هل نحن بخير حقاً؟

هل نحن بخير حقاً؟

مشاهدة

28/07/2021

يتبادل الناس أطيب التمنيات في الأعياد والمناسبات الدينية وغير الدينية، والعنوان الأبرز والأشمل لهذه التمنيات هو الخير: كل عام وأنتم بخير، أو كل عيد وأنتم بخير، ولكن ما الذي يفعلونه غير التمنيات لكي يكون الناس بخير؟

الخير، في اللغة، ضد الشر، وله عدة معانٍ أشهرها التفضيل والاختيار؛ فالخير هو كل ما نفضله على غيره، وكل ما نختاره لأنفسنا وللآخرين، وفي التفضيل والاختيار معنى الحرية والاستقلال الذاتي والذوق.

الخير كل ما هو نافع وجيد للإنسان، وكل ما يلبي الحاجات المادية والمعنوية للأفراد بالطرق المشروعة. ولما كان الناس مختلفين في تفضيلاتهم/ـن وخياراتهم/ـ، وأفكارهم/ـن وأذواقهم/ـن فإن لكل شخص معاييره للجيد والنافع.

الخير كل ما هو نافع وجيد للإنسان وكل ما يلبي الحاجات المادية والمعنوية للأفراد بالطرق المشروعة

كثرة المعايير واختلافها تجعل تعريف المفاهيم صعباً، وغير محدد، فقد كانت قضية الخير والشر وما تزال موضع اهتمام المفكرين والفلاسفة والباحثين، وما تزال الثنائية الضيقة تسيطر على مفهوم الخير؛ أي إننا لا نستطيع أن نتعرف على الخير إلاّ من خلال نقيضه (الشر). مع أن الإنسان يحمل في داخله البذرتين معاً؛ أي إنه لا يوجد خير بالمطلق ولا شر بالمطلق، وقد استبدل هيغل هذه الثنائية التي استخدمها كانط بدلالات وأفكار جديدة، كالأطروحة ونقيضها والخلاصة أو التركيب الناتج منهما، فبين أن الخير والشر نسبيان؛ والخير عنده يعني الحق والجمال، أما الحق فهو القانون الوضعي والأخلاقي الناظم للسلوك الإنساني، والذي يكفل للفرد أيضاً حقه في العيش الحر والكريم، والجمال هو ذاك الناتج عن الحق، كالحرية والمساواة والعدالة والكرامة الإنسانية.

اقرأ أيضاً: كيف اكتسب الاستبداد خبرة تصنيع غريزة الخوف؟

يميز الباحثون أربعة مستويات أساسية للشر: الشر الطبيعي، والشر الميتافيزيقي، والشر الأخلاقي، والشر السياسي. وليس ثمة من حدود فاصلة في القول السياسي والأخلاقي والميتافيزيقي والطبيعي للشر؛ ذلك أن معظم المساهمات الفلسفية، حاولت مقاربة هذا المفهوم، أي مفهوم الخير، باعتباره مبدأ يحكم الوجود عامة (الميتافيزيقا)، ويحضر بشكل قبلي أو بعدي في الطبيعة البشرية (الطبيعي)، ويتعلق بالسلوك والتعامل البشريين وما يقتضيه الواجب والحق (الأخلاقي)، ويتعارض مع ضرورة الاجتماع البشري المعاصر (السياسي)؛ بل ثمة تداخل بين كل هذه الأبعاد في كل مناقشة لسؤال الشر، فهل يمكن القول إن هنالك أربعة مستويات مقابلة للخير؟

نتساءل من هذا المنطلق؛ هل جميع الشعوب في العالم بخير؟

يحاول الأفراد في أي مجتمع؛ أن يفهموا شروط حياتهم/ـن وعملهم/ـن، وأن ينفتحوا على جميع وسائل التوعية التي تساعد في ذلك، لكن هذا الوعي لا يكتمل ولا ينضج إلاّ ضمن شروط معينة، وبيئة مناسبة تساعد الأفراد على التفكير والتعبير، وبالتالي على نضج الوعي وزيادة المعرفة. من أهم هذه الشروط حرية التعبير والعدالة في توزيع الموارد المادية والثقافية، وفي توزيع السلطة، التي تقرر كل شيء.

في المجتمعات المضطهدة أو المتخلفة أو المتنازعة لا يستطيع وعي الأفراد اجتياز العتبة التي تسمح بها السلطة الحاكمة

ففي المجتمعات المضطهدة أو المتخلفة أو المتنازعة؛ لا يستطيع وعي الأفراد أن يجتاز العتبة التي تسمح بها السلطة الحاكمة، فلكل حدث أو فعل تقوم به السلطة مشروعيته، إن توافق أو تعارض مع الحكم الأخلاقي، وغالباً ما يتعارض معه، فالفعل عند تلك السلطة دوماً مرتبطٌ بغايات شخصية تخدم مصالح السلطة ذاتها بعيداً عن مصالح الأفراد، وعن المصلحة العامة، فلا يمكن للخير أن يكون إلى جانب الظلم والاستبداد، والعنف والقتل والخراب.

اقرأ أيضاً: متى يتخلص الإنسان من الشعور بالاغتراب داخل وطنه؟

قد يكون الخير هو أحد المفارقات بين الأفراد في مختلف المجتمعات، أين الخير في حياة السوريين والسوريات في انقطاع التيار الكهربائي لمدة ست عشرة ساعة في اليوم الواحد، مقابل احتفال الشعب الإماراتي أو الفرنسي باليوبيل الفضي أو الذهبي لعدم انقطاع التيار الكهربائي، أين الخير في مخصصات الفرد السوري من المواد التموينية التي لا يحصل عليها إلاّ من خلال البطاقة الذكية عبر رسالة نصية على الهاتف المحمول مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، وتلك المواد لا تسد احتياجات الفرد الأساسية في الفترة التي تحددها له الحكومة الموقرة. أين الخير في حياة الفرد اللبناني الذي بات يبحث في حاويات القمامة عن لقمة العيش، والحكومة تغرق بالخيرات إلى ما فوق آذانها، وتُغرق لبنان بالديون؟

اقرأ أيضاً: متى تشرف الدولة على النهاية؟

لا يمكن للخير العام أن يتحقق للأفراد؛ إلاّ بتحقيق العدالة والمواطنة المتساوية، كي يتشكل عند الأفراد الوعي اللازم بالحق والخير والجمال، فلا تنهض الدول إلاّ بوعي أفرادها من الذكور والإناث. إذا كنا لا نستطيع إدراك الخير إلاّ من خلال نقيضه الشر؛ فإن هذين المفهومين هما صناعة بشرية بامتياز، والحرب أحد أركان الشر الذي حقنته السلطات في أذهان المجتمعات هنا وهناك بحجة واهية وهي الدفاع عن النفس، أو الدفاع عن الوطن مع إلغاء الكيان الإنساني والوجود الإنساني والكرامة الإنسانية، فقد عجزت حكومات المجتمعات المتنازعة عن أخذ التدابير اللازمة لحماية أفرادها، وحرمتها من ثرواتها الوطنية، ومنهجت التفقير والتجويع، والتخويف والتخوين والترهيب.

لا يمكن للخير العام أن يتحقق للأفراد إلاّ بتحقيق العدالة والمواطنة المتساوية

كل تلك الشرور في الواقع المعيش في دول النزاع تسمح لنا بالمقارنة والمفاضلة بين مجتمعات العالم وتلك المجتمعات، وبين النافع هنا والنافع هناك، وبين الخير هنا والخير هناك، بدءاً من إلقاء التحية (صباح الخير) وانتهاءً بواجبات الدولة نحو أفراد المجتمع، الدول الخالية من الحروب والنزاعات، هي خالية من الشر بشكل عام، باستثناء الحالات الفردية التي لا تؤثر في المجتمع، ولا تهزّ أركان القوانين، ولا تخلّ بالدساتير والحريات والشكل العام للمواطنة المتساوية، ولا تؤثر في إنجاز الأفراد والنماء والبناء على جميع مستويات الحياة، فالإنجاز والنماء هو الخير بعينه، وهو الكفاءة والجدارة اللتان يحققهما الفرد من خلال إنجازاته.

اقرأ أيضاً: "بلاد الجوع أوطاني" ...

كيف يمكن للفرد السوري، واللبناني أو العراقي، أو اليمني أن يُنجز في ظل الفقر والمرض والجوع، وفي ظل الهدم والدمار، هدم الإنسان أولاً، تجريده من كل ما هو خيرٌ له، تجريده من كافة حقوقه الطبيعية والمكتسبة، وإبقاؤه أسير واجباته التي تفرضها السلطات المستبدة، فمن واجبه أن يتحمل كل تلك الشرور حفاظاً على السلطة التي أدخلت في ذهنه أنها حامية له، وتحارب من أجل الحفاظ على حياته، فتبادلت معه أدوار الحماية والرعايا، وأصبح الفرد هو الحامي الحقيقي للدولة وليس العكس.

كل عام وأنتم/ــن بخير؛ الخير الذي تنشده الإنسانية جمعاء.

الصفحة الرئيسية