراً إلى أنّ رئيس البرلمان يحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي ويعرف الكثير، مؤكدةً أنّ هذه الزيارة "غير المعلنة" للبرلمان يحفّ بها الكثير من الغموض وتثير تساؤلات جدّية عن "ارتباطات حركة النهضة بأطراف خارجية وسعيها لتوريط البلاد في محاور أجنبية".
من جانبه، اعتبر محسن مرزوق أمين عام حركة مشروع تونس (4 نواب) أن "ذهاب رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى إسطنبول لمقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مباشرةً بعد سقوط الحكومة في البرلمان، كما ذهب في مناسباتٍ مماثلة، يؤكد مرّةً أخرى بما لا مجال للشكّ فيه أن قرار حركة النهضة مرتبط بتوجيهات تركيا".
وقال مرزوق في تدوينةٍ على فيسبوك "يمكن أن يذهب الغنّوشي  للقاء زعيمه التركي متى شاء ولكن بصفته الشخصية، أما صفة رئيس البرلمان المؤتمن على سيادة الشعب، فهذا غير مقبول ولا يجب أن يتواصل".
هذا ويدرس حزب التيار الديمقراطي (22 نائباً)، الذي يشترك مع حركة الشعب (16 نائباً) في كتلةٍ واحدةٍ، إمكانية إمضاء العريضة، التي أكد أحد نوابه محمد عمار، أنّهم سيتعاملون معها بكلّ جديةٍ.

ويعتقد الأستاذ في العلوم السياسية، الصادق مطيمط، أنّ سحب الثقة من الغنّوشي وارد جدّاً في ظلّ التوازنات السياسية الحالية، "لكن يجب التفكير في ما بعد إسقاط الغنّوشي من رئاسة البرلمان، خاصّة أنّ المشهد السياسي الحالي، يتقاسمه تيّاران وحيدان، هما تيّار الإسلامي السياسي المتمثّل في حركة النّهضة ومن يدور في فلكها، والذي يعطي لنفسه شرعية رعاية الثورة والديمقراطية".
ويضيف مطيمط في حديثه لـ"حفريات"، أنّ التيّار الثاني تختزله المنظومة القديمة والمتمثلة في الحزب الدستوري الحر، الذي يقوم على مقارنة الأوضاع بعد الثورة، بما كانت عليه قبل الثورة، في المقابل تغيب الأحزاب التقدّميّة عن المشهد.

اقرأ أيضاً: الأحزاب التونسية تهزم "النّهضة" بطريقة ديمقراطية
وتتطلّب العريضة البرلمانية إمضاء 73 نائباً، ليقع تمريرها على المجلس، من أجل النظر فيها، فيما ينص النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على أنه "يمكن لمجلس نواب الشعب سحب الثقة من رئيسه أو أحد نائبيه بموافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس بناء على طلبٍ كتابي معلّلٍ، يُقدم لمكتب المجلس من ثلث الأعضاء على الأقل.
ويعرض الطلب على الجلسة العامة للتصويت على سحب الثقة من عدمه في أجلٍ لا يتجاوز ثلاثة أسابيع من تقديمه لمكتب الضبط.

عريضةٌ شعبيةٌ
بالتزامن، أطلق ناشطون ومثقفون وجامعيون تونسيون حملاتٍ مفتوحة لسحب الثقة من الغنّوشي، وأطلقوا عريضة شعبية بعنوان " لا لراشد الغنّوشي على رأس البرلمان"، على مواقع التواصل الاجتماعي، أمضى عليها إلى حدود اللّحظة أكثر من 23 ألف ناشطٍ تونسي.

التحرك ضد الغنوشي تزامن مع تعرض حركة النّهضة لهزاتٍ أضعفت تماسكها بعد تتالي الاستقالات داخلها

وتقول العريضة: "نحن – التونسيون – رجالاً ونساء نطلب من كل نائب نزيه ومن كل رجل وامرأة حرة أن يوقعوا على مطلبنا الراهن بإعفاء راشد الغنوشي من مهام رئاسة البرلمان، الوطن أمانة، عاشت تونس".
من جانبه، يعتبر المحلّل السياسي والمختص في القانون الدستوري، عثمان الحاج علي، أنّ هذه العريضة "لا يمكنها قانونياً سحب الثقة من الغنّوشي، لكن يمكنها أن تكون ورقة ضغطٍ قويةٍ على أعضاء البرلمان، ليكونوا أكثر صرامةً في التعامل مع الشأن العام التونسي الذي يهم الشعب، والمصلحة العامّة".
وشدّد علي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّه يمكنها أيضاً أن تسبّب إحراجاً كبيراً لدى رئيس البرلمان نفسه في حال، كان عدد الإمضاءات كبيراً، مشدّداً على أنّ "ما قام به الغنّوشي بزيارة دولةٍ أجنبيةٍ بصفته الرسميّة، وحيداً دون وفدٍ مرافقٍ له، غير سليمٍ، سياسياً ولا قانونياً؛ لأنّه التقى برئيس بلدٍ أجنبي وعقد معه اجتماعاً سرياً تطرّق فيه إلى قضايا تهم تونس وشعبها".
وكان الغنوشي قد اختير لرئاسة البرلمان التونسي في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، بعد فوز حزبه بالانتخابات التشريعية، وحصل على 123 صوتاً من مجموع 217 ليشغل للمرّة الأولى منذ عودته من منفاه في بريطانيا 2011 منصباً رسمياً.

شبح التمرّد يخيّم على حركة النّهضة
جاء ذلك في وقتٍ، تعيش فيه حركة النّهضة هزاتٍ أضعفت تماسكها، بعد توالي الاستقالات داخلها، وكانت هاجر بركوس المسؤولة المحلية لحركة النهضة في نيس بفرنسا، آخر المستقيلين، بعد أن أعلنت الأربعاء 15 كانون الثاني (يناير) 2020، أنّ قرارات وخطابات النهضة، وأنشطتها لم تعد تمثلها.

سليم بسباس: النّهضة تمرّ بمنعرجاتٍ كبيرة خاصّة أنّ الغنّوشي لم يعد له الحق في الترشّح لعهدة ثالثة

وتُعتبر استقالة بركوس حلقةً في سلسلة الاستقالات التي باتت أشبه بحالة تمرّدٍ يضرب البيت الداخلي للحركة، خلال الساعات القليلة التي تلت زيارة زعيمها إلى تركيا؛ إذ أعلن عضو شورى الحركة زياد بومخلة عن استقالته من الحزب، بعد سنواتٍ من النشاط داخل هياكله، دون الكشف عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك.
كما أعلن قبله بساعاتٍ، هشام العريض وهو نجل القيادي الأبرز في الحزب ووزير الداخلية علي العريض، استقالته من الحركة التي شغل داخلها مناصب مهمّة لعشرة أعوام، دون أن يوضح الأسباب، وخرج قبلهما عن الطاعة، كلٌّ من الأمين العام للحركة زياد العذاري، ومستشار الغنوشي لطفي زيتون، ومدير مكتب الغنّوشي السابق زهير شهودي.
ويؤكّد ذلك وجود تصدعٍ وانشقاق في صفوفها، يعكس صراعاً محموماً على إعادة التموضع داخلها، بما قد يؤشر إلى أزمة هيكلية خلال الأشهر القادمة، مع اقتراب تاريخ عقد مؤتمرها الوطني، الذي سيشهد منافسة شديدةً على خلافة الغنوشي في رئاسة الحزب.

وقد أشار القيادي في حركة النّهضة سليم بسباس إلى ذلك، في تصريحه لـ"حفريات"؛ حيث أكّد أنّ الحركة تمرّ بمنعرجات كبيرةٍ، تتعلّق بخياراتٍ كبرى داخلها، كاختيار رئيس حكومةٍ، أو اختيار رئيسٍ جديدٍ للحركة خلال المؤتمر الذي اقترب عقده، خاصّةً أنّ الغنّوشي لم يعد له الحق في الترشّح لعهدةٍ ثالثةٍ.
وأضاف بسباس أنّ ما تعيشه الحركة من استقالاتٍ، وانشقاقاتٍ، طبيعي؛ لأنّ جلّ القيادات ترى في نفسها الكفاءة، لخلافة الغنّوشي، والكلّ يرغب بالتموقع، لافتاً إلى أنّها "حركةٌ كبيرةٌ تضمّ آراء ومواقف مختلفة، وهو ما يكرّس مظهر الديمقراطية، وأنّها لم تعش من قبل مثل هذه الاستقالات، لأنّها لم تمرّ بمنعرجاتٍ كبرى سابقاً".

للمشاركة:



لماذا أغلق الليبيون موانئ النفط؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

اقتحم ليبيون ميناء الزويتينة النفطي، شرق ليبيا، معلنين وقف صادرات النفط الخام، فيما يقلص إنتاج البلاد لأكثر من النصف، ويزيد التوتر قبل قمة في ألمانيا لبحث الصراع الليبي.

وأعلن رجال قبائل شاركوا في الاقتحام، الأول من أمس، في مناطق تسيطر عليها قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة اللواء خليفة حفتر، إغلاق كلّ الموانئ الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني.

وصرّح المتحدث باسم الجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، أمس، بأنّ إقفال موانئ وحقول النفط "خطوة جبارة من الشعب الليبي".

وأضاف: "الشعب الليبي هو الذي أقفل الموانئ النفطية والحقول ومنع تصدير النفط، نحن علينا حماية شعبنا، حماية كلّ مكونات الشعب الليبي وعدم السماح لأيّ أحد بتهديد الشعب الليبي".

رجال قبائل يعلنون إغلاق الموانئ الخاضعة لسيطرة الجيش احتجاجاً على دفع حكومة الوفاق الأموال للمرتزقة

من جهته، قال مصدر بالمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، نقلت عنه "رويترز"؛ إنّه سيتم وقف تصدير الخام من موانئ النفط بشرق ووسط البلاد، بدءاً من اليوم، وهو ما سيؤدي إلى خسارة صادرات حجمها 700 ألف برميل يومياً".

وذكر المصدر؛ أنّ إغلاق الموانئ، باستثناء ميناء زويتينة، جاء بناء على أمر من الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، والذي يسيطر على شرق ووسط البلاد، وكان مهندس بميناء الزويتينة النفطي الليبي، قال لـ "رويترز": إنّ "محتجين دخلوا الميناء وأعلنوا إغلاقه أمس".

ودعا شيوخ قبائل في شرق وجنوب ليبيا، الخميس، لإغلاق الموانئ احتجاجاً على ما وصفوه باستغلال حكومة الوفاق لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين سوريين أرسلهم أردوغان للقتال في ليبيا.

وتستعد العاصمة الألمانية برلين، غداً، لاستضافة مؤتمر حول ليبيا، بهدف ترسيخ الهدنة الميدانية ومنع التدخلات الأجنبية، لا سيما عبر تقديم الدعم العسكري.

كما سيتم اقتراح حظر على توريد الأسلحة لأطراف النزاع، والعمل على إيجاد توافق سياسي دولي لحلّ الأزمة الليبية بعيداً عن الحل العسكري.

وتعاني ليبيا التي لديها أحد أكبر احتياطات نفط في القارة الأفريقية، من العنف وصراعات السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي، عام 2011، في أعقاب انتفاضة شعبية.

 

 

للمشاركة:

تونس تحذّر تركيا.. لماذا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الدفاع التونسية، أمس؛ إنّ قواتها ستسقط أيّة طائرة تركية مسيرة تخترق المجال الجوي للبلاد.

يأتي ذلك على خلفية رصد وسائل الدفاع الجوي التونسي طائرات دون طيار تحلّق قرب الحدود مع ليبيا، دون أن تجتاز المجال الجوي التونسي، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الرسمية.

ودعت وزارة الدفاع وسائل الإعلام لضرورة التحرّي والتثبت من المعلومة قبل نشرها، وذلك عقب انتشار أخبار بأنّ الطائرات التركية المسيرة اقتحمت الأجواء التونسية.

الجيش التونسي يتوعّد بإسقاط أيّة طائرة تركية مسيرة تخترق المجال الجوي للبلاد

وتنتشر في سماء العاصمة الليبية طرابلس العديد من الطائرات التركية المسيرة، وسبق أن أسقط الجيش الليبي أكثر من 40 طائرة مسيرة تركية الصنع، بجانب غرف عملياتها وهوائيات التحكم، وعشرات المدرعات.

وتمكن الجيش الليبي أيضاً من إسقاط وتدمير طائرتين من نوع "L39"، وطائرتين "ميراجF1"، وطائرة "ميغ 25"، وأخرى "ميغ 23"، و20 طائرة تركية مسيرة للاستطلاع والتصوير.

يذكر أنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قرر التدخل عسكرياً في ليبيا بعد توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة وتقسيم الحديد البحرية من حكومة الوفاق غير الشرعية.

هذا وقد نقلت وكالات إعلام عالمية؛ أنّ حكومة الوفاق اشترت شركة تصنيع الطائرات المسيرة من صهر الرئيس التركي، زير المالية التركي بيرات ألبيرق.

 

للمشاركة:

تهديدات باغتيالات سياسيين تونسيين.. من وراءها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف حزب التيار الشعبي التونسي في بيان، أمس، أنّ الأجهزة الأمنية قد أحبطت مخططاً لاغتيال القيادية في الحزب والنائبة السابقة عن تحالف الجبهة الشعبية في البرلمان، مباركة عواينية براهمي، أرملة النائب السابق في المجلس التأسيسي، محمد براهمي، الذي تتهم حركة النهضة بالتورط في اغتياله، إضافة إلى شكري بلعيد.

وثمّن التيار الشعبي مجهودات الأجهزة الأمنية في هذه المعركة ضدّ الإرهاب، منبهاً إلى خطورة الوضع الذي بات مشحوناً بأجواء العنف والتحريض، وفق "ميديل إيست أون لاين".

ودعا الحزب الذي انشق عن تحالف الجبهة الشعبية الشعب التونسي وقواه الحية إلى الحيطة والحذر والوحدة، في مواجهة محاولات جرّ البلاد مجدداً إلى مربع العنف.

إحباط محاولة لاغتيال النائبة السابقة مباركة البراهمي أرملة محمد براهمي والقبض على الإرهابي

من جانبها، أفادت وزارة الداخلية التونسية؛ بأنّه تمّ الكشف عن مخطط لاستهداف مباركة البراهمي بعد القبض على عنصر إرهابي خطير من قبل الأجهزة الأمنية.

وأوضح الناطق باسم الوزارة، خالد الحيوني، في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية؛ أنّ الأجهزة المختصة أعلمت النائبة بمحاولة اغتيالها، وأنّه تمّ اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لحمايتها بالتعاون مع القطب القضائي لمكافحة الإرهاب.

وكان محمد البراهمي، زوج مباركة البراهمي، قد اغتيل في تموز (يوليو) 2013، بعد أشهر قليلة من اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد، وهو من التحالف نفسه، على أيدي إرهابيين.

وقد خلفت عملية الاغتيال احتجاجات شعبية واسعة أدّت إلى اعتصامات ومظاهرات مطالبة بحلّ البرلمان وإسقاط النظام، بعد اتهام حركة النهضة بالوقوف وراء المحاولتين، وهو ما أدّى في النهاية إلى تشكيل حكومة تكنوقراط بقيادة مهدي جمعة، عام 2014، بعد فترة من الحوار الوطني مع أغلب الأحزاب والمنظمات الوطنية.

وعاد الحديث اليوم عن الاغتيالات السياسية، في ظلّ أزمة سياسية تعصف بالبلاد بعد الفشل في منح الثقة لحكومة الجملي، المدعومة من إخوان تونس، وانطلاق مشاورات حول حكومة جديدة بإشراف الرئيس قيس سعيّد.

وفي سياق متصل، حذّرت رئيس كتلة الحزب الدستوري الحر، عبير موسى، في حوار بثّ عبر إذاعة "موزاييك" الخاصة من محاولة لاغتيالها، وذلك بسبب مواقفها السياسية الرافضة للإسلام السياسي.

النائبة عبير موسى تتحدث عن مخطط لاغتيالها وذلك بسبب مواقفها الرافضة للإسلام السياسي

وقالت عبير موسى؛ إنّ هنالك محاولة للاعتداء عليها ونواب كتلتها من قبل بعض الأشخاص في البرلمان، بحجة أنّهم من عائلات شهداء وجرحى الثورة، على خلفية رفضها الترحم عليهم في ذكرى الثورة.

وأوضحت عبير موسى؛ أنّ حياتها وحياة نواب الحزب الدستوري الحر أصبحت مهددة، مبينة تعرّض عدد منهم لاعتداء مباشر وغير مباشر، في محاولة لكتم أصواتهم.

وأضافت: "لن أسكت ولن أتراجع عن معركة تحرير تونس"، مؤكدة أنّ "تونس في خطر"، وداعية إلى الالتفاف حولها وإنقاذها من الخطر الاستعماري الداهم.

ورداً على تصريحات عبير موسى؛ قال رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، إنّ تصريحات النائبة "فأل سيئ"، مضيفاً: "فأل عبير موسى ينذر بالخراب، موضحاً: "كان ينبغي على النيابة العموميّة أن تستدعي موسى التي تبشّر بالاغتيال".

يذكر أنّ حركة النهضة كانت قد اتُّهمت، إضافة إلى جهازها السري، بالتورط في عمليات الاغتيال السياسي التي شهدتها البلاد بعد الثورة؛ حيث كشفت هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وجود غرفة سوداء وأمن موازٍ تابع للإسلاميين يعمل على ارتكاب عمليات الاغتيال، وهو ما أثار جدلاً في البلاد.

 

للمشاركة:



هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

نجاة السعيد

إن التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران تدعونا للبحث عن الفروقات بين المجتمعين. الكثير من شعوب المنطقة ينظرون على أنهما متماثلان لأنهما ذو أغلبية شيعية، كما أن وجود حكومة عراقية انبطاحية بشدة للنظام الإيراني وغير مؤهلة ـ وهذه من أهم أسباب تظاهر الشعب العراقي ضدها لأنها لا تمثل غالبية المجتمع ـ كرس هذا المفهوم بين المجتمعات العربية ولم يلتفت إلا القليل عن الفروقات بين المجتمعين.

ولكي يكون التحليل السياسي صحيحا، علينا أن نحلل المجتمعين لكن من منظور علماء اجتماع وهنا سيتم التركيز على: علي الوردي (1913 ـ 1995) في العراق وعلي شريعتي (1933 ـ 1977) في إيران.

الاثنان عالما اجتماع وأنثروبولوجيا، ومفكران متميزان، ومصلحان اجتماعيان تنويريان، مما يجعلهما قادرين على توفير مفاتيح لمعرفة المجتمعين والعوامل المؤثرة بهما.

ذكر الوردي أن المجتمع العراقي كان له طابعا علمانيا، وأنه معروف، عبر تاريخه الطويل، بانفتاحه على الأديان المتعددة والمذاهب المختلفة حتى صارت هناك أديانا ومذاهبا في العراق فقط دون دول العالم الأخرى كالأيزيدية والشبك والكاكائية وغيرها.

كذلك انتشرت في العراق التيارات غير الدينية مما جعله نقطة قوة في التسامح والتعايش مع تعدد الآراء واختلاف الملل. ونتيجة لهذا التسامح، صار التزاوج والتخالط بين السنة والشيعة أمرا اعتياديا وموجود في مختلف المحافظات والمدن بل باتت العديد من العشائر المعروفة مشتركة بين السنة والشيعة.

وبالرغم من أن التعددية والتسامح تعتبران نقاط إيجابية، إلا أنه من الممكن أن تستغل من ثقافات وأديان مختلفة تؤدي إلى نتائج عكسية مثل انتشار الطائفية والتخلف.

فأحد هذه التأثيرات السلبية، كما ذكر الوردي، على المجتمع العراقي أنه عندما تحول الإيرانيون إلى التشيع، صارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعا إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة أو طلب العلم أو دفن الموتى أو غير ذلك، وكان من طبيعة الإيرانيين ممارسة طقوس كثيرة منها التطبير والإدماء أيام عاشوراء والأربعين على الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رغم رفض العراقيين للتطبير القادم من إيران في القرن التاسع عشر لأنها كانت طقوسا غير محبذة ودخيلة على التشيع العلوي (النجفي) آنذاك.

لكن مع تدهور أحوال العراق السياسية والاقتصادية خاصة بعد حربي الخليج العربي الأولى والثانية وتداعياتهما الظالمة، خاصة في فرض الحصار عليه، الذي أدى إلى هدم البنية التحتية للدولة وتدمير النسيج الاجتماعي، اخترقت إيران المجتمع العراقي وزاد تغلغلها بعد سقوط نظام صدام حسين.

ولعل فهم إيران للمجتمع العراقي جعلها تستفيد من الإطاحة بنظام صدام أكثر بكثير من الأميركيين. وتبعا لذلك زادت ظاهرة تكفير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي عند العراقيين بعد 2003 وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، سلمت العراق إلى إيران بالكامل وغذى ملالي إيران المجتمع العراقي، من خلال سيطرتهم على الحوزات العلمية والحسينيات والبرامج التلفزيونية، بالأحقاد ضد السنة مستغلين ضغائن الذكريات السيئة من ممارسات نظام صدام الوحشية ضد أتباع المذهب.

كذلك شرح الوردي أن المجتمع العراقي مع الوقت بدأ ينتشر به التفاضل الديني عن الحضاري والمنفعي، فقد قال: "لم يكن الوعي السياسي موجودا بداية القرن العشرين وقام مقامه الوعي الديني"، لذلك لم يثر العراقيون على المغول والتتر والعثمانيين رغم ظلمهم الكبير مثلما ثاروا في ثورة العشرين ضد الإنكليز مع أنهم قدموا خدمات كثيرة للعراق، مثل إنشاء القوانين والأنظمة، لكن العلامة الوطنية عند العراقيين كانت بالمزايدة على الوقوف بوجه الإنكليز.

ولعل هذا قد يفسر سكوت الكثير من العراقيين على ما اقترفه النظام الإيراني من دمار في العراق أو حتى لو كان هناك نقد أو امتعاض فإنه لا يكون بنفس الصورة المبالغ بها ضد الأميركيين.

وقد شخّص الوردي ثلاث مشاكل في المجتمع العراقي، والكثير منها تتقاطع مع الكثير من المجتمعات العربية الأخرى، وهي: أولا: الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة. ثانيا: التصادم الثقافي وازدواج الشخصية. ثالثا: التصادم الاجتماعي حيث التنافس بين مصالح مجتمع زراعي تقليدي وآخر صناعي متحضر.

يؤكد الوردي على ازدواج الشخصية كثيرا، حيث يقول: "المجتمع العراقي يعاني من ازدواج الشخصية بشكل مركز ومتغلغل في الأعماق. فالعراقي كثير الهيام بالمثل العليا والدعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عنها في واقع حياته".

يقول الوردي أيضا إن المجتمع العراقي يتميز بالنظرة الثاقبة المصحوبة بالنقد اللاذع وأحيانا التذمر وهذا مما يجعلهم يميلون للعصيان على الأمراء والحكام عموما، لذلك يؤكد الوردي "لا ينفع مع هذا المجتمع الأسلوب الوعظي الدارج من السلطة". أحيانا هذه النظرة الناقدة تطول غير العرب مثل: "بين العجم والترك بلوي ابتلينا" وحتى العرب والتي تتمثل في مقولات الوردي المشهورة: "العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر".

وبالمقارنة مع المجتمع الإيراني، فقد ذكر شريعتي أن مشكلة إيران هي الحلم في التاريخ الإمبراطوري، التي تريد إعادة إنتاجه واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارسته المختلفة، التي أدخل عليها الكثير من الانحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع والطقوس. ويرى بعض المتابعين للشأن الإيراني، أن المذهب الشيعي في إيران تداخل مع العقائد القديمة في البلاد وتأثر بالفلكلور والقصص والخرافات عبر التاريخ، فصار "تشيعا فارسيا".

وقد تجلى ذلك واضحا مؤخرا بصورة الحسين بن علي وهو يحتضن قاسم سليماني التي نشرها موقع علي خامنئي الإلكتروني والتي أثارت تفاعلا واسعا بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن الإيرانيين بذلك يريدون احتكار حب أهل البيت ودخول الجنة لأتباع التشيع الصفوي فقط، وكأن الباقي ضد محبة سبط رسول الله وليس لهم أفضلية دخول الجنة.

البعض يعتقد أن الإيرانيين متحالفون مع جميع الشيعة، المستضعفين في الأرض، لكن في الواقع الإيرانيين لا يتحالفون إلا مع الذي يخدم مصالحهم من الشيعة أما الشيعي الذي لا يتوافق مع مصلحتهم تتم تصفيته. وقد شاهدنا كيف يتم قتل الشيعة المتظاهرين في العراق من قبل الميليشيات الإيرانية بدم بارد.

وقد أشار شريعتي أن البعد القومي في الشخصية الفارسية يطغى على المذهب، فكم مرة ضحوا بالمذهب الشيعي من أجل القومية. ويؤكد على ذلك تصريحات مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القوميات والأقليات المذهبية، علي يونسي، التي اعتبر فيها العراق عاصمة لإمبراطورية إيران.

وما زالت المخيلة الفارسية تعيش العقدة القومية، التي هزتها الحقيقة التاريخية بعدما فتح العرب بلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر (الفاروق)، وهذا ما يفسر النظرية الفوقية لدى بعض القوميين المتشددين الفرس تجاه العرب.

وقد أشار شريعتي بأن القومية الفارسية قد عزلت المواطن الإيراني عن العربي وباقي المجتمعات الإسلامية لأنها أدت إلى تراجع الشعور الديني المشترك لصالح الشعور القومي.

إن من أكثر نقاط الضعف في الشخصية الإيرانية أنها عاطفية جدا ولا يتعامل مع العقل إلا النخبة من المثقفين، وهذا الذي جعل رجال الدين يستغلونها أسوء استغلال، والذي وصفه شريعتي بـ "الاستحمار الديني"، الذي تمثل بأدلجة المذهب الشيعي بدعوى محبة أهل البيت إلى ثقافة الكراهية واللعن والبراءة من السنة ورموزهم.

ونتج عن ذلك متاجرين في الدين ووعاظ سلاطين لنشر الشرك والخرافة والفرقة، كما أفتى رجال الدين بأشنع الفتاوى مثل جواز الكذب والبهت والسرقة والغدر والغش وغيرها لتحقيق مصالحهم.

كذلك ذكر شريعتي، أن الشخصية الإيرانية تعيش الخوف دائما من الماضي والحاضر، وهكذا استغل الحكام هذا الذعر لترهيبهم، ولو بالبلطجة، والتركيز على ما يخافونه وتكراره وشيطنة الآخر واستدعاء الأفكار الفاشية أمامهم.

وهذا يوضح لماذا يخلق النظام الإيراني الأزمات في المنطقة لأنه يعلم أنه لن يستمر إلا بخلق هذا العدو الوهمي المتمثل إما بأميركا وإسرائيل أو الدول العربية المجاورة ذات الأغلبية السنية.

وهذا الخوف الذي يعيشه الإيراني، زاد من قسوة وتخويف نظامهم في التعامل معهم وكان هذا واضحا فيما قام به الخميني بالإقامة الجبرية لعشر مراجع كبار بعضهم صاحب الفضل عليه.

وبما أن مشكلة إيران هو ذلك الحلم في التاريخ الامبراطوري، وبالتالي احتمال علاقته مع الغرب، بغض النظر عن نوعية النظام إسلامي أم علماني، ستكون في الغالب تصادمية ندية وليست منفعية توافقية كما هي العلاقة مع شرق آسيا.

وقد تجلى ذلك بمواقف ومقولات علي شريعتي، فالبرغم من أنه يدعو للعلمانية وضد رجال الدين في إيران، إلا أنه كان ناقما على الغرب. فقد قال شريعتي: "إن على كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي صنعها الغرب، وإذا أراد أن يرفضها فليظل وحشيا وبدائيا".

وقد كان شريعتي ضد ما بدأ به الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسماه بـ "عصر الانفتاح"، لأنه يرى في حزمة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي قام بها الشاه، تبعية إيران للغرب وتغريب لاقتصادها وحياتها الاجتماعية ومنها الحصانة للرعايا الأميركية والارتباط الأكبر مع أمريكا.

ولعل هذا الرفض للتبعية الأمريكية والتي اتضحت بكتابات شريعتي، كان أحد رموز البعد الأيديولوجي للثورة الخمينية.

ومن خلال التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران علينا أن نتساءل: ما الذي ستنتج عنه التظاهرات والمواجهة ضد النظامين في كل من البلدين؟ هل نحن أمام جيل عراقي تواق إلى نظام مدني ـ علماني، ومن هنا نتفاءل أن المجتمع سيرجع إلى فطرته الأصلية؟ أم هل العراق في صدد التحرر من التشيع الصفوي وليس إلى العلمانية؟ هل الجيل الجديد، الذي لم يعش ممارسات صدام الوحشية، متحرر من فكرة المظلومية ومستعد الآن إلى بناء دولة وطنية أساسها المصالح المتبادلة أم أن النظرة النقدية اللاذعة المتذمرة ستسمر في تعاملاته مع الدول المجاورة والدول المتقدمة؟ هل الحل هو بإصلاح النظام الحالي في العراق أم أن ما بني على باطل (أساس طائفي) فهو باطل؟

وبالنسبة للتظاهرات في إيران، هل سينتج عنها مجتمعا متحررا من الحلم التاريخي الفارسي الامبراطوري أم سيظل كما هو لكن بقناع مختلف عن التشيع الفارسي الصفوي؟ هل سيتحرر الإيرانيون من العقدة القومية ضد العرب أم سيستمرون بالتخطيط لاحتلال والسيطرة على الدول العربية؟ هل العزلة التي عاشها المجتمع الإيراني تحت حكم النظام الثيوقراطي سيغيره ويجعله أكثر اندماجا مع المجتمعات الإسلامية؟ هل هذه العنجهية الفارسية ستختفي مع الضغوطات السياسية والاقتصادية وتخلق مجتمعا إيرانيا توافقيا مع الغرب أم أن العلاقة ستظل تصادمية؟

على دول المنطقة ودول صانعة القرار خاصة أميركا أن تفكر في كل هذه الأمور وتحللها وعلى أساسها تتخذ القرارات السياسية. فتجربة تحرير العراق من صدام أثبتت لنا أن دراسة المجتمعات لا تقل أهمية عن التخطيط السياسي والعسكري، إن لم تكن أهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية