هل هناك علاقة بين محاكمة قتلة الحريري وتفجير بيروت؟

هل هناك علاقة بين محاكمة قتلة الحريري وتفجير بيروت؟

مشاهدة

20/08/2020

خلافاً للتوقعات التي كانت تشير إلى أنّ ردود فعل لبنانية من قبل أنصار حزب الله وأنصار تيار المستقبل ستشهدها شوارع لبنان، وبيروت تحديداً، تأييداً لأحكام المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الحريري عام 2005 من قبل تيار المستقبل، أو رفضاً لقرارات المحكمة وأحكامها، كما أعلن زعيم حزب الله، قبل أيام، حسن نصر الله، إلّا أنّ شيئاً من ذلك لم يحدث، في ضوء الأحكام التي أصدرتها المحكمة بإدانة أحد كوادر حزب الله "سليم عياش"، فيما تمّ التأكيد على تبرئة قيادة حزب الله والحكومة السورية من مسؤولية ارتكاب جريمة اغتيال الحريري، خلافاً لما تمّ ترويجه على مدى 15 عاماً من عمر المحكمة الدولية، وعلى قاعدة الطرف المستفيد من غياب الحريري، وفقاً للسياقات السياسية في المرحلة التي تمّت فيها الجريمة.

اغتيال الحريري لم يكن جريمة بالمعنى الجنائي فقط، بل كان اغتيالاً سياسياً، وهو ما يفسّر تشكيل محكمة دولية لهذه الجريمة

اغتيال الحريري لم يكن جريمة بالمعنى الجنائي فقط، بل كان اغتيالاً سياسياً، وهو ما يفسّر تشكيل محكمة دولية لهذه الجريمة، من هنا كانت ردود الفعل الدولية، بما فيها الأمريكية، تؤكد أنّ الحكم الصادر عن المحكمة لا يقتصر على المحكوم عياش وحده، بل هو إدانة لكلّ حزب الله ودوره، بوصفه حزباً إرهابياً، وهو ما يعبّر عن موقف سياسي، وليس تعليقاً على حكم جنائي مرتبط بجريمة قتل، إلّا أنّ ذلك لا يعدو أن يكون ذرّاً للرماد في العيون، فالمحكمة برّأت قيادة حزب الله علناً من مسؤوليتها عن اغتيال الحريري، وأظهرت في حكمها كأنّ عياش "عنصر مارق"، نفّذ العملية دون توجيهات تنظيمية من مسؤوليه في الحزب.

اقرأ أيضاً: هل يسلم حزب الله سليم عياش المتهم باغتيال الحريري؟

كان من المفترض أن يصدر حكم المحكمة الدولية بالقضية بعد يومين من تفجير، "وليس انفجار"، مرفأ بيروت، وتمّ تأجيل إصدار الحكم ليوم الثلاثاء 18 آب (أغسطس) الجاري، وعبر جلسات محاكمة "هوليودية"، كانت غالبية تفاصيلها تشكّل مقدّمات للحكم الذي صدر بعدم إدانة قيادة حزب الله، وتجريم أحد عناصره فقط، ومن المؤكّد أنّ هناك علاقة وثيقة بين تفجير بيروت وقرار المحكمة الدولية باغتيال الحريري.

اقرأ أيضاً: 15 عاما على اغتيال الحريري.. سنوات عجاف في لبنان

فإذا كانت جريمة اغتيال الحريري تمّت معالجتها عبر تحقيق دولي ومحكمة دولية خاصة، فإنّ تفجير بيروت يذهب باتجاه تحقيقات دولية بالفاعلين أنفسهم "أمريكا وأوروبا عبر الأمم المتحدة"، وإذا كان المتهم الأوّل في جريمة الحريري، حزب الله، المدعوم من الحكومة السورية المتواجدة عسكرياً حينها في لبنان، فإنّ المتهم الأوّل في تفجير بيروت هو إسرائيل ومن ورائها أمريكا، رغم الشكوك العميقة بمسؤولية لبنانيين في الجمارك وسلطات الميناء بالتقصير في عمليات إدخال وتأمين مواد خطرة قابلة للتفجير "نترات الأمونيوم"، وسوء تخزينها، وإذا كان عمر محكمة الحريري 15 عاماً، فإنّ نتائج التحقيق في تفجير بيروت ربما تمتدّ لأكثر من ذلك، وإذا كانت نتيجة محكمة الحريري هذا الحكم "بإدانة عنصر من حزب الله"، فهل يعني ذلك أنّ خلاصة التحقيقات في تفجير بيروت ستذهب لتحميل "موظف صغير" في الميناء مسؤولية "الانفجار"، بتهمة التقصير في القيام بواجبه؟ وكيف سيكون ردّ حزب الله على ذلك؟ وما هو دوره المفترض في تمرير مثل هذا القرار؟ وهل سيجرؤ على الاعتراض على قرارات القضاء الذي سبق أن برّأه من دم الحريري؟

المحكمة برّأت قيادة حزب الله علناً من مسؤوليتها عن اغتيال الحريري وأظهرت في حكمها كأنّ عياش "عنصر مارق"، نفّذ العملية دون توجيهات تنظيمية من مسؤوليه في الحزب

لقد جرى الحديث عن "صفقة" أبرمها الرئيس الفرنسي ماكرون في زيارته لبيروت في اليوم التالي لـ"الانفجار"، شملت النخبة السياسية اللبنانية، بما فيها حزب الله، الذي كان واضحاً أنه الطرف الأضعف في ملف قضية ميناء بيروت، سواء أكان تفجيراً أم انفجاراً، وظهرت نتائج تلك الصفقة في استقالة الحكومة، والحديث عن انتخابات نيابية جديدة، وربط أيّ مساعدات دولية للبنان بالتغيير والإصلاح، فيما توقف الخطاب الثوري لزعيم حزب الله، فبعد أن ظهر في أوّل خطاب بعد التفجير مبتسماً، جاء تهديده ووعيده بالردّ على إسرائيل "في حال ثبوت أنها وراء تفجير ميناء بيروت" باهتاً لإبراء الذمة لا أكثر، فيما حليفه الأقرب، رئيس الجمهورية، بدأ يتحدّث عن إمكانية سلام لبنان مع إسرائيل، ومتى وكيف سيتمّ سحب أسلحة حزب الله؟

اقرأ أيضاً: قبل يومين من محاسبة قتلة الحريري.. من يقف وراء انفجار بيروت؟‎

الملف اللبناني برمّته غير معزول عن ملفات الإقليم، بل إنّ لبنان كان دائماً ساحة اختبار موازين القوى الإقليمية والدولية، وساحة لإبرام توافقاتها واتفاقاتها وخوضها لحروبها، فجريمتا، اغتيال الحريري وتفجير بيروت، غير معزولتين عن هذه السياقات، وعن الرسائل المكثفة المتبادلة بين طهران وواشنطن، سواء تلك التي نقلها مصطفى الكاظمي رئيس وزراء العراق للإدارة الأمريكية، أو التمرير الأمريكي لتصويت مجلس الأمن على رفض تمديد حظر بيع الأسلحة لإيران.

الصفحة الرئيسية