هروب أردوغان إلى آيا صوفيا!

هروب أردوغان إلى آيا صوفيا!

مشاهدة

11/07/2020

إميل أمين

لم يعد بالغريب أو العجيب أن تمضي تركيا من جديد في تعميق خطاب الكراهية، وتجذير اللاتسامح حول العالم، وليس في الإقليم فقط، لا على الصعيد السياسي فقط، بل كذلك فيما يختص بالتراث الإنساني والوجداني.
وكأن العالم تنقصه ملفات خلافية، تعمق من الشروخات الحادثة في جدران نسيجه المجتمعي في زمن الوباء، ليفتح أردوغان ملفاً من الملفات التي تدعم وتزخم الصدامات بين الأمم والشعوب، لا سيما وأن الأمر يتماس مع مسحة دوجمائية عقدية، وإن طال الزمن.

باختصار غير مخل، يسعى أردوغان في طريق تحويل «متحف وكاتدرائية آيا صوفيا» التاريخي في وسط إسطنبول من متحف إلى مسجد، والعمل على إخفاء أي معالم مسيحية في داخل الكاتدرائية، التي تحمل سمات أزمنة عديدة خلت، يضيق المسطح المتاح للكتابة عن سرد قصة هذه الكاتدرائية، التي كانت يوماً شاهداً على الحضارة المسيحية الأرثوذكسية البيزنطية في آسيا الشرقية.
بدا العمل في آيا صوفيا في عهد الإمبراطور الروماني جوستنيان الأول (527-565م)، كان ذلك عام 532 ميلادية، واستغرقت أعمال البناء نحو خمس سنوات، ليتم افتتاحها رسمياً عام 537 م. 
جاء البناء مغايراً للطراز الروماني، فقد استعان جوستنيان باثنين من المهندسين المعماريين اليونانيين، وهما «ايزدورو الميليسي»، و«انثيموس التراليني»، وكلاهما ينتمي إلى حضارة آسيا الصغرى، الأمر الذي يعد دليلاً على مدى تقدم فن البناء في ذلك الزمان عبر تلك البقعة الجغرافية، وبذلك تتجاوز آيا صوفيا مجرد فكرة البناء الكنسي، إلى عالم التلاقح الثقافي والإنساني عبر أكثر من حضارة وأكثر من شعب من شعوب العالم.

معنى آيا صوفيا 

علامة استفهام لم يتوقف عندها الكثيرون، وتحتاج إلى مراجعة تاريخية فلسفية لهذا المعلم الحضاري، الذي ظل طوال تسعة قرون كنيسة، ولخمسة قرون تقريباً مسجداً، ولقرن متحف.
حين بنى جوستنيان الأول هذا المعلم التاريخي الديني، أطلق عليه باللغة اليونانية ميغالي إكليسيا، أي الكنيسة الكبرى، ولاحقاً أي بعد القرن الخامس أطلق على هذا المبنى «هاغيا صوفيا»، التي تطورت لفظياً إلى «آيا صوفيا»، والتي تعني «مكان الحكمة المقدسة»، ما يعني فعلياً أن الهدف الماورائي من هذا الصرح الكبير، كان يتجاوز ممارسة الشعائر والعبادات وإن جرت داخله بالفعل، الأمر الذي يضفي ملمحاً وملمساً روحانياً وعقلانياً على هذا الأثر، وعادة ما كانت تلك المؤسسات الكبيرة، تحتوي بين جنباتها مدارس صغيرة للتعليم الفلسفي، والذين لديهم دراية بالتاريخ الفكري لتلك المنطقة، يعلمون كيف أنها كانت في فترة بعينها إشعاعاً علمياً وأدبياً ودينياً لقارة أوروبا الغربية.
وكعادة العثمانيين الظلاميين طوال تاريخهم، فإنهم حين احتلوا القسطنطينية عام 1453، فعلوا ما لم يفعله ثالث الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، حين دخل بيت المقدس، ورفض أن يصلي في كنيسة القيامة، حتى لا يتحول الأمر إلى إلزام من بعده، وحتى لا تتعرض الكنيسة إلى الهدم أو الزوال.

غير العثمانيون طبيعة آيا صوفيا من كنيسة إلى مسجد، وتالياً حين سقطت الإمبراطورية العثمانية، وانهارت على رؤوس الأتراك في نهاية الحرب العالمية الأولى، قرر رئيس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في العام 1935، تحويل المكان إلى متحف لا يزال يزوره ملايين السياح كل عام. ولأن آيا صوفيا موقع وموضع يحكي قصة الإنسان وأحاجيه، وروايات الزمان وحكاياه، فقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، اليونسكو، هذا البناء التاريخي على قائمة التراث العالمي.

ما الذي يريده أردوغان؟
 الشاهد، أنه في مارس من عام 2019، كان أردوغان قد أعلن أن الوقت قد حان لإعادة تسمية صرح آيا صوفيا إلى مسجد آيا صوفيا، وفي تصريحات لتلفزيون الخبر التركي أشار إلى أن آيا صوفيا لن تسمى متحفاً، وإنه سيتم تجريدها من هذا الوضع، وأضاف: سوف نسمي آيا صوفيا مسجداً، وإن الذين سيأتون إلى آيا صوفيا سيزورون مسجد آيا صوفيا.
يعن للقارئ أن يتساءل: ما هي مصلحة أردوغان في هذا التحول تجاه صرح قديم، بات معلماً تاريخياً حضارياً في وسط دولة مليئة بعشرات الآلاف من المساجد؟

بدايةً، يمكن قراءة المشهد بأنه حالة هروب أردوغانية إلى الأمام من الأزمات المتلاحقة التي تطارده في الداخل والخارج، ففي الداخل يعاني من تحلل شعبيته ومن أوضاع اقتصادية مهترئة، تترجم في أوضاع العملة التركية المنهارة الليرة، عطفاً على الفشل الذريع في مواجهة تفشي فيروس كوفيد – 19، والذي اختصم من رصيده الكثير جداً، أما عن الخارج فقد باتت مغامرات السلطان المحتل تكبده وخزانة الدولة ما تبقى من زمن النمو الاقتصادي.
 هل يكون الهروب عبر إشعال معارك دونكشوتية يغازل بها السلفيين والأخوان المسلمين وبقية تيارات الإسلام السياسي في الداخل التركي والخارج الإقليمي والدولي؟
 كارثة ما يزمع أردوغان فعله تتمثل في أنه يشعل معركة وقودها الفكر الديني والإيماني، ويعيد أوضاع العالم إلى فكر المعسكرين المتناحرين، ويعطي الفرصة للتيارات اليمينية الغربية من جهة، وللجماعات الإرهابية الأصولية من جانب آخر لمعارك ما أنزل الله بها من سلطان، ما يقلل من فرص التقارب والأخوة الإنسانية، ويحرض أنصار خطاب الكراهية.

عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية

الصفحة الرئيسية