محمد يونس "مُقرض الأمل" الحالم بهزيمة الفقر وتمكين الإنسان

1564
عدد القراءات

2018-12-19

عندما قدّم أفكاره المبدعة لمساعدة الفقراء في بلاده ومنحهم قروضاً صغيرة، أطلق رجال المال والأعمال التقليديون عليه صفة "المجنون" رغم أنه بروفسور في الاقتصاد.
لم يأبه محمد يونس بالانتقادات، ومضى متابعاً حلمه في تأسيس بنك الفقراء "غرامين" في بلده بنغلادش، حيث ساعدت الفكرة على إخراج ملايين الأسر في بنغلادش من الفقر والعوز إلى عالم تملّك المشروعات الصغيرة المنتجة عبر القروض الميسرة التي يمنحها بنك غرامين الذي بات يمتلك 2600 فرع في بنغلادش، وانتقلت فكرته إلى بلدان أخرى شملت دولاً آسيوية وإفريقية وأوروبية، فضلاً عن الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة
وقد مكّنت هذه النجاحات يونس، الذي يحب أن يوصف بـ"مُقرض الأمل"، من نيل جائزة نوبل للسلام عام 2006، لأنه، وبنك غرامين، بحسب بيان اللجنة عملا على خلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الطبقات الدنيا، وأثبتا أن أفقر الفقراء بوسعهم العمل لتحقيق التنمية.
وأضاف البيان أنّ "السلام الدائم لن يتحقق إلا إذا تمكنت جماعات كبيرة من السكان من كسر قيد الفقر. والقروض الصغيرة من الوسائل التي تحقق ذلك. وتنمية القطاعات الدنيا تخدم في دفع الديمقراطية وحقوق الإنسان قدماً."
يحاول الترويج لفكرة القروض الصغيرة للفقراء في قرى بنغلادش النائية

إقراض الفقراء من جيبه الخاص
ولدى استضافته في "أبوظبي" بدعوة من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، استعرض يونس المشاق وهو يحاول الترويج لفكرة القروض الصغيرة للفقراء في قرى بنغلادش النائية، سواء من الأشخاص أو المصارف الأهلية، حتى اضطر إلى إقراض الفقراء من جيبه الخاص، حيث لا يطلب هؤلاء سوى دولارات معدودات تمكنهم من إنشاء عمل صغير يُغنيهم عن الحاجة والتسول.

تقوم فلسفة يونس على مساعدة الفقراء عن طريق مساعدة أنفسهم ولا يستجيب عندما يمد متسول يده للحصول على المال

وأشار إلى أنّ أكثر المقترضين كانوا من النساء في قريته، ثم انتقلت الفكرة إلى القرى الصغيرة المحيطة، وراح الفقراء المطالبون بالقروض يزدادون يوماً بعد يوم، الأمر الذي اضطره إلى الذهاب إلى المسؤولين في المصارف لإقناعهم بأهمية تسهيل قروض الفقراء واستثمار الأعمال التي ينشئونها، غير أنّ المصارف اتهمته بالجنون بسبب أفكاره هذه؛ لأن الفقراء ليس لديهم أي ائتمانات تضمن سداد قروضهم، لكنه أصر على هذه الفكرة. كما سعى إلى إنشاء بنك صغير أطلق عليه اسم "بنك غرامين" في عام 1976، منتقداً سلوك المصارف والعرف الجاري بينها؛ لأنّ فكرة إقراض المال يجب أن تكون في الأساس لمن يحتاج إلى القرض، وليس هناك أكثر من الفقراء من هم بحاجة إليه.
يؤمن بأنّ المرأة يمكنها أن تهزم الفقر إذا حصلت على قروض صغيرة

المرأة يمكنها أن تهزم الفقر
وقال يونس، في سياق متصل: "في بنغلادش حيث لا ينجح شيء ولا توجد كهرباء، نجح نظام القروض الصغيرة وعمل بانضباط كالساعة". وكان يونس يؤمن بأنّ المرأة يمكنها أن تهزم الفقر إذا حصلت على قروض صغيرة تبدأ بها مشروعاً تجارياً صغيراً أو توسعه. والشرط الوحيد للإفادة من خدمات "غرامين" هو أن يقدم المستفيدون الطلب ضمن مجموعة لا تقل عن خمسة أشخاص وأن يتكاتفوا من أجل دفع الأقساط. وامتدت هذه المبادرة إلى عشرات الدول، وأصبح بإمكان ملايين الناس اليوم القيام بنشاط مستقل والخروج من الفاقة بفضل القروض الصغيرة.

اقرأ أيضاً: البنك الدولي يعلن عدد الفقراء في العالم
وأوضح يونس، الذي وضعته مجلة "تايم" الأمريكية ضمن "قائمة أبطال آسيا" لمدة 60 عاماً، أنّ نسبة الفقراء الذين سدّدوا قروضهم المالية بلغت نحو 97%، وهي أكثر بكثير جداً من نسب تسديد الأثرياء وذوي الدخول والائتمانات لقروضهم، حتى إنّ فكرة إقراض الفقراء انتشرت في جميع أرجاء القرى والمناطق في بلاده، ثم أخذت تنتشر إلى تركيا.

اقرأ أيضاً: في غزة: مساجد بملايين الدولارات وفقراء بلا مأوى
ولفت إلى أنّ فكرة القروض بدأت تتطور للتحول إلى مشاريع تجارية غير ربحية، المستفيد الأول منها هو الشعب، مستشهداً بتجربته الشخصية حين كان يزور بيوت القرية ويكتشف أنّ الأطفال يصابون بالعمى ولا يبصرون شيئاً، وعند استفساره عن الأمر أخبره الأطباء أنّ هذا المرض هو "العشى الليلي" الذي يتسبب به نقص فيتامين "A" الذي يتوافر في الخضار والأدوية، الأمر الذي دعاه للقيام بحملة صحية وإعلامية يوضح فيها للناس أهمية تناول الخضار مع إعطائهم الدواء بأسعار زهيدة، ثم اشترط في منح القروض للفقراء ضرورة إنشاء دورات مياه وحفر صغيرة في بيوتهم بهدف مكافحة الأمراض، فضلاً عن نجاحه في تعميم فكرة شراء محطات كهربائية صغيرة تعمل على الطاقة الشمسية في قرى بلاده؛ لأنّ نسبة الذين لا تصلهم الطاقة الكهربائية من السكان نحو 70%.

"غرامين" هي كلمة بنغالية معناها بنك القرية

جعبة عامرة بالأحلام الكبرى

وما تزال جعبة يونس عامرة بالأحلام الكبرى التي أفصح عنها أخيراً لدى إلقائه محاضرة في كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت، وعلى رأسها القضاء على الفقر عبر برنامجه الهادف إلى تشجيع الشباب على التحول إلى رواد مشروعات صغيرة يخلقون فرص التوظف بدلاً من البحث عنها، قائلاً: يجب ألا يبقى فقير واحد في بنغلادش بحلول العام 2030، مشيراً إلى إعلانه عن جائزة بقيمة مليون دينار لمن يعثر على فقير واحد في تلك البلاد".

يقول يونس: منحي جائزة  نوبل سيعطي شحنة مهمة من الطاقة للحركة بأسرها، ويمكنني أن أؤكد لكم ذلك

وأكد أنّ التخلص من الفقر يتطلب "إعادة صياغة نظرنا إلى المفاهيم الاقتصادية المعاصرة وتغيير تفكيرنا النمطي الذي ينظر إلى الربح من خلال مفهومه الضيق، أي كسب المال الذي يتطلب بالضرورة إصلاحاً للنظام التعليمي التقليدي، ليتحول إلى نظام محفز ومشجع على الإبداع وقادر على خلق أجيال من رواد الأعمال وليس حملة شهادات يبحثون عن الوظيفة".
وأشار إلى الهدف الثالث الذي يتمحور حول التخلص من الانبعاثات البيئية الضارة، مبيناً رغبته في الوصول إلى عالم تصل فيه نسبة انبعاثات الكربون إلى الصفر.
ولد محمد يونس في شيتاغونغ سنة 1940 هو ثالث أبناء أسرة رزقت بـ 14 طفلاً توفي خمسة منهم بعد ولادتهم بسنوات قليلة. ويلقب يونس بـ "مصرفي الفقراء"، إلا أنه يفضّل أن يلقب بـ "مُقرض الأمل".

اقرأ أيضاً: كيف حرم "احتكار البث" الفقراء من مشاهدة الساحرة المستديرة؟
في عام 1974 قاد يونس، بينما كان رئيساً للبرامج الاقتصادية الريفية بجامعة تشيتاجونج، طلابه في رحلة ميدانية إلى ريف بنغلادش حيث قتلت المجاعة آلاف الأشخاص. وغيّرت تلك التجربة من مجرى حياته. وبعدما أدرك أنّ قروضاً صغيرة يمكن أن تؤدي إلى تغيير جذري في مصير الفقراء، بدأ يونس في إقراض مجموعة من الإناث اللائي يعملن في نسج السلال ما يعادل 27 دولاراَ لتوسيع أعمالهن. وكانت تلك الفكرة نواة لبنك "غرامين" وهي كلمة بنغالية معناها بنك القرية.

رداً على منحه جائزة نوبل، قال: أنا سعيد جداً. إنكم تدعمون حلماً بصياغة عالم خالٍ من الفقر

على ماذا تقوم فلسفة يونس؟

وتقوم فلسفة يونس على مساعدة الفقراء عن طريق مساعدة أنفسهم. ولا يستجيب يونس على الإطلاق عندما يمد متسول يده للحصول على المال. ويحلم بالقضاء الكامل على الفقر في العالم. ويقول "غرامين رسالة أمل.. برنامج لوضع التشرد والعوز في متحف حتى يزوره أطفالنا يوماً ما ويسألون كيف سمحنا لهذا الشيء المفزع بأن يستمر طوال هذه الفترة."

اقرأ أيضاً: الاستلاب في ظل العولمة: كيف أفقر الإنسان نفسه؟
ويشعر يونس بالفخار، لأنّ نموذجه في تمكين فقراء الريف من خلال السلف الصغيرة انتشر حول العالم، وأنّ البنك الدولي نفسه تبنى الفكرة التي كان شكك فيها في البداية.
وكان يونس أكمل تعليمه العالي في جامعة داكا، حيث حصل على البكالوريوس والماجستير في الاقتصاد، ثم حصل على الدكتوراة من جامعة "فاندربيلت" في "ناشفيل" بولاية "تينيسي" الأمريكية عام 1969. وفي ما بعد انضم إلى طاقم التدريس بجامعة "تشيتاغونغ" أستاذاً للاقتصاد.

اقرأ أيضاً: يونيسيف: 85% من أطفال اللاجئين السوريين في الأردن تحت خطّ الفقر
وينقل "لالان جوليس" الذي شارك في إعداد كتاب عن حياة الدكتور يونس بعنوان "المصرفي النابغة" على لسان يونس: "بينما كان الناس يموتون جوعاً بالشوارع.. كنت أدرس نظريات اقتصادية رائعة.. كنا جميعاً كأساتذة بالجامعة أذكياء للغاية، ولكننا لم نكن نعرف شيئاً على الإطلاق بشأن الفقر المحيط بنا". ومضى يقول: "قررت أنَّ الفقراء أنفسهم سيكونون معلمي".
وفي أول رد فعل له على منحه جائزة نوبل، قال يونس في تصريحات إذاعية: "أنا سعيد جداً. إنكم تدعمون حلماً بصياغة عالم خالٍ من الفقر". وأضاف أنّ منح الجائزة "سيعطي شحنة مهمة من الطاقة للحركة بأسرها، ويمكنني أن أؤكد لكم ذلك. نحن لا نزال في البداية".

اقرأ المزيد...

الوسوم: