"الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟

3288
عدد القراءات

2019-02-17

تبدو ظاهرة الإسلام السياسي اليوم وعلى ضوء صعود نجم تنظيماته الحركية الأكثر عنفاً ودموية وفي عصر العولمة وثورة الإنفوميديا وتطور وسائل التواصل الاجتماعي وعصر الصورة، وبعد الانتفاضات التي طالت "استقرار" العالم العربي والإسلامي بغير مكان وكأنّها ظاهرة حادثة طارئة، إلا أنّ المتبصر في تاريخ نشأتها وظروف تكونها التاريخي لا تأخذه الدهشة والاستهجان باعتبارها ظاهرة مفاجئة.

مكمن خطورة  الإسلام السياسي أنّه يهدف إلى إعادة صياغة المجتمعات العربية وفقاً لنموذج إسلامي برؤية ضبابية

في هذا السياق، يعد الباحث والمؤرخ المصري الدكتور محمود إسماعيل واحداً من أعلام الفكر العربي المعاصر الذين تنبّهوا لخطورة تلك الظاهرة ووقفوا على أسبابها وحذّروا من كارثية نتائجها في وقت مبكر، إذ أفرد لها عدداً من كتاباته ومؤلفاته الكثيرة؛ حيث أشار في كتابه "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين" إلى أنّ ظاهرة  "الإسلام السياسي" قد اجتاحت العالم العربي منذ أوائل السبعينيات، وباتت في التسعينيات تعد من أخطر الظواهر التي تواجهها البلاد العربية، ومكمن خطورتها، كما يقول، أنّها تهدف إلى إعادة صياغة المجتمعات العربية، وفقاً لنموذج إسلامي برؤية ضبابية، وصورة عن "دولة الخلافة" لا توجد إلا في ذهن ومتخيل أصحابها أصلاً.

 كتاب "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين"
ويشير إسماعيل أنّ الأكثر خطورة في الأمر هو اتخاذها العنف المسلح للوصول إلى السلطة قسراً كوسيلة لتطبيق تصورات تجنح إلى الماضوية وتفتقر إلى النضج والواقعية، "فالجدل حول الخلافة منذ وفاة الرسول، عليه السلام، إلى حين ألغاها الزعيم التركي كمال أتاتورك العام 1924 لم يُحسم يوماً إلا بسفك الدماء، وأنّ استشراء هذه الظاهرة وانتشارها بين الأميين وأنصاف المتعلمين يعكس ما وصل إليه العالم العربي من تردٍ سياسي وإفلاس اقتصادي اجتماعي وعجز فكري، كما يكشف عن هشاشة الأيديولوجيات السائدة وإخفاقها في التماس الحلول لمشكلات الواقع المتفاقمة".

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي باعتبارها الابن الشرعي للثورة الإيرانية
كتاب المؤرخ محمود إسماعيل الذي جعل بابه الأول تحت مسمى "أدلجة التراث" والذي يقوم على عرض ونقد كتاب المفكر المصري محمود أمين العالم "الوعي والوعي الزائف" أساساً ومنطلقاً، يشكل وثيقة تاريخية مهمة وشهادة واقعية تعكس صورة الساحة السياسية والفكرية بتياراتها المختلفة، وتعرض الواقع السوسيوثقافي المصري كونه الرحم الذي احتوى الفكر الأصولي السلفي وولدت منه أولى تنظيماته الحركية ممثلة بحركة "الإخوان المسلمين" أولاً وحركات الإسلام الجهادي التي تفرعت منها في وقت لاحق.

الأكثر خطورة تبنّي العنف المسلح للوصول إلى السلطة كوسيلة لتطبيق تصورات تجنح إلى الماضوية

وهو إذ ينوه منذ البدء أنّ "أدلجة التراث" تعني انسياقاً مع مفهوم "الأيديولوجيا" الذي عمل المفكر المغربي عبدالله العروي على تأصيله في كتابه "مفهوم الأيديولوجيا" واجتهد الكاتب بتعريبه في ضوء التراث العربي الإسلامي بما يقابل "الدعوة" "والتي تعني مجموعة الرؤى والتصورات ومنظومات الأفكار والسياسات التي تبنّتها أحزاب المعارضة في الإسلام بقصد تطبيقها إذا ما وصلت إلى السلطة"، وموضحاً أنّ استخدامه هذا المصطلح الضبابي كان للدلالة على القراءات الخاطئة للتراث التي تضبب المعرفة وتصادر عليها نتيجة وقوعها في منزلق الأدلجة في قراءة التراث رغم اختلاف مشاربها الفكرية ومناهج بحثها وتطلعاتها السياسية. فالتراث، كما يرى المؤلف متفقاً مع رؤية ومنهج سلفه محمود أمين العالم، "ليس تراكمات الماضي وحسب بقدر ما هو قراءتنا وموقفنا منه وتوظيفنا له"؛ حيث يفقد التراث زمنه ويقفز إلى زمن قراءته، أي سياق الحاضر والمستقبل،  وبناء على ذلك فقد قسّم خريطة التوجهات الفكرية حسب رؤيتها للتراث إلى ثلاث اتجاهات رئيسية رغم ما فيها من تفاوت بين أقطاب كل تيار لكنها تتفق في المنطلقات والنهج وتصل إلى نفس الأحكام في النتائج:
اتجاه سلفي ذو نزعة دينية تتخذ من العودة إلى التراث بمفهومه الديني الضيق -بحكم اقتصارها على الجانب السني وحسب-معياراً أساسياً لتقييم الحاضر والتطلع إلى المستقبل، ولا يختلف قديم هذا الاتجاه عن جديده، فكلاهما يجعلان من المستقبل صورة ذهنية للماضي المتخيل في أزهى ألوانه، وإن كان التيار الجديد "أكثر إلماماً وإحاطة بعلوم الغرب وفكره، وأكثر اقتداراً على تجميل وجه السلفية المجعد"، ويحكم المؤلف على نهاية هذا التيار إلى العدم بحكم فقره الفكري وجهله بتراث الإسلام وتاريخه وسماحة عقيدته، وبحكم تحديه للعالم أجمع باعتباره دار جاهلية تستوجب جهاد السيف، ولا تستثنى من ذلك حتى دار الإسلام نفسه.

اتجاه علماني ليبرالي: ينتمي أقطاب هذا التيار في المجمل إلى الفلسفات والمنهجيات الغربية كالهيغيلية والبنيوية والظاهراتية والفرويدية والوضعية المنطقية وغيرها، ويجمعهم تصديهم للسلفية ودفاعهم الانتحاري عن العقل والعقلانية والمنهج العلمي ضد الخرافة والهوس الديني والتخليط الفكري.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة
كما يجمعهم تبنّيهم لفكر التنوير الغربي وانفتاحهم على الثقافة الغربية بشكل عام مع إلمام معقول بالتراث الإسلامي؛ لكن مواقف تيارات هذا الاتجاه من التراث ظلت تتراوح بين الانتقائية والتوفيقية والرفض، الأمر الذي حال دون مقدرة هذه التيارات على تقديم رؤية نقدية شاملة للتراث تؤسس مشروعاً فكرياً نهضوياً متكاملاً بقدر ما قدمت محاولات نقدية للعقل العربي وتجديده. لكن هذا النقد  مع رفض التبعية الابيستمولوجية  للغرب وفكر الاستشراق عند بعض أقطابه أو الاندفاع بنزعة تغريبية عند البعض الآخر، قد أوقع بعض أقطابه في موقع تكريس السلطات الديكتاتورية والتسلطية من منطق عدائها للسلفية والأصولية. ويخلص الكاتب إلى القول إنّ "الليبراليين العرب إنّما يسهمون على المدى البعيد في تكريس السلفية أو التبعية للغرب.. وإنّ أسهم بعضهم آنياً في مناجزة تيارات الهوس الديني المتطرف".

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
اتجاه علماني تقدمي بوجه عام ماركسي على وجه الخصوص: وينقسم بدوره إلى عدة تيارات لكنها غير متباينة على الصعيد المعرفي من حيث الرؤية والمنهج والغاية من دراسة التراث؛ إذ يجمعها اقتناعها بجدوى المادية الجدلية والتاريخية كمنهج وأداة بحث، والباحث محمود إسماعيل واحد من أصحاب هذا الاتجاه، لذلك يقول فيه إنّه "رغم الحصار المفروض على المفكرين الماركسيين من قبل النظم الثيوقراطية والعسكرية، وبرغم مواصلة نضالهم في السجون والسراديب والمهاجر، كانوا أكثر إنجازاً في الحقل المعرفي عموماً وفي حقل التراث بشكل خاص".

يدخل المؤلف إلى نقاش قضية محورية في التراث العربي الإسلامي وهو مفهوم الدولة في الإسلام أو الدولة الثيوقراطية

وما يميز هذا الاتجاه، كما يقول، أنّه يرى إلى التراث من منظور إنساني باعتباره جزءاً من التراث الإنساني، وحلقة من حلقاته تأثّر بما قبله وأثّر بما بعده، وفي ذلك رفضٌ لدعاوى الخصوصية التي جنحت نحوها الاتجاهات السابقة الذكر من سلفية وعلمانية ليبرالية، "وأن القوانين العامة للمادية الجدلية والتاريخية قمينة باستيعاب أية معطيات بل إنّ ما يبدو خصوصياً يمكن أن يفسر في إطار تلك القوانين العامة نفسها".
من هذا المدخل التأسيسي يدخل المؤلف إلى نقاش  قضية محورية في التراث العربي الإسلامي وهو مفهوم الدولة في الإسلام أو الدولة الثيوقراطية باعتبارها قضية خلافية كبرى وخاصة بعد تنامي قوى الإسلام السياسي التي تتبنى الدولة الثيوقراطية وتعتبرها الغاية الأساسية من "جهادها" وتحاول التدليل على وجهة نظرها استناداً إلى النصوص المقدسة والواقع التاريخي في آن.

ويخلص الكاتب بعد الإسهاب الطويل واستعراض العديد من الآراء والحوادث التاريخية في هذا الصدد إلى أنّ الدولة في الإسلام ما زالت مفهوماً خلافياً يعجز الذين تبنوا هذا المفهوم عن تحديد أساسياته في الفكر السياسي الإسلامي، أو في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتضرب معظم تصوراتهم في وهم الخيال، فيما تشذ بعض التصورات المستنيرة نحو الفهم العلماني للدولة تأسيساً على استقراء الواقع التاريخي؛ فمفهوم "الحكم في الإسلام" قد عبّر عنه القرآن الكريم بلفظة "الأمر"، "وقد فهم الصحابة وخاصة أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، هذا المعنى وقالا به، وكلها نصوص تشي بتأكيد الطابع الزمني للحكم". 

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟
ويشدّد إسماعيل أنّ ما سبق يؤكد أنّ الحكم في الإسلام ذو طابع زمني، "ولو كانت المسألة تتعلق بصميم الدين، لحكم النص فيها بقطع وحسم، أما أن يترك "الأمر" شورى بين المسلمين فيؤكد نفي المفهوم الثيوقراطي".

اللافت في دراسة إسماعيل رغم صرخته التحذيرية من خطر التطرف الديني هو رؤيته التفاؤلية للمستقبل

ولعل في تفسير الكاتب لنشوء واستشراء حركات الإسلام السياسي، التي أفرد لها فصلاً مهماً من كتابه عنونه "ظاهرة التطرف الديني إلى أين"، تفسيراً إضافياً لهذا الموضوع الشائك؛ فيقول إنّ ظاهرة التطرف الديني حقيقة شهدتها المجتمعات الإسلامية منذ صدر الإسلام، "حيث نشأت الفرق والمذاهب عاكسة صراعاً اجتماعياً وسياسياً، وتباينت تأويلات النصوص الدينية ما بين تطرف واعتدال حسب الظروف التاريخية وبما يخدم أهداف القوى المتصارعة سياسياً، مؤكداً أنّ مسألة الخلافة والإمامة كانت في مقدمة وصلب تلك المشكلات وما زالت كذلك حتى اليوم.
وإذ يتبنى المؤلف "التاريخانية" منهجاً علمياً لتحليل تلك الظاهرة فإنّه يخلص من خلاله إلى القول "بارتباط ظاهرة التطرف الديني خصوصاً والفكري بشكل عام، بالصراع بين البرجوازية والإقطاع"؛ رابطاً التطرف بنمط الإنتاج الإقطاعي مدللاً على ذلك بأنّ الظاهرة تخف أو تذوب في أحضان الصحوات البرجوازية التي شهدها العالم الإسلامي، "أما طغيانها على معظم التاريخ الإسلامي فيرجع إلى أزمة البرجوازية وعجزها عن إنجاز تحول رأسمالي يسفر عن حركة إصلاح ديني" على غرار الغرب.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي
ويمثل الكاتب على ذلك من تاريخ مصر القديم والمعاصر وما تناوب على هذا التاريخ من لحظات نهوض وتنوير أو تطرف وانتكاسات وصولاً إلى ثمانينيات القرن الماضي الذي شهد تفجّر ظاهرة الإسلام السياسي  بحكم تفاقم  الأزمة الاقتصادية الاجتماعية بفعل سياسة الانفتاح الاقتصادي، وهيمنة بعض القيادات الأصولية على النشاط الاقتصادي والمالي، وتعاظم خطر التيارات الدينية المتطرفة في التسعينيات مستفيدة من المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية مثل انهيار المنظومة الاشتراكية التي أدت إلى إضعاف القوى الاشتراكية العربية والمحلية، وحرب الخليج التي شكلت انتكاسة للأحزاب القومية، وتعاظم تأثير الثورة الإسلامية الإيرانية وتبنيها مبدأ تصدير الثورة ودعمها الحركات الأصولية بالمال والسلاح بعد أن خلت لها الساحة السياسية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي التقليدي والديمقراطي وإشكالية الحريات
اللافت في دراسة المؤرخ إسماعيل هذه، ورغم صرخته التحذيرية من خطر التطرف الديني وفعل تنظيماته الجهادية المدمر للدولة والمجتمع والفكر في آن، هو رؤيته التفاؤلية للمستقبل رغم هول الكارثة؛ إذ يرى أنّ ظاهرة التطرف الديني "ظاهرة عابرة في تديّن المصريين المعتدل المتسامح ولسوف يختفي التطرف باختفاء الظروف التي أفرزته"، وأنّ محاولة إحياء الماضي وإلباسه الحاضر والمستقبل منافٍ لقوانين التاريخ؛ "فقوانين التاريخ كفيلة باحتواء "الماضوية"، وأن عجز تلك التيارات عن فهم الجوهر الحقيقي للدين ورسالته "سيحكم عليها بالإعدام"، ومع ذلك يُبقي الكاتب السؤال مفتوحاً: كيف يمكن تحاشي الكارثة؟ أو ما الحل نحو تحجيم القوة المتنامية لتلك التيارات؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: