محمد يونس "مُقرض الأمل" الحالم بهزيمة الفقر وتمكين الإنسان

2770
عدد القراءات

2018-12-19

عندما قدّم أفكاره المبدعة لمساعدة الفقراء في بلاده ومنحهم قروضاً صغيرة، أطلق رجال المال والأعمال التقليديون عليه صفة "المجنون" رغم أنه بروفسور في الاقتصاد.
لم يأبه محمد يونس بالانتقادات، ومضى متابعاً حلمه في تأسيس بنك الفقراء "غرامين" في بلده بنغلادش، حيث ساعدت الفكرة على إخراج ملايين الأسر في بنغلادش من الفقر والعوز إلى عالم تملّك المشروعات الصغيرة المنتجة عبر القروض الميسرة التي يمنحها بنك غرامين الذي بات يمتلك 2600 فرع في بنغلادش، وانتقلت فكرته إلى بلدان أخرى شملت دولاً آسيوية وإفريقية وأوروبية، فضلاً عن الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة
وقد مكّنت هذه النجاحات يونس، الذي يحب أن يوصف بـ"مُقرض الأمل"، من نيل جائزة نوبل للسلام عام 2006، لأنه، وبنك غرامين، بحسب بيان اللجنة عملا على خلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الطبقات الدنيا، وأثبتا أن أفقر الفقراء بوسعهم العمل لتحقيق التنمية.
وأضاف البيان أنّ "السلام الدائم لن يتحقق إلا إذا تمكنت جماعات كبيرة من السكان من كسر قيد الفقر. والقروض الصغيرة من الوسائل التي تحقق ذلك. وتنمية القطاعات الدنيا تخدم في دفع الديمقراطية وحقوق الإنسان قدماً."
يحاول الترويج لفكرة القروض الصغيرة للفقراء في قرى بنغلادش النائية

إقراض الفقراء من جيبه الخاص
ولدى استضافته في "أبوظبي" بدعوة من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، استعرض يونس المشاق وهو يحاول الترويج لفكرة القروض الصغيرة للفقراء في قرى بنغلادش النائية، سواء من الأشخاص أو المصارف الأهلية، حتى اضطر إلى إقراض الفقراء من جيبه الخاص، حيث لا يطلب هؤلاء سوى دولارات معدودات تمكنهم من إنشاء عمل صغير يُغنيهم عن الحاجة والتسول.

تقوم فلسفة يونس على مساعدة الفقراء عن طريق مساعدة أنفسهم ولا يستجيب عندما يمد متسول يده للحصول على المال

وأشار إلى أنّ أكثر المقترضين كانوا من النساء في قريته، ثم انتقلت الفكرة إلى القرى الصغيرة المحيطة، وراح الفقراء المطالبون بالقروض يزدادون يوماً بعد يوم، الأمر الذي اضطره إلى الذهاب إلى المسؤولين في المصارف لإقناعهم بأهمية تسهيل قروض الفقراء واستثمار الأعمال التي ينشئونها، غير أنّ المصارف اتهمته بالجنون بسبب أفكاره هذه؛ لأن الفقراء ليس لديهم أي ائتمانات تضمن سداد قروضهم، لكنه أصر على هذه الفكرة. كما سعى إلى إنشاء بنك صغير أطلق عليه اسم "بنك غرامين" في عام 1976، منتقداً سلوك المصارف والعرف الجاري بينها؛ لأنّ فكرة إقراض المال يجب أن تكون في الأساس لمن يحتاج إلى القرض، وليس هناك أكثر من الفقراء من هم بحاجة إليه.
يؤمن بأنّ المرأة يمكنها أن تهزم الفقر إذا حصلت على قروض صغيرة

المرأة يمكنها أن تهزم الفقر
وقال يونس، في سياق متصل: "في بنغلادش حيث لا ينجح شيء ولا توجد كهرباء، نجح نظام القروض الصغيرة وعمل بانضباط كالساعة". وكان يونس يؤمن بأنّ المرأة يمكنها أن تهزم الفقر إذا حصلت على قروض صغيرة تبدأ بها مشروعاً تجارياً صغيراً أو توسعه. والشرط الوحيد للإفادة من خدمات "غرامين" هو أن يقدم المستفيدون الطلب ضمن مجموعة لا تقل عن خمسة أشخاص وأن يتكاتفوا من أجل دفع الأقساط. وامتدت هذه المبادرة إلى عشرات الدول، وأصبح بإمكان ملايين الناس اليوم القيام بنشاط مستقل والخروج من الفاقة بفضل القروض الصغيرة.

اقرأ أيضاً: البنك الدولي يعلن عدد الفقراء في العالم
وأوضح يونس، الذي وضعته مجلة "تايم" الأمريكية ضمن "قائمة أبطال آسيا" لمدة 60 عاماً، أنّ نسبة الفقراء الذين سدّدوا قروضهم المالية بلغت نحو 97%، وهي أكثر بكثير جداً من نسب تسديد الأثرياء وذوي الدخول والائتمانات لقروضهم، حتى إنّ فكرة إقراض الفقراء انتشرت في جميع أرجاء القرى والمناطق في بلاده، ثم أخذت تنتشر إلى تركيا.

اقرأ أيضاً: في غزة: مساجد بملايين الدولارات وفقراء بلا مأوى
ولفت إلى أنّ فكرة القروض بدأت تتطور للتحول إلى مشاريع تجارية غير ربحية، المستفيد الأول منها هو الشعب، مستشهداً بتجربته الشخصية حين كان يزور بيوت القرية ويكتشف أنّ الأطفال يصابون بالعمى ولا يبصرون شيئاً، وعند استفساره عن الأمر أخبره الأطباء أنّ هذا المرض هو "العشى الليلي" الذي يتسبب به نقص فيتامين "A" الذي يتوافر في الخضار والأدوية، الأمر الذي دعاه للقيام بحملة صحية وإعلامية يوضح فيها للناس أهمية تناول الخضار مع إعطائهم الدواء بأسعار زهيدة، ثم اشترط في منح القروض للفقراء ضرورة إنشاء دورات مياه وحفر صغيرة في بيوتهم بهدف مكافحة الأمراض، فضلاً عن نجاحه في تعميم فكرة شراء محطات كهربائية صغيرة تعمل على الطاقة الشمسية في قرى بلاده؛ لأنّ نسبة الذين لا تصلهم الطاقة الكهربائية من السكان نحو 70%.

"غرامين" هي كلمة بنغالية معناها بنك القرية

جعبة عامرة بالأحلام الكبرى

وما تزال جعبة يونس عامرة بالأحلام الكبرى التي أفصح عنها أخيراً لدى إلقائه محاضرة في كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت، وعلى رأسها القضاء على الفقر عبر برنامجه الهادف إلى تشجيع الشباب على التحول إلى رواد مشروعات صغيرة يخلقون فرص التوظف بدلاً من البحث عنها، قائلاً: يجب ألا يبقى فقير واحد في بنغلادش بحلول العام 2030، مشيراً إلى إعلانه عن جائزة بقيمة مليون دينار لمن يعثر على فقير واحد في تلك البلاد".

يقول يونس: منحي جائزة  نوبل سيعطي شحنة مهمة من الطاقة للحركة بأسرها، ويمكنني أن أؤكد لكم ذلك

وأكد أنّ التخلص من الفقر يتطلب "إعادة صياغة نظرنا إلى المفاهيم الاقتصادية المعاصرة وتغيير تفكيرنا النمطي الذي ينظر إلى الربح من خلال مفهومه الضيق، أي كسب المال الذي يتطلب بالضرورة إصلاحاً للنظام التعليمي التقليدي، ليتحول إلى نظام محفز ومشجع على الإبداع وقادر على خلق أجيال من رواد الأعمال وليس حملة شهادات يبحثون عن الوظيفة".
وأشار إلى الهدف الثالث الذي يتمحور حول التخلص من الانبعاثات البيئية الضارة، مبيناً رغبته في الوصول إلى عالم تصل فيه نسبة انبعاثات الكربون إلى الصفر.
ولد محمد يونس في شيتاغونغ سنة 1940 هو ثالث أبناء أسرة رزقت بـ 14 طفلاً توفي خمسة منهم بعد ولادتهم بسنوات قليلة. ويلقب يونس بـ "مصرفي الفقراء"، إلا أنه يفضّل أن يلقب بـ "مُقرض الأمل".

اقرأ أيضاً: كيف حرم "احتكار البث" الفقراء من مشاهدة الساحرة المستديرة؟
في عام 1974 قاد يونس، بينما كان رئيساً للبرامج الاقتصادية الريفية بجامعة تشيتاجونج، طلابه في رحلة ميدانية إلى ريف بنغلادش حيث قتلت المجاعة آلاف الأشخاص. وغيّرت تلك التجربة من مجرى حياته. وبعدما أدرك أنّ قروضاً صغيرة يمكن أن تؤدي إلى تغيير جذري في مصير الفقراء، بدأ يونس في إقراض مجموعة من الإناث اللائي يعملن في نسج السلال ما يعادل 27 دولاراَ لتوسيع أعمالهن. وكانت تلك الفكرة نواة لبنك "غرامين" وهي كلمة بنغالية معناها بنك القرية.

رداً على منحه جائزة نوبل، قال: أنا سعيد جداً. إنكم تدعمون حلماً بصياغة عالم خالٍ من الفقر

على ماذا تقوم فلسفة يونس؟

وتقوم فلسفة يونس على مساعدة الفقراء عن طريق مساعدة أنفسهم. ولا يستجيب يونس على الإطلاق عندما يمد متسول يده للحصول على المال. ويحلم بالقضاء الكامل على الفقر في العالم. ويقول "غرامين رسالة أمل.. برنامج لوضع التشرد والعوز في متحف حتى يزوره أطفالنا يوماً ما ويسألون كيف سمحنا لهذا الشيء المفزع بأن يستمر طوال هذه الفترة."

اقرأ أيضاً: الاستلاب في ظل العولمة: كيف أفقر الإنسان نفسه؟
ويشعر يونس بالفخار، لأنّ نموذجه في تمكين فقراء الريف من خلال السلف الصغيرة انتشر حول العالم، وأنّ البنك الدولي نفسه تبنى الفكرة التي كان شكك فيها في البداية.
وكان يونس أكمل تعليمه العالي في جامعة داكا، حيث حصل على البكالوريوس والماجستير في الاقتصاد، ثم حصل على الدكتوراة من جامعة "فاندربيلت" في "ناشفيل" بولاية "تينيسي" الأمريكية عام 1969. وفي ما بعد انضم إلى طاقم التدريس بجامعة "تشيتاغونغ" أستاذاً للاقتصاد.

اقرأ أيضاً: يونيسيف: 85% من أطفال اللاجئين السوريين في الأردن تحت خطّ الفقر
وينقل "لالان جوليس" الذي شارك في إعداد كتاب عن حياة الدكتور يونس بعنوان "المصرفي النابغة" على لسان يونس: "بينما كان الناس يموتون جوعاً بالشوارع.. كنت أدرس نظريات اقتصادية رائعة.. كنا جميعاً كأساتذة بالجامعة أذكياء للغاية، ولكننا لم نكن نعرف شيئاً على الإطلاق بشأن الفقر المحيط بنا". ومضى يقول: "قررت أنَّ الفقراء أنفسهم سيكونون معلمي".
وفي أول رد فعل له على منحه جائزة نوبل، قال يونس في تصريحات إذاعية: "أنا سعيد جداً. إنكم تدعمون حلماً بصياغة عالم خالٍ من الفقر". وأضاف أنّ منح الجائزة "سيعطي شحنة مهمة من الطاقة للحركة بأسرها، ويمكنني أن أؤكد لكم ذلك. نحن لا نزال في البداية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني

2019-08-21

جانبان يمكن الوقوفُ عندهما في أواخر ما كتب الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ الذي رحل عنّا أمس، ألا وهما: نقد الكراهية وإعلاء راية التسامح فكرياً، وإلإيغال في قوة الحلم بوصفه خياراً للحرية أدبياً وشعرياً على نحو خاص.

على الرغم من إخلاصه التام للشعر والحرية كخلاص فرداني حالم إلا أنّ الصايغ ما كان سوى المثقف الموضوعي الدؤوب

في الجانب الأول كتب الصايغ، المولود في أبو ظبي 1955، متسائلاً ماذا "لو استمر خطاب الكراهية في منطقتنا ووطننا العربي على يد دعاة السوء وإعلاميي الفتنة"؟ ليأخذ السؤال نحو مداره الوطني؛ بل الشخصي الذي ينظر إليه بعمق الانتماء "نريد أن نحمي شبابنا وأمننا واستقرارنا وتنميتنا، فلا مكان لهذا الخطاب في الإمارات التي ترفع راية التسامح، والتي بادرت إلى مواجهة تيارات التطرف والإرهاب مبكراً بالفكر والأمن والعدل".
هذه الإحاطة بالفكر عند الصايغ، وإن جاءت ضمن مقاله الدائم في صحيفة "الخليج" الإماراتية، هي حصيلة مشوار كان بدأه الرجل منذ أن تحصّل على إجازة الفلسفة العام 1977، ليواصله في الجانب الثاني من نتاجه وحضوره: الشعر ففيه "الأفكار والمعاني الفلسفية وتوظيف الميثولوجيا، وطرح الأسئلة الوجودية، دون إغفال تفاصيل الحياة اليومية البسيطة".

مضى الصايغ عميقاً في النظر إلى الشعر بوصفه تمريناً طويلاً على الحرية
هنا وبمناسبة "اليوم العالمي للشعر"، الذي يوافق الحادي والعشرين من آذار (مارس)، وجه الشاعر حبيب الصايغ، بوصفه، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، رسالة إلى الشعراء العرب في كل مكان، وقد خصَّصها هذا العام لقصيدة النثر العربية، مضى الصايغ عميقاً في النظر إلى الشعر بوصفه تمريناً طويلاً على الحرية: "ربما كانت قصيدة النثر أقرب إلى كينونة النبتة البرية التي تشير، أكثر، إلى جهة الحرية، لكن ذلك لا يكفي وحده لمعرفتها، بعد أن ضيع البعض، البعض الكثير للأسف، ملامحها، وبوصلتها، وخطواتها".

اقرأ أيضاً: الموت يغيّب الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ
الشعر- الحرية ظل هاجسه منذ بواكيره، خذ مثلاً عنوان ديوانه "التصريح الأخير للناطق باسم نفسه 1981"، لتجد النزوع المبكر للافتراق عن النظام الجمعي في العيش والإدراك، بل هو يعرف ضمنياً أنّ هذا الإصرار على الفرادة سيوصل صاحبه إلى التهلكة فهذا هو "التصريح الأخير" له، طالما ظلّ مصرّاً على أن يكون حرّاً، أن يكون ذاته "الناطق باسم نفسه".
موضوعية الحالم!
على الرغم من هذا الإخلاص التام للشعر والحرية، كخلاص فرداني حالم، إلا أنّ الراحل ما كان سوى المثقف الموضوعي الدؤوب فعلى "مدى عقود من الاجتهاد والمثابرة والدأب، تحوّل حبيب الصايغ إلى وجه ثقافي بارز لا يكاد يغيب عن أي مناسبة ثقافية، ولا يتوانى عن الاجتهاد والتجريب والتجديد، ذلك أنّ الهم الثقافي العام كان شاغله الرئيس في بلد انهمك أبناؤه ومسؤولوه بتطوير البلاد، وتحقيق قفزات هائلة في مجال الحداثة والرخاء الاقتصادي"، كما يقول إبراهيم حاج عبدي، مستدركاً "إلا أنّ الصايغ حافظ على صوته الإبداعي الخافت، وسط هذا الضجيج الاقتصادي المثمر، ليتحول إلى رمز ثقافي ليس فقط في بلده الإمارات، بل كذلك على مستوى العالم العربي".

كل من عرف حبيب الصايغ يذكر أنّه كان لا يتوقف عن الحركة والعمل والإنجاز
ولم يتحقق الجانبُ الموضوعي عند الصايغ قدر تحققه في دأب العمل الثقافي العام فقد أسس الراحلُ "سلسلة من المطبوعات والملاحق أضفت على الحياة الثقافية الإماراتية المزيد من الغنى والتميّز، كما شغل مناصب مهمة وعديدة أتاحت له ابتكار الكثير من المشاريع الثقافية الطموحة التي نهلت من التراث العربي والخليجي الثري، مثلما انفتحت على نظريات الحداثة الغربية، ليشكل كل ذلك مزيجاً فريداً في سياق تجربة تستحق دراسة متأنية، ومعمقة".

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ إلى الكتّاب العرب في يومهم: أنتم ضمير الأمة
ورشة العمل التي كانت عليها حياته المهنية دليل صدقيته العالية و"موضوعية" أفكاره، فهو "الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ورئيس تحرير مجلة "الكاتب العربي" منذ 2015، وشغل مناصب أخرى عدة منها؛ مدير عام مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، وكان رئيس اللجنة الوطنية للصحافة الأخلاقية في الإمارات، ورئيس الهيئة الإدارية لمسرح أبوظبي، ورئيس الهيئة الإدارية لبيت الشعر في أبوظبي، وساهم في صحافة الإمارات بما يصعب حصره، وحرر أول صفحة تُعني بالأقلام الواعدة في الصحافة الإماراتية، "صحيفة الاتحاد – نادي القلم" في 1978، وأسس أول ملحق ثقافي بالإمارات "الفجر الثقافي" في 1980". هل هذا يكفي مثلاً لتأكيد تلك الموضوعية والترجمة الحقيقية لنقل الثقافة من كونها تصورات مجردة إلى عمل منهجي كما اندرج الراحل الصايغ؟

تحوّل الصايغ إلى وجه ثقافي بارز لا يكاد يغيب عن أي مناسبة ثقافية ولا يتوانى عن الاجتهاد والتجريب والتجديد

قد يكون الجواب لا، فثمة الكثير بل إنّ "كل من عرف حبيب الصايغ يذكر أنّه كان لا يتوقف عن الحركة والعمل والإنجاز، سواء الأدبي أو المهني، وحاضراً بقوة في النقاشات، والمعارض، والمؤتمرات، والمحافل الإعلامية والثقافية الكبرى، وحتى في سنواته الأخيرة حين اشتد به المرض كان دائم الانشغال بالأدب والحياة والقضايا الكبرى، ورفض مرات عدة البقاء في المستشفى لمتابعة حالته؛ إذ كانت جذوة الروح المحلّقة فيه لا تخبو حتى في أحلك الأوقات" كما كتبت الكاتبة الشيماء خالد.
الجوهر الذي شكّل إيمان الصايغ العميق بالفردانية كونها سره المؤكد إلى الحرية يمثله هذا المقطع الجوهري من شعره: "وحيداً، بعيداً أنير دجى معبدي.. وأعالج ضعف يدي بيدي.. وأسمي الردى ولدي".
أهناك صفاءٌ في العيش المنسجم مع الذات أكثر من هذا: "وحيداً، بعيداً أنير دجى معبدي"؛ فالإيمانُ خيارٌ فردي والظلامُ يتبدد بحضور الكائن- الذات الحية، ومن يذهب إلى هذا الخيار عليه أن يقبل بنتائج ما ذهب إليه "أعالج ضعف يدي بيدي"، ولذا فهو منتمٍ تمام الانتماء إلى هذا الخيار حتى وإن بدا مهلكاً، بل إنّه لا يتردد في جعل الفناء ذريته "أسمّي الردى ولدي".

"كسر في الوزن" للشاعر الراحل حبيب الصايغ

أسئلة الوعي الوطني والقومي الحية
ظلت المراجعات الفكرية دأباً لا يمل منه الصايغ، بل كانت جوهر مقالاته الثابتة في صحيفة "الخليج"، فهو بعين النقد ينظر إلى ميدان التربية في بلاده: "إذا كان مجتمعنا يُقر بأنّ الإخوان المسلمين سيطروا في فترة من الفترات على التعليم متمثلاً في وزارة التربية، وجامعة الإمارات، وسيطروا خصوصاً على مفاصل مهمة كالمناهج والمناطق التعليمية، فإن من المطلوب اليوم دراسة تلك المرحلة، لجهة أثرها الذي ربما بقي مستمراً حتى الآن"، مؤكداً وبشجاعة سلسلة من التراجعات بسبب ذلك: "ألغى المنتمون إلى الإسلام السياسي يوم سيطروا على وزارة التربية والتعليم دروس الفلسفة في الثانوية، فما هو حال تدريس الفلسفة في مدارسنا اليوم؟ وألغوا درس الرسم، ما أدى مباشرة إلى تراجع عنوان الرسم والتشكيل في مدارسنا ومناهجنا الوطنية، ولم يكن للموسيقى في مدارس "التربية" في فترة "الإخوان" بطبيعة الحال مكان".

ظلت المراجعات الفكرية دأباً لا يمل منه الصايغ بل كانت جوهر مقالاته الثابتة في صحيفة الخليج

والوعي القومي العربي ظل حياً وفاعلاً وإنسانيا عند الصايغ سواء أكان في موقفه حيال إسرائيل أو إيران:  "إيران التي تحتل الأرض العربية، وتريد تصدير ثورتها البائسة وفكرة الولي الفقيه أو تريد بسط نفوذها في عواصم ومناطق عربية عدو بالتأكيد، والأكيد أنّ "إسرائيل" التي تحتل أرض فلسطين العربية وتصادر حقوق الفلسطينيين في الداخل وتصادر حق العودة وتستمر في بناء المستوطنات ولديها برنامج ممنهج في التقتيل والنفي، "إسرائيل" هذه التي لم تطلق علينا رصاصة، عدو أصيل خطأ كبير تجاهل ذلك، وتجاوز ركام الدم والندم".
دون أن ينسى أنّ تصاعد العنف وقيمه يعني وضع "الأرض على قرني ثور الكراهية"، كما يقول في مقالته قبل نحو أسبوعين ليثبت وعيه الوطني والقومي ضمن أفق إنساني رحيب "الكراهية أول الإرهاب وآخره، وهي تتأسس اليوم وكأنها فضاء أو طريق. يريد البعض لهذا العالم أن يغرق في بحر متلاطم من العنصرية والتشرذم والظلام، ولا يهم انتماء هؤلاء بعد ذلك، فهم من الشرق ومن الغرب، وهم ماضون، أبعد وأشرس، في التشكل، حتى لم تعد كلمة كراهية أو بغضاء تستغرب اليوم كلما قيلت أو رددت".

الوعي القومي العربي ظل حياً وفاعلاً وإنسانياً عند الصايغ

خسارة بعض الأمل
بعد برهة قليلة من إعلان رحيل الصايغ، كتب الأديب الإماراتي علي أبو الريش عنه، فقال: "ترجّل حبيب القصيدة، صائغ المشهد.. حبيب الصايغ، وحده ولا غيره الذي منح القصيدة شغف الموجة، ولهفة الصحراء للمطر، وحده فقط، أمسك بخيط الوجود، منبعثاً من ثنايا قلقه الجميل، وأحلامه، فراشات تهفهف عند شغاف الموت".

الجوهر الذي شكّل إيمانه بالفردانية يمثله هذا المقطع من شعره: وحيداً، بعيداً أنير دجى معبدي.. وأعالج ضعف يدي بيدي.. وأسمي الردى ولدي

وكتب الروائي اليمني علي المقري "ما إن يأتي إلى ذهني اسم حبيب الصايغ حتى أتذكّر تجربته المهمة في الصحافة الثقافية، وبالذات مجلة "أوراق" المتميزة بإخراجها الأنيق خلال بداية ثمانينيات القرن الماضي، أتذكر عناوين الأغلفة وأتساءل لماذا لم تستمر؟". متابعاً "كما أتذكّر تجاربه الأخرى في "شؤون أدبية" وغيرها، إلاّ أنّ اسمه، مع هذا، لا يمكن إغفاله مع كل حديث عن التجربة الشعرية في الإمارات.
حبيب الصايغ كان قريباً من الحياة الثقافية العربية وملماً بشؤونها، ولهذا رحب كثيرون بعمله في أمانة اتحاد الكتاب العرب، مع أنّ العمل في منصب كهذا يمثل امتحاناً بذاته، بسبب تحويل هذه المؤسسة، من قبل السابقين له، إلى منبر لمعاداة حرية الابداع في العالم العربي. لهذا فبرحيل حبيب الصايغ نخسر بعض الأمل".

للمشاركة:

قطري بن الفجاءة.. حين يكون الناسك العابد دموياً

2019-08-20

عندما اقترب الموت من قطري بن الفجاءة، رأس الخوارج الأزارقة، أقبل عليه، ولم يدبر، مردّداً قول الله تعالى: "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى".
لم يشكّ هذا الرجل لحظة في أنّه قد يكون على باطل، أو أنّ الدماء التي سفكها ستلاحقه في الآخرة، بل كان موقناً أنّه ذاهب إلى ملكوت ربه، ليتنعم في جنته.
قد لا تتفق عقائد فرق الخوارج، على تعدّدها وتنوعها، مع الجماعات الجهادية المعاصرة، لكن هناك مشتركات أُخَر، في الأداء والنفسية.
لم يكن الخوارج مجرد قتلة تكفيريين بل كانوا يملكون عواطف متدفقة

ازدواجية التطرف
لم يكن الخوارج مجرد قتلة تكفيريين؛ بل كانوا يملكون عواطف متدفقة، ومن هنا كانت تكمن إشكاليتهم، وتعقيداتهم المزدوجة، التي يصعب على الدول والمجتمعات تفكيكها.
يقول ليفي ديلافيدا، في دائرة المعارف الإسلامية: كان قطري بن الفجاءة، مثل عدد من مشاهير الخوارج، ذا موهبة حقيقية في الشعر والخطابة، ويتضح في القطع التي وصلت إلينا من شعره، أسلوب رفيع، واحتقار بطولي للموت.

اقرأ أيضاً: المهلّب بن أبي صفرة: كاسر شوكة الخوارج
لا يبرز الكثيرون من أمثال قطري، إلا عندما يكونون رقماً في المعادلة السياسية والدينية، ولذا فلا يعرف أحد عنه شيئاً، قبل أن يلمع نجمه في ساحات المعارك، والنزاعات السياسية.
وُلد في البادية، العام 30هـ، ويذهب البعض إلى أنّ ميلاده كان بموضع بين البحرين وعُمان، يقال له "الأعدان"، وهو مكان يُعرف اليوم بــ"المعدان"، في الجنوب الشرقي من قرية الخوير، شمال دولة قطر.
لكنّ الدار قطني ذكر في نسبه؛ أنّه قطري بن الفجاءة، واسمه الأصلي، جعونة بن عمرو بن تميم المازني، وهو ما يعني أنّ لفظة قطري هي اسم صريح له، وليست نسبة لبلدة في السواحل الشرقية من الجزيرة العربية، كما ذهب بعض المؤرخين.
شجاع مبتدع
في كتاب "تاريخ التراث العربي"، لفؤاد سزكين، ذكر أنّه كان يُكنَّى بـ "أبي محمد"، في زمن السلم، أما في زمن الحرب، فكان يكنى بـ "أبي نعامة"، نسبة إلى اسم فرسه، وتوفّي العام 78هـ.
ومع أنّ قطري كان رأساً للغلاة الأزارقة من الخوارج، إلا أنّ كتب التاريخ وصفته بصفات إيجابية، مثل؛ الشجاعة والزهد والتنسك، ولم تأبه إلى ما كان يؤمن به من أفكار متطرفة، ولم تنكر ما كان له من شيم، فقال عنه ابن كثير: "من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين".

كتاب "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين
كما قال صاحب كتاب "سنا المهتدي" في وصفه: "كان طامة كبرى، وصاعقة من صواعق الدنيا في الشجاعة والقوة، وله مع المهالبة وقائع مدهشة، وكان عربياً مقيماً، مغرماً وسيداً عزيزاً، وشعره في الحماسة كثير".
كان قطري من أصحاب نافع بن الأزرق، الذي خرج على الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، بعد واقعة التحكيم، وعندما قتل نافع بدأت جماعته في البحث عن خليفة له.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في البداية؛ وقع الاختيار على عبد الله بن هلال، وكان فارساً شجاعاً، وعندما ذهبوا إليه ليولّوه أمرهم، قال لهم: هل أدلّكم على من هو خير مني؟ من يطاعن في قُبُل، ويحمي في دبر؛ إنّه قطري بن الفجاءة، (كما أورد المبرد في الكامل).
التمدّد والسيطرة
تمدّدت ولاية ابن الفجاءة حتى سيطر على الأهواز، وأجزاء من خراسان، وبويع بالإمارة، ونودي أميراً للمؤمنين من قبل أتباعه.

لم يشكّ لحظة أنه قد يكون على باطل أو أنّ الدماء التي سفكها ستلاحقه في الآخرة

بعد موت يزيد بن معاوية، ضربت التصدعات الخلافة الأموية، واستقلّ الزبيريون بالحجاز، ثم العراق، بعد الانتصار على المختار بن عبيد الله الثقفي، وباتوا في مواجهة جيش قطري.
استعرت الحرب بين الزبيريين، والخوارج الأزارقة، لكنهم لم يحققوا نصراً عليهم، بل تعرضت جيوشهم لهزائم متلاحقة.
عند هزيمة جيش مصعب بن الزبير، أمام جيش عبد الملك بن مروان الأموي، بدأت الحرب بين قطري وعبد الملك، لكنّه ظلّ ما يربو على الثلاثة عشر عاماً صامداً، وألحق الهزيمة بجيوش الأمويين.
لم يكن الحجاج بن يوسف الثقفي قادراً على إلحاق الهزيمة بقطري

المهلب لا الحجاج
لم يكن الحجاج بن يوسف، والي ابن مروان، قادراً على إلحاق الهزيمة بقطري، لكن الوضع اختلف مع القائد الأموي المهلب بن أبي صفرة، وإن فشل في البداية عدة مرات.

لم يكن الخوارج مجرد قتلة تكفيريين بل كانوا يملكون عواطف متدفقة ومن هنا كانت تكمن إشكاليتهم

كان للمهلب قدرة على فهم عقل الخوارج وتحليل وجدانهم، وهو العالم الفقيه الحكيم، الذي فهم مبكراً أنّه في مواجهة خصم غير تقليدي، يؤمن بأفكاره بشدة، وعلى استعداد لأن يموت دونها، وهم بذلك يمثلون أشدّ الخطر على الأمة من غيرهم، كالروم المتربصين بحدود الدولة والرابضين على ثغورها.
آمن المهلب بأنّ الخوارج بأفكارهم، يمثلون خنجراً في ظهر الدولة، يمنع توسعها وتمددها، وعائقاً يحول دون استقرارها وأمنها، ولذا فإنّه نذر نفسه وبنيه لحربهم حتى القضاء عليهم قضاءً مبرماً، لكن في الوقت ذاته، كان ينظر إليهم نظرة يغشاها الاحترام، وعدم التقليل من شأنهم، ولذلك انتصر في نهاية الطريق الطويل.
بعد كرّ وفرّ في حروب طويلة، استطاع المهلب إزاحة قطري والذين معه من الأزارقة إلى أصفهان، وفي أرضها أقام قطري دولة، وجبى الأموال، فاجتمعت إليه جموع كبيرة فقوي أمره مرة أخرى، فتطلع إلى الاستيلاء على البصرة.
التصدع من الداخل
لا يكسر الخوارج القوة العسكرية الخارجية، لكن تكسرهم الخلافات الطاحنة التي تدب داخل تنظيمهم، ربما على أهون الأسباب، وهو ما حدث مع "الأزارقة".

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
دبّت الخلافات بينهم، وزاد في ذلك دهاء المهلب، الذي كان يدرك ثغرات الخوارج الفكرية، فانهزم جيش ابن الفجاءة بعدها هزيمة منكرة، بعد أن تفتتت قوته، وانفضّ كثير من أتباعه من حوله، بسبب مسألة فقهية.
كان قطري في حياته كلّها رمزاً للفتك والبطش والقوة، تشهد كتب التاريخ والسير على ذلك، لكنّه لم يدرك أن التفاف الجموع حوله كانت لأسباب عدة، منها الخوف منه ومن بطشه وجبروته.

حاول المهلب كبح جماح قطري
تقول كتب التاريخ: حاول المهلب كبح جماح قطري، فراح يكاتب أهل "إصطخر" والقرى المجاورة سرّاً، فعلم قطري بهذه المكاتبات، فهجم على إصطخر وهدمها على أهلها، وأراد مثل ذلك بمدينة "فسا"، فاشتراها منه أزاد مرد بن الهربذ بمئة ألف درهم، فلم يقربها.

اقرأ أيضاً: أدهم الشرقاوي: هل يمكن أن يتحول طالب مثقف وثري إلى لص وسفاح؟
تشبه هذه الواقعة، ما فعله أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، بأهالي عشيرة الشعيطات، في دير الزور، بسوريا؛ إذ أمر بقتل المئات من رجالهم، بعد أن اتهمهم بخيانته، والتواصل مع خصومه من خلف ظهره، لكن القبيلة لا تنسى ثأرها، وتكمن حيناً من الدهر، حتى تحين الفرصة فتقتنصه.
أخذ الثأر
بعد قتال استمر ما يقرب من 20 عاماً لقي ابن الفجاءة مصرعه بعد أن تفرق أنصاره من حوله، وقضوا على يد مجموعات من العشائر المتطوعة لقتاله، الطالبة للثأر منه.
عندما اقترب من الموت، حدّث نفسه بهذه الأبيات:
"أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم.. على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبرا.. فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب الحياة بثوب عزّ.. فيطوي عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كلّ حيّ.. وداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لم يعتبط يهرم ويسأم.. وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة.. إذا ما عدّ من سقط المتاع".
إنّ ثقافة الموت تمكّنت من نفسية الرجل، كأنّه يحيا من أجل أن يموت ويميت، يستهين بالموت لنفسه، ويستهين به للآخرين أيضاً.
حكي عنه أنّه خرج في بعض حروبه، وهو على فرس أعجف وبيده خشب، فدعا إلى المبارزة فبرز إليه رجل، فحسر له قطري عن وجهه، فلمّا رآه الرجل تولّى عنه، فقال له قطري: إلى أين؟ فقال: لا يستحيي الإنسان أن يفرّ منك.
المهلب في مواجهة قطري
مع انتصاراته العديدة على بشر بن مروان، ومن قبله ابن الزبير، إلا أنّه كان يشعر بأنّ نهايته ستكون على يد المهلب "العنيد الماكر"، فيقول: "ألم يأتها أني لعبت بخالد.. وجاوزت حدّ اللعب لولا المهلب.. وأنّا أخذنا ماله وسلاحه.. وسقنا له نيرانها تتهلب.. فلم يبقَ منه غير مهجة نفسه.. وقد كان منه الموت شبراً وأقرب.. ولكن منينا بالمهلب إنّه.. شجيّ قاتل في داخل الخلق منشب".

كان قطري من أصحاب نافع بن الأزرق الذي خرج على الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

لقد كان قطري يحترم المهلب، ويعطيه قدره، بخلاف رأيه في الحجاج بن يوسف؛ أرسل له الحجاج رسالة كان هذا نصّها: "سلام عليك، أما بعد؛ فإنّك مرقت من الدين مروق السهم من الرمية، وقد علمت حيث تجرثمت، ذاك أنك عاص لله ولولاة أمره، غير أنّك أعرابي جلف أمّي، تستطعم الكسرة، وتستشفي بالتمرة، والأمور عليك حسرة، خرجت لتنال شبعة فلحق بك طعام صلوا بمثل ما صليت به من العيش، فهم يهزون الرماح، ويستنشئون الرياح، على خوف وجهد من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بترحتين. والسلام".
كانت رسالة عنيفة، تعبّر عن طبيعة الحجاج وقسوته وغلظته، لكن مثل هذا الأسلوب لم يكن ليجدي مع شخص مثل قطري، الذي ردّ عليه برسالة: "سلام على الهداة من الولاة، الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه، فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأضلع به أهل السفال، وهدى به من الضلال، ونصر به، عند استخفافك بحقّه، كتبت إليّ تذكر أنّني أعرابي جلف أمّي، استطعم الكسرة واستشفي بالتمرة، ولعمري، يا ابن أمّ الحجاج، إنك لمتيه في جبلتك، مطلخم في طريقتك، واه في وثيقتك، لا تعرف ولا تجزع من خطيئتك، يئست واستيأست من ربك، فالشيطان قرينك، لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك، فالحمد لله الذي لو شاء أبرز لي صفحتك، وأوضح لي صلعتك، فوالذي نفس قطري بيده، لعرفت أنّ مقارعة الأبطال ليست كتصدير المقال، مع أنّي أرجو أن يدحض الله حجّتك، وأن يمنحني مهجتك".
كان قطري يطمح في بناء دولة لجماعته، فاستعجل ذلك، وسرعان ما انهارت دولته، ولم تصمد في مواجهة النظام الأموي، القوي حينذاك؛ كان قطري أول من صكّ عملة للخوارج، اتخذت في رسمها النمط العربي الساساني، وقد حملت العملة الكتابة البلهوية "عبد الله قطري، أمير المؤمنين، رافع المجد الملكي"؛ وهي كلّ ما بقي من آثار جماعته إلى الآن.

للمشاركة:

حسن الرمّاح.. كيف قتلنا رائد التصنيع العسكري مرتين؟

2019-08-12

حسن الرمّاح؛ بطل وعالم فذّ لم يتكرّر في التاريخ العربي والإسلامي، لا يعرفه كثيرون، وتكاد سيرته تنقطع، ولولا أنّ كتبه محفوظة في المعاهد الأوروبية لما عرفناه، ولولا وجود نماذج من أعماله في المتاحف الهولندية لما كنّا نملك كتابة مثل هذا المقال.

اقرأ أيضاً: توني موريسون.. الروح الأدبية لتجربة الأمريكيين السود
حسن الرمّاح؛ بطل أثبت أنّنا كنّا نملك ثروة علمية وفكرية، بددناها بأنفسنا، سواء بالإهمال القاتل، أو بعدم استمرار المدارس العلمية.

حسن الرمّاح بطل أثبت أنّنا كنّا نملك ثروة علمية وفكرية بددناها بأنفسنا

الرمّاح؛ عالم قُتل مرتين؛ مرّة عندما انفجر بيته وهو يجري تجاربه، وأخرى عندما لم يرث أحد علمه.
وُلد حسن الرمّاح، أو نجم الدين حسن الأحدب الرمّاح، في الشام، ولا يُعرف بالتحديد وقت مولده، والأرجح أنّه وُلد في العقد الثاني من القرن الثالث عشر، نشأ في زمن مرتبك ومربِك، فالدولة العباسية في أضعف مراحلها، فضلاً عن التناحر الداخلي وظهور الأتابكيات والإمارات التي استقلت عنها، وما ظهر بين هذه الأتابكيات من صراع وتنازع لمدّ سلطانهم وضمّ قلاعٍ إليهم، أما الصليبيون؛ فيحتلون الساحل بإمارات صليبية كاملة، ويهدّدون المناطق المحيطة بهم، فضلاً عن قيامهم بأكثر من حملة عسكرية تستهدف الاستيلاء على أراضٍ عربية أكثر، أما المغول؛ فهم على أطراف الدولة العباسية، ينهبون دولاً بأكملها كدولة "الخوارزمية"، ويستعدّون للانقضاض على بغداد، عاصمة الخلافة.

نموذج لمنصّة إطلاق صواريخ (الرمّاح الطيارة) من اختراع حسن الرمّاح
العصر، إذاً، عصر حروب وقلاع وحصون، وجيوش وجيوش مضادة، وصديق اليوم عدو الغد، ولا يكاد يمرّ شهر إلا وهناك معركة بين طرفين في المنطقة العربية، فكان من الطبيعي أن يتقدّم علم صناعة الأسلحة، وأن يهتمّ الملوك والأمراء بهؤلاء المَهَرة في هذه الصنعة، وكان العالم يتعامل مع المواد الحارقة كوسيلة لإعاقة الجنود، لكنّ العرب الذين عرفوا سرّ مادة البارود قبل هذا الزمان بقرون، تحديداً في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، تمكّنوا عبر حسن الرمّاح من الجمع بين البارود والنفط في صناعة متفجرات ومقذوفات متعدّدة، وبسبب علمه تطورت صناعة الأسلحة ونقلت الجيوش العربية نقلة نوعية أمام العدو التقليدي، الصليبيين، واشتدّت الحاجة إليه مع حملات استرداد الأرضي العربية المحتلة.

عالِم قُتل مرتين مرّة عندما انفجر بيته وهو يجري تجاربه وأخرى عندما لم يرث أحد علمه

في هذا العصر؛ ظهرت أسرة حسن الرمّاح، فكان جدّه من أمهر صنّاع الأسلحة في وقته، وكذلك والده، وفي هذا الوقت كانت المهن والصنائع تورَّث في الأسرة الواحدة.
أدرك حسن الرمّاح الدولة الأيوبية وهي في قوتها، وشارك في صناعة الأسلحة للملك العادل ولأخيه الملك الصالح، وكان أفضل مَن مارس وكتب عن الفروسية (الحرب فوق الخيل)، وصنع الآلات العسكرية، ذكر هذا عدد كبير من كبار العلماء والمؤرخين للعسكرية في الغرب، منذ القرن الثالث عشر وحتى اليوم.
تعلّم حسن الرمّاح صناعة الأسلحة، فأبدع فيها وابتكر، وهو -كما أشرنا من قبل- أول من دمج البارود بالنفط لصناعة الصاروخ، وكان يسمّي الصاروخ (الطيار)، والصواريخ (الطيارات)، وفي مصادر أخرى؛ كان يسميه (الرمح الصيني)، واختلفت الصواريخ لديه بحسب حجمها وسرعتها، وهو أول من صنع المدفع من الخشب المعالَج، الممسوك بشرائط وأحزمة من الجلد، وأول من وصف البارود كمتفجر بشكل علميّ ودقيق جداً؛ فكتب مكونات ومقادير القاذفات في كتاب "الحيل العسكرية"، كما عُرف بأساليبه العسكرية المذهلة وابتكاره وتطويره للأدوات الحربية، وقد نقل عنه العالم الكيميائي الإنجليزي، روجر بيكون، كثيراً من وصفاته الدقيقة، والعالم الإنجليزي ينسب إلى حسن الرمّاح اختراع البارود، ويؤكّد هذه المعلومة العالم سارتون؛ فأقدم إشارة أوروبية للبارود، العام 1300، في كتاب "ماركوس الإغريقي، وحسن الرمّاح استخدم النفط والبارود كمتفجر قبل هذا الوقت بفترة أطول من نصف قرن، على الأقل، ودوّنه كذلك في كتبه.

اقرأ أيضاً: عبدالله رعاية الدين: ملك ماليزي جديد بروح رياضية

هذا المخطوط موجود لدى المكتبة الفرنسية الوطنية في باريس

وقد ذكرته أسيمة جانو، مؤلفة كتاب "موسوعة الألف عام"، وقالت: "شارك حسن الرمّاح في المعارك ضدّ الحملة الصليبية السابعة، وذكر اللورد جوانفيل الفارس الصليبي، المؤرّخ للحملات الصليبية؛ أنّ الصليبيين تعرضوا لهجوم بكرات لهب تخرج من آلة عجيبة (يقصد المدفع العربي)، والتي كانت سبباً في هلاكهم، وأنّ الملك الفرنسيّ كان يستغيث بالربّ من هذا (الجحيم)!
مؤلَّفاته وملامح مدرسته
لم يترك حسن الرمّاح علمه هباءً؛ بل دوّنه في مجموعة من الكتب وصل إلينا بعض منها، مثل: كتاب "الفروسية والمناصب الحربية"، وتوجد منه صورة مصوَّرة في معهد المخطوطات العربية في القاهرة، وفي هذا الكتاب النادر؛ شرح صناعة أنواع عديدة من الصواريخ "الطيارة"، والتي تختلف بالمدى والسرعة والحجم، وكذلك نوع من الطوربيدات يصطدم بالسفن وينفجر، وكتاب "البنود في معرفة الفروسية"، ومنه نسخة في راميور، ونسخة أخرى في دار الكتب المصرية، المخطوط يتضمن شرحاً وافياً عن استخدام الخيول في المعارك الحربية، ويتحدث عن تشكيل الجيوش، ووصف بعض الأسلحة اليدوية، وأسلحة الحصار، والأسلحة النارية، مع طرق صناعة أنواع عديدة من الصواريخ الطيارة، وحساب كمية الوقود اللازمة بالنسبة لوزن الصاروخ، لينطلق بشكل سليم ويبلغ هدفه.

أدرك الرمّاح الدولة الأيوبية وهي في قوتها وشارك بصناعة الأسلحة للملك العادل ولأخيه الملك الصالح

وكتاب "الفروسية في رسم الجهاد"، وفيه إشارات إلى وصفات كاملة اشتملت تركيب وهيئة البارود الذي كان يُدكّ في المدافع آنذاك.
"كتاب الفروسية والمكائد الحربية"؛ الذي يُقال إنّه ألّفه بين عامي 1270 و1280، فيه شرح مفصل لصناعة البارود باستخلاص ملح البارود من الطبيعة وتفتيته في المختبرات (نترات البوتاسيوم)، وقد جاء فيه ذكر 107 مرحلة لصنع البارود المشتعل، و22 مرحلة لصناعة عدة أنواع من الصواريخ.

ورد في كتبه أول وصف مفصل للصواريخ النارية واستخداماتها، وترسيم الرمّاح والأسهم بالقذائف النارية، وكيفية الرمى بالمنجنيق (كرات اللهب المقذوفة)، و(علم الحيل) وهو العلم المعروف اليوم بالهندسة الميكانيكية.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد

نموذج للطوربيد البحري من اختراع حسن الرمّاح

الطوربيد البحري
وفي معرض (الطيران القومي ومتحف الفضاء) المخصص لـ(الأدوات الحربية) في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية؛ يعرضون نموذجاً لما سُمّي "طوربيد الرمّاح" الذي كان يُستخدم في ضرب سفن الفرنجة في البحر، وكان يشبه الطوربيد الحالي إلى حدّ كبير، مع اختلاف نوعية الوقود والمادة المتفجرة التي تطورت، ولكن ليس كثيراً بالنسبة إلى ما وصل إليه حسن الرمّاح في القرن السادس الهجري! وكان تصميمه عبارة عن شكل بيضاوي مجوَّف، له زعانف من الجانبين، بهما سهمان لحفظ التوازن، وفي الأعلى أسطوانة يوضع فيها بارود بمثابة الوقود اللازم لدفع الطوربيد فوق سطح الماء، بينما يوضع داخله مزيج من البارود والنفط، الذي ينفجر بشدة فور الاصطدام بجسم السفينة، فيؤدي إلى حرقها بالكامل من القاع، مما يجعل فرصة نجاة طاقمها معدومة، وهو ما يُتَّبع حتى الآن في عالم العسكرية الحديثة.

تعلّم صناعة الأسلحة فأبدع فيها وابتكر وهو أول من دمج البارود بالنفط لصناعة الصاروخ

عبقرية فذّة وعلم غزير وابتكارات تتوالى، لكن –للأسف- تمّ تبديد هذا العلم، فكما كان عصر الحروب دافعاً لحسن الرمّاح لتطوير أبحاثه وعلومه، كان سبباً في اندثار علمه كذلك.
اتّسمت الأجواء بالتناحر الداخلي؛ فالأمراء الأيوبيون حاربوا بعضهم، وتعاونوا مع الصليبين ضدّ بعضهم، فأهملوا العلماء ولم يقدموا لهم الرعاية الكافية، وأصبح شغل كلّ أمير حماية سلطانه أو التوسّع على حساب الآخرين.
انتهت الدولة الأيوبية، وولدت الدولة المملوكية، وفي الوقت نفسه تعرضت بغداد لهجوم التتار (المغول)، وحشد المماليك كلّ قواتهم لمواجهة التتار في المعركة المعروفة بـ "عين جالوت"، عام 1260، والتي شارك فيها حسن الرمّاح، وساهم في إمداد الجيش بمعدات جديدة من مقاليع ومنجنيقات، وقدور متفجرة (قنابل).

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
ثم دخل العالم العربي والإسلامي مرحلة المواجهة الأخيرة مع الإمارات الصليبية؛ فقام الظاهر بيبرس بمجموعة من المعارك كان لحسن الرمّاح دور كبير في تصنيع وتركيب العتاد والسلاح اللازم لها، فاستعاد مدن قيسارية وحيفا ويافا، ثمّ حصن أرسوف، عام 1265، وحرّر صفد عام 1266، وقلقيلية في الأناضول، وأنطاكيا، عام 1267.
ثمّ حُرِّرت طرابلس العام 1285، على يد السلطان المنصور قلاوون، ثم خلفه بعد وفاته ابنه الأشرف صلاح الدين خليل، الذي استطاع تحرير عكا العام 1291، بعد قرنين من احتلال الصليبيين لها، ثم بعد وقت قليل حُرِّرت صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس واللاذقية، وبذلك انتهى وجود الإمارات الصليبية بشكل تامّ على أرض الشام.
وكأنّ انتهاء الحروب كان إيذاناً بانتهاء حياة حسن الرمّاح؛ الذي توفّي العام 1294، عندما انفجر بيته وهو يجري أبحاثه وتجاربه، مات ومات معه علمه، انتهى وانتهت مدرسته، وممّا يثير التعجّب أنّ الأمراء لم يهتمّوا باستكمال مسيرته، فقد انشغلوا كالعادة بكراسي الحكم، وانغمسوا في الصراعات الداخلية؛ فقتلوا حسن الرمّاح مرة ثانية.

للمشاركة:



موقع إلكتروني يقدم إرشادات لصنع المتفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داهمت الشرطة الألمانية، أمس، منازل، في 9 ولايات، للقائمين على منصة إلكترونية تستخدم على نطاق واسع لتبادل المعلومات حول صناعة المتفجرات والمخدرات.

الشرطة الألمانية تداهم منازل القائمين على الموقع الذي أنشئ عام 2006 وتقبض على مستخدميه   

وأغلقت الشرطة الألمانية المنصة الإلكترونية المجانية، التي حملت اسم "إكسبلوسيفس.نت"، "لتعليم تصنيع المتفجرات".

 وصرّح رئيس إدارة الشرطة في مدينة غوتينغن الألمانية، أوفه لورينغ، أمس، في تصريح نقلته "دويتشه فيله"؛ بأنّ الشرطة ضبطت الخادم والعديد من وسائط البيانات واعتقلت القائمين عليها وداهمت منازل عدد من المستخدمين للمنصة داخل ألمانيا وخارجها.

 وأوضح لورينغ؛ أنّ المنصة تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات.

يأتي ذلك في إطار حملة كبيرة بدأتها الشرطة الألمانية، أمس، في 9 ولايات ألمانية لمكافحة الجرائم عبر الإنترنت، وطالت الحملة أيضاً ليتوانيا وكرواتيا.

وشارك نحو ألف من عناصر الشرطة في الحملة التي تهدف إلى مكافحة الجرائم الحاسوبية وجرائم الإنترنت.

وبحسب البيانات؛ تولّت رئاسة شرطة غوتينغن والمركز الرئيسي لمكافحة جرائم الإنترنت، والحاسوب التابع للادعاء العام في غوتينغن، تنسيق وإدارة "الإجراءات الشرطية الشاملة".

المنصة الإلكترونية تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات وتجارة المخدرات

بدورها، أوضحت الشرطة؛ أنّها ضبطت خلال الحملة متفجرات ومخدرات، بعد مداهمتها مساكن 22 ألمانياً مشتبهاً بهم، تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 55 عاماً.

وتعمل المنصة، منذ عام 2006، ووصل عدد أعضائها، العام الماضي، إلى نحو 360 عضواً فعالاً، ولا تتوافر أيّة دلائل على وجود دافع سياسي وراء إنشاء هذه المنصة إلى الآن، وقال لورينغ: "ليس هناك خلفية سياسية، ولم نتثبت منها"، مرجحاً أن يكون إنشاؤها جاء بدافع تنافسي: "فقد نظّمت مسابقات جرى اللعب عليها".

وتابع لورينغ؛ "لا توجد هناك أدلة على أنّ الأسلحة أو المتفجرات التي تضمنت المنصة إرشادات لتصنيعها كان من المنتظر استخدامها ضدّ أشخاص، ولا نستطيع أن نستبعد هذا أيضاً".

وحدثت المداهمات في ولايات: بادن- فورتمبرغ، وبافاريا، وبرلين، وهيسن، وسكسونيا السفلى، وشمال الراين فيستفاليا، وراينلاند بفالتس، وشلزفيغ هولشتاين، وتورينغن، وكانت التحقيقات بدأت قبل عام، تحديداً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

 

للمشاركة:

أردوغان يعطّل الديمقراطية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

اعتقلت قوات الأمن التركية 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات شهدتها مدينة إسطنبول، رفضاً لقرار وزارة الداخلية الخاص بعزل رؤساء 3 بلديات "كردية" منتخبين؛ بزعم دعمهم لحزب العمال الكردستاني.

ووفق ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام التركية، فجر اليوم، فقد استخدمت قوات الشرطة التركية القوة المفرطة لتفريق المسيرة الاحتجاجية في منطقة "قاضي كوي"، بالجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، وفق ما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" المعارضة.

الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات رافضة لقرار عزل رؤساء بلديات منتخبين

كما شهدت ولايات ماردين، ووان، وديار بكر، التي أقيل رؤساء بلدياتها، احتجاجات، أمس، قامت الشرطة بفضها أيضًا، وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنّه تمّ حظر الدخول والخروج من وإلى ديار بكر.

 وفي تصريحات لوسائل الإعلام؛ قالت النائبة البرلمانية عن الحزب الكردي، فلك ناس أوجا، أنّها أصيبت خلال مشاركتها بوقفة ديار بكر احتجاجية في ساقها جرّاء ضربة من هراوات الشرطة اقتضت نقلها للمستشفى لتلقي العلاج.

وذكرت كذلك؛ أنّ نائبة أخرى عن الحزب ذاته، تدعى عائشة آجار، أصيبت في رأسها، وتعرضت للإغماء ليتم نقلها إلى المستشفى.

هذا وقد عزلت السلطات التركية، أول من أمس، رؤساء 3 بلديات (أكراد) منتخبين من مناصبهم، واستبدلتهم بـ "وصاة" معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.

أردوغان نفّذ تهديدات سابقة بعزل وحبس رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية

وأعلنت وزارة الداخلية التركية عزل رؤساء بلديات: ديار بكر (عدنان سلجوق مزراقلي)، وماردين (أحمد ترك)، ووان (بديعة أوزغوكتشه أرطان)، بدعوى "انتمائهم لتنظيم إرهابي" في إشارة لحزب العمال الكردستاني.

وزعمت الداخلية التركية؛ أنّها اتخذت هذا الإجراء كتدبير مؤقت بموجب قانون البلديات رقم 5393 من المادة رقم 127 من الدستور، لحين انتهاء التحقيقات بحقهم، وأنّ لديها أدلة تثبت إدانتهم.

بدورها؛ أكدت وسائل إعلام تركية سابقاً أنّ قرار عزل الرؤساء المنتخبين جاء تنفيذاً لتهديد سابق لـ "أردوغان"، بـ "عزل وحبس" الأكراد الفائزين برؤساء البلديات، بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية.

إلى ذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ بأنّ تعيين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصاة على بلديات دياربكر وماردين وفان، بمثابة تعطيل لديمقراطية الإدارات المحلية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش": تعيين أردوغان وصاة على البلديات هو بمثابة تعطيل للديمقراطية وإلغاء للانتخابات

وأوضحت المنظمة، في تصريح نقلته وكالة "رويترز"؛ أنّ هذا الإجراء انتهاك للانتخابات، داعية السلطات التركية إلى إعادة رؤساء البلديات إلى مناصبه، مؤكّدة أنّ "تعيين الوصاة يعني انتهاك تركيا لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

من جانبه، ذكر المدير التنسيقي للمنظمة في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أنّ حكومة أردوغان ألغت فعلياً الانتخابات المحلية، التي أقيمت في شهر آذار (مارس) الماضي، في المدن الكردية، شرق وجنوب شرق تركيا.

 

 

للمشاركة:

ألمانيا: انطلاق أكبر مؤتمر للأديان في العالم.. هذه محاوره

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

افتتح الرئيس الألماني رسمياً، أمس، النسخة العاشرة من المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام"، الذي يشارك فيه نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم.

مؤتمر "أديان من أجل السلام" يعقد بمشاركة نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم

ودعا الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، خلال حفل الافتتاح، أمس، بمدينة لينداو بجنوب ألمانيا إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

وقال شتاينماير: إنّ "الأديان، بوصفها داعماً قويّ التأثير، ومرناً بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها، ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى البشر"، مضيفاً أنّه يمكن أيضاً "إساءة استغلال الإيمان والدين كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية".

ويعدّ هذا المؤتمر أكبر مؤتمر للأديان في العالم، وهو تابع لمنظمة "أديان من أجل السلام".

المؤتمر يركز على دور المرأة وعلى ضرورة مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمنافشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، ومن المقرر أن تشارك إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، في ندوة عن العنف ضدّ المرأة خلال فعاليات المؤتمر، يوم غد.

 

للمشاركة:



50 عاماً على حريق الأقصى.. سياسات إسرائيل تزيد نيرانه اشتعالاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داوود عبدالرؤوف

رغم مرور 50 عاماً على الحريق الذي أضرمه المتطرف الأسترالي، مايكل روهان، في المسجد الأقصى فإن النيران لم تتوقف بل أصبحت أكثر اشتعالاً مع تصاعد وتيرة المخاطر المهددة للأقصى جراء السياسات المتطرفة للاحتلال الإسرائيلي.

فالاقتحامات اليومية التي يقوم بها مستوطنون إسرائيليون للمسجد تزامناً مع تصاعد الدعوات لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، إضافة إلى المحاولات الإسرائيلية لتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد باتت وقودا يشعل حريقا في الأقصى لم ينطفئ منذ خمسة عقود.‎

وباتت الانتهاكات الإسرائيلية والتغيرات الديموغرافية تستهدف كل وجود عربي إسلامي في القدس من أجل تهويدها، ما يزيد من قلق المسلمين على مصير مقدساتهم يوما بعد يوم.

ففي مثل هذا اليوم، 21 آب/أغسطس من العام 1969، أقدم المتطرف روهان على إشعال النار عمدا في المصلى القبلي في المسجد، فأتت النيران على أجزاء واسعة من واجهته بما فيها منبر نور الدين زنكي المعروف باسم منبر "صلاح الدين" ومحراب المسجد وسقفه وسجاده.

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يستذكر تلك الحادثة بتفاصيلها المحزنة قائلاً لـ"العين الإخبارية": "بعد أن عطلت سلطات الاحتلال وصول فرق الإطفاء، هرع الناس من كل الأعمار للمساهمة في إخماد الحريق، فكانوا ينقلون المياه إلى مكان الحريق وأعينهم تفيض بالدمع".

وتظهر صور نادرة لتلك الحادثة فلسطينيين وهم يستخدمون السلالم للوصول إلى سطح المسجد، مشكلين سلسلة بشرية لنقل المياه من آبار المسجد.

وقالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في بيان: "دمر الحريق أكثر من ربع المسجد الأقصى وما فيه من فسيفساء أثرية ورسوم نادرة على أسقفه الخشبية وسجاده الفارسي".

وأوضحت أنه "في مقدمة ما دمره الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي، هذا المنبر الذي صنعه الشهيد نور الدين زنكي رحمه الله، وأحضره القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس عام 583هـ/1187م من يد الصليبيين، ووضعه في المسجد الأقصى ليظل شاهداً حياً على أن القدس مدينة عربية إسلامية، وستظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها".

ونجحت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، على مدى سنوات طويلة، في ترميم ما تسبب به الحريق رغم المعوقات الإسرائيلية.

وما زالت بعض الأجزاء المحروقة المتبقية من منبر "صلاح الدين" موجودة في متحف المسجد، وقد تم في العام 2007 إعادة تركيب منبر مطابق للمنبر الأصلي بكافة مواصفاته وتفاصيله.

ولكن وإن كان المسجد تعافى من آثار الحريق إلا أن التهديدات الإسرائيلية له لا تتوقف بل تزداد خطورة.

الشيخ عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أشار إلى خطورة الاقتحامات المتصاعدة والخطيرة للمسجد، والدعوات العلنية لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا وصولا إلى مزاعم مسؤولين إسرائيليين بأنه لا يوجد "وضع قائم" في المسجد الأقصى.

والوضع القائم هو الوضع الذي ساد في المسجد منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في العام 1967، وتنحصر المسؤولية عليه بيد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس باعتباره مسجدا للمسلمين وحدهم.

كما لفت الخطيب، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى الملاحقة اليومية من قبل سلطات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية بالاعتقال والإبعاد عن المسجد لفترة تتفاوت ما بين أسابيع إلى عدة أشهر، إضافة إلى محاولة إيجاد موطئ قدم للاحتلال في المسجد من خلال التدخل في شؤون دائرة الأوقاف ومنعها من محاولة القيام بعملها فيه.

وفي بيان لها تزامنا مع ذكرى الحريق، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس: "بعد مرور خمسين عاماً على الحريق المشؤوم تزداد المخاطر التي تتهدد الأقصى بنياناً وإنشاءً".

وأضافت: "الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى المبارك وجدرانه تهدد مبناه وسائر منشآته، والأنفاق التي تحفرها السلطات الإسرائيلية في البلدة القديمة من مدينة القدس هددت وتهدد المدارس الأثرية التاريخية الإسلامية".

وأوضحت أن "البؤر الاستيطانية التي تزرعها سلطات الاحتلال في مختلف أرجاء المدينة المقدسة تهدد الوجود العربي الإسلامي في القدس، إنهم يستعملون كل الوسائل الإجرامية في سبيل إخراج أهل القدس من مدينتهم؛ فتزوير الوثائق يتم في أروقة المحاكم ومكاتب المحامين بدعم من سلطات الاحتلال، وأعمال البلطجة تتم في وضح النهار وتستهدف المجاورين للحرم القدسي قبل غيرهم".

محافظ القدس، عدنان غيث، قال، في بيان، إن المدينة ومقدساتها ، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى المبارك باتت تمر بتحديات خطيرة للغاية وأوقات عصيبة والدعوات اليمينية المتطرفة لاقتحامه وتقسيمه في تزايد إن لم يكن بسط السيطرة عليه، ومسلسل التهويد ماض على قدم وساق وبدعم مطلق من أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وحذر من أن"الاعتداء على المسجد الأقصى ما هو إلا مؤشر لحرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطال نيرانها الجميع دون استثناء".

بدوره، حذر المجلس الوطني الفلسطيني من أن مدينة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وأهلها الصامدين وعقاراتها ومنازلها وإرثها التاريخي والثقافي والديني لا تزال حتى اللحظة تتعرض لعدوان إسرائيلي ممنهج بهدف تفريغها من سكانها الفلسطينيين وصولا لتهويدها".

فيما قالت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس (أهلية)، في بيان، إن "مساحة المسجد الأقصى المبارك، كما هو معلوم، مئة وأربعة وأربعون دونماً (الدونم الواحد ألف متر مربع) فيشمل المسجد القبلي الأمامي، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وكذلك المساطب واللواوين والأروقة والممرات والآبار والبوابات الخارجية وكل ما يحيط بالأقصى من الأسوار والجدران الخارجية بما في ذلك حائط البراق".

وأضافت أن "هذا المسجد المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار رباني إلهي من الله عزّوجل، وهو يمثل جزءاً من إيمان ما يقارب ملياري مسلم في العالم"مشددة على أن "لا علاقة لغير المسلمين بهذا المسجد لا سابقاً ولا لاحقاً، كما لا نقر ولا نعترف بأي حق لليهود فيه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الميليشيات وعوامل الخطر في الشرق الأوسط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

سالم الكتبي

لم تبالغ دولة الإمارات حين اعتبرت أن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض معمل الغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية "خطراً جسيماً على امدادات الطاقة للعالم أجمع"، فالشواهد جميعها تؤكد أن هذا الاعتداء يمثل تطوراً غير مسبوق في مستوى الخطر الناجم عن انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة في دول عدة بالشرق الأوسط.

من ينظر إلى الخارطة يجد ببساطة أن الميليشيات التي تعمل وفق أجندت أجنبية تقف وراء الفوضى والاضطرابات في جميع الدول التي تعاني الصراع، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، فالميليشيات باتت الفيروس الذي ينخر في جسد متهالك وتسبب ليس فقط في انهيار الدول ولكن أيضاً في نشوب موجات هجرة ونزوح ولجوء لملايين السكان ممن لا يعرف حتى الآن مصيرهم ويشكلون ضغوطاً على اقتصادات الكثير من دول العالم.

الواضح الآن الميليشيات باتت تسعى لأن تحل محل الدولة الوطنية في بعض دول المنطقة، ومن يتشكك في هذا الاستنتاج عليه أن يراجع الخطابات الأخيرة لحسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني، وتهديداته بشن حروب والانضمام إلى قوى إقليمية مثل إيران في حال تعرضت الأخيرة لضربات عسكرية أجنبية، وهي تهديدات تغيب فيها الدولة اللبنانية بشكل تام، ويتحدث قائد ميليشيا من دون أن يأخذ بالاعتبار أن هذه الميليشيا تنتمي لدولة يفترض أن تتحكم فيها ويرجع إليها قبل أن يتدخل في شأن من شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!

الحال ذاته يحدث في اليمن، حيث تتصرف ميليشيات "أنصار الله" وكأنها دولة داخل الدولة اليمنية وتعتدي على دولة أخرى من دون أن تنظر لعواقب هذا التصرف ولا تأثيراته على الدولة اليمنية، ولا تكتفي باعتداء على المملكة العربية السعودية الشقيقة بل اتجهت في الحادث الأخير إلى الاعتداء على منشأة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي، وكأنها تنفذ نصاً ما يملي عليها من املاءات وتعليمات تصدر من قادة الحرس الثوري الإيراني.

الرابط الأساسي بين هذه الميليشيات التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، الذي يتخذ من هذه الميليشيات أذرع عسكرية طائفية تعمل بالوكالة لمصلحة أجندته التوسعية من دون أي اعتبار ليس فقط لسيادة الدول العربية التي تنتمي إليها هذه الميليشيات، ولكن أيضاً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، حتى بات الشرق الأوسط نموذجاً في التهديد والتحديات الهائلة التي تواجه الدولة الوطنية في العالم أجمع، وكأن هذه المنطقة ابتليت بالميليشيات كي يصبح الحديث عن السيادة الوطنية لبعض الدول في منطقتنا نوع من العبث والاستهزاء بالقوانين والمواثيق الدولية.

المؤكد أن حركة "أنصار الله" لم تكن تجرؤ على القيام بهذا الاعتداء لولا توافر عوامل وظروف معينة أولها حالة التراخي والصمت الدولي وردود الفعل الباهتة في مواجهة الاعتداءات المتوالية التي شنتها هذه الميليشيات بالصواريخ والطائرات المسيرّة من دون طيار على المنشآت المدنية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، وثاني هذه العوامل الصمت الدولي على ممارسات النظام الإيراني الذي يهدد ليل نهار باستخدام الأذرع الطائفية في تهديد الأمن والاستقرار وإشعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط من دون حسيب أو رقيب حتى أنه لم تصدر إدانة واحدة ولا تصريح عابر من مسؤول أممي يحذر نظام الملالي من العبث بالأمن والاستقرار الإقليمي!

يدرك النظام الإيراني أن توظيف الحوثيين في صراعه مع العالم ورقة ضغط مهمة من أجل فك طوق الحصار والعزلة الدولية وتفادي شبح الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الاقتصادية الاميركية، وان استهداف المنشآت النفطية في المملكة الشقيقة ورقة ضغط مهمة ليست ضد الرياض فقط بل ضد القوى الدولية جميعها، ولكن للأسف لا تجد هذه الممارسات من رادع سوى مزيد من التنازلات والخضوع للبلطجة وانتهاك القوانين الدولية.

إن حالة الصمت والترقب الدولية على ما يحدث في منطقتنا لا يعني بالضرورة الحفاظ على الحد الأدني من الهدوء بل يمكن أن يشعل هذا الصمت حرباً مستعرة وصراعاً عسكرياً تطال تأثيراته الاقتصاد العالمي، الذي يئن بالفعل تحت وطأة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، لذا فإن استمرار الصمت العالمي ينذر بكارثة استراتيجية في ظل جهل هذه الميليشيات وقادتها بعواقب تصرفاتها المجنونة وخضوعها التام للأوامر والتعليمات الصادرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يغامر بإشعال صراع يحرق الجميع لهيبه طالما أن النظام الإيراني يرزح تحت وقع العقوبات الأميركية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية