هل كان إرهابي نيوزيلندا "ماكس المجنون" في طريق الغضب؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
15684
عدد القراءات

2019-04-16

بعد جريمة نيوزيلندا الشهر الماضي، استعاد كثيرون فيلم المخرج الأسترالي "ماكس المجنون: طريق الغضب"، عام 2015، الذي يفتتحه بالمعركة التي يستعد فيها "نوكس"، أحد الجنود، للموت صارخاً: "أنا أعيش... أنا أموت... أنا قادم إلى فالهالا"، ما أثار التشابه بينه وبين الإرهابي الذي قتل نحو خمسين مصلياً بمسجدين في نيوزيلندا وأصاب خمسين آخرين، بعد أن ختم آخر تغريدة له: "أراكم في الفالهالا"، إذ بدا التشابه واضحاً ... القتل لأجل الفالهالا، ما يثير تساؤلاً حول دور الأساطير في تعزيز الجريمة في بعض النفوس البشرية.

الرحلة إلى فالهالا

في كتابه "قاموس ميثولوجيا الشمال"، يطرح الفيلسوف الألماني، رادولف سميك، كيف رسخت أسطورة فالهالا، الروح القتالية لدى شعب الفايكينج، قبل أن تتحول أوروبا إلى المسيحية، والتي كانت شعوب الشمال الأوروبي "الاسكندنافية" آخر الداخلين إليها، ويطرح سميك فرضية مهمّة، وهي أنّ الفالهالا مكان يمتلئ بالعدل الذي يسعى إليه البشر، بينما يقترن هذا العدل والأمان والنعيم، بالتدريب القتالي المستمر لشعوب الفايكينج بعد دخولهم إلى الجنة، استعداداً للمواجهة الكبرى التي ستحدث مع "أودين"، إله الشماليين؛ لذا فإنّ تلك الجنة مشروطة بالقتل وحده؛ فالشهداء والمقاتلون وحدهم هم من سكانها، ودونهم سيكونون أهل الطابق السفلي، وهو الجحيم، مقتطعاً من النصف الأخير من الكلمة ""Val – Hall، ووفق القصيدة الاسكندفاية القديمة والأشهر من تراث الفايكينج، التي تحمل عنوان "Grímnismál"، أوردت وصفاً دقيقاً للفالهالا، وهي جنة ذات سقف ذهبي مشرق، مصنوع من دروع المحاربين، وله رماح على العوارض الخشبية، ولها مقاعد تصنع من ألواح خشبية، ترص حول طاولات مكدسة بالولائم من النبيذ ولحم الخنزير الذي يفضله شعب الفايكينج.

ويُلاحظ التشابه بين أساطير الفايكينج، والأفكار المسيطرة على عقول الإرهابيين من أبناء التيار الديني المتشدد، فهم يقتلون لأجل الحور العين في الجنان، كما أعلنها الإرهابي، عبد العزيز العمري، أحد منفذي عملية 11 أيلول (سبتمبر)، بالولايات المتحدة الأمريكية، قائلاً، في وصيته الأخيرة التي بثها الموقع الرسمي للقاعدة: "اعلموا أنّ الجنان قد تزيّنت لكم بأحلى ظلالها والحور تناديكم"، بينما نجد التراث قد امتلأ بالتفسيرات المثيرة للجدل للحور العين، والتي لم يرد أيّ ذكر تفصيلي لها في القرآن الكريم؛ بل تمّ ذكرها في عدة مواقع، مثلما جاء في سورة "الدخان" قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾.

أوروبا في قبضة اليمين المتطرف

وتسعى هذه الأفكار المرتبطة بالأيديولوجيا الدينية إلى إشعال الأحقاد ذات المرجعيات المختلفة. فقد أفاد مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الدولي "IEP"، بارتفاع مؤشر الإرهاب اليميني في أوروبا لعام 2018، متفوقاً على الإرهاب الإسلاموي المتشدد، خاصة بعد الهزائم العسكرية المتلاحقة التي مُني بها تنظيم داعش في الشام والعراق، وبعد الحدث الأخير الذي هزّ نيوزيلندا، والذي وُصف منفّذه، بأنّه أحد أبناء اليمين المتطرف.

هناك تشابه بين العمليات الإرهابية للتيارات الدينية المتشددة وبين اليمين المتطرف الذي يتبنى أفكاراً مسيحية تتشابه مع الأفكار الاستعمارية

فمنذ مطلع الألفية، بدأت النزعات المتطرفة اليمينية في اتخاذ حيز قانوني بعد صعود العديد من الحكومات الأوروبية، والتي اتخذت محاربة الهجرة، ومعاداة الطوائف المختلفة من المسلمين واليهود والأعراق غير الأوروبية، أحد بنود برامجها الانتخابية، ويحصدون عن طريق تبنّيهم لهذا النهج، ملايين الأصوات من الناخبين، ما يشير إلى أنّهم صاروا جزءاً معبراً عن توجّه اجتماعي بارز، يُعادي الهجرة، والأعراق والأديان المختلفة، التي يرفضها الخطاب القومي الأوروبي، وللتفرقة بين اليمين واليمين المتطرف، فإنّ التيار اليميني يوجه سياساته للحفاظ على الأعراف والتقاليد التي تحكم مجتمعه، فيما يتبني اليمين المتطرف العنف والتدخل القسري للحفاظ على شكل المجتمع التقليدي المحافظ، اللافظ لكل الاختلافات، ويتلاقى في هذا الشقّ مع تيار الإسلام السياسي المتشدد، الذي يحاول تعميم الشيء نفسه.

تتلاقى نزعة التطرف اليميني مع الأعراف القبلية أيضاً؛ حيثُ تُخضع أجنحة اليمين مفهوم المواطنة لأبناء قرابة الدم، وقد تصاعد هذا اليمين بشكل متنامٍ بعد أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة، وأبرز منظماته؛ الجبهة الوطنية في فرنسا، بزعامة المرشحة الرئاسية السابقة، مارين لوين، وكذلك حزب الوسط السويسري، الذي يشغل العديد من المقاعد في البرلمان، والذي كان وراء استفتاء منع بناء مآذن المساجد في سويسرا، عام 2009، وكذلك حركة بيغيدا الألمانية، والتي تأسست عام 2014، والمنددة بما يسمونه "أسلمة الغرب"، وتتوافق كل تيارات اليمين الأوروبي المتطرف حول العداء للمسلمين واليهود والأجانب، وتصاعد مطالبهم بوقف الهجرة، وإقصاء غير البيض من أعراق دون أوروبية، وقد كان تتويج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في عام 2016، بمثابة قبلة الحياة لهذا التيار، ربما برز ذلك من البيان الذي نشره الإرهابي الأسترالي في نيوزيلندا، مشيراً فيه إلى إعجابه بترامب، الذي رآه مجدداً لأمجاد العرق الأبيض، ومحافظاً على الهوية المسيحية من التأسلم، الذي انتشر في أوروبا وأمريكا، لا سيما بعد الحرب السورية، والتي دفعت أكثر من مليون مهاجر منتشرين في أنحاء أوروبا.

ما أشبه الليلة بالبارحة

في الثاني والعشرين من تموز (يوليو) عام 2011، تلقّت أوروبا الشمالية، تحديداً في مدينة أوسلو النرويجية، أولى أعنف ضربات الإرهاب اليميني المتطرف، من قبل الإرهابي النرويجي، أندريس بيهرنج، الذي قام بتنفيذ مجزرة بحق المدنيين جاءت على مرحلتين، وخلفت 77 قتيلاً، إضافة إلى عشرات المصابين؛ حيث قام بتفجير مبنى رئيس الوزراء، ثم معسكر لشباب حزب العمال اليساري، بعد أن نشر بياناً مشابهاً لبيان إرهابي أستراليا، يسرد فيه كراهيته لليسار وللشيوعيين، وللمهاجرين، وكل من ليسوا من شعوب أوروبا الشمالية، وقد خلّد هذه المجزرة المخرج الإنجليزي، بول غرينغراس، في فيلمه 22 يوليو، الحائز على جائزة الأسد الذهبي من مهرجان البندقية، لعام 2018، واستطاع غراس من خلال عمله، تجسيد معاناة الضحايا، دون التطرق لجوانب أخرى لدى الإرهابي، الذي لم يقدمه الفيلم على أنّه أحد أجنحة الظلامية، التي تعادي الاختلاف، ويعتنق فكر الرجعية المسيحية، التي حاولت أوروبا تجاوزها منذ زمن بعيد.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله إمام مسجد "النور" في نيوزيلندا عن الإمارات

وأوضح المخرج لشبكة "بي بي سي"، أنّ الأفكار التي تبنّاها الإرهابي تعادي مبادئ الديمقراطية التي وصلت إليها مجتمعات أوروبا بعد أعوام عجاف من الظلامية والراديكالية الكنسية، التي عادت كلّ ما يتّصل بالديمقراطية، لذا فإنّ على الأجيال الجديدة أن تدافع عن الديمقراطية بكل ما أوتيت من قوة، كما أنّ فعلته كانت نتاج أفكار محدودة الانتشار وقتها، بينما نجدها الآن تصعد بحكومات برمّتها إلى سدة الحكم، في إنذار فعلي لاقتراب أجل ديموقراطيتنا التي طالما تباهينا بها.

 الأفكار التي تبنّاها الإرهابي تعادي مبادئ الديمقراطية التي وصلت إليها مجتمعات أوروب

خلل عقلي أم إرهاب؟

العديد من الكتاب والباحثين، أشاروا في الآونة الأخيرة، إلى التشابه بين العمليات الإرهابية المنظمة من قبل أبناء التيارات الإسلاموية المتشددة، وبين أبناء اليمين المتطرف، الذين يتبنون أفكاراً مسيحية تتشابه مع الأفكار الاستعمارية لأوروبا في القرون الوسطى، ربما هذا ما اتضح من الأسماء التي كتبت على أسلحة إرهابي نيوزيلندا، ويتلاقى ذلك مع انتماء إرهابي النرويج، الذي كشفت التحريات انتماءه لجماعة مسيحية، تتبنى أفكار جماعة "فرسان المعبد"، والتي تأسست أثناء الحروب الصليبية مع المسلمين في القرون الوسطى، وهو ما يعيد إلى الذاكرة صورة الدواعش الذين ينتقون لأنفسهم أسماءً من سجلات التاريخ الإسلامي، ويرتدون زياً يشبه شعوب القرون الوسطى الإسلامية، ويعملون على استعادة الخلافة الإسلامية. وأيدت الدكتورة ألفت علام، الاستشارية النفسية بالقاهرة، هذا التشابه. وقالت لـ "حفريات": "هناك تشابه كبير بين العقليات اليمينية المتطرفة، هذا التشابه يرجع إلى الانهزام النفسي المتحقق لدى معتنقي هذه الأفكار الرجعية؛ لذلك فإنّ أبناء تلك التيارات يتسمون بالتسطيح المعرفي، والإدراك المحدود للواقع، فلا تجد نفوسهم ملاذاً من الهروب إلى اليقين المطلق، المتمثل في الماضي" وفقا لتصورهم المتشدد.

استشارية نفسية: الإرهابي ليس مختلاً عقلياً، لكنّه مصاب بخلل نفسي، يكمن في ضيق أفقه، وجهله الكبير، وعدم درايته بالواقع

وأضافت علام: "الهزيمة التي لحقت بالغرب إبّان الأزمة الاقتصادية العالمية، وزخم الهجرة بعد "الربيع العربي"، أدّى إلى توالد شعور داخل الأشخاص المنغلقين عقلياً بالهزيمة، وأنّهم أصبحوا تحت طائلة احتلال من أشخاص مختلفين عنهم، هو ذاته ما تولّد داخل عقلية الإرهابي المتأسلم، من أنّ الغرب الاستعماري يجب أن يذوق مرارة الموت التي أذاقها لشعوبهم لقرون مضت". وتعتقد الاستشارية النفسية أنّ "الإرهابي ليس مختلاً عقلياً، لكنّه مصاب بخلل نفسي، يكمن في ضيق أفقه، وجهله الكبير، وعدم درايته بالواقع ومجرياته"، وهنا تكمن المفارقة التي تولدها بعض القصص الدينية في إطار فهم سطحي أو خيالي؛ حيث تعمل على انسحاق أبناء التيارات اليمينية المتطرفة، على حدّ سواء، فتوفر لهم ضماناً بالعودة لأمجاد الماضي، بعد فشلهم في التعامل مع الواقع.

اقرأ المزيد...

الوسوم: