هل تنجح مبادرة البطريرك الماروني في انتشال لبنان من ورطته؟

هل تنجح مبادرة البطريرك الماروني في انتشال لبنان من ورطته؟

مشاهدة

08/10/2020

عقد النواب اللبنانيون السبعة، المستقيلون من البرلمان، اجتماعاً مع البطريرك الماروني، مار بشارة بطرس الراعي، مطلع الشهر الجاري، للتباحث بشأن تشكيل جبهة معارضة مسيحية، إلى جانب الكتلتَين المسيحيتَين المعارضَتين؛ القوات اللبنانية والكتائب.

ودعا النواب إلى توسيع الجبهة، ودعوة كلّ من التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية، أكبر كتلتَين مسيحيتَين في مجلس النواب، إلى الاجتماع، للتنسيق حول الوضع الراهن، إلا أنّ الدعوة قوبلت بالرفض من القوات اللبنانية.

تحدّثت وسائل إعلام عن نجيب ميقاتي، مبادرة لحلّ أزمة تشكيل الحكومة، تتضمّن 20 وزيراً؛ 14 من ذوي الاختصاص، و6 وزراء دولة، يمثّلون الطوائف ويرأسها الحريري

ويحاول النواب السبعة الاستثمار في دعوات الراعي المتتابعة للحياد، والابتعاد عن رهن لبنان لقرارات إقليمية، وتشكيل حكومة مستقلة، تنقذ لبنان من الوضع المأساوي، بعد اعتذار مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة، بعد موقف الثنائي الشيعي الذي طالب بالمحاصصة، في مخالفة للمبادرة الفرنسية.

وتثير الدعوات الصادرة عن النواب السبعة تساؤلات حول جدوى تشكيل جبهة معارضة جديدة، وتخوفات من الانزلاق إلى الطائفية، في وقت تعاني البلاد فيه من أزمات عامة، عابرة للطائفية، سواء في المسؤولية أو المعاناة.

اجتماع البطريرك بالنواب السبعة

النواب السبعة

عقب انفجار مرفأ بيروت، في 4 آب (أغسطس)، تقدّم سبعة نواب مسيحيين باستقالتهم من مجلس النواب، وقبلها المجلس في جلسته بتاريخ 13 من الشهر نفسه، وطالب النواب زملاءهم في الأحزاب الأخرى بحذو حذوهم، من أجل إسقاط المجلس، وتشكيل مجلس آخر جديد يعبّر عن الشارع، على حدّ زعمهم.

وهؤلاء النواب هم؛ ​بولا يعقوبيان​، ​ميشال معوض​، ​نعمة افرام​، ​هنري حلو​، ​سامي الجميل​، ​نديم الجميل​ و​الياس حنكش​. ويسعى السبعة إلى تشكيل جبهة معارضة، ويدعون إلى إجراء انتخابات مبكرة، وإسقاط الطبقة السياسية الفاسدة، بحسب قولهم.

اقرأ أيضاً: عندما تستنجد الممانعة اللبنانية بـ "الشيطان الأكبر"!

وفي تصريح صحفي للنائب ميشال معوض، عن الاستقالة، قال إنها جاءت "لأسباب أخلاقية، ولأنّه لا يمكننا اللعب بمصير اللبنانيين، ومن باب تحمّل مسؤولياتنا استقلنا من المجلس لأنّنا لا نرضى أنّ نكون شهود زور، والبلد متجه إلى الهاوية".

ومع الإخفاق في تشكيل حكومة، واعتذار مصطفى أديب، عاد صوت النواب للارتفاع من جديد، والتقوا مطلع الشهر الجاري، البطريرك الماروني، وبحثوا تشكيل معارضة في وجه حزب الله والعهد (رئاسة عون)، والدعوة لانتخابات نيابية مبكرة، وتوسيع جبهة المعارضة لتضمّ شخصيات شعبية وروحية، دون الإعلان عن مبادئ أو إطار لمثل هذه الجبهة، والتي لم تعدُ كونها مطالبات كلامية حتى الآن.

اقرأ أيضاً: تزامناً مع كلمة نصر الله.. لبنانيون يهاجمون حزب الله ويتهمونه بعرقلة الإصلاح

ويبدو للمراقب أنّ النواب السبعة يبحثون عن دورٍ ما، بعد أن بان خطأ استقالتهم المتسرعة، التي لم تقدّم شيئاً لأحد، بل أفادت حزب الله وحلفاءه.

وحول ذلك يقول المحلل السياسي اللبناني، أديب السبع أعين: "يريد النواب المستقيلون البحث عن دور سياسي، من باب دعوة الراعي للحياد، كأنّهم ندموا على الاستقالة، وأظنّ أنّه لا يوجد دور مستقبلي لهم".

البطريرك مستقبلاً سعد الحريري

ويرى عضو المجلس المركزي في حزب القوات اللبنانية، ورئيس جهاز التنشئة السياسية للحزب، شربل عيد، أنّ الاستقالة لم تكن الخيار الصواب، فبعد شهرين على انفجار المرفأ، لم يقدّم النواب السبعة شيئاً، غير المطالبات بانتخابات مبكرة، وهي أمر لا يتحقق إلا بطريقين؛

الأول: تمرير قانون بتقصير ولاية المجلس الحالي، وقدّمت القوات قانوناً في ذلك، لكن باستقالة النواب فقدت تأييد سبعة أصوات، إلى جانب صوت النائب مروان حمادة.

الأستاذ الجامعي زياد المكاري لـ"حفريات": لا مشكلة في التفاف المسيحيين حول البطريرك الراعي، فمن الطبيعي في بلد طائفي أن يلتفّ المسيحيون حول طرح يطلقه زعيم روحي

 والثاني: عبر فقدان المجلس الميثاقية؛ بمعنى ألا يمثّل جميع الطوائف اللبنانية الكبرى، المسيحية والسنةّ والشيعة والدروز، ويتحقق ذلك باستقالة كامل نواب إحدى الطوائف الأربع".

ويردف شربل عيد لـ "حفريات": "نحن لم نرفض الاستقالة، لكن كي تكون ذات فائدة طلبنا من السنّة والدروز الاستقالة، ونحن معهم، كي يفقد المجلس ميثاقيته، وندخل في انتخابات نيابية جديدة، لتشكيل طبقة سياسية جديدة، لكن لم نتلقَّ ردّاً؛ لذلك ظللنا في المجلس، وقدمنا مشروع قانون بتدويل التحقيق في انفجار المرفأ، وتمّت إجازة قانون آخر قدمناه بإيقاف محاولات قوى طائفية شراء العقارات في مكان الانفجار، ذي الأغلبية المسيحية، وتضمّن القانون تعويضات للضحايا، لكن لو كنا خارج المجلس، لما كنا قدّمنا أيّ شيء".

طائفية أم وطنية؟

وأثارت دعوة النواب السبعة إلى تشكيل معارضة مسيحية، إلى جانب معارضة القوات والكتائب، مواقف متناقضة بين التأييد، والرفض المتخوف من تحويل مشكلة لبنان إلى منحى طائفي، دون مبرّر.

اقرأ أيضاً: لبنان: في الطريق إلى الجحيم.. مَن سيعض أصابعه ندماً؟

وبحسب مصادر قريبة من النوّاب السبعة، تحدّثت إلى موقع "النشرة" اللبناني؛ ذكرت أنّ الحركة الجماعية للنواب ستتوسع، وستكون أشمل، لتضمّ قيادات روحية وشعبية، وهدفها تجميع الطاقات لبلورة سقف محدّد للدّفع نحو انتخابات مبكّرة، ومحاربة الفساد.

وعقب الاجتماع، صرّحت النائبة بولا يعقوبيان: "طالبنا بنزع الشرعية عن هذه الطغمة الحاكمة، وأن يستمرّ البطريرك بالوقوف إلى جانب شعبه، الذي لم يعد قادراً على الاستمرار في هذا الوطن".

ولم تصدر دعوة رسمية عن البطريرك حول المبادرة، وإن كانت أطراف ذات صلة بالبطريرك قد حاولت الجمع بين التيار الوطني الحرّ، بقيادة الوزير السابق، جبران باسيل، والقوات اللبنانية، بقيادة سمير جعجع، في سبيل تنسيق الصفّ المسيحيّ، وهو ما رفضته القوات.

وحول موقف حزب القوات اللبنانية من الدعوة لتشكيل جبهة مسيحيّة، يقول شربل عيد: "الأزمة في لبنان ليست أزمة طائفية، وليس هناك خلاف مارونيّ - إسلاميّ، أو شيعيّ - مسيحيّ، أو سنّي - كاثوليكيّ، الأزمة في تسلّط قوى سياسيّة من كلّ الطوائف على البلد، وجرّه نحو الانهيار".

اقرأ أيضاً: لبنان يدخل باب جهنم والدعم الدولي يتبخر

ويتابع عيد لـ "حفريات": "اللبنانيون من كلّ الطوائف سئموا من الانهيار، ويطمحون إلى الخلاص من هيمنة المتورطين في الفساد، الذين ورّطوا لبنان في صراعات المحاور الإقليمية، وأفقدوه حياده، ويبحثون عن عيش كريم، ولذلك أيّ لقاء مسيحي لا يقدّم حلاً، ولا بدّ من جبهة وطنية، من مختلف الطوائف والمذاهب والفئات الاجتماعية، لأنّ الأزمة عامّة، وليست خاصّة بطائفة".

اقرأ أيضاً: لماذا يصر حزب الله وحلفاؤه على قيادة لبنان إلى الجحيم؟

ولا يرى الناشط السياسي والأستاذ الجامعي، زياد المكاري، مشكلة في التفاف المسيحيين حول البطريرك الراعي، ويقول: "من الطبيعي في بلد طائفي أن يلتفّ المسيحيون حول طرح يطلقه زعيم مسيحي روحي، لكنّ الطرح لا يقتصر على المسيحيين، بل موجّه إلى جميع اللبنانيين، فالفقر والفساد وفقدان الأمل لا يمسّ المسيحيين فقط؛ بل يضرب الجميع دون استثناء".

ويشدّد المكاري على أنّ؛ المبادرة هدفها لبنانيّ وطنيّ، لكن إذا بقيت مسيحية فستزيد الاحتقان الطائفي البغيض، رغم نبل هدفها".

ويرى شربل عيد؛ أنّ التيار الوطني الحرّ مسؤول عن إهدار مليارَي دولار سنوياً، بسبب هيمنته على ملفّ الكهرباء، منذ العام 2008، كما أنّ تحالفه مع حزب الله، ودعمه للانخراط في محور إيران المعادي للدول العربية، كلّف البلاد خسائر تصل إلى 40 مليار دولار، نتيجة غياب الاستثمارات والسياحة الخليجية؛ لذلك لا تقبل القوات بمبادرة تتيح للتيار أن يتبرأ من الفساد والمسؤولية عن الخراب.

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يسخرون: أينما وُجد الأمونيوم العام وحزبه حلّ الموت

ويتوقع المكاري أن يشدّد اجتماع مجلس المطارنة الموارنة المقبل على المبادرة، والبحث عن موقف متقدم من الوضع العام.

ويردف المكاري: "طالما أنّ هناك بوادر حلّ إقليمي في الأفق، فستكون المبادرة على طاولة البحث، وكي يُكتب لها النجاح فلا بدّ من حلّ إقليمي لأزمة لبنان، بسبب ارتباط قوى داخلية بصراعات الإقليم".

اقرأ أيضاً: "داعش" في لبنان خطر داهم أم توظيف سياسي؟

وفي كلمته خلال قداس عظة الأحد، في الرابع من الشهر الجاري، جدّد البطريرك الدعوة إلى حياد لبنان، ودعا القيادات اللبنانية على اختلافها إلى استعادة زمام المبادرة، والعمل على تأليف حكومة جديدة، تجسّد آمال اللبنانيين وتطلعاتهم لينتظم العمل الدستوري بمؤسسات الدولة، وبما يخرج البلاد من أزماتها العميقة.

وحول إعلان ترسيم الحدود مع إسرائيل؛ رحّب البطريرك بالإعلان، ووصفه بأنّه سيسهم في استفادة لبنان من ثروته البحرية، مطالباً بترسيم الحدود مع سوريا، فيما يتعلق بمزارع شبعا، لإنهاء وضعها الملتبس بين الدولتين.

ويعلّق زياد المكاري على ترحيب البطريرك بمفاوضات ترسيم الحدود بقوله: "الحياد لا يعني أبداً التطبيع مع إسرائيل، كما يروّج بعض السياسيين على وسائل التواصل الاجتماعي".

مبادرة ميقاتي

وتحدّثت وسائل إعلام عن طرح الرئيس، نجيب ميقاتي، مبادرة لحلّ أزمة تشكيل الحكومة، تتضمّن تشكيل حكومة تكنوسياسية، من 20 وزيراً؛ 14 من ذوي الاختصاص، و6 وزراء دولة، يمثّلون الطوائف، وطُرح اسم الرئيس سعد الحريري لقيادة هذه الحكومة، لكن من المتوقع رفض الحريري، وطرح اسم ميقاتي.

رئيس وزراء لبنان السابق نجيب ميقاتي

وتعليقاً على المبادرة، يقول المحلل السياسي، أديب السبع أعين: "الثنائيّ الشيعيّ يتمنّى عودة الحريري، بدلاً من ميقاتي، فهم يخشون التقارب بينه وبين الولايات المتحدة، إلى جانب أنّ الحريري، اليوم، بعيد عن السعودية".

ويتابع السبع أعين لـ "حفريات": "الحريري يتمتع بعلاقات دولية كبيرة، ويستطيع تخفيف أضرار العقوبات، وهذا ما يرغب فيه حزب الله".

اقرأ أيضاً: لبنان.. دولة وهمية تهددها الطائفية

ويبدو أنّ مبادرة ميقاتي تلقى قبولاً من الثنائيّ الشيعيّ، ويراها كثيرون حلّاً وسطاً للأزمة. وفي ذلك يقول عضو كتلة "الوسط المستقل"، النائب نقولا نحاس، في حديث لموقع "صوت كلّ لبنان": "تشكيل حكومة تكنوسياسية يجب أنّ يحظى بإجماع داخليّ قبل طرحه على الخارج"، وأضاف: "هذا الاقتراح سيُطرح بقوة بعد عودة الرؤساء من الكويت".

ويتكوّن مجلس النواب اللبناني من 128 عضواً، يحظى الثنائي الشيعي مع التيار الوطني الحرّ وحلفائهم بالأكثرية، بواقع 68 مقعداً، وهو ما يمكّنه من تعطيل تشكيل الحكومة.

الصفحة الرئيسية