هل يتكرر مشهد اغتيال إسحاق رابين؟

هل يتكرر مشهد اغتيال إسحاق رابين؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
20/06/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

مع تنصيب الحكومة الإسرائيلية الجديدة في البلاد تبدو الأجواء السياسية ملبّدة بمخاطر كثيرة، في ظلّ اشتداد لهجة التحريض مع مرور الأيام، وتصاعد وتيرة التطرف الشديد في الخطاب العنيف والتحريضي على وسائل التواصل، فيما يقدّر خبراء في جهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، أنّ الاغتيالات السياسية في إسرائيل باتت أقرب من أيّ وقت مضى، أمام الأحداث الخطيرة التي وقعت مؤخراً بعد تشكيل الائتلاف الحكومي الجديد؛ إذ ستكون هناك مهمة قاسية في إحباط مخططات مثل هذا الاغتيال، مع تزايد خطاب الكراهية الذي من شأنه أن يؤدي إلى سفك الدماء.

اقرأ أيضاً: تقديرات إسرائيلية: احتمالية عودة التصعيد مع غزّة أكبر من إمكانية التسوية

 الأيام المتوترة التي أمامنا في العديد من الجبهات، ستزيد من تدهور الأوضاع الداخلية على المستوى السياسي، ويستدعي ذلك العمل بحذر للتصدّي لأيّة محاولة تمسّ بشخصيات سياسية، وإلى جانب تخوّف الشاباك من محاولات تنفيذ الاغتيالات في الأوساط السياسية، تبدو لدى الجهاز مهمة صعبة أخرى، وهي إحباط الإرهاب العربي في إسرائيل وحلّ القضايا العالقة في المدن العربية، من أجل منع حدوث أيّ انفجار جديد، كما حصل في السابق، من شأنه أن يصبّ الزيت على النار المشتعلة.

الاغتيالات السياسية في إسرائيل باتت أقرب من أيّ وقت مضى

بالنسبة إلى إسرائيل؛ لا توجد لديها موارد غير محدودة، فالحكومة الجديدة تواجه مشكلة في تحويل الميزانية في ظلّ وجود خلافات كبيرة حول الطريقة الصحيحة لإدارة الاقتصاد الإسرائيلي، وسيحضر المناقشات ممثلون عن الشركات الكبرى وأصحاب المشاريع عالية التقنية، ولكلّ منهم رأي مختلف تماماً حول أيّ قرار سيصدر.

تحذير شديد اللهجة

 إنّ التحذير شديد اللهجة بشأن التطرف يحمل تفسيرات لتصريحات معينة بأنّها دعوة للأذى الجسدي، وتمّ إيصال رسالة حادّة وواضحة، دون أن تتوافر معلومات استخباراتية، لكن لدى الأمن والشرطة دلائل كبيرة على أنّ الخطاب المستخدم في الأيام الأخيرة سيأخذنا لأماكن أكثر خطورة، بسبب تصاعد الخطاب السياسي العام المتطرف، والحقيقة الخفية يجب أن ترعبنا جميعاً، لكنّ الشيء الأكثر إشكالية في هذه الحكومة، هو البعد الديني الذي تمنحه الحركة الإسلامية الممثلة في الكنيست، رغم أنّها لا تمثل عقبة أمام اتخاذ القرار في الحكومة الإسرائيلية، لكن، على المدى الطويل، ستصبح زيارات أعضاء الكنيست والوزراء إلى منازل عائلات منفّذي العمليات المسلحة روتيناً دائماً، وأعضاء الكنيست من القائمة العربية الموحدة ستكون لديهم قدرة على تقويض الاستقرار السياسي لإسرائيل أثناء المواجهة العسكرية مع حماس، وهذا ما يجب أن يخيفنا جميعاً.

يأمل الإسرائيليون في أن يتقدّم شخص بالغ مسؤول يساعدهم على تخليص أنفسهم مرة أخرى من هذه الأزمة المستعصية، فالأجواء توحي باقتراب اغتيال سياسي آخر

لقد حددت الجهات الأمنية الإسرائيلية زيادة كبيرة في التحريض والعنف، لكن دون توافر معلومات عن خطة لإلحاق الأذى بالسياسيين، صحيح أنّه لا توجد معلومات محددة عن اغتيال سياسيّ وشيك، ولم يتم القبض على أيّ مشتبهين بمحاولة تنفيذ أيّة اغتيالات، لكن ما حسم الأمر ودفع رئيس الشاباك لإعلان تحذيره غير المعتاد، هو مدى التحريض والدعوة للعنف على شبكات التواصل، وشيوع الأجواء المتوترة والعنف اللفظي، والقلق من تحول التوترات اللفظية إلى إجراءات متطرفة وإلحاق الأذى بالسياسيين، وبات الخوف فعلياً من تحول العنف ضدّ السياسيين المشاركين بحكومة التغيير من أقوال إلى أفعال، لكن لا يمكن إغفال حجم التوتر السائد وغير المسبوق في الأجواء السياسية، وتبادل اتهامات قاسية دفعت جهاز الشاباك لإصدار تحذير من وقوع اغتيال سياسي وشيك، في حين نشر نتنياهو على فيسبوك نصاً من التوراة، يتحدث فيه عن الجواسيس والخونة وأشعل هذا النص عاصفة سياسية بين مؤيديه، حين ساوى بين الجواسيس العشرة الواردين في التوراة مع أعضاء الحكومة الجديدة، لا يجب أن يبدو الأمر وكأنّه هجوم على الكنيست، بل قد يكون اعتداءً على منزل أحد أعضاء حكومة التغيير، الذين احتج أنصار نتنياهو أمام بيوتهم، وقد يسفر ذلك عن إصابة جسدية لسياسي أو صحفي، وبات الأمر فقط في حاجة لمؤيد لنتنياهو، قد غسِل دماغه، فيفسر كلماته على أنّها رخصة كي ينفذ القتل، وهناك قلق إسرائيليّ متنامٍ من الخطاب التحريضي الذي يتبناه نتنياهو وفريقه، وهناك دعوات إيقاظ تدعوهم للتوقف فوراً عن آلة الكراهية، والكفّ عن بثّ التهديدات التي تشير إلى إرثٍ سامٍ تركه نتنياهو (الذي غادر) بعد 12 عاماً من الحكم.

ما قبل اغتيال إسحاق رابين

يعود الإسرائيليون في هذه الأيام إلى ما قبل اغتيال إسحاق رابين، عام 1995، ويحذرون، بالتزامن مع التحريض على العنف بسبب تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وتصاعد حالة الجدل والشقاق والتصريحات الصادمة، من أن تتمّ ترجمة هذه التهديدات إلى سلوك عملي عنيف من أيّة خطوة غير مسؤولة، فهذا الوقت يتكرّر فيه السيناريو نفسه ويُلاحظ  تزايد وشدة في التطرف العنيف والتحريضي، مع التركيز على ما يحدث على الشبكات الاجتماعية، وهو خطاب يشمل الأقوال الجادة باستخدام اللغة ومصطلحات التحريض بل والدعوة للعنف والأذى الجسدي، ولذلك تنتظرنا أيام متوترة للغاية في جميع القطاعات، وهذه المرة مسؤولية جهاز الأمن العام أكبر من أيّ وقت مضى.

تشقق المجتمع الإسرائيلي

 بعد اغتيال رابين تشقق المجتمع الإسرائيلي بشكل كبير والتحريض الداخلي وصل مراحل خطيرة، وكانت الفترة التي تلت اغتيال رابين أكثر دراماتيكية في تاريخ إسرائيل، لأنّه عندما نقل رابين للمستشفى في حالة حرجة، تمنّى الإسرائيليون أن يعيش وألا يكون مطلق النار عليه يهودياً، وهذه الأيام تذكرنا بما سبق من تحريض أدّى إلى مقتل رابين، فالكراهية والانقسام اللذين نراهما في الشوارع الإسرائيلية أخطر بكثير من ذلك الوقت، وأجراس الإنذار تدقّ وتحذر من اغتيال سياسي آخر، ونشطاء الليكود يتجولون بقمصان عليها عبارة اليساريون خونة، وغرد نجل يائير لابيد بالعمل ضدّ المدعي العام، واتهمه بتشكيل تهديد وجودي على إسرائيل، واصفاً إياه بالعدوّ مثل إيران.

 والمطلوب الآن ليس فقط التحذير، بل الاستعداد، للإضرار بشخصية سياسية في أعقاب موجات التحريض الأخيرة، والخطر يمكن أن يأتي من الأخطار الفردية، هناك خطاب شبكي شديد التحريض للغاية يوجد فيه أفراد لديهم نوايا للإيذاء، ودور جهاز الأمن العام هو تحديد أماكنهم.

نداء الشاباك

 بالعودة إلى الأحداث التي سبقت اغتيال رابين، أصدر جهاز الشاباك تحذيراً علنياّ، لكن، لسوء الحظّ، لم تلقَ كلماته آذاناً مصغية، وفي التسعينيات لم تكن هناك شبكات تواصل اجتماعي، ولم يكن هناك "واتساب" ومراسلات بالهواتف المحمولة، لكنّ نداء الشاباك اليوم جاء بصوتٍ مدوٍّ، باعتباره تحذيراً من رجالات الأمن الذين يمتلكون معلومات استخباراتية يجب الانصياع لها، لكن، في المقابل، ما يزيد خطورة الموقف بين الإسرائيليين، هو أنّ لا أحد من المسؤولين يقوم بما يكفي لمحاولة تهدئة الهيجان والتحريض داخل الأحزاب السياسية.

بعد اغتيال إسحاق رابين تشقق المجتمع الإسرائيلي بشكل كبير والتحريض الداخلي وصل مراحل خطيرة، وكانت الفترة التي تلت اغتيال رابين أكثر دراماتيكية في تاريخ إسرائيل

 وفي مثل هذه الحالة تزداد الاعتبارات الأمنية القائمة على الاستخبارات الميدانية والتقييمات المستقبلية وتتطلب الاهتمام، وقد يستخلص من خلال ما تتمّ مشاهدته في أعقاب تنصيب حكومة التغيير الجديدة، بقيادة بينت ولابيد، ومحاولات نتنياهو إسقاطها؛ أنّ حدثاً خطيراً سيهزّ الساحة الإسرائيلية، لكنّه لم يفعل هذا حتى الآن، ولو حدثت فوضى حقيقية أدّت إلى محاولات اغتيال لأيّة شخصية سياسية أو أمنية، فإنّ المسؤولين السياسيين الإسرائيليين يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذه العاصفة، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، في حين أنّ فرص محاولة استهداف أحد ما في إسرائيل باتت تتزايد، والمنحدر الذي تجد إسرائيل نفسها عليه أصبح منزلقاً أكثر من أيّ وقت مضى.

اقرأ أيضاً: لماذا يعمل بايدن على دفع تركيا إلى حضن إسرائيل؟

 ويأمل الإسرائيليون في أن يتقدّم شخص بالغ مسؤول يساعدهم على تخليص أنفسهم مرة أخرى من هذه الأزمة المستعصية، فالأجواء الإسرائيلية توحي باقتراب اغتيال سياسي آخر، صحيح أنّ المجتمع الإسرائيلي لم يكن كالسابق، لكنّ هذا لا يعني أنّ الضرر لا رجوع فيه، نتنياهو نفسه محمي بشكل جيد من أجهزة الأمن، كدرس من اغتيال رابين، لكنّ الخطر الأكبر يكمن في المظاهرات المنقسمة التي تجوب الشوارع ضدّ حكومة التغيير الجديدة، والمطالبات الأخرى بمحاكمة نتنياهو في قضايا الفساد المتهم بها وسجنه، والخشية الإسرائيلية في هذا الوقت من وراء كلّ ما يحدث من فوضى سياسية، هو أن تُترجم كلّ التهديدات المتواصلة إلى سلوك عملي عنيف على الأرض.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.ynet.co.il/news/article/H1lsDMFqu

الصفحة الرئيسية