هل انتهى زمن الرواية؟

2094
عدد القراءات

2019-01-15

أطلق الناقد المصري، الدكتور جابر عصفور، مصطلح "زمن الرواية"، نهاية الألفية الثانية، وزاد اهتمام مثلث صناعة الكتاب، المؤلف والناشر والموزّع، بالرواية، حتى إنّ القارئ ظلّ لأعوام لا تستهويه سوى قراءة الرواية، لكنْ مؤخراً، بدأت تلك الرؤية بالتراجع، نسبياً؛ مع تشبّع الأسواق بآلاف العناوين الروائية، وتوجّهت دور النشر إلى أنواع أدبية أخرى؛ مثل كتابات السيرة، والشعر، والقصة، والكتب الفكرية، والتاريخية؛ فهل هذا شاهد على تراجع زمن الرواية وصعود أنساق أدبية أخرى؟

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة

في مقاله، بالعدد الأخير من مجلة "دبي" الثقافية، طرح عصفور رؤية جديدة خالف بها رؤيته عن زمن الرواية، بحديثه عن أنّنا نعيش الآن في زمن السرد، الذي تتواجد فيه أجناس أدبية أخرى إلى جانب الرواية، مثل؛ القصة والشعر، ربما لم يلق ذلك المقال الاحتفاء نفسه الذي قوبلت به نظريته، التي أطلقها قبل ثلاثين عاماً من زمن الرواية، غير أنّها فرضية باتت تطرح نفسها، وتبحث عن إجابة.
الكاتب والروائي هشام الخشن لا يتفق مع تسمية، أو تصنيف، الأزمنة؛ من حيث نوعية القراءة، ويضيف في تصريح لـ "حفريات": ما أراه أنّ ذائقة القرّاء تتطور، وتختلف مع جودة المعروض، ومع التطور الفكري للقارئ نفسه، ومع هذا التطور يحدث تعديل للسوق لمواكبة ما يصبو إليه القرّاء".
 وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور جابر عصفور

رهبان القصة القصيرة
من جهته، يشير الكاتب والروائي، عمرو العادلي، إلى أنّ عدد رواياته يكاد يكون مساوياً لعدد المجموعات القصصية التي كتبها، ورغم ذلك لا تستهويه الكلمات الحاسمة في مجال الأدب على شالكة؛ زمن الرواية، عودة القصة، موضحاً، في حديثه لـ"حفريات": أنّ الأمر مرتبط بـ"الكتب النوعية"؛ إذ يفضل البدء من حيث تتجاور الأشكال. رائياً أنّ شهادته في حقّ الرواية أو القصة ستكون "منصفة فأنا أكتبهما، ولا أنتصر لنوع دون آخر".

وينوّه العادلي إلى أنّ مقولة جابر عصفور "لم تكن مجرد مقولة بالمناسبة؛ فهي تعدّ صرخة عالمية رفعت منذ أكثر من ثلاثين عاماً راية الرواية"، متابعاً "كان هناك آنذاك استطلاع حول العالم له علاقة بأكثر الكتب قراءة فكانت الرواية، وما فعله عصفور هو أنه نقل هذه الصرخة للعالم العربي، لكنّه إنْ لم يقل هذه المقولة؛ فقد كانت الرواية ستزدهر أيضاً".

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
وعن القصة القصيرة، يقول العادلي: "أما موضوع القصة، فلي تحفظات على مقولات يطلقها بعض النقاد، ولا أعلم لماذا، "رهبان القصة القصيرة"، لا يوجد في الأدب مثل هذه المسميات، هؤلاء الكتّاب، الذين أعتزّ جداً ببعضهم، يقولون إنّ القصة القصيرة سوف تعود، وإنّ لها حضوراً وزخماً أكثر من ذي قبل، أقول لهؤلاء أيضاً: إنّ القصة القصيرة موجودة قبل تلك العودة المزعومة، فمحمد المخزنجي لا يكتب غيرها، وسعيد الكفراوي لا يكتب غيرها، ومحمد رفيع يقول إنّ أغلب منجزه الأدبي قام على القصة القصيرة، وأنا أعشق هذا الجنس الأدبي اللّعوب الذي لا يجيده إلا الكاتب الماهر".

اقرأ أيضاً: رحيل حنا مينه... ربان الرواية السورية وصوت المقهورين
ويلفت العادلي إلى أنّه لا يمكننا القول إنّ القصة القصيرة عادت بقوة، إلا بعد أنْ تحتل قائمة الأكثر قراءة، وتطبع منها 50 ألف نسخة، كما يحدث في بعض الروايات، موضحاً: "من ناحية أخرى؛ أنا أرى أنّ الرواية تشبه الحرباء، تتلوّن بحال الواقع الإنساني مهما تغيّر؛ لذلك يمكنها أن تخفت، لكنّها لا تغيب، أما القصة؛ فمن يعشقها ويذوق حلاوة كتابتها لا يمكنه التنازل عن التجريب في الكتابة أبداً".
الكاتب والروائي، عمرو العادلي

من الخطأ التبشير بزوال الرواية
ويذهب الكاتب والروائي وليد علاء الدين إلى أنّ صعود "دولة الرواية"، وفق وصفه، "لم يكن قائماً على الأسباب التي أوردها الناقد الكبير، الدكتور جابر عصفور، وسقط كثيرون في خطأ ربط رواجها بافتراضاته، والاكتفاء بذلك بديلاً للبحث والدراسة ومحاولة الفهم"، موضحاً: "وعليه؛ فإنّه من الخطأ التبشير بزوال دولة الرواية، وهو محور سؤالك، من داخل زاوية النظر نفسها".

افترض الدكتور عصفور أنّ الرواية العربية، في نشأتها، كانت تجسيداً لعقلية الاستنارة التي انبنى عليها مشروع النهضة

ويتابع علاء الدين، إن عصفور افترض أنّ الرواية العربية، في نشأتها، كانت تجسيداً لعقلية الاستنارة التي انبنى عليها مشروع النهضة، ومن هذه الفرضية، التي تحتاج إلى مراجعة وشرح، رسم خطاً مستقيماً انتهى منه إلى أنّ ف"نّ الرواية سيزدهر بصفته أداة لعقلية الاستنارة التي تحدث عنها".
ويزيد: "رواج الفنون والآداب، وتعدّد ألوانها وأشكالها، أمر مرتبط بشكل عام بمفهوم الحضارة، فالفنون والآداب هي جزء أصيل من وجوه أيّة حضارة: موارد اقتصادية، نظم سياسية، منظومة أخلاق، والعلوم والفنون والآداب، وتمتاز عن بقية المكونات بأنّها، مادياً، يمكن وصفها بمخرجات الحضارة، أو منتجاتها، بينما هي معنوياً من ضمن مدخلات الإنتاج في هذه الحضارة؛ إذ "لا يمكن الحديث عن حضارة بلا فنون وآداب".

الكاتب والروائي وليد علاء الدين

هل الرواية في تراجع بالفعل؟
يطرح علاء الدين سؤالاً حول المسألة: "ما الذي استندت إليه في الوصول لصياغة سؤالك حول (زوال دولة الرواية)؟ منحنى الإنتاج الكمّي يشير إلى عكس ما تقول، كمّياً؛ يظلّ العدد أكبر من كلّ الأعوام الماضية، رغم ظهور أنواع أخرى، كالتي أوردتها في سؤالك: السيرة الذاتية، والسيرة، والشعر، والقصّة، والكتب الفكرية والتاريخية.

وليد علاء الدين: كتابة الرواية مشروع مُجهد بكلّ ما تشترطه كلمة مشروع من شروط لا غنى عنها

ويتابع علاء الدين: لم يعد الاعتراف بالحدود بين ألوان الإنتاج الإبداعي كبيراً إلى الحدّ الذي يسمح لنا بسؤال مثل هذا من دون دراسة، وسط هذا الكمّ الذي يراه البعض سلبياً، ثمّة تطورات نوعية وامتزاجات كيفية، لم يعد الإحصاء الكمّي، هذا إن كنا نمتلكه، كافياً لتوصيفها، ناهيك عن مناقشتها والتفكير فيها.
ويستدرك: إنّ أقلّ ما ينبغي علينا فعله، هو احترام موقعنا، يعني إذا لم يكن في مقدرونا الاعتماد على إحصاءات ودراسات وجهود منظمة، فعلى الأقل فلنتوقف عن العشوائية.
وويبين علاء الدين: "إنّ كتابة الرواية مشروع مُجهد، بكلّ ما تشترطه كلمة مشروع من شروط لا غنى عنها؛ فكلّ رواية، بغضّ النظر عن موافقتها لذوقك ومزاجك من عدمها، تستحق التقدير؛ لأنّها منتج مرهق، فما ضرّك لو ظهرت في السوق كلّ يوم رواية؟ هذه الزيادة في الإنتاج تشبه ترك البرامج تعمل، ومهمتنا أن نهتمّ بما تنتجه فربما استطعنا خدمة أنفسنا".

اقرأ المزيد...

الوسوم: