هل سيتبنى جو بايدن عقيدة كارتر في الشرق الأوسط؟

هل سيتبنى جو بايدن عقيدة كارتر في الشرق الأوسط؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
25/03/2021

ترجمة: مدني قصري

في الشرق الأوسط ما تزال السيطرة على النفط أولويّة في إدارة بايدن

بإعلانه إنهاء الدعم الأمريكي للأعمال العسكرية السعودية في اليمن، أشار الرئيس بايدن إلى رغبته في الحدّ من مشاركة الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط، لكنّ الولايات المتحدة ما تزال رغم كلّ ذلك حريصة على التدخل في اليمن وأماكن أخرى؛ لأنّ الإستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة في المنطقة تظلّ دون تغيير.

يظلّ الرئيس بايدن، مثل الرؤساء من قبله، يقفل على نفسه في عقيدة كارتر، أو، كما قال الرئيس كارتر، عام 1980، في هدف أمريكي شامل يهدف إلى منع "أيّة قوة خارجية من السيطرة على الخليج "، التي يجب التخلي عنها.

لعقود من الزمن، كانت عقيدة كارتر بمثابة المبدأ المنظِّم لأعمال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ممّا يشكّل ضرورة إستراتيجية لجميع الرؤساء الأمريكيين

لعقود من الزمن، كانت عقيدة كارتر بمثابة المبدأ المنظِّم لأعمال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ممّا يشكّل ضرورة إستراتيجية لجميع الرؤساء، وهذه العقيدة التي تمّت صياغتها فور أزمة الطاقة في السبعينيات، سرعان ما أعلنت أنّ نفط الشرق الأوسط يمثّل أهمية حيوية للولايات المتحدة، وتجب حمايته عسكرياً إذا لزم الأمر، لكنّ اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط ما لبث أن تراجع خلال العقود التالية.

لكنّ الولايات المتحدة ما تزال ترى نفسها حاميةَ النفط في الشرق الأوسط، وهو ما تراه واشنطن نوعاً من الملك العام العالمي الذي ينبغي أن يشرف عليه الجيش الأمريكي لصالح الاقتصاد العالمي.

المنطق وراء عقيدة كارتر

لطالما كان المنطق الكامن وراء هذه العقيدة قائماً على أساس خال من الصحة؛ ففي سياق صياغتها لهذه العقيدة، نظرت إدارة كارتر إلى غزو أفغانستان من قبل الاتحاد السوفيتي، عام 1979، على أنّه تحرّك نحو الخليج، فكان ردّ فعلها ردّاً مفرطاً، فلم يكن الكرملين يسعى إلى الهيمنة على المنطقة واحتكار نفطها.

كان الاتحاد السوفيتي آنذاك أكثر اهتماماً وانشغالاً بالحفاظ على النظام الداخلي فيما كانت نهايته على وشك، بالإضافة إلى ذلك، أدركت المملكة العربية السعودية، ودول أخرى في منظمة أوبك، عام 1975، أنّ الحظر النفطي محكوم عليه بالفشل، وأعربت عن نيتها في إبقاء الإمدادات مفتوحة من أجل اقتصاداتها.

ومع ذلك، واصلت الولايات المتحدة تطبيق مبدأ كارتر، الذي تجسّد على أرض الواقع، في فرض تركيزٍ عسكري حول احتياطيات النفط، وفي سلسلة من التدخلات المسلحة التي كانت تهدف إلى صياغة النظام السياسي في المنطقة.

اقرأ أيضاً: تسرّع بايدن يصطدم بتعقيدات الشرق الأوسط

في النهاية، أدّى استمرار السعي وراء مبدأ كارتر من قبل الإدارات المتعاقبة، إلى ظهور حملة عسكرية معقّدة لا نهاية لها، هدفها تحرير احتياطيات النفط في الشرق الأوسط، على الرغم من أنّ هذه الاحتياطيات لم تكن معرّضة لخطر حقيقي.

وكل ذلك كان نابعاً من تأكيد لافت في قلب عقيدة كارتر لم يتم التشكيك فيه أو مراجعته في واشنطن، وهو أنّ نفط الشرق الأوسط يمكن أن يُنظر إليه بحق باعتباره منفعة عامة حيوية للحداثة، تحت حماية أمريكا، من أجل مصلحة جميع الأمم.

رفض شعوب الشرق الأوسط

وكان من الطبيعي أن ترفض شعوب الشرق الأوسط فكرة أن تطالب القوى الأجنبية بموردها الوطني الرئيس بهذه الطريقة، فكان الغضب تجاه الإمبريالية الواضحة دافعاً لظهور حركات عنيفة في المنطقة على مدى عقود، وما تزال قائمة، مما يشكل مصدراً رئيساً لعدم الاستقرار، لا يرى سكان الشرق الأوسط عموماً أنهم ملزَمون بإنتاج النفط لصالح العالم، ولا يقدّرون التهديد المسلح الذي يخيّم عليهم إذا لم يفعلوا ذلك.

كمورد وطني، يظلّ النفط مِلكهم، ويمكنهم أن يفعلوا به ما يريدون. ولا شكّ في أنّ رفض عقيدة كارتر لهذا المبدأ الأساسي للسيادة الوطنية يمثل أخطرَ أخطائها، وأفدح عيوبها الإستراتيجية التي لا يمكن إصلاحها.

يجب أن تعلن إدارة بايدن نهاية هذه العقيدة، وأن تتبنى عقيدة جديدة تدور حول التعاون متعدد الجنسيات، بدلاً من الاستيلاء على الموارد.

اقرأ أيضاً: في أي اتجاه تراجع إدارة بايدن نهجها في أفغانستان؟

الملك العام العالمي المشترك الحقيقي الوحيد في الشرق الأوسط هو مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج بطرق ملاحة الأسواق العالمية، للولايات المتحدة مصلحة مشروعة في ضمان سلامة النقل البحري عبر المضيق، كما تفعل عدّة دول أخرى.

قد تتعامل إيران مع المضيق وكأنّه ممرّ ملك لها، لكنّ القانون الدولي الذي يحدّد الممرات البحرية كممتلكات مشتركة يبرّر اتباع نهج حَوكمة متعدد الجنسيات لهذا المورد الخاص.

تحتفظ الولايات المتحدة حالياً بحوالي 60 ألف جندي أمريكي متمركزين في المنطقة، بتكلفة تقديرية تتراوح بين 65  و 70 مليار دولار سنوياً

لذلك؛ فإنّ الولايات المتحدة ليست سوى واحدة من بين العديد من أصحاب المصلحة في إدارة المضيق، يجب على الدول الأخرى التي تعتمد على النقل البحري عبر المضيق، خاصة دول الشرق الأوسط وشرق آسيا، أن تشارك جميعاً في مهمة بحرية متعددة الجنسيات لضمان التدفق السلس للتبادلات التجارية داخل الخليج وخارجه.

يجب أن يتمحور أيّ وجود عسكريّ أمريكيّ في المنطقة حول هذا المبدأ بدلاً من فكرة السيطرة على كلّ النفط في المنطقة، وهي إستراتيجية قادت الولايات المتحدة إلى معارك كثيرة، تتطلب السيطرة على النفط تثبيت حكومات مرنة ومساندتها، وفي بعض الأحيان، قيامها بدورها في النزاعات الإقليمية، مثل اليمن؛ من ناحية أخرى، فإنّ المساعدة في حماية المصالح المشتركة في مضيق هرمز تجعل الولايات المتحدة شريكاً لجميع دول المنطقة، وتُشرِك بشكل مثمر البلدان الأخرى المعنية.

يتطلّب الانتقال من عقيدة كارتر إلى عقيدة الممتلكات المشتركة تفكيراً مختلفاً للغاية حول الشرق الأوسط من جانب صانعي السياسة في واشنطن والشعب الأمريكي.

 تحتفظ الولايات المتحدة حالياً بحوالي 60 ألف جندي أمريكي متمركزين في المنطقة، بتكلفة تقديرية تتراوح بين 65  و 70 مليار دولار سنوياً، لن تكون هذه البصمة العسكرية الضخمة ضرورية؛ لأنّ المهمة العسكرية ستتمّ في البحر بشكل أساسي.

التدخل العسكري الأمريكي

لن يتم النظر في التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة إلا في الحالات التي تكون فيها التجارة عبر المضيق مهددة، في حالة القيام بذلك، سيتمّ بذل الجهود العسكرية بسلطةٍ وتعاونٍ متعدّدَيْ الجنسيات، وستقتصر على إبقاء المضيق مفتوحاً، وهذا يعني أنّه لن يكون هناك تغيير في النظام أو التورط في صراعات داخلية، كما هو الحال في سوريا أو العراق أو اليمن، ولا ينبغي النظر في مهام مكافحة الإرهاب إلا إذا كان الإرهابيون يهددون المضيق، يجب التعامل مع الجماعات المسلحة التي تهدّد الولايات المتحدة أو الدول الأخرى من قبل حكومات الدول التي تقيم فيها هذه الجماعات المسلحة.

إنّ أيّ تغيير كامل في العقيدة سوف يؤدي، بمرور الوقت، إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط إلى مهمة بحرية أصغر بكثير من تلك التي تحتفظ حالياً بالعديد من السفن الحربية الأمريكية في المنطقة، وعلى الأرض، ستترَك بلدان المنطقة، إلى حدّ كبير، لتدافع عن نفسها بنفسها من حيث المبادئ والإستراتيجية.

لا شكّ في أنّ فكرة وجود أمريكا على هامش الشرق الأوسط تخلق الكثير من القلق في واشنطن؛ فلطالما كانت إدارة المنطقة بالقوة المسلحة أمراً بديهياً بالنسبة إلى أجيال من مسؤولي الأمن القومي، ومن المؤكد أنّ انسحاب الوجود العسكري الأمريكي لا يضمن مستقبلاً سلمياً للشرق الأوسط.

من المرجح أن تزداد حدّة التنافسات، مثل تلك التي تجري بين إيران والمملكة العربية السعودية، لكنّ الضغط من أجل إيجاد حلول سلمية ما يزال قوياً.

اقرأ أيضاً: تناقضات بايدن.. هل تجني السياسة الأمريكية الجديدة أي مكاسب؟

الحقيقة هي أنّ الشرق الأوسط سيبقى منطقة غير مستقرة، سواء مع وجود عسكري أمريكي هائل أو من دونه، يدرك العديد من الناخبين وصناع السياسة الآن أنّ القوات الأمريكية لا تفعل شيئاً يذكر لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ويتمنون رؤية تقليص حجم القوات الأمريكية في المنطقة.

لكنّ انسحاباً عسكرياً دون إعادة التفكير بشكل أساسي في العقيدة العالمية لن يكون سوى نسخة أخرى من خطة عسكرية مضللة، من الظلم والتهوّر الادعاء بإدارة جميع الموارد الطبيعية الأساسية لأيّة منطقة.

ومع ذلك، فمن الحكمة أن تقف الولايات المتحدة كجزء من تراث عالمي مشترك شرعي، وأن تسعى إلى التعاون السلميّ، فمن غير المرجّح أن تنتهي المهمة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط في وقت قريب، لكن يجب أن تُغيّر نواياها، وأن تترك وراءها عقيدة أُسيء تصميمها وعفا عليها الزمن.

الترجمة عن الفرنسية:

www.jforum.fr


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية