هل يمكن أن تصنع السينما إرهابياً حقيقياً؟

الإرهاب ليس إرهاب داعش هذه المرة، إنما الجذر الأسطوري الذي يستقي منه الإرهاب جميع أفعاله، التي يزاولها على أرض الواقع، والجذر اللاهوتي لكل أشكال التعصب والتطرف والعنف، ومرآتها المتحركة في كل مكان من العالم، وفي كل دولة ترفع شعار حقوق الإنسان والدفاع عنه ضد الظلم والتعسف والاستبداد.

اقرأ أيضاً: كيف خدمت السينما أعمال إحسان عبدالقدوس؟

لم تحصل السينما الغربية على قصةٍ أقل عنفاً على البشرية وأكثر إنسانية لعين المتلقي وإحساسه؛ من تلك القصة لفيلمها الحاصد لجوائز الأوسكار الثمانية، "المليونير المتشرد"؛ "Slumdog Mllionrei"، بالنسخة الهندية، للمخرج البريطاني "داني بويل" الذي أخذها بدوره عن رواية تحمل الاسم ذاته للكاتب الهندي "فيكاس سواراب"، والذي لعب فيه دور البطولة الممثل البريطاني الهنديّ الأصل "ديف باتل".

لم يتسلل الإرهاب إلى السينما الغربية بغير قصد إنما دخل من أبوابها العريضة ليكون علامة فارقة بين منتجاتها متعددة الوجوه

يتحدث هذا الفيلم البريطاني عن هجوم جماعات من أتباع الإله "راما" على أحد الأحياء الفقيرة في مدينة هندية؛ أو أحد الأحياء "المشاع" التي تعاني من الفقر والجوع والمرض والجهل أيضاً، يُقتل الرجال، وتُقتل النساء ويشرد الأطفال، وكلٌّ يحمل معتقداته الخاصة التي أصبحت بدورها مشاعاً للعنف والإرهاب.

"لولا وجود الأديان لبقيت أمي على قيد الحياة" تلك الجملة؛ قالها "جمال" بطل الفيلم في إجابته عن سؤال يتعلق بالأديان والإله "راما" بالتحديد، عندما دخل في برنامج المسابقات "من سيصبح مليونيراً" وهو يتذكر ما حصل له في طفولته البائسة، بعد أن فرّ مع أخيه الأكبر سليم وصديقتهما "لاتيكا" من قبضة الإرهاب الذي يدافع عن آلهة ليست موجودة إلّا في الحكايات الأسطورية، لتلتقيهم عصابات المافيا في الهند، تعلمهم التسول والغناء، تضمهم إلى مجموعة من الأطفال المتشردين، تفقأ عيون طفل بصوت جميل، ليكون المغني الأعمى فيجني أكبر قدرٍ ممكن من المال، يهرب "جمال وسليم" وتضيع الفتاة فتعود إلى قبضة العصابة ثانيةً.

اقرأ أيضاً: هل قدمت السينما المصرية صورة منصفة للمعلم؟

"جمال" رفض أن يجاري أخاه "سليم" في اتخاذ العنف وسيلة لاستمرار حياتهما، فعمل خادماً في الشركة التي تقيم مسابقات المال وتغوله على حياة الأفراد.
اعتمد المخرج "بويل" على الذاكرة المرتبطة بالزمان والمكان، وما خزّنته من مآسٍ تعرض لها الطفل المتشرد، وقد تفوّقت في مضمونها على الثقافة العامة، فاستدرج بها "بويل" عاطفة المتلقي إن لم نقل ابتزها ابتزازاً واضحاً وصريحاً، فوقع في فخّ خياله بالاشتراك مع خيال كاتب الرواية المتفوق أيضاً على الواقع الثقافي بمضمونه الواسع.

اقرأ أيضاً: 5 أمراض نفسية جسدتها السينما وعكست مخاوف المبدعين وهواجسهم

لم يتسلل الإرهاب إلى السينما بغير قصد، أو عنوةً عن القائمين بأعمالها، إنما دخل من أبوابها العريضة ليكون علامة فارقة بين منتجاتها متعددة الوجوه، تقتنص من خلاله الجوائز المغرية لتضيف إلى شهرتها علامةً مميزة بالنجمة.
وفي ذات الوقت تروج لنفسها على أنها المدافع الأول عن حقوق الإنسان، ويوسم العرب والشرق الأوسط بميسم الإرهاب.

إن زجّ الأطفال في تمثيل مثل تلك الأفلام كفيلم "المليونير المتشرد" و"عداء الطائرة الورقية" وغيرها من الأفلام المؤلمة، والمنقولة عن قصص روائية، ليس إلاّ تجنيداً غير مباشر في الإرهاب للطفل القائم بدور الضحية، مثل عمالة الأطفال، والتشرد، والتسوّل والسرقة، وغيرها من الأعمال غير المشروعة، فمن لديه موهبة التمثيل يتقمص دور الشخصية التي يمثلها بكافة تفاصيلها، فمن المحتمل أن تبقى داخله إلى أجل غير مسمى في حياته العادية، ويلزمها زمن ليس بقليل للخروج من ذاك الطفل الموهوب، مع أننا على دراية كاملة بأن الموهبة الفنية لا تنفصل عن ممارسة الفن، فيبقى الفرق في نوعية الممارسة.

اقرأ أيضاً: كيف تناولت السينما المصرية تأثيرات هزيمة 67؟

لاحظ "مرسيا إلياد" أن "إنسان ما قبل التاريخ" هو كائن يتمتع بذكاء وخيال واسع جعله ينتصر على الطبيعة في إيجاد طريقة العيش أو (البقاء)، فيقول"... أما بالنسبة لنشاط اللاشعور كالأحلام والرؤى والخيالات والتصورات.. الخ فيحتمل أنها لم تتميز لديه، إلاّ بحدتها واتساعها عما يوجد عند معاصرينا. غير أنه يجب فهم مصطلحات الحدة والاتساع في معانيها الأكثر قوة والأكثر مأساوية، وذلك لأن الإنسان هو الحصيلة النهائية لقرار مُتخذ منذ بدء الزمان وهو: أن يقتل كي يستطيع العيش".

إلياد: إن الإنسان هو الحصيلة النهائية لقرار متخذ منذ بدء الزمان وهو أن يقتل كي يستطيع العيش

تلتقي مقولة "إلياد" مع كتابة الرواية التي تعتمد على الخيال والذاكرة، فالصورة المتخيلة أو المستعارة من الذاكرة هي ماهية بلا وجود عياني؛ فتحاول الرواية منحها وجوداً عيانياً. وهذا ما يفرّق الرواية عن الفيلم؛ ففي الأولى يسرح القارئ بخياله مع الكلمة (المفردة) المكتوبة، ولا تصل إلى من هم تحت سن القانون إلاّ ما ندر، فيكون القارئ قادراً على التحكم بالمشاعر والأحاسيس الإيجابية والسلبية، كما أنه قادر على التحليل والربط بين الخيال والواقع.

أما الفيلم فهو اختزال لمتعة السرد ومتعة التخيّل التي تنقلها الكاميرا بعين المخرج والمصور وباقي فنيي السينما، غير أنه في متناول الجميع، وحاضر في كل منزل، يشاهده الطفل كما يشاهده الشخص الراشد، مع أن لا أحد يشكك في الصداقة اللدودة بين الرواية والسينما، التي حوّلت محتويات الرواية لصالحها عبر مقومات الرؤية والحركة والتفاعل الحسي والبصري لكافة عناصرها "الزمان والمكان، الشخصيات، الذاكرة والخيال" مختزلةً الوقت الذي استنزف فكر كاتب الرواية ومحاكاته لشخوص روايته، وحالته النفسية ببضع ساعات أو ساعة واحدة وبضع دقائق كما في الفيلم الآنف الذكر، الذي اختزل رواية بيع منها ملايين النسخ، وترجمت إلى عدة لغات في العالم.

 

الأقسام: