التحدي الإصلاحي القادم في السعودية: تقويض سلطة الأصوليين

التحدي الإصلاحي القادم في السعودية: تقويض سلطة الأصوليين
4128
عدد القراءات

2018-01-14

مدينة أبها، المملكة العربيَّة السعوديَّة. منذ طفولتها، أرادت أروى النعيميّ أن تكون فنانة. ولكن بما أنَّها نشأت في منطقة عسير ذات النَّزعة المحافظة، فقد كانت محكومة بأسلوب متزمِّت من الإسلام السنيّ حدَّد لفترة طويلة الحياة في المملكة العربيَّة السعوديَّة وميَّز صورة المملكة في عيون العالم الخارجيّ. وتذكر السيِّدة النعيميّ أنَّها عندما رسمت طائراً، قامت المعلِّمات بتوبيخها ومحو رأس الطائر، قائلات إنَّ الله وحده له أن يخلق الحياة.

والآن، أصبحت تلك الرِّقابة الدينيَّة أمام أخطر تحدٍّ لها في العصر الحديث. لأنَّ القادة السعوديين، مدفوعين بالحاجة إلى تنويع الاقتصاد المعتمد على النفط، يتحرَّكون بشكل أسرع من كل أسلافهم لخلخلة ميراث النَّزعة الإسلاميَّة المحافظة التي هيمنت على البلاد منذ أربعة عقود وشكَّلت تعليم أجيال.

يقود هذا التحوُّل وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان، البالغ من العمر 32 عاماً، الذي يَعتبر التحرُّر الاجتماعيّ جزءاً حيوياً من خطَّة التحديث الاقتصاديّ الراديكاليَّة التي يقوم بها، والذي تعهَّد بإعادة بلاده إلى شكل أكثر تسامحاً من الإسلام.

وكان الأمير محمَّد قد قال خلال مؤتمر استثماريّ في الرياض في تشرين الأول/أكتوبر: "إنَّنا نعود فقط إلى ما كنَّا عليه: إلى الإسلام المتسامح، المعتدل، المنفتح على العالم، وعلى جميع الأديان والتقاليد والشعوب".

تغيير وردود فعل متباينة

السيِّدة النعيميّ، 32 عاماً، هي اليوم نجمة صاعدة في المشهد الفنيّ المزدهر في المملكة. وهي تقول: "كانت لديّ علاقة حب وكراهيَّة في آن واحد تجاه السعوديَّة. وكنت أفكر كثيراً في مغادرة البلاد. أردت أن أذهب إلى مكان يمكنني أن أعيش فيه حياة طبيعية. أمَّا الآن، فالحياة الطبيعية هي التي تأتي إلينا".

لقد أعلنت المملكة العربيَّة السعوديَّة، في أيلول (سبتمبر)، أنَّ الحظر على قيادة النساء للسيارات - وهو الوحيد من نوعه في العالم - سوف يُلغى هذا الصيف. ودور السينما سوف تَفتح أبوابها قريباً بعد حظر دام 35 عاماً. والموسيقى، التي تُعتبر على نطاق واسع من المحرَّمات وحتَّى وقت قريب نادراً ما كانت تُعزَف كخلفية في المطاعم، في طريقها للعودة. ويوم الجمعة، لأوَّل مرة، سوف يُسمح للنساء بدخول الستاد لمشاهدة مباراة لكرة القدم.

أثارت هذه الجهود مقاومة من جانب أولئك الذين يتملَّكهم القلق من نَقْض عقودٍ من المراسيم المحبوكة في النسيج الاجتماعيّ السعوديّ، لا سيما المحافظين الدينيِّين، الذين لا يزالون يمثِّلون دائرة قويَّة.

القادة السعوديون، مدفوعين بالحاجة إلى تنويع الاقتصاد المعتمد على النفط، يتحرَّكون بشكل أسرع لخلخلة ميراث النَّزعة الإسلاميَّة المحافظة

مثلاً، كرَّر الشيخ صالح الفوزان، عضو الهيئة الدينيَّة العليا في المملكة العربيَّة السعوديَّة، حجَّة شائعة ضدَّ قيادة المرأة. ففي بيان نُشِر على موقعه على الإنترنت، قال: "إذا سُمِح للمرأة بالقيادة فإنها سوف تتمكَّن من الذهاب والخروج كيفما شاءت ليلاً ونهاراً، وهو ما سيفتح أبواب الفتنة بسهولة، لأنَّ المرأة كما نعلم ضعيفة ومن السهل إغراؤها".

ومن بين أولئك الذين يدعمون جوانب من التغييرات، مثل تشجيع المزيد من النساء على الانضمام إلى القوَّة العاملة، يرى البعض أن السرعة التي تسير بها عملية التحرير مثيرة للقلق، قائلين إنَّهم لا يريدون أن تفقد السعوديَّة هويَّتها الدينيَّة المعروفة باعتبارها مسقط رأس الإسلام.

كيف تغيَّرت السعوديَّة بعد عام 1979؟

لا تزال هناك قيود كثيرة، ومن غير الواضح ما إذا كانت سوف تُلغى. مثلاً، حتَّى يومنا هذا، يُطلَب من النساء ارتداء عباءات مُسبَلة؛ والمحلَّات تُغلَق عدَّة مرَّات في اليوم للصلاة؛ والفصل بين الجنسين يمارَس على نطاق واسع في المطاعم وأماكن العمل. ويتعيَّن وجود وليّ أمر لكل امرأة، يلزمُ أخذ إذنه للسفر إلى الخارج أو الزواج. ولا يزال غير المسلمين ممنوعين من ممارسة إيمانهم علناً.

إنَّ جذور الإسلام المحافظ تضربُ عميقاً في المملكة العربيَّة السعوديَّة، كما أنَّها مَضْفورة بالأسرة الحاكمة في المملكة. ففي القرن الثامن عشر، أقامَ آل سعود تحالفاً مع الإمام محمد بن عبد الوهَّاب، الذي طالب بالعودة إلى ما رأى أنَّه الإيمان الخالص الذي مارسه النبيّ محمَّد (عليه السلام) وصحبه. وتلك النزعة المتعصِّبة من الإسلام السنيّ، التي يُطلَق عليها الوهابيَّة من جانب النقَّاد، أصبحت المذهب المهيمن في المملكة العربيَّة السعوديَّة، ملهمة أجيالاً من الجهاديين في الداخل والخارج.

تقول علياء العازميّ (24 عاماً) وتعمل في مختبر في الرياض إنَّها تأمل قريباً بالتخلُّص من النقاب

وقد ساعدت الشراكة بين أحفاد عبد الوهَّاب والعائلة المالكة في خلق الدولة السعوديَّة الحديثة في عام 1932. ومنذ ذلك الحين، حكم النظام الملكيّ بدعمٍ من المؤسَّسة الدينيَّة، التي تسيطر على جهاز العدالة، على أساس الشريعة الإسلاميَّة. وقد ساعدَ رجال الدِّين الوهَّابيين في إضفاء الشرعيَّة على حكم آل سعود، جاعلين طاعة الحاكم التزاماً دينيّاً.

وعلى مدى عقود، كان يجب أن تتوازن الرغبة في تغيير الديناميكيَّات الاجتماعية في المملكة العربيَّة السعوديَّة مع التقاليد القبليَّة والاعتبارات الدينيَّة. وهو ما جعل المملكة لفترة طويلة من أكثر الأماكن ذات النزعة المحافظة على وجه الأرض. ومع ذلك، تمكَّن الحكام السعوديون من إدخال اختراعات مثل التلفزيون، وفتحوا مدارس للبنات بالرغم من اعتراضات المحافظين الدينيِّين.

بعد عام 1979، حظي المحافظون الدينيِّون باليد الطولى عندما اعترضَ حدثان دور المملكة العربيَّة السعوديَّة باعتبارها مهد الإسلام: الثورة الإسلامية في إيران، والحصار الذي دام أسابيع للمسجد الحرام في مكة المكرمة، أقدس موقع عند المسلمين، وذلك على يد متطرِّفين مسلَّحين.

لقد اتَّخذ القادة السعوديون خطوات لاسترضاء المجموعة الهامشيَّة ذات النزعة المحافظة المُغاليَّة، التي اعتبروها أكبر تهديد لحكمهم.

وبفعل ذلك، أطلق النظام الملكيّ العنان لرجال الدِّين في المملكة لفرض قانون أخلاقيّ صارم على الجمهور، وإعادة تشكيل نظام التعليم، وتصدير رؤاهم المتعصِّبة إلى الخارج. وكان معنى الثروة النفطيَّة المكتشفة حديثاً في البلاد أنَّ الحكومة قادرة على إعطاء الأولويَّة للدِّين على حساب الإنتاجيَّة.

الإسلاميون الراديكاليون سرّبوا تعاليم علماء الوهابيَّة إلى المناهج المدرسيَّة ووجَّهت الكتب المدرسيَّة الطلاب نحو كراهية المسيحيين والشيعة

وموَّلت الحكومة قضايا دينيَّة في الداخل والخارج، ولم تكن في حاجة ماسَّة إلى مستثمرين أجانب، الذين تراجعوا بدورهم بفعل قواعد صارمة مثل الحظر المفروض على الاختلاط بين الرجال والنساء في أماكن العمل. كما استطاعت الحكومة أن تُهمل صناعات مثل السياحة والترفيه، التي يُعارِضها المتشدِّدون الدينيِّون.

وقد تمَّ الشعور بالتحوُّل الحاد للمملكة العربيَّة السعوديَّة في جميع أنحاء البلاد، وربَّما ليس هناك مكان تظهرُ فيه دراماتيكيَّة هذا الأمر أكثر منطقة عسير، التي كانت تُعدُّ تاريخياً واحدة من المجتمعات الأكثر انفتاحاً في المملكة. وباعتبارها منطقة جبليَّة في الجنوب الغربيّ، فإنَّ عسير أكثر خصوبة من معظم مناطق البلاد. وبقدر ما تُسعف الذاكرة سكانها، كان الرجال والنساء يعملون في حقول القمح جنباً إلى جنب، وغالباً ما قاموا بذلك وهم يدندنون الأغاني. وقد أدَّى مزيج الحماسة الدينيّة وفيضان الأموال النفطيَّة إلى وضع نهاية لذلك بحلول أوائل الثمانينيات.

يذكر محمد طرشي، 89 عاماً، الذي يعيش في قرية رجال ألمع في منطقة عسير أنَّه "كانت للمرأة حيوات أكثر نشاطاً في الماضي. وكان يمكننا العمل جنباً إلى جنب في الحقول. حيث بإمكاني الغناء، وبإمكانهن الغناء". ويضيف: "ثمَّ جاء هؤلاء المتديِّنون".

إنَّ الاختلاط بين الرجال والنساء غير ذوي الصلة، ناهيك عن الغناء والرقص، لم يعد مقبولاً. وكذلك، أغلِقَت دور السينما وتوقفت الموسيقى.

وفي الأماكن العامَّة، اضطرَّت النساء إلى ارتداء النقاب، الذي كان غير موجود تقريباً في بعض أنحاء البلاد مثل منطقة عسير. والشرطة الدينيَّة، المعروفة رسمياً باسم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مُنِحَت مهمَّة إنفاذ النظام الجديد.

وقام الإسلاميون الراديكاليون بتسريب تعاليم علماء الوهابيَّة إلى المناهج المدرسيَّة. ووجَّهت الكتب المدرسيَّة الطلاب نحو كراهية المسيحيين واليهود والتشنيع على المسلمين الشيعة. وقد جاءت بعض الرؤى الأكثر تطرفاً غالباً من المعلِّمين، الذين قاموا بتجنيد الطلَّاب في بعض الأحيان من أجل إلى قضايا متطرِّفة.

كذلك، ساعدت الجمعيَّات الخيريَّة السعوديَّة المرتبطة بالحكومة في نشر هذا التفسير للإسلام خارج حدود المملكة، ممَّا ألهم أجيالاً من الجهاديين.

وبهذا، صارَت عسير أرضاً خصبة للتطرُّف. فمن بين 17 مواطناً سعودياً شاركوا في هجمات القاعدة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، كان خمسة منهم من عسير، وهذا أكثر من أي منطقة أخرى.

كان أحدهم جاراً للسيِّدة النعيميّ. وبالنسبة إلى شخص يكبر في أبها في التسعينيَّات، لم يكن اللهو سهلاً. لكن السيِّدة النعيميّ وجدت طرقاً إلى ذلك. على الرغم من أنّ الموسيقى اعتُبرت على نطاق واسع شيئاً محرَّماً، فإنَّها جمعت أشرطة صوتيَّة جرى توزيعها من قِبل محافظين دينيِّين لتعميم الخُطَب وقامت بمسحها وسجَّلت الموسيقى عليها. وكانت تقضي ساعات في غرفة نومها مع جهاز الووكمان ماركة سوني خاصتها ترقصُ على أغاني نُظراء مايكل جاكسون ونجم البانك روك الجزائريّ رشيد طه.

"طوجي" و"نيللي": أيقونات الجيل الجديد من الشباب السعوديّ

في وقت سابق من هذا الشهر، حضرت حفلة هبة طوجي، أوَّل فعالية تقوم بها مغنية في العاصمة السعوديَّة في العقود الأخيرة. وفي مشهد لم يسبق له مثيل من قبل في المملكة، قام أعضاء من الجمهور من مقاعدهم ورقصوا وصاحوا وصرخوا فرحين.

وتقول السيِّدة النعيميّ، التي يشتمل عملها على التصوير الفوتوغرافيّ والأعمال الفنيَّة المعاصرة التي تركِّز على الطرق التي يقضي بها السعوديون أوقتاً ممتعة بالرغم من القيود: "كان يقال لي إنَّ الناس الذين يستمعون إلى الموسيقى سوف يعاقبون [في الآخرة] بصب الآنك في آذانهم". وتضيف: "أنا سعيدة جداً لأنَّني تمكَّنت من رؤية أوَّل حفلة - إنَّها مثل منحوتة فنيّة معاصرة".

كما قدَّم مغني الراب الأميركي نيللي - المعروف بأغاني مثل Hot in Herre - حفلاً الشهر الماضي في جدَّة. وفي تذكير بأنَّ بعض القيود لا تزال سارية، كان الحفل الأوَّل، لطوجي، مفتوحاً أمام النساء فقط، والحفل الثاني، لنيللي، للرجال فقط.

عندما تولَّى الملك سلمان العرش في أوائل عام 2015، كان عددٌ قليل يتوقَّع أن يكون هو الشخص الذي يقوم بالإشراف على تغيير اجتماعيّ سريع. لقد رَعَى، وهو المعروف بورعه، علاقات وثيقة مع المؤسَّسة الدينيَّة عندما كان حاكماً للرياض، وهو المنصب الذي شغله لعقود. وفي الواقع، يقول العديد من المحلِّلين إنَّ هذا أعطاه وابنه، وليّ العهد الأمير محمَّد، نفوذاً أكبر لإجراء تغييرات مقارنة بسلفه الملك عبد الله الذي اعتُبِر ليبرالياً وَفْقَ المعايير السعوديَّة.

وفي عصر تراجع أسعار النفط الخام، أصبح تخفيف القواعد الاجتماعية في المملكة ضرورة اقتصاديَّة وسياسيَّة للأمير محمَّد، الذي يُعدُّ القوَّة الدافعة وراء خطة طموحة لإنهاء اعتماد المملكة على النفط. وتحاول المملكة العربيَّة السعوديَّة، التي يقلُّ عمر غالبية سكانها عن 30 عاماً وتصل نسبة العاطلين عن العمل بها إلى 12.8 في المئة، أن تصبح أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب ولشباب البلد نفسه. كما تريد جلب المزيد من النساء إلى قوَّة العمل. ويعرِّض الفشل الجيل القادم في البلاد للخطر، حيث يمكن أن يضيع إمَّا في فرصٍ خارج البلاد أو على يد الجماعات السريَّة المتطرِّفة في الداخل.

التركيز على التعليم

إنَّ المحافظين الدينيِّين أقل قوَّة بكثير مما كانوا عليه قبل عقد من الزمان. وبفضل الفضائيات والإنترنت، تعرَّض السعوديون لطرق مختلفة من التفكير. كما عاد أكثر من مائة ألف رجل وامرأة سعوديين إلى المملكة على مدى العقد الماضي بعد أن درسوا في الجامعات الغربيَّة بمنح مموَّلة من الحكومة.

وفي العام الماضي، بدأت الحكومة أيضاً بإرسال معلِّمين إلى الخارج للتعرُّف كيفية عمل المدارس الغربيَّة، وهي خطوة تهدف جزئياً إلى معالجة التطرُّف بين المعلِّمين.

وقال وزير التعليم السعوديّ أحمد العيسى: "إنَّنا نسير في اتجاه جديد للتعليم، واتجاه جديد للبلاد". وأضاف أنَّه سوف يتم نشر كتب مدرسيَّة جديدة، ومنقَّحة، في العام الدراسيّ القادم.

وفي عام 2016، جرَّدت الحكومة السعوديَّة الشرطة الدينيَّة من سلطة الاعتقال، وكانت تلك هي النتيجة الأكثر منطقيَّة لتآكل التحالف بين النظام الملكيّ والمؤسَّسة الدينيَّة.

ورابطة العالم الإسلاميّ - وهي الهيئة التي كانت في السابق الأداة الرئيسة التي تنتشر السعودية من خلالها الفكر الوهَّابيّ فيما وراء حدودها - يقودها الآن رجل دين معتدل، يقول إنَّ تعزيز التفاهم بين الأديان يمثِّل أولويَّة.

ويقول الشيخ محمد العيسى، وزير العدل السابق، الذي يشجِّع بشكل روتينيّ، وفي لفتة تسامح، النساء غير المسلمات اللواتي يلتقي بهن على إزالة الحجاب: "في عام 1979، اختُطِفَ ديننا. والآن نحن نقضي على جذور التطرُّف".

وخلال زيارته إلى أوروبا في وقت سابق من هذا العام، أصبح أوَّل رئيس لرابطة العالم الإسلاميّ يجتمع مع البابا ويزور كنيساً يهودياً.

تقويض نفوذ الإسلاميين وتجديد الخطاب الديني

في أيلول (سبتمبر)، ألقت السلطات القبض على عشرات من رجال الدِّين كجزء من حملة واسعة ضدَّ المعارضة. ومن بين هؤلاء أعضاء سابقون في ما يسمَّى الصحوة الإسلامية، وهي حركة إسلاموية اكتسبت نفوذاً آنذاك وارتبطت بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكانت تتحدَّى في الماضي سلطة النظام الملكيّ. وقد تبنَّى معظم أعضائها فيما بعد رؤى أكثر اعتدالاً بشكل علنيّ.

كما تمَّ استهداف الأمراء أيضاً. ففي الشهر الماضي، اعتقلَت السلطات الأمير البارز خالد بن طلال، لمعارضته إصلاحات حكوميَّة مثل قرار كبح سلطة الشرطة الدينيَّة، بحسب أشخاص مطَّلعين على الأمر.

وقد ذكر أحد هؤلاء أنَّه "كان يشكو من الإصلاحات. واعتقدَ أنَّ ذلك سوف يعطيه مصداقية [سياسية]". ويجري التحفُّظ على الأمير، الذي يمتلك نفوذاً سياسيَّاً محدوداً، في سجن الحاير شديد الحراسة.

ومنذ حملة تقويض مراكز القوى هذه، أيَّد العديد من رجال الدِّين علناً الإصلاحات الاجتماعية، في حين التزم آخرون الصمت. وقال الشيخ محمد الحديثي (87 عاماً)، الذي كان حتَّى تقاعده رئيساً لمحاكم منطقة عسير: "إنَّها قرارات حكومية وجانب من ديننا يقضي بقبول ذلك".

كما تقوم الحكومة بإنشاء مركز جديد للتدقيق في شروحات تعاليم النبيّ محمَّد، أو الأحاديث، في محاولة لمنع استخدام التعاليم لتبرير العنف.

وقال الشيخ محمَّد بن حسن الشيخ، رئيس الكيان الجديد وعضو هيئة كبار العلماء، أعلى هيئة دينيَّة في المملكة: "سوف ينقِّح الكيانُ الإسلامَ من أي بدع ويُخلي الأحاديث من مدسوسات الكاذبين المتعمَّدة ويقدِّم الإسلام في صورة أفضل".

النساء والإصلاحات

في المدن الكبرى مثل الرياض، يختار عدد أكبر من النساء السعوديات عباءات ملوَّنة، بدلًا من تلك السوداء تماماً التي عادة ما ترتديها النساء. كما يسمح العديد منهن للحجاب بالانزلاق من رؤوسهن إلى أكتافهن. وفي مدينة جدَّة الأكثر ليبرالية، تقوم مجموعات الركض النسائية بالجري بمُحاذاة الواجهة البحرية، مرتديات سراويل ضيقة تحت ستر قصيرة.

وتقول علياء العازميّ، وهي فنيَّة تعمل في مختبر في الرياض وتبلغ من العمر 24 عاماً، إنَّها تأمل في أن تتمكن قريباً من التخلُّص من النقاب الذي ترتديه دائماً. وبينما تُقلِّب في هاتفها الجوال، حيث ثمَّة صور لها دون حجاب كانت أخذتها خلال رحلة خارج البلاد، تقول: "في المستقبل، سوف نبدو أكثر مثل دبي. لكن هنا، يجب أن أرتدي النقاب. ولا أريد أن يراني أي من زملائي".

بعد 30 عاماً من انتشار النزعة الدينيَّة المحافظة، لا تزال هناك جيوب عميقة مقاوِمة للتغيير. وفي منطقة عسير، تظهر كل امرأة سعودية تقريباً في الأماكن العامَّة في نقاب أسوء وعباءة سوداء. وفي أبها، عاصمة المنطقة، قال صبيّ في سن المراهقة إنَّ ما كان يهمه هو الوظائف، وليس دور سينما، حتَّى لو كانت ستعرض أفلاماً تتوافق مع الشريعة الإسلاميَّة.

حتَّى في جيب محافظ مثل أبها، يرى الكثيرون أنَّ التغيير الاجتماعي ضرورة اقتصادية

وقال رجل يبلغ من العمر 55 عاماً من أبها، رفض ذكر اسمه، بينما يتنزَّه مع أقرانه من الرجال، إنَّ "أي شيء يقضي تغييره المساس بالدِّين، لا أريد أن أراه يتغيَّر. والاختلاط بين الرجال والنساء، على سبيل المثال، غير مقبول". وأضاف: "إنَّ تحرير المجتمع أمر خطير. لا أحد راضٍ عن ذلك، ولكن الناس خائفون جداً من الحديث عن الأمر".

ولكن حتَّى في جيب محافظ مثل أبها، يرى الكثيرون أنَّ التغيير الاجتماعي ضرورة اقتصادية.

بالنسبة إلى أم جابر، التي تبيع سِلال محبوكة وأعشاباً مجفَّفة في كشك تديره في سوق أبها الشعبيّ، فإنَّ الحصول على رخصة قيادة يتعلَّق أكثر بتلبية احتياجاتها: فهي تنفق حالياً حوالي 400 دولار شهرياً على سائق، وهذا هو أكبر نفقاتها بعد الإيجار.

وتقول المرأة التي تبلغ من العمر 58 عاماً، والتي تُخطط للقيادة بنفسها في أقرب وقت ممكن: "إنَّني فقط أجني من المال ما يكفي لتغطية التكاليف".

وبعيداً عن المدينة، وفي قريتها في جنوب عسير، تقود السيارة بانتظام للمساعدة في أعمال منزلية مثل حمل المياه والخشب الجاف والماشية.

وبالنسبة إلى آخرين، لا يمضي التغيير بسرعة كافية. يقول سعيد البشري، وهو مدرِّس فنون عمره 50 عاماً: "لم أر أي تغيير حقيقي في أبها. فالحفلات الموسيقيَّة تحدث في جدَّة والرياض وليس في أبها".

وقال إنَّه خلال العقد الماضي خُفِّف تدريجياً الحظر على رسم الكائنات الحيَّة. ومع ذلك، وفي وقت سابق من هذا الشهر، طلب السيِّد سعيد من طلابه البالغين من العمر 10 أعوام رسم الإبل. فرفض أحدهم. و"رسم منظراً طبيعياً بدلاً من ذلك".

مارغريتا ستانكاتي- "وول ستريت جورنال"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



اغتيال سليماني.. انتشاء "داعشي" وتخوّفات إقليمية

2020-01-19

ترجمة: علي نوار


يعدّ اغتيال الجنرال القوي قاسم سليماني على يد واشنطن قفزة نوعية في السجال القائم بين الولايات المتحدة وإيران منذ 1979. الذي شهد ليس فقط سقوط أحد أهم الحلفاء الإقليميين لواشنطن في المنطقة (نظام الشاه رضا بهلوي)، بل وأيضاً إيجاد تحدّ للوضع الراهن عن طريق نوايا نقل نموذج الثورة الإسلامية والحصول على اعتراف كقوة قي المنطقة. خاصة مع نجاح إيران في اكتساب ثقل دولي ومقاومة العقوبات الآخذة في التزايد واستمرار النظام الحاكم في طهران، فضلًا عن تطوير برنامج نووي مثير للجدل وخلق شبكة من الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وبالطبع نظام الرئيس السوري بشار الأسد وعدد من الفصائل المسلحة في فلسطين وسوريا والعراق. كل ذلك يربك ويعقّد حسابات أي عدو محتمل لإيران.

اقرأ أيضاً: لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

وقد دفعت حالات الفشل المتكررة لواشنطن في المنطقة وتصاعد الشعور بأنّ إيران ليست لقمة سائغة عسكرياً، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاعتماد استراتيجية يطلق عليها "الضغط الأقصى" التي تتضمّن عقوبات اقتصادية قاسية والخروج من الاتفاق النووي المُبرم في حزيران (يونيو) 2015، ودعم الأقلّيات العربية والبلوشية داخل إيران، والضغط على شركاء آخرين وعملاء لإيران من أجل غلق الباب في وجه الجمهورية الإسلامية، وكذلك الهجمات السيبرانية وأعمال العنف.

من جانبها، ردّت إيران بالعنف أيضاً سواء عن طريق وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني وهي "فيلق القدس" التي كان يرأسها سليماني، أو الميليشيات العديدة الموالية لها والمنتشرة بطول المنطقة وعرضها مع الحرص في الوقت ذاته على عدم استجلاب ردّ فعل كبير نظراً لضآلة إمكاناتها مقارنة بالآلة العسكرية الأمريكية. واستفادت طهران من كونها الحلقة الأضعف كي تحافظ على علاقات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، وهو نفس الأمر الذي استغلّته إسرائيل على النحو الأمثل بتوجيه ضربات جوية ضد المصالح الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق، دون أن تتمكّن إيران من الردّ عليها.

يتخوّف كثيرون من احتمالية أن يسفر تجدّد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في منح قبلة الحياة للتنظيم الإرهابي

ولعلّ تصاعد وتيرة الكرّ والفرّ على مدار الأسابيع الماضية يعكس رغبة واضحة نحو الثأر، الذي من شأنه أن يؤدّي لأخطاء كارثية مثل مصرع 176 شخصاً كانوا على متن طائرة مدنية، وتغافل كل طرف عن أنّ هذا المسار لن يفضي نحو أي وجهة أو تحقيق أي أهداف. يصعب في مثل هذه الظروف معرفة من الذي بادر بإلقاء الحجر الأول، لا سيما في ظل مشهد يتحرّك بوتيرة مفرطة في السرعة يتبادل فيها الجانبان التراشق بالنيران. لكن العامل المنطقي هنا هو أنّ أياً من الجانبين يريد حقاً الدخول في مواجهة مباشرة، حتى ولو كان إخراج سليماني من اللعبة والانتقام الإيراني الناتج عنه سيسفر عن خسائر تفوق المكاسب بكثير.

الأمر الحتمي أيضاً أنّ الوقت سيكشف جميع العواقب السلبية لقرار ترامب باغتيال شخص يعتبره الكثيرون قاتلاً ويراه آخرون بطلاً قومياً وشهيداً، إلّا أنّه بوسعنا في الوقت الحالي استشفاف نتيجتين. الأولى أنّه ينبغي التمسك باتفاق 2015 النووي حتى لو كانت إيران لا تجد أي محفّز أو دافع خصوصاً مع غياب إرادة وانسحاب الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، بيد أنّها ستحاول مجدّداً جمع موارد وحشد قدرات كي تحصل على موقع أفضل يفيدها في مرحلة تفاوض محتملة. وفي ظل مثل هذه الظروف ستسعى بالطبع قوى إقليمية أخرى لزيادة جهودها كي لا تخرج من الساحة، الأمر الذي يرفع بدوره خطر ازدياد حدّة سباق التسلّح في منطقة ذات وضع معقّد ومتوتّر بالفعل.

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

على الجانب الآخر، فإنّ موقف القوات الأمريكية في العراق- الذي يعتبر ترامب أنّها نقطة انطلاق لمهاجمة إيران- سيكون أصعب. فقد أصدر البرلمان العراقي في الخامس من كانون الثاني (يناير) الجاري قراراً بخروج هذه القوات، ورغم أنّ القرار لم يُنفّذ بالكامل، لكن التهديد بلغ مستوى أكبر بالنسبة لخمسة آلاف عسكري أمريكي ينتشرون على الأراضي العراقية. كما أنّ رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الذي يتعرّض للتجاهل من قبل ترامب، يمرّ بوقت عصيب هو الآخر بسبب الاحتجاجات العنيفة والضغط من قبل المواطنين في الشوارع بسبب تدخّل واشنطن، وزاد الطين بلة اعتراض قيادات مثل؛ مقتدى الصدر وهادي العامري اللذين يرأسان كتلًا برلمانية مؤثّرة.

بعبارة أخرى، هناك مخاوف من حرية أكبر لتنظيم "داعش" في التحرّك ومزيد من المشكلات بالنسبة للحكومة المركزية في العراق وقدر أقلّ من الأمان للقوات الأمريكية وحلفائها، وفوق كل ذلك هامش مناورة أرحب لإيران في محاولتها لمواصلة ممارسة تأثيرها على كل ما يجرى داخل العراق المجاور.

استقبل قادة تنظيم داعش نبأ اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني بالكثير من الحفاوة، فيما مثّل تنفيذ الولايات المتحدة لهذه الضربة القاتلة مفاجأة مزدوجة، وفقاً لخبراء. ففي رد فعله، أشار "داعش" إلى مقتل سليماني بوصفه "تدخّلاً إلهياً" يصب في مصلحة الجهاديين، خاصة وأنّ الحكومتين الأمريكية والإيرانية شنّتا لأعوام حرباً بلا هوادة لطرد التنظيم المتطرّف من سوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

كان سليماني أحد ألدّ أعداء كل من إدارة ترامب والتنظيم الإرهابي، فقد نجح الرجل في بناء تحالف من الجماعات الموالية لإيران والتي لعبت دوراً رئيساً في إضعاف "داعش" بجميع أرجاء الشرق الأوسط، لذا وبعد مقتل سليماني يتخوّف الكثيرون من احتمالية أن يسفر تجدّد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في منح قبلة الحياة للتنظيم الإرهابي.

وإزاء هذا القلق، يطفو على السطح تساؤل مهم: هل تنظيم داعش هو الرابح الأكبر من تصاعد حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة؟

نزاع مُرحّب به من الجهاديين

بغضّ النظر عن البيان الذي يعبّر عن الاحتفاء بمقتل سليماني، تلفت المقالات والمواد الإعلامية السابقة لتنظيم "داعش" الانتباه إلى أنّ الأخير يسعى للاستفادة بأي شكل من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ويؤكّد خبراء أنّ مؤيدين للتنظيم عبر الإنترنت أشادوا بالهجمات التي شنّتها إيران على قواعد جوية تستضيف قوات أمريكية.

وبالفعل، كشف قطاع من "الجهاديين عبر الإنترنت" أنّهم ينتظرون دخول العدوّين في نزاع عسكري يضعفهما معاً، وهو ما يتّضح من عبارات مثل "صراع المستبدّين الاثنين" والذي من شأنه أن "يفتح الباب أمام استعادة السيطرة" من جديد وهو الهدف الذي يعمل عليه "داعش" حالياً عبر الاستفادة من وضع الإلهاء الذي يبعد الأنظار عنه.

الرابح الأكبر
يعتبر ماثيو هينمان رئيس "مركز جين للإرهاب والتطرّف" أنّ تنظيم داعش هو "الرابح الأكبر" من هذه المواجهة "فأي وضع يسمح للتنظيم بالحصول على وقت ومساحة لإعادة تجميع ذاته واسترداد عافيته يقابل بكل ترحيب من جانبه"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

كشفت دراسة أعدّها الكونغرس الأمريكي عن وجود آلاف المقاتلين تحت إمرة داعش يعملون على لمّ شتات التنظيم

وأوضح الخبير في شؤون الإرهاب أنّه في حالة اشتداد حدّة الصراع، فسيتراجع اهتمام الطرفين المتناحرين به بل وقد تتوقّف تماماً المجهودات المبذولة للقضاء على "داعش"، مذكّراً في نفس الوقت بتوقّف عمليات التحالف ضد التنظيم الإرهابي في شمال سوريا على خلفية التدخّل العسكري التركي في المنطقة عينها العام الماضي.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أمر في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بتنفيذ حملة عسكرية داخل الأراضي السورية بغرض إنشاء "منطقة آمنة" خالية من الجماعات الكردية المسلّحة، إلّا أنّ هذه العملية أثّرت سلباً على العمليات المضادة لتنظيم  داعش لعدّة أسابيع، وهو الموقف الذي استغلّه الإرهابيون كي يعيدوا تنظيم أنفسهم.

فرصة سانحة لـ"داعش"؟

ويعود هينمان للتحذير من أنّ التنظيم بدأ بالفعل في عملية استجماع قواه وأنّ توقّف العمليات ضدّه سيمنحه "فرصة لتجنيد أفراد والتخطيط واستعادة وجوده محلّياً" وكذلك حشد الدعم الشعبي "عن طريق الإيذاء والتخويف"، ويتّفق معه عبد الرحيم سعيد من فريق "بي بي سي" المختصّ بالملفّ الجهادي موضّحاً أنّ غياب القانون والنظام في أي دولة "سواء نيجيريا أو العراق أو سوريا" تستفيد منه جماعات متطرّفة، لذا فإنّ حرب محتملة ستثلج صدر "داعش".

وأضاف سعيد "إنّ هذا الوضع يجعل الإرهابيين هم الفائز الأكبر. فالولايات المتحدة وإيران كلاهما عدو لتنظيم داعش. وإذا تناحرا فيما بينهما، ستنشغل قواتهما المسلحة للغاية عن الحرب ضد الإرهاب".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

ورغم إعلان السلطات العسكرية تحقيق النصر عسكرياً على "داعش" في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2017، لكن الحقيقة أنّها لا تزال تقاتل ضد فلول التنظيم الذي بات هشاً للغاية خاصة بعد خسارته لمساحات كبيرة من الأراضي التي كان يسيطر عليها، إلّا أنّه لا يزال حاضراً عن طريق مناوشات مع القوات المسلحة العراقية متبعاً أساليب حرب العصابات.

ويبرز سعيد "ذهبت خلافة التنظيم أدراج الرياح. خسر الأراضي التي كانت في قبضته سواء بالعراق أو سوريا. لكنه لا يزال نشطاً في البلدين باستراتيجية الإنهاك والاستنزاف حيث يهاجم ويلوذ بالفرار"، وبالفعل كشفت دراسة أعدّها الكونغرس الأمريكي في نيسان (أبريل) 2019 عن وجود آلاف المقاتلين تحت إمرة التنظيم يشنّون هجمات ويعملون على لمّ شتات "داعش".

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟
وبعد خسارته الموصل في العراق والأراضي المحيطة بوادي نهر الفرات في سوريا، والتي اعتبرها البعض نهاية "داعش"، فقد يستفيد التنظيم الإرهابي من تصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط كي يعيد إقامة "خلافته" المزعومة.

لقد أخطأ ترامب باتخاذ هذا المسار ووجّه ضربة للمصالح الأمريكية ذاتها ومصالح حلفائه الغربيين والإقليميين، فقط لأهداف انتخابية بحتة. والحقيقة أنّ هذا القرار لا يضمن له أي فوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة المُقرّر إجراؤها في الولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

أما في الداخل الإيراني، فإنّ هذا الوضع يصب في صالح القطاعات الأكثر راديكالية في نظام طهران خلال الانتخابات البرلمانية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل. كما أنّ طهران لم تفقد قدرتها على التحرّك بعد اغتيال سليماني، بل على العكس تحظى بخبرة طويلة في البقاء والنجاة في أحلك الظروف ولا تبدو مستعدّة للعودة إلى مائدة تفاوض في المستقبل القريب. رغم أنّ الجميع واثق من حتمية العودة لهذه المائدة في وقت ما.

والواقع أنّ واشنطن تسعى لاستعادة السيطرة على منطقة بدأت في الإفلات من نطاق هيمنتها خلال الأعوام الـ20 الأخيرة. والحقيقة أنّ الأزمة الراهنة والتصعيد العسكري الخطير هما نتاج لتعقيدات عديدة ومتشابكة في الشرق الأوسط يقابلها تزايد عجز الولايات المتحدة عن إدارة هذه الملفّات في ظل مشهد يعجّ بالاضطرابات الهوياتية والاجتماعية والسياسية.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

وقد بدأت الولايات المتحدة عملية طويلة لمغادرة المنطقة، لكن نظراً للتأثير الذي لطالما أحدثته والوجود والتحالفات التي لا تزال تحتفظ بها والقوة العسكرية التي تملكها، فإنّ هذا الانسحاب يتسبّب في حالة من الدمار والفوضى. فضلًا عن أنّه يتزامن مع تطلّعات بعض القوى الإقليمية والخارجية مثل إيران والسعودية وتركيا وروسيا والصين، علاوة على التواجد الأوروبي. ومن جانبها، تبلور إسرائيل سياستها الخارجية والدفاعية لحسابها الخاص وتتلاقى أحياناً مع الولايات المتحدة، رغم أنّها تنشئ تحالفات غير تقليدية مع موسكو وأنقرة.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

ويقول المؤرّخ فيكتور بالمر توماس إنّ الخروج من المنطقة بالنسبة لواشنطن يعني التخلّي إزاء الأحداث الجارية عن دور الهيمنة وقدرتها على التأثير في الأحداث. بعبارة أخرى، إبقاء الجسور قائمة والتأثير في بعض الأحيان، لكن دون هيمنة بالضرورة.

تعبّر القرارات التي اتخذها ترامب مؤخراً عن سبعة عقود من العلاقة المعقّدة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، لا سيما بين واشنطن وطهران. كما أنّها تعدّ إحياء لمنهج التدخل العسكري الذي كان يتبعه الرئيس السابق جورج دبليو بوش والضربات الجراحية ضد قيادات التنظيمات المسلّحة التي اعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما للحيلولة دون دخول القوات الأمريكية في مواجهات مباشرة. وكانت هاتان الصورتان من استخدام القوة على اختلافهما تستهدفان تعويض تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة.

علاقة مضطربة

منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أقامت واشنطن هيمنتها على أساس إرث التأثير الكولونيالي لبريطاني وفرنسا، وعلاقاتها مع أنظمة محلية لشراء النفط وبيع الأسلحة إليها، وبالطبع السيطرة على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

وتعزّز هذا النفوذ في إطار الحرب الباردة حين اعتبرت الولايات المتحدة أنّ صعود الحكومات القومية وحركات التحرّر الوطني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، جزءاً من الحرب الفكرية مع الاتحاد السوفييتي البائد.

وفي حالة إيران، تآمرت واشنطن مع بريطانيا لإسقاط الحكومة القومية عام 1953 وتحالفت مع نظام الشاه رضا بهلوي الشمولي الموالي للغرب. لكن جاءت الاحتجاجات عام 1979 ضد حكم الشاه بقيادة الإسلاميين ثم أعقبها اقتحام السفارة الأمريكية واحتلالها طيلة 444 يوماً. كانت هذه الأحداث نقطة تحوّل فارقة في العلاقات بين واشنطن وطهران.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

مثّل صعود الإسلام السياسي مع بداية حقبة التسعينيات تحدياً بالنسبة للوجود الأمريكي بالمنطقة. ورغم نجاح واشنطن في إخراج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان عام 1989 وطرد العراق من الكويت عام 1991 ودفع عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن الأحداث الإقليمية بدأت في تقويض نفوذ الولايات المتحدة. وبالفعل نتج عن اشتداد ساعد الشبكات الإسلامية الأصولية ضربات ضد أهداف أمريكية في تنزانيا والسعودية وميناء عدن. وأخيراً كشفت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضد مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأمريكية مدى هشاشة الولايات المتحدة.

ديمقراطية قسرية

أثبتت التدخلات العسكرية في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 والحرب ضد الإرهاب لمواجهة تنظيم القاعدة فشلها في احتواء الإسلام الأصولي. بل وعلى العكس أصبح الأخير أكثر تعقيداً وتنوعاً من حيث التيارات السنية والشيعية، ما تُرجم إلى ظهور عشرات الحركات المسلحة في حربي سوريا والعراق وصولًا إلى ميلاد تنظيم داعش.

هزيمة داعش وانتهاء حلم خلافته لم يمنع وجود آلاف من عناصره من العمل داخل سوريا والعراق

ويوضّح مايكل هدسون من جامعة جورجتاون الأمريكية أنّ غياب الاستقرار الاجتماعي الاقتصادي والسياسي إضافة إلى الأصولية جعلا الولايات المتحدة تدرك مع بداية القرن الـ21 "رغم وجودها العسكري في المنطقة أنّها غير قادرة على ممارسة دور سياسي ودبلوماسي يضمن فرض السلام الأمريكي في منطقة متوترة مثل الشرق الأوسط".

لقد كانت سياسات التدخل العسكري لإدارة جورج دبليو بوش مصدرها مجموعة من المُنظّرين المحافظين الجدد الذين كانوا يرفضون احترام الولايات المتحدة للقانون الدولية ومبدأ التعدّدية وكانوا يرون أنّ الطريقة المثلى لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط هي تغيير الأنظمة التي ترعاه في دول ذات مؤسسات ضعيفة وفاسدة وإحلال الديمقراطية الليبرالية. لكن دفع الديمقراطية عن طريق القوة باء بالفشل لأسباب مختلفة على رأسها استخدام أساليب تفتقر للديمقراطية مثل التعذيب وانتهاء القانون الدولي وكذلك الجهل بمجريات الأوضاع الإقليمية.

وبالفعل كانت نتيجة التدخل في أفغانستان هي استفادة حركة طالبان التي تسيطر اليوم على الجزء الأكبر من أراضي البلاد. وتكرّر نفس الأمر في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين السني الذي سمح بصعود التيار الشيعي الذي يرتبط بصلة وثيقة بإيران. ونتيجة لتصاعد الشقاق بين الهويتين، علاوة على الضغط الكردي من أجل الاستقلال، يعاني العراق أزمة حادة.

تغيير النظام مرة أخرى

غيّر وصول ترامب إلى البيت الأبيض العلاقات مع طهران بشكل جذري. فقد قرّر البيت الأبيض في 2018 الخروج من الاتفاق النووي حول البرنامج النووي الإيراني، الذي كان أوباما قد وقّع عليه في 2015، ليضع الجمهورية الإسلامية وحلفاءه الأوروبيين في موقف عصيب. وفرض ترامب عقوبات على إيران وهدد بإجراءات ضد باقي دول العالم التي تبتاع النفط ومنتجات أخرى من إيران.

وبهذه السياسة، طال ترامب البيت الأبيض بإعادة التفاوض على الاتفاق بحيث يشمل النفوذ الإيراني في المنطقة الذي يتضمّن عمليات سرية تقريباً في سوريا واليمن ولبنان وغزة.

اقرأ أيضاً: مقتل قاسم سليماني: ماذا يعني للعراق؟

بالتالي يأخذ الرئيس الأمريكي جانب المعسكر الأكثر ميلًا للتدخّل في إدارته وعلى رأسه وزير خارجيته مايك بومبيو، وكذلك اللوبي الإسرائيلي وجميع المحافظين سواء القدامى أو الجدد الذين يشغلون مناصب في حكومته ويشجّعون ترامب على اتخاذ إجراءات تتسم بعدم التعدّدية وتأييد إسرائيل وشن الهجمات لتغيير النظام الإيراني.

مستقبل المنطقة

من المؤكّد أنّ اغتيال سليماني لن يغيّر سياسة إيران بحماية مصالحها في المنطقة عن طريق الجماعات المسلحة والحلفاء السياسيين. بل على العكس ربما يكون ذلك الوسيلة المثلى للانتقام لأنّه يعني تحقيق ثلاثة أهداف: محاربة الوجود الأمريكي، محاربة الأنظمة السنية، والاستئناف العملي والرمزي لدور قائد "فيلق القدس" الراحل.

اقرأ أيضاً: مصير مليشيات إيران بعد مقتل سليماني

وسينتج عن إعلان إيران عدم احترامها للالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي اتجاه السعودية والإمارات لتطوير برامج نووية، وهو الهدف الذي سعتا له منذ بدء أوباما المفاوضات مع طهران. وفي خلال عقد، يتوقّع أن تمتلك دولة عربية أو اثنان وإيران- إضافة إلى إسرائيل- أسلحة نووية، ما يجعل الشرق الأوسط المكان الأخطر في العالم.

لكن الطرف الأكثر تأثراً فعلياً هو العراق الذي يعتمد على الطرفين المتناحرين، لا سيما في ظل الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد وغياب الخدمات الأساسية ووجود القوات الأمريكية. كما أنّ هزيمة "داعش" وانتهاء حلم خلافته لم يمنع وجود آلاف من عناصره من العمل داخل سوريا والعراق. لا سيما وأنّ التوتر بين واشنطن وطهران أدّى لتوقّف العمليات الدولية ضد التنظيم.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/38b4mMg
https://bit.ly/38a7UhM
https://bit.ly/38dWDgA

للمشاركة:

"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

2020-01-15

ترجمة: علي نوار


منذ مقتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي السابق، أسامة بن لادن، لم تثر عملية اغتيال هذا القدر من الجدل مثل ذلك الذي أحدثته تصفية قاسم سليماني القائد السابق لـ"فيلق القدس" التابع لقوات "الحرس الثوري الإيراني".

وتوصف هذه العملية بالهجوم الأهم الذي تنفّذه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عقود، وكان قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بقصف السيارة التي كان يستقلّها القيادي العسكري الإيراني المثير للجدل مفاجئاً للجميع بلا استثناء.

مراسل صحفي: إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بأمريكا، لهذا فالقيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق

لا تزال تبعات هذا الهجوم غير واضحة المعالم بعد، إلّا أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تؤدّي إلى نشوب نزاع عسكري في المنطقة.

لم يكن سليماني شخصية مؤثّرة ذات أفكار مثلما كان أسامة بن لادن، الذي لقي مصرعه عام 2011 خلال عملية عسكرية أيضاً شنّتها الولايات المتحدة على الأراضي الباكستانية، بل كان في الحقيقة يقود السياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، إحدى أبرز القوى العسكرية الإقليمية.

كان المسؤول العسكري رفيع المستوى يحظى بشعبية سياسية سواء داخل بلاده أو خارجها، كما لعب دوراً محورياً كذلك فيما يتعلّق بالتأثير الإيراني في إقليم الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم على حد سواء.

لكن لماذا يكتسب مقتل قاسم سليماني هذا القدر من الأهمية الذي يجعل له نتائج ربّما تكون حتى ذات أصداء أوقع من مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق؟

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

يرى كسرى ناجي، الصحفي بالنسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أنّ مقتل سليماني حدث جلل غير مسبوق في المنطقة. ولا يمكن مقارنته حتى بتصفية زعيم القاعدة الراحل بن لادن.

ويؤكّد ناجي "لا مجال للمقارنة. سليماني كان شخصية عسكرية وسياسية، يتواجد في المقاعد الأمامية من موقع قيادة دولة، على الجانب الآخر كان بن لادن رجلاً يتزعّم منظّمة مشبوهة ذات أنشطة إرهابية. كان سليماني يقف ووراءه دولة بكاملها بل وجيش بأسره يدعمه. لم يكن بن لادن يتوفّر على شيء من هذا".

بيد أنّ الرؤية من المنظور الأمريكي تختلف تماماً؛ فالرجلان هاجما مواطنين أمريكيين وهذا ما يجعلهما "في نفس الوضع تقريباً"، على حد تعبير ناجي.

والحقيقة أنّ إدارة ترامب كانت تنظر لسليماني على أنّه رجل يده مخضّبة بالدماء، بالضبط مثل زعيم القاعدة السابق.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟

ووُجّهت الاتهامات لهذا الجنرال الإيراني بالتخطيط لهجمات بالصواريخ ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق؛ حيث لقي أحد العاملين الأمريكيين المدنيين حتفه خلالها.

كما تحمّله وزارة الدفاع الأمريكية "بنتاجون" المسؤولية عن التدبير لاعتداءات استهدفت دبلوماسيين أمريكيين في العراق والشرق الأوسط ككلّ.

التصفية التي قد تفضي إلى حرب

إنّ النتائج المحتملة لمصرع قاسم سليماني تجعل هذا الحدث على درجة من الأهمية تفوق أي عملية تصفية أخرى سبق وأن شهدتها المنطقة على مرّ العقود الأخيرة.

لذلك يعتقد ناجي بأنّ "استهداف سليماني قد يفضي إلى اندلاع حرب، لا يستبعد أحد هذه الاحتمالية. كان في نهاية المطاف رجلًا قوياً ضمن قيادة قوة إقليمية"، مذكّراً في ذات الوقت بأنّ قتل بن لادن لم ينتج عنه هذا الكمّ من القلق حيال نشوب نزاع واسع النطاق مثلما هو الوضع حالياً.

ويتابع العالم أجمع في الوقت الراهن تطوّر الأحداث بين الولايات المتحدة وإيران، ويتحدّث الكثيرون عن مواجهة عسكرية محتملة.

وبالفعل، فقد ظهرت عبارة "حرب عالمية ثالثة" سريعاً وعلى المستوى العالمي، وأصبحت أكثر الجمل بحثاً عبر شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم.

وينتظر قطاع كبير رداً إيرانياً قوياً، مثلما حذّر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية خامنئي، الذي توعّد بـ "انتقام مزلزل من المجرمين الذين يقفون وراء مقتل الجنرال السابق".

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

لكن آخرون، ومن بينهم الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" ديفيد بترايوس، يرون أنّ الوضع "الهشّ للغاية" الذي تمرّ به إيران قد يؤدّي للحدّ من قدرتها على الرد إزاء ما يصنّفه العديد بـ "إعلان حرب".

كما أنّ بترايوس، الذي سبق له قيادة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، يعتبر كذلك أنّ مقتل سليماني أهم بكثير من مصرع بن لادن وأبو بكر البغدادي، الزعيم السابق لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

شعبية عابرة للحدود

كان لسليماني دور محوري في تأكيد النفوذ الإيراني بالإقليم.

تولّى سليماني منذ عام 1988 قيادة "فيلق القدس"، أحد أفرع النخبة في قوات الحرس الثوري، والتي تركّز عملياتها على الخارج.

ويرتبط هذا الجهاز أيضاً بصلات مع حزب الله اللبناني والحركات الشيعية في كل من العراق وأفغانستان، لذا فإنّ تأثير اغتيال سليماني يتجاوز الحدود الإيرانية.

ويؤكّد ناجي "لعب سليماني دوراً رئيساً حين كانت بغداد على وشك السقوط في أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، يُقال إنّه أسهم في إنقاذ المدينة".

ويتابع الصحفي "بالمثل، وحين كان هذا التنظيم الإرهابي على مسافة كيلومترات معدودة من حدود إيران، قاد بنفسه المعارك ضدّ الإرهابيين مجبراً إياهم على التقهقر. لذلك ولأسباب أخرى، يتمتّع بشعبية كبيرة سواء داخل إيران أو في المنطقة ككلّ".

إعلان حرب؟

من جانبه، أعرب دوجلاس سيليمان، السفير الأمريكي السابق لدى العراق حتى مطلع العام 2019 ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن حالياً، عن اعتقاده بأنّ كلاً من الولايات المتحدة وإيران تجاوزتا الخطوط الحمراء بالفعل.

وقال سيليمان "عين المتابع هي التي تحدّد ما إذا كان الأمر يتعلّق بإعلان حرب من عدمه وأظنّ شخصياً أنّ إيران والولايات المتحدة بوسعهما تسليط الضوء على سلسلة من التحرّكات التي قام بها الطرف الآخر وتوصيفها بإعلان حرب"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

وعلى سبيل المثال، أشار الدبلوماسي الأمريكي إلى الهجوم الإيراني في مضيق هرمز وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار "درون" العام الماضي. وأوضح أنّ "أيّاً من هذه الاعتداءات نتج عنها ردّ الفعل الأمريكي الذي كانوا ينشدونه".

بيد أنّ سيليمان كشف عن اعتقاده بأنّ الرد الأخير من إدارة ترامب كان متوقّعاً. واستدلّ على ذلك بقوله "حذّروا مراراً وتكراراً ومنذ وقت طويل من أنّ مصرع مواطن أمريكي على يد إيران خط أحمر"، وكان هذا هو تحديداً ما نتج عنه استهداف السيارة التي كان يستقلّها سليماني.

هل سيكون هناك ردّ مدروس؟

أما الشيء الأهم من وجهة نظر سفير الولايات المتحدة السابق لدى العراق فهو أن يتدخّل المجتمع الدولي من أجل الحيلولة دون حدوث تصعيد وتجنّب نشوب حرب في المنطقة.

وأكد سيليمان "يجب أن يكون هناك ضغط على إيران في التوقيت الحالي كي لا يأتي ردّ فعلها مبالغاً فيه. واعتقد بعد كل شيء أنّه يجب التوقّف عن التفكير في دوافع خوض الحرب، والتفكير عوضاً عن ذلك في أسباب لعدم خوضها".

وبغضّ النظر عما قد يجرى، فإنّ كسرى ناجي يرى أنّ السيناريو الأقرب للحدوث هو أن يكون ردّ إيران على مقتل قاسم سليماني مدروساً.

وأوضح المراسل الصحفي "إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بالولايات المتحدة. بالتالي اعتقد أنّ القيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق".

ويعتقد ناجي أنّ الحكومة الإيرانية لا تسعى حقًا للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة عظمى "لكن الردّ قد يأتي متمثّلًا في هجمات ضد سفارات أو سفن أو قوافل" وهو النهج الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية بالفعل منذ عامين.

على كل حال، ونظراً لأهمّيته، فإنّ مصرع سليماني يشكّل نقطة تحوّل في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران.

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟

من جانبهم، تصف شخصيات مثل؛ ديفيد بترايوس أهمّية مقتل سليماني بـ"هائلة"؛ لأنّ الرجل، كما اعتبرته مجلّة "فورين بوليسي"، هو "مهندس وقائد عملياتي للجهود الإيرانية الرامية لتعزيز سيطرة ما يُطلق عليه (الهلال الشيعي".

لكن في إيران، وبينما لا يزال البعض يبكون في الشوارع على رحيل القيادي المثير للجدل، ينتظر الكثيرون "انتقاماً شديداً" وعد به المرشد الأعلى.

للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لن يكون القول بأنّ الشرق الأوسط بات على حافة البركان أمراً مبالغاً فيه. وهو ما يتّضح من الدعوات للثأر التي تأتي من طهران وبغداد وبيروت. ويدعو هذا الخطاب غير المسبوق لمهاجمة أهداف أمريكية موجودة في المنطقة وخارجها أيضاً.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

ولعل جزءاً كبيراً من الأزمة، التي قد تنتج عنها اشتباكات أكثر عنفاً وسخونة، يرجع إلى عدم قدرة أي من الطرفين على التراجع للوراء. ومن يعرفون جيّداً مدى أهمية دور سليماني في النظام الإيراني وأجندته الإقليمية يدركون أيضاً أنّ النظام الإيراني غير قادر على الثأر لمقتل القائد السابق لفيلق القدس حتى مع تهديد خامنئي وتوعّده بانتقام سريع، ونفس العجز يسري على ميليشيات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

ولا تستطيع إيران التراجع عن الثأر لسليماني، فقد كان اغتياله ضربة مؤلمة في قلب النظام الحاكم في طهران، لا سيما وأنّ الرجل كان يضطلع بالإشراف على تحالفات واتصالات معقّدة للغاية تمتدّ من أفغانستان إلى لبنان مرورًا بالعراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى خارج الشرق الأوسط.

والحقيقة أنّ سليماني كان مهندس زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة. ولم يكن بوسع أي رئيس أن يُنتخب أو لحكومة أن تتشكّل في لبنان دون موافقته. وينطبق نفس الأمر على العراق. ولم يستطع أي شخص مناقشته في سوريا. ويكفي فقط التذكير بكيف جلب خرائط لسوريا إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ لإقناعه بالتدخّل عسكرياً في البلد العربي وإنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد. وكذلك أشرف الرجل على تزويد الحوثيين في اليمن بالصواريخ والطائرات بدون طيار. لكل هذه الأسباب لا يمكن لإيران العدول عن فكرة الانتقام.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

وعلى الأرجح سيأتي الردّ الإيراني عن طريق وكلاء نظام طهران وسيكون بنفس درجة قوة الضربة التي تلقّتها وأودت بحياة الجنرال الأكثر شهرة وأهمّية في الجمهورية الإسلامية، لذا ستكون الأهداف الأمريكية على المحك، كما لا يُستبعد أن يكون حلفاء الولايات المتحدة على قائمة الأهداف أيضاً.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ورغم قرار الرئيس دونالد ترامب بعدم الردّ على الهجوم الذي أعلنت طهران مسؤوليتها عنه والذي ضرب قواعد عسكرية أمريكية في العراق، متجنّباً بالتالي تصعيداً أكبر، لا تبدو واشنطن قادرة كذلك على التراجع. فقد ذهبت بعيداً لدرجة أنّه لم يعد ثمة مفرّ أمامها سواء الذهاب لما هو أبعد.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

هناك عامل آخر وراء عجز واشنطن عن التراجع ألا وهو الكرامة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وبالطبع وفوق كل ذلك صورتها في المنطقة والعالم، كل ذلك دون التغافل عن حقيقة أنّ الرجل الجالس على المقعد في المكتب البيضاوي يستعدّ لخوض انتخابات واضعاً نصب عينيه الحصول على فترة ولاية ثانية.

كما أنّ استهداف سليماني ليس عملًا موجّهاً ضد إيران ومؤسساتها فحسب، بل ضد "الجيوش الإرهابية التي تحارب بالوكالة" لحساب نظام طهران والذي عمل على تشكيلها في عدد من دول الجوار. لذلك فإنّ نطاق المواجهة سيكون أوسع بكثير من المُعتقد.

كان سليماني هو المسؤول عن عمليات التسلّل والانقلابات. مزّق خرائط وأعاد رسم أخرى، وشنّ ضربات ضد توازنات القوى الحالية. فعل ذلك في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري وأثناء حرب 2006 ضد إسرائيل ثم بعدها حين تدخّل للحيلولة دون تشكيل حكومة صديقة للغرب.

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط

بالمثل، عمل سليماني على عدم قيام مؤسّسات مستقرة في العراق ما بعد صدام حسين تكون صديقة للغرب. استغل الجنرال أيضاً الفرصة في العراق لتسليح ميليشيات الحراك الشعبي وجعلها قوة نظامية ذات شرعية، ما أدّى بالتبعية للحدّ من التأثير الأمريكي في العراق.
وربما كان الفشل الوحيد الذي مُني به سليماني هو عدم القدرة على التغلغل في البحرين.
على مدار أربعة عقود، تحاشى رؤساء الولايات المتحدة "الرد على إيران داخل إيران". كان تبادل الضربات يجرى على نطاق محدود. حقّقت طهران نجاحاً كبيراً بالتوقيع على الاتفاق النووي والذي لم يحل دون تقليص ممارساتها الإقليمية، لذا مضى سليماني قدماً في سياسة التغلغل خاصته والانقلابات في دول الجوار دون أي قلق.

وتأتي الضربة الأمريكية التي أخرجت سليماني من اللعبة بالتزامن مع لحظة حرجة يمرّ فيها الاقتصاد الإيراني بحالة من التراجع على خلفية العقوبات التي فرضها ترامب، فضلًا عن خروج تظاهرات حاشدة في كل من لبنان والعراق، ما يعكس بصورة ما فشل السياسات المتّبعة حيال الدول التي تمتلك إيران نفوذًا فيها.

ومن العملية العسكرية التي أودت بحياة سليماني، يظهر بجلاء أنّ إيران قلّلت من قدرة ترامب على اتخاذ القرارات الأمنية الصعبة، وخصوصاً بعد استنتاجها أنّه يفضّل العقوبات الاقتصادية على الهجمات العسكرية. وربما كان سليماني يعتقد أنّ أمنه "خط أحمر لن يجرؤ أحد على خرقه دون أن يجلب ذلك حرباً".

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط. وفي هذا السيناريو من المحتمل أن يكتسب خطر وتهديد الهجمات الإرهابية التقليدية في المنطقة أبعاداً جديدة وينتقل لقارات أخرى لا تعرف حكومات دولها هذا الخطر وترى التهديد بعيداً عنها للغاية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/36V26IM
https://bit.ly/36RyvQy

للمشاركة:



المسماري يكشف مموّل نقل المرتزقة إلى ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري؛ إنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ينقل أسلحة وإرهابيين متعددي الجنسيات إلى ليبيا، للقتال بجانب حكومة الوفاق في طرابلس.

وأضاف المسماري، في مؤتمر صحفي عقده، أمس: "أردوغان هو المسؤول الأول عن انتشار الإرهاب في أوروبا"، مشيراً إلى أنّ "تركيا في الفترة الماضية زودت الوفاق بمنظومة دفاع جوي أمريكية الصنع"، وفق ما نقلت صحيفة "المرصد" الليبية.

وأكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي؛ أنّ تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا؛ حيث تمّ نقل أكثر من 2000 إرهابي من سوريا إلى ليبيا، بالإضافة إلى ميليشيات لواء سمرقند، وسلطان مراد، ونور الدين زنكي، وعناصر إرهابية أخرى تمول من قطر، وذلك عن طريق مطارَي معيتيقة ومصراتة، موضحاً أنّ قاعدة معيتيقة أصبحت قوة عسكرية تركية خالصة.

المسماري: تركيا أرسلت الآلاف من المقاتلين المرتزقة للقتال في ليبيا بتمويل من دولة قطر

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد صرّح بأنّ بلاده ستبدأ بإرسال قوات إلى ليبيا لدعم حكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج.

وتشهد العاصمة الألمانية برلين، اليوم، مؤتمراً دولياً حول الأزمة في ليبيا، بمشاركة زعماء مسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والإمارات وتركيا والكونغو وإيطاليا ومصر والجزائر، إضافة للأمم المتحدة.

وكانت وسائل الإعلام قد عرضت تسجيلاً مصوراً لمقاتلين سوريين على متن طائرة ركاب ليبية في طريقهم إلى العاصمة الليبية للمشاركة في القتال إلى جانب ميليشيات الوفاق.

 

للمشاركة:

انهيار القطاع السياحي في إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

يعيش قطاع السياحة الإيراني أسوأ أيامه بعد حادثة الطائرة الأوكرانية، التي اعترف الحرس الثوري بإسقاطها قرب طهران، حيث أعلن رئيس اتحاد مكاتب السياحة والسفر في إيران، حرمت الله رفيعي، إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران.

وقال رفيعي، في تصريح أدلى به لوكالة العمال الإيرانية للأنباء (إيلنا)، أمس: "بعد حادث إسقاط الطائرة الأوكرانية ألغت شركات السياحة الأمريكية والكندية 100% من رحلاتها إلى إيران، فيما تم إلغاء 80% من الرحلات السياحية القادمة من أستراليا ومنطقة أوقيانوسيا، ومن أوروبا تمّ إلغاء 60%، ومن آسيا أيضاً تمّ إلغاء 60% من الرحلات السياحية المتجهة إلى إيران".

حرمت الله رفيعي يعلن إلغاء ما لا يقل عن 60% من الرحلات السياحية الدولية إلى إيران

وكان رفيعي قد أعلن، في وقت سابق، عن طلب إلغاء 70% من الرحلات السياحية إلى إيران.

وفي سياق متصل، أكّد المساعد في دائرة السياحة والتراث الثقافي التابعة لمحافظة فارس، جنوب البلاد، مؤيد محسني نجاد؛ أنّ الأحداث الأخيرة في المجالَين العسكري والسياسي أثرت على القطاع السياحي الإيراني.

وقال محسني نجاد: "جميع السياح الأجانب الذين كانوا قد حجزوا غرفاً في الفنادق الموجودة في هذه المحافظة لعطلة رأس السنة الإيرانية، قاموا بإلغاء حجزهم نظراً للأوضاع الراهنة".

ولفت المسؤول الإيراني في قطاع السياحة إلى أنّ "السياح الخليجيين القادمين إلى إيران، قاموا أيضاً بإلغاء حجز فنادقهم في المحافظة".

كما أعلن محسني نجاد؛ أنّ نسبة الحجز في فنادق المحافظة في الوقت الراهن تصل إلى 5% فقط، واصفاً ذلك بـأنّه "كارثة على أصحاب الفنادق".

وكان الحرس الثوري قد اعترف بأنّه أسقط الطائرة الأوكرانية بصاروخ بعد أن كشفت بعض التقارير الاستخبارتية الكندية والأمريكية ذلك.

 

للمشاركة:

الإمارات تتصدر عربياً..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

كشف تصنيف عالمي جديد لأفضل الدول في العالم لعام 2019 تصدّر دولة الإمارات في ترتيب 8 دول عربية، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً، والـ 22 دولياً، متقدمة على روسيا والبرتغال وتايلاند، وجاءت السعودية الـ 31 دولياً، فيما جاءت مصر في المرتبة الرابعة عربياً والـ 36 دولياً، واحتل المغرب المرتبة الخامسة عربياً والـ 40 دولياً، وفق وكالة وام.

ويصدر هذا التصنيف بشكل سنوي عن الموقع الأمريكي "US News and World" بالشراكة مع مجموعة "BAV"، وجامعة بنسلفانيا الأمريكية.

الإمارات تحتل المرتبة الأولى عربياً والـ 22 دولياً في الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة

وأظهر التصنيف أنّ سويسرا ما تزال أفضل بلد في العالم للسنة الرابعة على التوالي، في حين جاءت كندا في المركز الثاني، متجاوزة اليابان التي هبطت إلى المركز الثالث، بعد أن كانت في المركز الثاني خلال السنة الماضية.

وحلّت ألمانيا في المرتبة الرابعة، تليها أستراليا، أما أسفل الترتيب الذي شمل 73 دولة فقط، فجاء لبنان تتقدمه صربيا، ثم عُمان وبيلاروس وتونس.

هذا وقد أشاد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بتصدر بلاده أفضل الدول عربياً في العالم، بمعايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة.

وكتب على حسابه في "تويتر" الليلة الماضية: "تصدّر الإمارات عربياً لأفضل الدول في العالم لعام 2019، تصنيف "يو إس نيوز آند وورلد ريكورد" وجامعة بنسلفانيا، اعتماداً على معايير الانفتاح الثقافي والتنوع ومناخ الأعمال وجودة الحياة والتاريخ والمواطنة أمر طبيعي، في ظلّ السياسات التي ننتهجها، ومن المهم تعزيز موقعنا عالمياً".

 

 

للمشاركة:



"التويتريون" العرب في مواجهة تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

محمود حسونة
نجح النظام التركي في إشعال الشارع العربي غضباً عليه؛ جرّاء ممارساته العدوانية، وتدخله المباشر وغير المباشر في شؤون أكثر من دولة عربية؛ من خلال مؤامراته، لضرب استقرار دول نجت من موجات «الخريف العربي»، والسعي لاقتطاع أجزاء من دول، واحتلال أخرى نالت من استقرارها هذه الموجات، والتحكم في قرار دول تسعى للتعافي من مخلفات زمن الفوضى والغضب المبرر وغير المبرر في عالمنا العربي.
الممارسات التركية فضحت أهداف أردوغان ونظامه أمام مختلف فئات الرأي العام العربي، وبدلاً من أن تقسم الشارع أو تخلق فجوة بين الحكام والمحكومين، زادتهم التحاماً، فنجم عنها إرادة شعبية وسياسية موحدة؛ للتصدي للمؤمرات التركية، وتحطيم أحلام حفيد العثمانيين على أكثر من صخرة عربية.
وإذا كانت محطاتنا التلفزيونية، ووسائل إعلامنا لم توفَّق في التصدي لموجات الابتزاز والاستفزاز القادمة من أنقرة وإسطنبول، والتي تبثها محطات تركية ومحطات عربية مأجورة، فإن شبابنا نجحوا في التصدي والرد، قولاً وفعلاً، بالتعبير عن الرأي الفاضح لمؤامرات العثماني الجديد؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والحملات التي ينظمونها في أكثر من دولة عربية؛ لمقاطعة كل منتج في تركيا، ووقف السياحة العربية إلى هناك.
التويتريون العرب الذين يتصدون لأوهام أردوغان، ومزاعم نظامه وحلفائه من الإرهابيين، لا يعرفون لغة الكلام الأجوف؛ لكنهم يعبرون عن آرائهم مصحوبة بالمعلومات والأرقام والفيديوهات والجرافيك، وكأنهم أصبحوا هم من يحترفون الإعلام، ويدركون كيف يجب أن تكون الرسالة؛ كي تحقق هدفها.
حملات تويترية على أردوغان ونظامه ومنتجاته ومعالمه السياحية في أكثر من قطر عربي، بعد أن ورط نفسه بأفعاله المثيرة للغضب، والمستنكرة من كل غيور على بلده في دول عربية عدة، وآخرها تونس التي وضعه شعبها على القائمة السوداء؛ بعد محاولته الزج بها في أتون معركته؛ للسيطرة على القرار والنفط والغاز والأرض الليبية؛ وقبل تونس كانت ليبيا التي لقنته دروساً، وأعادت إليه جنوده الذين أرسلهم لجس النبض في نعوش طائرة؛ وقبل ذلك كان السعوديون الذين لم يرضهم استثماره السيئ لواقعة مقتل خاشقجي، وأيضاً الإماراتيون الذين لا يكف الإعلام التركي عن محاولات النيل من قياداتهم، غيرة وحقداً؛ بعد تصدرهم وحكومتهم ودولتهم مؤشرات واستطلاعات الأفضل إقليمياً وعالمياً، أما حكاية أردوغان مع مصر وأهلها فقد تحولت إلى مجلد متخم الصفحات ابتداء من دعمه للإرهاب على أرضها، واحتضانه للمناوئين لاستقرار الدولة ولقنوات الأكاذيب التي لا تكف عن التضليل ليل نهار، وليس انتهاء بمحاولات تهديد أمنها القومي بحراً وبراً من الجنوب؛ عبر بوابة «سواكن»، وغرباً بالتدخل في ليبيا، وشمالاً عبر البحر المتوسط، وشرقاً بدعم الإرهاب في سيناء. ناهيك عن السوريين والعراقيين وغيرهم.
وفي مصر، شباب وفتيات في عمر الزهور يجوبون شوارع القاهرة؛ لتوزيع منشورات «قاطعوا التركي»، ويتضمن المنشور 10 أسباب؛ منها: رداً على سياسات أردوغان العدائية ضد مصر، ورداً على قراراته بالتدخل العسكري في ليبيا، وعلى احتضان تركيا لقيادات جماعات «الإخوان»، ودعمه العمليات الإرهابية ضد الدولة المصرية، والتدخل في سوريا.
هذه الأسباب تختصر السياسات التركية تجاه مصر والدول العربية، وتكشف عن مدى وعي الأجيال الشابة بما يرتكبه النظام التركي من حماقات تجاه أمتنا، وما يحيكه من مؤامرات؛ لإغراقها في الفوضى التي يمكن أن تحقق له أوهامه، وأوهام قيادات جماعات الإرهاب الذين يحتضنهم أردوغان، وتحتويهم دولته التي حولها إلى مصنع كبير؛ لإنتاج العنف والقتل والتخريب وتصديره إلى بلاد العرب.
انتفاضة هؤلاء الشباب ضد من يمس بكرامة بلدهم، وبلاد العرب؛ تبعث فينا أملاً بأن الغد أفضل، وأن هذه الأوطان ستكون بين أيديهم مستقبلاً أحسن حالاً؛ لإدراكهم أن الوطن هو أغلى ما لدينا، وأننا أمة واحدة، وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
وعلى تويتر «هاشتاجات» وصفحات عدة تدعو لمقاطعة كل ما هو تركي، وتتضمن رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية واعية، ومتابعة لكل تصريحات السياسيين الأتراك ضد بلادنا؛ بل ومفندة للمغالطات والسموم التي تتضمنها مقالات صحفية تركية، إلى جانب فضحها لأكاذيب الفضائيات التركية والمرتزقة من المصريين الذين خانوا الأهل والوطن، وارتضوا أن يكونوا جنوداً في كتائب أردوغان الإعلامية والإلكترونية؛ لهدم المعبد العربي والسعي لتحقيق أوهام السلطان الحفيد.
الغريب أن كل ذلك يحدث في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وفضائياتنا تكتفي بمخاطبة ذاتها.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

محللون موريتانيون: الأطماع التركية في ليبيا تهدد أمن المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-19

إبراهيم طالب

انتقد محللون وخبراء موريتانيون تدخلات تركيا في المنطقة العربية، وخصوصا تدخلها العسكري في ليبيا، وأكدوا أنها تؤدي لزعزعة الأمن والاستقرار ويعكس مطامعها التوسعية في المنطقة.

وجاءت ذلك خلال ندوة نظمها المركز العربي الأفريقي للتنمية في موريتانيا تحت عنوان "التدخلات الأجنبية في الوطن العربي.. التدخل التركي في ليبيا نموذجا"، بمشاركة واسعة من الطيف السياسي والإعلامي والفكري بالبلاد.

واستعرض مدير المركز ونقيب الصحفيين الموريتانيين أحمد سالم ولد الداه، خلال مشاركته في أعمال الندوة، تاريخ التدخلات الأجنبية في الوطن العربي، مشيرا إلى أن مرحلة ما يسمى "الربيع العربي" أدت إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة العربية من ليبيا إلى سوريا وما تلها من اقتتال كبير على المصالح والنفوذ بين القوى الدولية.

وأشار إلى أن تدخل تركيا في ليبيا جاء لتلبية للأطماع التوسعية للحكومة التركية، داعيا الليبيين إلى تفويت الفرصة على هذه النوايا والجلوس إلى طاولة الحوار ونبذ الفرقة من أجل قطع الطريق على القوى الأجنبية في الوطن العربي.

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني باباه ولد التراد إن شعارات الحرية أصبحت تتخذ ذريعة لتكريس وتشريع التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن هذه الشعارات تم استخدامها على نطاق واسع من مختلف حملات المستعمرين في الفترات المتعددة.

وشدد ولد التراد على أنه لا يمكن وصف ما تتعرض له المنطقة إلا بـ"الاستعمار الجديد" في إشارة إلى التدخل التركي في ليبيا.

من جانبه، حمل الكاتب والمحلل السياسي الموريتاني المصطفى محمد المختار تنظيم الإخوان الإرهابي مسؤولية ما يحدث من تدخل عسكري تركي في ليبيا.

وأضاف أن الإخوان لا يقيمون وزنا أو قيمة لأوطانهم بقدر  مصلحة التنظيم الدولي وتحقيق أجنداته حتى ولو كانت على حساب المصلحة الذاتية لهذا البلد العربي أو ذاك.

وأشاد محمد المختار في هذه المواقف بسلوك التيارات القومية العربية، معتبرا أنها أشرف وأنبل بكثير من سلوك الإخوان، بالإضافة إلى تعلقهم بأوطانهم وبهويتهم ووقوفهم في وجه المؤامرة والتصدي لها بكل شجاعة.

وأشار إلى خطورة الأذرع الإعلامية المبررة للتدخل العسكري التركي في ليبيا وغيره من أجندة ما وصفه بـ"تحالف الضرار التركي القطري" واختطافها عقول كثيرين من الشباب والأجيال الصاعدة.

وتأتي الندوة بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر "السلام في ليبيا" بالعاصمة الألمانية برلين، الأحد، بمشاركة دولية رفيعة، وسط مساعٍ لإيجاد حل دائم وشامل للأزمة.

وأكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قبل أيام، أن هدف مؤتمر برلين "هو التزام جميع الأطراف المعنية بالحظر المفروض على تصدير الأسلحة لليبيا، الذي ينتهك بشكل صارخ، تمهيدا لفتح الطريق أمام حل سياسي".

وكشفت وكالة الأنباء الحكومية الألمانية النقاب عن مسودة لحل الأزمة، أعدتها الأمم المتحدة، وتنص على وقف دائم لإطلاق النار، وتطبيق شامل لقرار مجلس الأمن بشأن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

وخلال الأشهر الماضية، جرت 5 اجتماعات تحضيرية للمؤتمر في برلين، بمشاركة ممثلي عدة دول ومنظمات دولية، نوقشت خلالها المسودة الأممية.

وكشفت مصادر خاصة لـ"العين الإخبارية" عن أن هناك تعديلات طرأت على مسودة التفاهم النهائية المطروحة أمام زعماء العالم المشاركين في المؤتمر لم ترد بمسودة مفاوضات روسيا التي لم تصل لاتفاق، مؤكدة أنها تشمل حل المليشيات ورحيل حكومة السراج.

وينتظر المؤتمر مشاركة عالية المستوى، حيث أكدت 10 دول مشاركتها في أعمال المؤتمر، بالإضافة إلى قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج.

وأكد عدد من قادة الدول والحكومات حضور المؤتمر، في مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية