هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟
2906
عدد القراءات

2019-06-24

الإجابة عن سؤال: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟ يمكن أن تفسر بعض الديناميكيات الرئيسة لظاهرة الإرهاب، بداية من العلاقات السببية في قلب هذه الظاهرة العالمية (على نحو لماذا يحدث الإرهاب؟ وأين؟ ومتى؟)، إلى مستوياته المختلفة عبر الزمان والمكان؛ (لماذا يستمر ويبقى في فترات محددة وعلى مستويات مختلفة؟)، ثم العملية التي تنتهي بها النشاطات الإرهابية؛ (لماذا تجفّ أو تنتهي، ولا تجفّ، في بعض الأحوال والأوقات؟)، وأنماط الدعم المتعلقة بالإرهاب؛ (لماذا ينخرط بعض الأفراد أكثر من غيرهم في ممارسة الإرهاب؟).

توصلت دراسة جون تورس إلى أنّ الجماعات غير الإرهابية تنجح أكثر من الإرهابية في تحقيق أهدافها أو بعض أهدافها

للإجابة عن مجموعة الأسئلة أعلاه، يناقش المؤرّخ وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كوينز في بلفاست- أيرلندا الشمالية، ريتشارد إنجليش، في كتابه "هل ينجح الإرهاب.. عرض تاريخي"، 2016، الجوانب المختلفة لهذا السؤال، بطريقة تاريخية تحليلية ومفاهيمية مبدعة، اعتماداً على دراسات حالة متنوعة، ومستعيناً بخبرته الكبيرة بدراسة الحركات القومية المتطرفة، وتجربة الإرهاب في أيرلندا الشمالية، التي تعدّ من أهم وأثرى تجارب الإرهاب ومكافحة الإرهاب في العصر الحديث، خاصة تجربة "إرهاب الجيش الجمهوري الأيرلندي"، التي تبنّي أساليبها الإرهابية من قبل كافة الجماعات والمنظمات الإرهابية في العالم، خاصة أسلوب تفجير المباني والمركبات بعد (التفخيخ).

اقرأ أيضاً: عودة الإرهابيين من سوريا.. كيف سيتعامل الأردن مع هذا الملف؟
هذا العنوان الشامل للإرهاب، الذي وضعه إنجليش، لم يدّعِ القدرة على الإجابة عن السؤال، لكنّه، بالتأكيد، يشكّل مساهمة ممتعة لكلّ باحث في ظاهرة الإرهاب والجدل حول هذه الظاهرة المعولمة.
غلاف الكتاب

يبدأ إنجليش دراسته ببناء إطارٍ مفاهيمي عميق، قائم على 4 نتائج للإرهاب، وهي:
1- النصر الإستراتيجي؛ من حيث تحقيق الجماعات الإرهابية لهدفها (أهدافها) الأولية.
2- النصر الإستراتيجي الجزئي؛ كتأخير حدوث الهزيمة.
3- النجاح التكتيكي؛ كالنجاح العملياتي، أو الحصول على الجماهيرية.
4- المكاسب الملازمة للصراع؛ مثل تحقيق المكانة والهيبة والنفوذ.

هذا وقد قام إنجليش بتطبيق هذا الإطار المفاهيمي، كدراسة حالة، بشكلٍ رئيس على تجارب تنظيمات: القاعدة، الجيش الجمهوري الأيرلندي، حماس، وإيتا الباسكية، وبدرجة أقلّ من البحث على جماعات أخرى، مثل: حزب الله، المؤتمر الإفريقي في جنوب إفريقيا، نمور التاميل-إيلام السيريلانكية، بادر ماينهوف الألمانية، ولشكر طيبة الباكستانية، وغيرها من الجماعات، لفحص كفاءة نشاطها.

اقرأ أيضاً: عام ٢٠١٩ الطويل!

وبناءً عليه؛ قام بتقسيم الكتاب إلى 4 فصول، هي على الترتيب: الإرهاب الجهادي: حالة تنظيم القاعدة، أيرلندا والجيش الجمهوري المؤقت، والإرهاب الباسكي، منظمة إيتا، والدولة في إسبانيا. ثم قام بتطبيق إطاره المفاهيمي الرباعي على كلّ جماعة على حدة، من خلال تقرير متابعة خاص، ثم قام بوضع النتائج عن مجموع الحالات في فصل خامس.

ريتشارد انجليش
النتيجة المهمة، ضمن العديد من النتائج التي توصل إليها إنجليش؛ هي حقيقة أنّ جميع هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية، تسببت بالكثير من الخسائر والمعاناة البشرية، ومع ذلك فإنّها جمعيها لم تحقق أياً من أهدافها المركزية.
زيادة على ذلك؛ فإنّه على العكس من الثقة التي كثيراً ما يحاول الإرهابيون إثباتها بفوائد استخدام العنف، فإنّ الكثير من المستقبل السياسي الذي حاولوا صناعته والتعجيل بحصوله لا يستحق الاحتفال به كما يحاولون.
يعترف إنجليش؛ بأنّ الإجابة عن سؤال: هل ينجح الإرهاب؟ ليست سهلة، نظراً إلى تعقيد ظاهرة الإرهاب نفسه، وأنّ بعض الناس يقع في صراع ولا يجرؤ حتى على طرح مثل هذا السؤال.

اقرأ أيضاً: خطر الإرهاب وعودة المقاتلين الأجانب يتصدر المشهد.. كيف يمكن مواجهته؟
ولقد ساعد أسلوبه النقدي التاريخي والفلسفي، وإطاره المفاهيمي الواضح، وتوثيقه الشامل للأحداث، في إثارة جملة من الأفكار، وفي تجنبه الوقوع في فخ الجدل والهجوم النقدي من قبل الآخرين الذي يميز الكتابة في هذا الحقل من العلوم الإنسانية.
إنّ مناقشة فكرة؛ هل تنجح الجماعات الإرهابية في تحقيق أهدافها؟ ليست جديدة، فهناك الكثير من الدراسات والأبحاث النوعية والكمية حول هذه الفكرة، وجمعيها خلُصت إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها إنجليش، لا بل إنّ هناك بعض الدراسات الكمية مثل دراسة البرفسور جون تورس (John A. Tures) December 19, 2018,) التي قارنت بين 90 جماعة مقسمة إلى جماعات إرهابية، وأخرى غير إرهابية.

وتوصلت الدراسة إلى أنّ الجماعات والمنظمات غير الإرهابية تنجح أكثر من الإرهابية في تحقيق أهدافها أو بعض أهدافها؛ حيث تبيّن من خلال الدراسة الكمّية؛ أنّ 6 جماعات إرهابية من أصل 45 جماعة، حققت أهدافها السياسية، بينما حققت 26 جماعة غير إرهابية، من أصل 45 جماعة، أهدافها السياسية.

القضية الرئيسة في كتاب إنجليش هي تأكيده على أنّ الحلول العسكرية المبالغ فيها تؤدي إلى خلق المزيد من الإرهاب

وعلى العموم؛ فإنّ الذين يحاججون بأنّ الإرهاب، يمكن، أن ينجح في تحقيق أهدافه السياسية، هم غالباً يشيرون إلى مثال نجاح الجماعات الإرهابية الصهيونية، الأرغون وشترن، في إقامة دولة إسرائيل، من خلال الإرهاب الذي مارسه مناحيم بيغن، وإسحق شامير، في بداية تشكيل دولة إسرائيل، والمؤتمر الإفريقي في جنوب إفريقيا، الذي أوصل نلسون مانديلا للحكم، ومثال حزب الله اللبناني في جنوب لبنان، خاصة في حربه مع إسرائيل.
مع أنّ الدراسة العميقة لهذه الأمثلة يمكن أن تميط اللثام عن حقيقة أنّه؛ سواء في إسرائيل أو جنوب إفريقيا، لم تنجح هذه الجماعات إلا عندما تخلّت عن العنف والإرهاب، وانخرطت في العملية السياسية السلمية.
في النهاية؛ لقد حظي كتاب إنجليش بنقدٍ إيجابي واسع من الجهات المهتمة بأدبيات الإرهاب ومكافحته، لكنّني أعتقد أنّ القضية الرئيسة المهمة في الكتاب، هي تأكيده على أنّ الحلول العسكرية المبالغ فيها تؤدي إلى خلق المزيد من الإرهاب.
ولا يحتاج المرء إلى كثير من التحليل ليكتشف أنّ إنجليش بهذا التحليل يعارض المقاربات العسكرية-الأمنية، السائدة حالياً في كلّ دول العالم لمكافحة الإرهاب.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة

2020-02-25

تُمثّل كتابة دراسة استقصائية ممتازة، تستند إلى الأدبيات المتعلقة بالإرهاب، تحدياً حقيقياً في حقبة العولمة المعاصرة وعولمة الإرهاب، في ظلّ الانتشار الهائل للكتب والمقالات المتعلقة بهذا الموضوع والتطور المستمر والمتسارع لتهديد الإرهاب العالمي.

يتحدث الكتاب عن مختلف أنواع الإرهاب بما في ذلك الإرهاب العرقي والقومي والثوري والديني وإرهاب الدولة

وقد واجه البرفيسور الأمريكي  في علم الجريمة، وخبير الإرهاب في جامعة الينوي -شيكاغو؛ ماثيو روس ليبمان (Matthew Ross  Lippman)، هذا التحدي، حيث قام بمهمة صعبة ومفيدة للغاية، في الطبعة الأولى من كتابه؛ "الإرهاب ومكافحة الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة" Terrorism and Counterterrorism: Theory, History, and Contemporary Challenges، الصادر باللغة الإنجليزية عام 2019.
ويقول ليبمان في مقدمة كتابه، إنّ الأعوام التي تلت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، شهدت زيادة سريعة في المناهج والبرامج ومراكز البحوث والمجلات والكتب المتعلقة بالإرهاب، مُشيراً إلى أنّ كتابه "محاولة لتوحيد بعض هذه الرؤى والتطورات الفكرية، في مقدمة سهلة المنال وموجزة نسبياً، ومتعددة التخصصات لموضوع الإرهاب".

غلاف الكتاب
ويتكوّن الكتاب من 12 فصلاً، موزعة على 374 صفحة، وعدداً من الصور الفوتوغرافية التي تناولت مواضيع متعددة؛ حيث يبدأ بتعريف الإرهاب، ثمّ يتحدّث عن نظريات الإرهاب وإستراتيجيات وتكتيكات الجماعات الإرهابية وجذور الإرهاب المعاصر والإرهاب الثوري والقومي واليمين المتطرف والذئاب المنفردة وإرهاب الدولة والإرهاب الديني والأسس القانونية والتاريخية للأمن الوطني والإرهاب والإعلام المعاصر وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي ومكافحة الإرهاب، كما خصّص ليبمان الفصل الأخير للحديث عن الرئيس الأمريكي الحالي؛ دونالد ترامب والإرهاب المعاصر.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا
ويبدأ الكتاب بدراسة مختلف المناهج في تعريف الإرهاب، مُتحدثاً عن مشكلة التعريفات، كما يناقش تمويل العمليات الإرهابية والأسلحة، فضلاً عن التكتيكات والإستراتيجيات المشتركة، بما في ذلك الإرهاب السيبراني، ويتحدث عن الأسس التاريخية للإرهاب الحديث ومختلف أنواع الإرهاب، بما في ذلك الإرهاب العرقي والقومي والثوري والديني وإرهاب الدولة، والإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية، المحلي والدولي على حدّ سواء، كما يُشير إلى العلاقة بين وسائل الإعلام والإرهاب، والمؤسسات المعنية بالأمن الداخلي.

يناقش الكتاب عدداً من المواضيع الحساسة للأمن الأمريكي مثل دور اللجان العسكرية والحق في الخصوصية مقابل متطلبات المراقبة

لقد اتبع المؤلف نظاماً تنظيمياً قياسياً لفصول الكتاب بشكل متسلسل بما يسهل من عملية الدراسة؛ حيث يبدأ بمناقشة نظرية عامة، ثم فصول تاريخية، والجزء الأخير من الكتاب يهتم في المقام الأول بالإعلام والسياسة العامة.
وبشكل محدد ومختصر يستعرض الفصل الأول مفهوم الإرهاب حسب مختلف المناهج، ونقاط القوة والضعف في هذه التعريفات للمصطلح، ويستعرض بشكل سهل ومختصر، كافة التعريفات الرسمية الأمريكية المختلفة، منوهاً إلى صعوبة الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب، وهي مشكلة يعترف بها كافة باحثي ظاهرة الإرهاب.

ويقدم الفصل الثاني لمحة عامة عن التعريفات؛ النفسية والتاريخية والكلية للإرهاب، ويناقش ظاهرة إرهاب  "الذئاب المنفردة" ومشاركة المرأة في الإرهاب. وهي من الموضوعات المهمة والمعاصرة في أدبيات الإرهاب وتسجل إضافة مهمة للمؤلف في أنّه شمل هذه الموضوعات الحساسة اليوم في كتاب مدرسيّ واحد حول ظاهرة الإرهاب.
ويستعرض الفصل الثالث التكتيكات والاستراتيجيات الإرهابية؛ حيث يقدم المؤلف لمحة عامة عن عمليات تمويل الإرهاب، والأسلحة التي يستخدمها الإرهابيون، وتكتيكاتهم واستراتيجياتهم، بما في ذلك الإرهاب السيبراني، الذي يحظى اليوم بأهمية كبيرة لدى خبراء وباحثي ظاهرة الإرهاب وارتباطها بالتكنولوجيا.

يمكن استخدام كتاب ليبمان كنص أساسي أو تكميلي في عمليات دراسة الإرهاب لكافة مستويات القراء والمهتمين

وخصص المؤلف الفصل الرابع لاستعراض تاريخ الإرهاب؛ حيث يحدد أسس الإرهاب الحديث، بما في ذلك الإرهاب الديني، والثورات الفرنسية التي تعد حسب اتفاق الكثير من مؤرخي وباحثي الإرهاب البيئة التي خلفت الإرهاب العالمي المعاصر، والروسية، والأناركية، ومقدمة للإرهاب الإيرلندي، من خلال الحديث عن عمليات الجيش الجمهوري الإيرلندي.
وفي الفصل الخامس يعدد المؤلف أنواع الإرهاب؛ إذ يناقش الإرهاب العرقي؛ القومي والثوري، وفي الفصل السادس يغطي الإرهاب الديني، أما الفصل السابع فيحدد أنواع إرهاب الدولة.
وخصص المؤلف الفصل الثامن لمناقشة الإرهاب في الولايات المتحدة، وتحديداً إرهاب اليمين المتطرف واليساري في الولايات المتحدة والإرهاب الدولي في أمريكا، و يرى أنّ الإرهاب اليميني (اليمين المتطرف ) هو إرهاب الجماعات التي تدعم شكلاً استبدادياً من أشكال الحكم مع الالتزام بالنقاء العرقي أو القومي ومعارضة التنوع العرقي والهجرة. وهي تعبر عموماً عن قومية متطرفة وتعارض الالتزامات الدولية التي تحد من استقلال الأمة. ومن الأمثلة على ذلك مختلف جماعات النازيين الجدد في أوروبا وجماعة الإخوان الآريين في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: تركيا تجدد حيوية داعش وترعى انتقال الإرهابيين من سوريا والصومال إلى ليبيا
ويناقش الفصل التاسع قضية الإعلام والإرهاب؛ حيث ركز المؤلف على بحث العلاقة بين وسائل الإعلام والإرهاب والقضايا التي تنشأ في التغطية الإعلامية للإرهاب. في حين يستعرض الفصل العاشر قضية الأمن الداخلي من خلال مقدمة موجزة عن المؤسسات المعنية بالأمن الداخلي في الولايات المتحدة.

ونظراً لأهمية مسألة مكافحة الإرهاب في العالم خاصة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقد خصص المؤلف الفصل الحادي عشر لمكافحة الإرهاب من خلال مقدمة لقضايا السياسة العامة المعاصرة في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك الجدل حول معتقل غوانتنامو، واللجان العسكرية، والمحاكمات المحلية للإرهابيين، وتعزيز الاستجواب، والتنميط العنصري، والمراقبة.
ويصل المؤلف إلى الفصل الأخير، الذي يعتبر رسماً أولياً للتطورات التي حدثت في مجال متابعة الظاهرة منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: 2020... موجة إرهابية جديدة تجتاح العالم
إنّ  أحد أهم ميزات كتاب ليبمان هي تنظيمه المحكم وترتيبه للموضوعات وشموليتها لكافة القضايا والمباحث التي تهم المختصين والمهتمين بفهم ظاهرة الإرهاب. ولئن كان يركز على الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فذلك لأنها أكثر الدول المعاصرة اهتماماً بقضية الإرهاب ومكافحة الإرهاب بعد رعب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. 
كما يُقدّم الكتاب، تقييماً قوياً لدور وسائل الإعلام وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تنطوي على "الصراع المادي في ساحة المعركة والصراع الأيديولوجي على الفضاء الإلكتروني"؛ إذ يتناول التطورات التي غالباً ما تكون مفقودة من النصوص المبكرة حول الإرهاب.

اقرأ أيضاً: ما أسباب ارتفاع عدد الملفات القضائية المتعلقة بالإرهاب في إسبانيا؟
ولا يتناول الفصلان العاشر والحادي عشر؛ "الأساس القانوني والتاريخي للأمن الداخلي" و"مكافحة الإرهاب"، والمنظمات المسؤولة عن حماية البلاد من التهديدات المحلية والأجنبية والعابرة للحدود الوطنية فحسب، بل يثيران أيضاً، أسئلة أساسية مرتبطة بحاجة النظام الديمقراطي إلى التوفيق بين الأمن القومي والحقوق الفردية والإجراءات القانونية الواجبة.
ويناقش الكتاب عدداً من المواضيع الحساسة للأمن الأمريكي؛ مثل دور اللجان العسكرية، وقضايا كالحق في الخصوصية مقابل متطلبات المراقبة، مناقشة مقنعة، بالإضافة إلى مسائل ساخنة كالتدابير المرتبطة بالهجرة.
وفي الفصل الختامي؛ "دونالد ترامب والإرهاب المعاصر"، يشير المؤلف إلى أنّ الفصل يُقدّم لمحة موجزة بدلاً من مناقشة متعمقة، ويمكن أن يكون أساساً لدمج المواد من الفصول السابقة لتمكين الدارسين من إجراء تقييم نقدي وموضوعي للسياسات والإجراءات المتعلقة بمكافحة الإرهاب. 

ويزوّد الكتاب القراء، على مختلف مستوياتهم، خاصة الطلاب، بتغطية مكتوبة ومنظمة جيداً للمواضيع الرئيسية، التي تُشكّل مجموعة من الدراسات المتعلقة بالإرهاب؛ حيث يُقدّم المؤلف عرضاً ثاقباً ومناقشة موجزة لمواضيع تتراوح بين المهمة والمعقدة، تتمثّل في تحديد طبيعة التهديدات وأعمال الإرهاب ومختلف أنواع الإرهاب، لا سيما عندما يتحدث عن موضوعات إرهاب "اليمين المتطرف" في أمريكا وأوروبا الذي يعتبر اليوم من أخطر أنواع الإرهاب، كذلك عندما تحدث عن إشكاليه المقاومة والارهاب، والحرية والأمن، ومشاركة النساء في الإرهاب، وخطورة إرهاب "الذئاب المنفردة".
ويتميّز الكتاب بطابعه المدرسّي المنظم والشامل والسهل، من حيث وجود الصور والموجزات والأسئلة لكل فصل، كما يُركّز على النظرية والتاريخ بشأن ظاهرة الإرهاب، إلى جانب تغطية التطورات المعاصرة الملموسة وقضايا السياسة العامة، ولذلك يمكن استخدام الكتاب كنص أساسي أو تكميلي في عمليات دراسة الإرهاب لكافة مستويات القراء والمهتمين.
ورغم أنّ الكتاب هو في الأساس كتاب مدرسّي، إلّا أنّه يمكن أن يوفر أساساً متيناً لأولئك الذين سيدخلون مهنة الأمن، والممارسين، الذين يريدون لمحة عامة وببلوغرافيا واسعة ومفيدة حول الموضوع الذي قد يحتاجون إلى دراسته ومعرفته في ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصرة.
.

للمشاركة:

هل يساعد الدين المجتمعات في أداء رسالتها؟

2020-02-20

قدّم ماكس فيبر بين عامي 1903 و1920، مجموعة من الدراسات في سوسيولوجيا الدين؛ مثل "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، "المذاهب الدينية في أمريكا الشمالية"، "الأخلاق الاقتصادية للأديان الكبرى"، وجُمعت هذه الدراسات في مجلد واحد بعنوان؛ "الأعمال الكاملة لسوسيولوجيا الدين"، الذي تضمن  دراسات عن الكونفوشيوسية والتاوية واليهودية، وقد نشرت المنظمة العربية للترجمة، مجموعة من هذه الدراسات في كتاب بعنوان: "مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"، (2015) ترجمة منير الفندري.

لا ينظر فيبر إلى الدين باعتباره نظاماً من المعتقدات بل يراه نسقاً لتنظيم الحياة حيث اهتمّ بالسلوكيات العملية للأفراد

وينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي، ولا يعتبره نظاماً من المعتقدات، بل نسق لتنظيم الحياة، ولذلك فقد اهتمّ فيبر بالسلوكيات العملية للأفراد، والمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وبالنسبة إليه، فإنّ المسألة المطروحة هي لا عقلانية العالم، وبشكل خاص عدم التوافق بين ما هو مقدّر، وبين ما تصير إليه الأمور، بين واقع المعاناة الذي تعيشه، وحقيقة الموت الذي كان القوة الدافعة لتطوّر الأديان جميعها، وإذا أنشأت الأديان نظماً وترتيبات لاهوتية متعلقة بالعالم الآخر، فإنّ بعض الاتجاهات السلوكية للناس في الحياة القائمة  تحركها عوامل وبواعث دينية.

"مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"
ويرى فيبر أنّ السياسة بعكس الاقتصاد، يمكن أن تدخل في تنافس مباشر مع ما هو ديني؛ فالدين والسياسة، كما يقول فيبر، متمايزان بوضوح، لا يوحد بين المنطق الداخلي لكل منهما، ويلاحظ تجارب متنوعة في العلاقة بين السياسي والديني، امتدت عبر تاريخ من المعارضة الراديكالية للسياسة، إلى الاستيعاب الديني، لكن ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، أنّ الدين ينشئ نتائج ثورية حتى عندما لا يبالي بالسياسة، كما ينشئ علاقات حميمة بالمجال الجمالي؛ كالموسيقى والرقص والعمارة والتصميم والزخرفة، وبهذا المعنى فقد شجع الدين الفن بقوة.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي
ويهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان، ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين، ويعتبر كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الأكثر شهرة بين أعماله الفكرية، كما يلقى نظرة شمولية على علاقات ديانات أهم الحضارات بالاقتصاد والتركيبة الاجتماعية في محيطها، في كتابه "أخلاقيات الاقتصاد لديانات العالم الكبرى".

يهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين

ويلاحظ فيبر، في مقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، أنّ الإنسان الكاثوليكي أكثر سكوناً وأقل مغامرة من الإنسان البروتستانتي، حيث إنّ البروتستانتية، كما يقول فيبر، تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار، واستغلال الوقت أفضل استغلال في تحقيق المنفعة للذات والآخرين، حيث تأخذ الحرفة أو المهنة في الفهم البروتستانتي للإنجيل، بعداً دينياً غير موجود في المجتمعات الكاثوليكية، كما أنّ البروتستانتية تمنح العمل قداسة دينية، وقد كانت الحوافز والدوافع الدينية للعمل والإنتاج واحدة من أهم ملامح حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر بين عامي  1483 و 1546، وفي حين كان الصرافون والمرابون والاحتكاريون، حلفاء مقربين للملوك في بريطانيا وفرنسا، كانوا يتعرضون للنقد الحاد من قبل الإصلاحيين الكالفينيين. وفي حين استخدمت دعوات الزهد والتقشف لتكريس الخضوع للسلطة والرضا بالفروق الاقتصادية والاجتماعية لدى الكاثوليك؛ استخدمت لأجل العمل والإنتاج والتقدم الاقتصادي، وتكريس الموارد للأعمال المنتجة بدلاً من هدرها في مجالات لا تفيد الفرد والمجتمع في البروتستانتية.

ينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي
يختار فرويد نماذج أدبية تعتمد على المصادر الدينية، فيلاحظ أن القصة التقليدية لآدم وحواء وخروجهما من الجنة، تعرض في عالم الكاثوليكية كمسألة تراجيدية أقرب إلى اللعنة، لكنها في الأدب الإصلاحي تبدو أمراً إيجابياً، وفي ذلك يقارن بين دانتي في الكوميديا الإلهية؛ إذ يصمت اليغيري دانتي حيال الأسرار الإلهية لخاتمة القصة، لكن جون ميلتون في "الفردوس المفقود"، العمل الذي يسمى الكوميديا الإلهية للبيوريتانيين؛ يصف الخروج من الجنة على النحو التالي:

البروتستانتية بحسب فيبر تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار واستغلال الوقت في تحقيق المنفعة للذات والآخرين

التفتا إلى الخلف ولمحا الركن الشرقي من الجنة
الذي كان مقرهما الناعم الهانئ
يغمره لظى من النيران المستعرة
وعلى بابه حشود من المردة
في قبضاتهم أسلحة من اللهب
أحسّا بالدموع تتقاطر الهوينى
ولكن سرعان ما جففا الخدود
لقد ظهرت أمامهما الدنيا الفسيحة
التي لهما أن يختارا فيها موطناً مريحاً
تقودهما في ذلك عناية الرب
سارا بخطى وئيدة مترددة
مبتعدين، اليد في اليد عن جنة عدن
وفي موضع آخر من الملحمة يقول ميخائيل (ميكال) لآدم:
لا تنس أن تقرن المعرفة بالفعل
وأضف إلى ذلك الفضيلة والعقيدة والصبر
ثم الاعتدال وتلك المحبة
التي ستصبح يوماً تمجد بنعتها المسيحية
وتغدو المهجة لكل الفضائل
حينئذ لن تأسف على فراقك هذا الفردوس
ما دمت تحمل في نفسك ما هو أجمل بكثير

ومن الواضح أنه شعر يمتلئ بمحبة الحياة، وتثمينها كهدية، ويؤكد فيبر أنّ هذه الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت، ليست فروقاً قومية مردها إلى الاختلاف بين الأمم، لكنه يردها إلى اتجاهات ومذاهب كنسية، مع التأكيد على أنها ليست العامل الوحيد، لكن النتائج والآثار الاقتصادية والاجتماعية، لم تكن نتائج متوقعة أو مخططاً لها عند مؤسسيها على أي حال، بل هي عفوية وغير مستهدفة، جاءت في كثير من الحالات بعيدة عما تهيأ لخاطرهم، أو على نقيضة أحياناً.
ويؤكد ماكس فيبر هنا على أنّ الرأسمالية لم تكن نتاجاً حتمياً للبروتستانية، أو أنّ "الرأسمالية" لم تكن لتظهر بدونها، فالرأسمالية برأيه أعرق وأعمق من البروتستانتية، لكن فيبر يحاول أن يبحث ويفكر في الأثر الاقتصادي للحركات الدينية، وإلى أي مدى ساهمت في صياغة العقلية الرأسمالية، وماذا يعود إلى الحركات الدينية من جوانب محسوسة في الحضارة الرأسمالية.

للمشاركة:

هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:



آخر تطورات الكورونا في بعض البلدان العربية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-27

أعلنت وزارة الصحة الكويتية، اليوم، ارتفاع عدد المصابين بفيروس كورونا إلى 43 شخصاً، جميعهم قدموا من إيران.

وأشارت الوزارة في بيان صحفي، إلى أنّ المصابين يخضعون للعلاج في 3 مراكز حجر صحي، موضحة أنّ "جميع الحالات مستقرة وتتلقى الرعاية اللازمة".

وبيّنت أنّها تنسّق مع الطيران المدني ووزارة الداخلية لمنع دخول القادمين من الدول الموبوءة إلى البلاد، عقب ظهور الإصابات بين القادمين من إيران.

ارتفاع عدد المصابين بفيروس كورونا في الكويت إلى 43 شخصاً جميعهم قدموا من إيران

ودعت الوزارة المواطنین والمقیمین إلى الالتزام بالتعلیمات الصادرة عن الجھات المتخصصة من أجل الحفاظ على صحة الجمیع ومنع انتشار الفيروس.

بدورها، حذّرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية مواطنيها من السفر إلى 5 دول حول العالم، وكان آخر تحذير أطلقته اليوم عبر حسابها في تويتر، دعت فيه المواطنين إلى تأجيل سفرهم إلى إيطاليا، وقالت الوزارة: "في ظلّ انتشار فيروس كورونا المستجد في عدد من الدول، تنصح سفارة دولة الإمارات في الجمهورية الإيطالية مواطني الدولة بتأجيل سفرهم في الوقت الحالي لجمهورية إيطاليا، حفاظاً على صحتهم وسلامتهم".

كما نصحت المواطنين المتواجدين في إيطاليا بتجنب الأماكن والأقاليم المصابة، وباتّباع تعليمات السلامة الصادرة عن السلطات الإيطالية، والتواصل مع السفارة إذا دعت الضرورة.

الإمارات تحذّر مواطنيها من السفر إلى 5 دول حول العالم وتنشر لوائح إرشادية للإمارتيين في الخارج

وفي 24 شباط (فبراير) الجاري؛ حذّرت الخارجية من السفر إلى إيران وتايلاند في الوقت الحالي، وحتى إشعار آخر، وذلك في ظلّ جهود الدولة لمواجهة انتشار فيروس كورونا في عدد من الدول، وحرصاً على سلامة وصحة المواطنين.

وأهابت سفارة الإمارات في سيؤول مواطنيها بتأجيل سفرهم في الوقت الحالي لجمهورية كوريا الجنوبية، حفاظاً على صحتهم وسلامتهم، وقالت السفارة عبر تويتر: "في ظلّ انتشار فيروس كورونا المستجد في عدد من الدول، تهيب سفارة دولة الإمارات في سيؤول بمواطني الدولة تأجيل سفرهم في الوقت الحالي لجمهورية كوريا الجنوبية حفاظاً على صحتهم وسلامتهم".

ونصحت السفارة المواطنين المتواجدين في كوريا الجنوبية باتّباع تعليمات السلامة الصادرة عن السلطات الكورية والتواصل مع السفارة في حالات الطوارئ.

ودعت سفارة الإمارات في سنغافورة الإماراتيين المقيمين في سنغافورة أيضاً، إلى التقيد بالإجراءات الاحترازية الصادرة عن وزارة الصحة السنغافورية، بعد رفع درجة الاستعداد إلى اللون البرتقالي، وذلك لزيادة حالات انتقال العدوى بفيروس كورونا، والتواصل مع السفارة الإماراتية في الحالات الطارئة.

وأيضاً دعت وزارة الخارجية والتعاون الدولي المواطنين الإماراتيين الموجودين في البحرين إلى التواصل مع سفارة الدولة في حالة الحاجة لأية مساعدة.

إلى ذلك أعلنت وزارة الصحة العراقية، اليوم، كشف إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد، ليرتفع عدد الإصابات المسجلة في البلاد إلى 6 حالات.

وأوضحت الوزارة في بيان؛ أنّ الحالة السادسة المصابة بفيروس كورونا الجديد، الذي يشكل تفشيه قلقاً واسعاً حول العالم، تعود لشاب عراقي عاد إلى البلاد من إيران.

وفي سياق متصل؛ أعلنت وزارة الصحة البحرينية، أمس، ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا، لتصل إلى 26 حالة، بعد تسجيل ثلاث حالات جديدة.

جاء ذلك في بيان بثته وكالة الأنباء البحرينية، ذكرت فيه أنّ "العدد الإجمالي للحالات المصابة بلغ 26 بعد تسجيل ثلاث حالات جديدة لمواطنات بحرينيات قادمات عن طريق رحلات جوية غير مباشرة من إيران عبر مطار البحرين الدولي".

وارتفع عدد الوفيات جرّاء انتشار فيروس "كورونا المستجد" بالصين، إلى 2746 حالة، بينما بلغ إجمالي عدد الوفيات حول العالم بما فيها الصين، حتى يوم أمس الأربعاء، 2804 حالة.

وظهر الفيروس الغامض في الصين، للمرة الأولى، في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2019، بمدينة ووهان (وسط)، إلا أنّ بكين كشفت عنه رسمياً في منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي.

للمشاركة:

إجراءات سعودية جديدة لمواجهة الكورونا.. هل شملت تأشيرات العمرة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-27

علّقت المملكة العربية السعودية دخول الراغبين في أداء العمرة والسائحين إلى أراضيها، بشكل مؤقت، تخوفاً من انتشار فيروس كورونا.

وأكّدت وزارة الخارجية، في بيان لها، اتخاذ عدة إجراءات تحسباً لتفشي الفيروس بين المعتمرين.

وتشمل الإجراءات تعليق السماح بدخول الراغبين في أداء العمرة وزيارة المسجد النبوي، والسائحين مؤقتاً.

المملكة العربية السعودية تعلّق دخول الراغبين في أداء العمرة والسائحين إلى أراضيها تخوفاً من الكورونا

كما علقت السلطات أيضاً تأشيرات الدخول السياحية للقادمين من الدول التي يتفشى فيها الفيروس.

وعلقت المملكة دخول مواطني دول مجلس التعاون الخليجي باستخدام البطاقة الشخصية، باستثناء الموجودين على أراضيها والذين يرغبون في العودة لبلادهم، كما علقت السماح بخروج السعوديين إلى دول المجلس بالبطاقة الشخصية مع السماح للسعوديين الموجودين في دول المجلس بالعودة إلى أراضيها.

وأكّد البيان أنّه سيتم تقييم الموقف بشكل دوري ومستمر تبعاً للمستجدات.

وأهاب البيان بمواطني المملكة بعدم السفر إلى الدول التي تشهد تفشياً لفيروس كورونا في الوقت الحالي.

المملكة علقت دخول مواطني دول مجلس التعاون الخليجي باستخدام البطاقة الشخصية

يشار إلى أنّ المتحدث الرسمي لوزارة الصحة السعودية كان قد نفى، الأربعاء، ما تردّد حول اكتشاف حالة مصابة بفيروس كورونا الجديد في الدمام، داعياً الجميع إلى التواصل مع "@SaudiMOH937" في حال وجود أيّ استفسار عن الفيروس، وأخذ المعلومات من مصادرها الرسمية فقط وعدم الانسياق وراء الشائعات.

ومن المعروف أنّ المملكة تشهد وفود أعداد كبيرة من المعتمرين الراغبين في أداء العمرة خلال شهر رمضان، وبشكل خاص خلال الأيام العشرة الأخيرة منه، ومن المتوقع أن يبدأ شهر رمضان في أواخر نيسان (أبريل) المقبل.

 

للمشاركة:

مقتل جنديَّين تركيَّين في إدلب..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-27

أعلنت وزارة الدفاع التركية، اليوم، مقتل جنديين وجرح اثنَين آخرَين، في ضربة جوية في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا.

وردّت تركيا، التي تدعم فصائل مسلحة في المنطقة، على الهجوم فوراً؛ بضرب "أهداف للنظام السوري"، وفق ما نقلت وكالة "فرانس برس".

وبمقتل الجنديَّين يرتفع إلى 19 عدد العسكريين الأتراك الذين قتلوا بنيران النظام السوري في إدلب هذا الشهر.

وزارة الدفاع التركية تعلن مقتل جنديين وجرح اثنَين آخرين في ضربة جوية في محافظة إدلب

ويحقّق جيش النظام السوري تقدماً متسارعاً في محافظتَي إدلب وحماه، أمام الفصائل المسلحة الموالية لتركيا، بتحريره 58 بلدة وقرية، خلال ثلاثة أيام، وسط نفي روسي لخسارة سراقب.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إنّ الجيش يحقق تقدماً في القطاع الجنوبي من ريف إدلب وجبل شحشبو وسهل الغاب بالريف الحموي.

ووفق أرقام المرصد؛ يرتفع عدد المناطق التي استعادها الجيش السوري خلال الأيام الثلاثة الماضية إلى 58 بلدة وقرية في كلّ من إدلب وحماه.

وفي بيان له نشرته وكالة الأنباء الرسمية، قال الجيش السوري؛ إنّ قواته واصلت تقدمها في عملياتها العسكرية ضدّ التنظيمات الإرهابية بريف إدلب الجنوبي، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوفها.

في المقابل؛ لفت المرصد السوري إلى أنّه رصد وصول تعزيزات تركية مكونة من 90 عربة ومنظومة دفاع جوي، إلى النقاط التركية المنتشرة في ريف إدلب.

والمنظومة من نوع "أتليجان" قصيرة المدى، يصل مداها حتى 8 كلم، ومزودة برشاش من عيار 12.7.

كذلك تحدث المرصد عن دخول رتل تركي من معبر خربة الجوز، يتألف من 10 مصفحات، إلى نقطة اشتبرق في منطقة جسر الشغور بإدلب.

جيش النظام يحرّر 58 بلدة وقرية خلال 3 أيام في محافظتَي إدلب وحماه وينفي خبر خسارة سراقب

وبذلك، يرتفع عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت منطقة "خفض التصعيد"، خلال الفترة الممتدة من 2 شباط (فبراير) الجاري وحتى الآن، إلى أكثر من 2965 شاحنة وآلية عسكرية تركية.

فيما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب، خلال الفترة نفسها، أكثر من 7800 جندي تركي.

وبموجب اتفاق أبرم مع روسيا وإيران، عام ٢٠١٧، أقامت تركيا 12 موقعاً للمراقبة حول "منطقة خفض التصعيد" في إدلب، لكنّ أكثرها بات الآن خلف الخطوط الأمامية للجيش السوري.

في سياق متصل؛ نفى مصدر عسكري روسي، اليوم، صحة تقارير تحدثت عن سيطرة الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا على مدينة سراقب في ريف إدلب.

وأكّد المصدر، في حديث له نقلته وسائل إعلام روسية، أنّ قوات الحكومة السورية نجحت في صدّ هجوم الفصائل المسلحة على هذه المدينة الإستراتيجية.

 

 

للمشاركة:



ليبيا و"صوفيا الجديدة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-27

أيمن سمير

وافق الاتحاد الأوروبي، على بدء عملية جديدة لمراقبة تهريب السلاح للشواطئ الليبية، أطلق عليها «صوفيا العسكرية»، وهي تختلف عن عملية صوفيا الإنسانية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في العام 2015 وتوقفت في النصف الثاني من العام الماضي، بسبب الخلافات الأوروبية حول الالتزام ببنود «اتفاقية دبلن» التي تلزم الدولة الأولى التي يصلها المهاجرون غير الشرعيين بقبول هؤلاء اللاجئين، فهل تنجح «صوفيا الجديدة»، في وقف تهريب السلاح التركي للميليشيات في طرابلس ومصراتة؟ ولماذا تعترض تركيا على هذه العملية؟.

كان توقف النمسا عن استخدام الفيتو هو البداية الحقيقية لإطلاق «صوفيا العسكرية»، لأنّ غالبية الدول الأوروبية بما فيها إيطاليا التي استضافت مركز عمليات صوفيا منذ 2015، لا تتذكر من العملية إلا جانبها الإنساني، والذي كان يلزمها بقبول لاجئين ترى أن شركاءها في الاتحاد الأوروبي لا يشاركونها نفس المسؤولية.

وشكّل بيان برلين وقرار مجلس الأمن 5410 الداعي لوقف توريد السلاح إلى ليبيا، حافزاً لإجماع الدول الأوروبية على العملية التي خصصت طائرات وطائرات مسيرة وزوارق تستطيع مراقبة السواحل الليبية والممرات البحرية، التي تسلكها السفن التركية والقطرية المحملة بالذخيرة والميليشيات الإرهابية والمرتزقة السوريين إلى الغرب الليبي، وهو ما دفع تركيا للاعتراض على المهمة الجديدة.

وتتخوف تركيا من «صوفيا الجديدة»، بعد أن نجحت البحرية اليونانية في توقيف أكثر من سفينة تركية، كما أنّ حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول الموجودة شرق المتوسط، رصدت سفينة تركية وهي تفرغ حمولتها من الذخيرة والمدرعات بميناء طرابلس، وإذا كانت أنقرة تتذرع بأن «صوفيا العسكرية» لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن، فإن القرار الصادر من المجلس في 2011 أو القرار 5410، يمثلان الركن القانوني والتفويض الدولي للعملية من أجل وقف إرسال تركيا للسلاح والإرهابيين لحكومة السراج التي فقدت شرعيتها منذ ديسمبر 2017.

ويظل نجاح المهمة الجديدة للاتحاد الأوروبي جنوب المتوسط، مرهوناً بمدى ثبات الإرادة السياسية الأوروبية لتقديم الدعم للعملية الجديدة، بعد أن تحدث الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل بأن انكفاء الاتحاد الأوروبي وسلبيته تجاه نقل الإرهابيين إلى ليبيا، سيؤدي لعواقب أكثر بكثير من عواقب المهجرين غير الشرعيين.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

ماذا يعني تصنيف فيروس كورونا كوباء؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-27

يبدو أن فيروس كورونا الجديد مستمر بالانتشار في جميع أنحاء العالم، مع إعلان دول جديدة عن اكتشاف حالات إصابة بالفيروس، ووصوله إلى كل قارات العالم، ربما باستثناء القارة القطبية الجنوبية.

وبلغ الأمر حد إعلان منظمة الصحة العالمية، في الثلاثين من يناير الماضي، انتشار الفيروس بوصفه "حالة طوارئ صحية ذات بعد دولي"، فيما تصر المنظمة حتى الآن على عدم الإعلان عنه كـ"وباء"، رغم تأكيدها على ضرورة استعداد العالم لهذه المرحلة.

وفي هذا السياق قال مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدحانوم غيبريسوس: "علينا أن نركز على احتواء (الوباء)، مع القيام بكل ما هو ممكن للاستعداد لوباء عالمي محتمل"، مشددا على أنه  "في الوقت الحالي نشهد انتشارا عالميا لا يمكن احتواءه لهذا الفيروس، ولا نشهد عدد وفيات واسع النطاق".

ما هو الوباء؟

وفقا لما قاله مدير الطوارئ في المنظمة مايكل ريان فإنه لا علاقة للوباء بخطورة المرض بل يتعلق الأمر بانتشاره الجغرافي، حيث تعرفه منظمة الصحة العالمية على أنه وضع "يكون فيه العالم بأكمله معرضا على الأرجح لهذا المرض وربما يتسبب في إصابة نسبة كبيرة من السكان بالمرض".

وبحسب التعريف العام للوباء فإنه ذلك المرض الذي ينتشر في عدة دول حول العالم في نفس الوقت، وبالتالي فإنه وفقا لمنظمة الصحة العالمية، يتم الإعلان عن حدوث وباء عندما ينتشر مرض جديد لا يتمتع بالحصانة فيه حول العالم بما يفوق التوقعات.

والحالات التي تنطوي على المسافرين الذين أصيبوا في الصين ثم عادوا إلى وطنهم، أو الذين أصيبوا بالعدوى من المسافرين العائدين، تعرف باسم "حالة مؤشر"، ولا يعول عليها كسبب في إعلان حالة الوباء.

وبمجرد إعلان انتشار المرض كوباء، يصبح من المرجح أن يحدث انتشار للمرض داخل المجتمع في نهاية المطاف على نحو واسع، وهنا تحتاج الحكومات والأنظمة الصحية إلى ضمان استعدادها لتلك المرحلة من انتشار العدوى.

من ناحية ثانية، فإن الوباء يتمثل في زيادة مفاجئة في الحالات المرضية أو في المرض الذي يمكن أن يكون متفردا في دولة واحدة أو مجتمع واحد.

متى يعلن الوباء؟

قالت خبيرة مكافحة العدوى، ماري لويز ماكلاو، التي عملت كمستشارة لمنظمة الصحة العالمية، إن إعلان الوباء ليس دائما واضحا لأنه قد يعتمد على النمذجة المستخدمة، والتي قد تختلف بين منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات الصحية، مشيرة إلى أنه في نهاية الأمر، فإن لمنظمة الصحة العالمية القول الفصل في ذلك.

وبينت أنه ليس هناك حد ما يجب الالتزام به، مثل عدد معين من الوفيات أو الإصابات، أو عدد البلدان المتأثرة، فعلى سبيل المثال، لم تعلن منظمة الصحة العالمية عن فيروس سارس، عام 2003، كوباء على الرغم من تأثر 26 دولة به، لكن تم احتواء انتشاره بسرعة، ولم تتأثر سوى حفنة من الدول بشكل كبير، بما فيها الصين وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة وكندا.

وأشارت ماكلاو إلى أنه "تقوم منظمة الصحة العالمية بأمور عديدة لأسباب كثيرة، غير أن جزءا من سبب إعلان الوباء، إذا أعلنت عن حدوثه، هو وصول المرض أو انتشاره إلى ما يسمى الكتلة الحرجة، وعندها يبدأ التعامل معه بجدية، ولا يمكن تجاهل الأعراض، بالإضافة إلى الحصول على التمويل اللازم للمساعدة في التعامل مع المرض والتغلب عليه".

وتعرضت منظمة الصحة العالمية في العام 2009 لانتقادات بعدما أعلنت عن تحول فيروس أنفلونزا الخنازير "إتش 1 إن 1" إلى وباء، باعتبارها استندت في قرارها إلى معايير لم تعد مستخدمة، وذلك على الرغم من أن الفيروس انتشر في جميع أنحاء العالم، لكنه لم يكن بالخطورة المتوقعة، وبالتالي اتهمت المنظمة بأنها تسرعت في الإعلان عنه بأنه وباء، وأثارت بذلك ذعرا عالميا دون مبرر.

ومن هنا يتضح أنه إعلان انتشار مرض كوباء يثير الذعر العالمي، الأمر الذي قد يقلل من زيادة الوعي بالمرض، ويؤدي إلى حالة من الهلع في أقسام الطوارئ بالمستشفيات وإلى إنفاق حكومي زائد على الأدوية ومضادات الفيروسات وغيرها.

الوباء والاستعداد له

على أي، إذا أعلنت منظمة الصحة العالمية عن فيروس كورونا الجديد كوباء، فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى طريقة علاج تفشي المرض والاستعداد له؟

يمكن القول إنه يوجد حاليا انتشار محلي لفيروس كورونا الجديد، الذي صار يعرف باسم "كوفيد 19"، في الصين وكوريا الجنوبية واليابان وإيران وإيطاليا وسنغافورة، بحسب ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

وأفاد مدير الأمراض المعدية والمناعة في معهد مينزيس الصحي في كوينزلاند البروفيسور نايجل ماكميلان، بأنه من دواعي القلق أن نرى تقارير إعلامية تبالغ في إثارة معنى جائحة أو وباء، مضيفا "لا نرغب في إثارة الذعر وتخزين الطعام والوقود، في حين أنه بالنسبة إلى 95 في المئة من السكان فهذه حالة برد معتدلة".

غير أن إعلان حالة الوباء يعني أن حظر السفر لن يكون مفيدا أو منطقيا، كما أنه سينبه السلطات الصحية إلى أنها بحاجة إلى الاستعداد للمرحلة التالية.

وبيّن ماكميلان أن هذا "يشمل إعداد مستشفياتنا لتدفق كبير من المرضى، وتخزين أي مضادات للفيروسات، وتوعية الجمهور بأنه عندما يحين الوقت، سوف يحتاجون إلى التفكير في أشياء مثل البقاء في المنزل إن مرضوا، والعزل الاجتماعي، وتجنب التجمعات الكبيرة وما إلى ذلك".

وأشار ماكميلان إلى أن هذا سيثبت أنه الجزء الأصعب بالنسبة إلى الحكومات، أي تشجيع الناس على تغيير سلوكياتهم، مثل التخلي عن الأحداث الاجتماعية الكبيرة أو إلغائها إذا كانوا مرضى.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

هل يمكن لحكومة إسرائيلية مدعومة من العرب أن تكون شرعية؟

2020-02-27

ترجمة: إسماعيل حسن


مع اقتراب جولة انتخابات الكنيست الإسرائيلية الثالثة، المزمع انطلاقها مطلع آذار (مارس) المقبل؛ شنّ زعيم حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، ثاني أكبر الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة على رئاسة الحكومة الإسرائيلية القادمة، هجوماً حاداً على أعضاء القائمة العربية المشتركة، رافضاً أن تكون جزءاً من الحكومة التي سيشكلها، في حين إنّ هناك خلافات عميقة بين غانتس والقائمة المشتركة، تتمثل في كلّ ما يتعلق بالأمور السياسية والوطنية والأمنية؛ حيث قال غانتس، في كلمة ألقاها أمام جموع مؤيديه داخل مقرّ حزبه: "خلافاتي مع القيادة العربية شديدة وغير قابلة للجسر"، مكرراً استعداده لتطبيق صفقة القرن، لكن بخصوص البند الذي يطرح إمكانية نقل قرى المثلث للفلسطينيين، قال: "لن يتمّ نقل أيّ مواطن إسرائيلي، يهودي أو عربي، بالإكراه إلى أراضي دولة أخرى".

ليس هناك سبب لعدم التعاون مع غانتس بعد الانتخابات
ورداً على ذلك قالت القائمة المشتركة: "ليس هناك سبب لعدم التعاون مع غانتس بعد الانتخابات"، ووفق مصادر في الحزب تحدثت لـ "هآرتس"؛ فإنّ معارضة غانتس لإخلاء سكان المثلث هي بالفعل استجابة لإعلان رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، الذي لن يوصي حزبه بغانتس لتشكيل الحكومة، إذا لم يعارض ذلك، ويعارض عملية الضمّ، وبحسب قول المصادر حقيقة؛ فإنّ غانتس يعلن مرة تلو الأخرى أنّ الضمّ سيكون فقط بتنسيق دولي، ما يدلّ على أنّ الأمر غير متوقّع بالنسبة إليه، والقائمة المشتركة في الأصل رفضت إمكانية أن تكون جزءاً من حكومة "أزرق أبيض"، ولكن لم يتم استبعاد إمكانية تأييدها من الخارج، وردّ "أزرق أبيض" قبل ذلك باستخفاف على تصريح عودة قائلاً: "نحن غير قلقين من هذا التصريح إنما هو يساعدنا"، وأضاف: "الهدف هو تشكيل حكومة تستند إلى أغلبية يهودية مع ليبرمان، ومن الواضح للجميع أنّ ليبرمان والقائمة المشتركة لا يمكنهما السير معاً، وإذا كان لكتلتنا 54 مقعداً وأراد ليبرمان الذهاب معنا، فنستطيع تشكيل حكومة أقلية من دون القائمة المشتركة، ومن ناحية سياسية هذا هو الهدف، ورغم ذلك يأمل "أزرق أبيض" في نجاح تجنيد مقعد من أوساط الناخبين العرب في الحملة الحالية، وذلك بعد أن فاز الحزب، بحسب التقديرات، في الانتخابات السابقة، بعدد أصوات يساوي ثلاثة أرباع مقعد في القرى العربية.

في استطلاع أجرته القناة العبرية الثالثة عشرة، طرح سؤال مثير: "هل يمكن لحكومة مدعومة من العرب أن تكون شرعية؟

المواجهات بين "أزرق أبيض" والقائمة المشتركة، يمكن أن تساعد غانتس في صدّ الحملة التي يديرها رئيس الحكومة ضدّ حكومة بدعم الأحزاب العربية، نتنياهو وغانتس يتصارعان على ثلاثة مقاعد من مصوّتي اليمين، الذين يمكن أن يغادروا ويذهبوا إلى كتلة وسط يسار، واحتمال تشكيل ائتلاف بدعم القائمة المشتركة يخيفهم، ويمكن لإعلان عودة أنّه لن يؤيد حكومة غانتس  ليبرمان، أن يساعد غانتس في صدّ مقولة إنّ نتنياهو يحاول أن يلصق بحكومة "أزرق أبيض" أنّها يجب أن تستند إلى القائمة المشتركة، وخلال جولة في الغور، الأسبوع الماضي، سخر نتنياهو من غانتس، عندما قال: "سنقوم بتطبيق القانون الإسرائيلي هنا"، أما غانتس فلن يفعل ذلك، لقد تلقّى الفيتو من أحمد الطيبي، وهو يقول له: "إذا قمت بالضمّ فلن تكون رئيساً للحكومة"، إذا لم نسمع من غانتس أيّ قول قاطع ضدّ الترحيل والضمّ، فلا يوجد احتمال بأن نوصي به، قال عودة في مقابلة صباحية على "صوت الجيش": "هم يصمتون بشأن مهاجمة السكان العرب وهجوم نتنياهو، وعلى غانتس قول شيء ما، ما الذي يفكر به؟ هل نحن في جيبه؟ ما الأمر؟!"، مضيفاً أنّ حزبه قد يحصل على 16 مقعداً، وبهذا يمكنه الوصول إلى 61 مقعداً من دون ليبرمان.

اقرأ أيضاً: هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟
متوسط الاستطلاعات في الأسبوع الماضي يتوقع لحزب "عودة" 13،5 مقعداً، و"أزرق أبيض" 35،5 مقعداً.

سخر نتنياهو من غانتس، عندما قال: "سنقوم بتطبيق القانون الإسرائيلي هنا"
بعد نشر الخطة السياسية للرئيس ترامب، قبل أسابيع، قال غانتس: "الخطة تعكس مبادئ حزبنا تماماً، وسنعمل على تطبيق جميع أجزائها"، ونتيجة قوله هذا؛ فإنّ خطوات متهورة وعديمة المسؤولية وغير منسقة، مع الأردن ومصر والدول العربية المعتدلة، ستعرّض القدرة على تطبيقها للخطر.

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
في سياق ذلك؛ يقول الكاتب والمحلل السياسي، حيمى شليف: "إنّ عنصرية غانتس على القائمة المشتركة والأقلية العربية، تشهد تزايداً ملحوظاً، قبيل انطلاق الانتخابات، في مطلع آذار (مارس) القادم"؛ حيث أوضح أنّ "غانتس مصمم على ألا تعتمد حكومته المستقبلية، بأيّ شكل من الأشكال، على الدعم الخارجي، أي من القائمة المشتركة، وسواء دار الحديث عن تكتيك استهداف الحفاظ على وحدة "أزرق أبيض"، ومنع تسرب الأصوات لليمين، فإنّ موقف غانتس مخطئ من أساسه، ومرفوض من ناحية أخلاقية، ويمكن أن يتحول إلى بكاء للأجيال من ناحية صهيونية"، وفي إطار ذلك، قال نائب رئيس الموساد السابق، رام باراك، في مقابلة متلفزة: "القائمة المشتركة تتم شرعنتها فقط إذا وافقت على أنّ إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، لا تكفي يمين ولاء أعضاء الكنيست، حزب يمثل نحو 80% من مواطني إسرائيل العرب، يجب عليه الاعتراف بأنّ النضال القومي لشعبه ومعاناة الآباء والأجداد ومعاناة جميع الشعب الفلسطيني، كلّ ذلك كان عبثاً، وإن دولتهم تعود لشعب آخر، هذا اختراع مسجل على اسم بنيامين نتنياهو، الذي أضاف طلباً مشابهاً للعملية السياسية لإحباط أيّ احتمال للتسوية، ونقل هذا الطلب إلى مجال السياسة الداخلية أكثر خطراً؛ لأنّه يشوبه ما يظهر للوهلة الأولى عنصرية كثيرون من رؤساء الأحزاب الأصولية، لا يرون إسرائيل الحديثة دولة القومية للشعب اليهودي، وحتى إنّهم يرون أنّ الصهيونية بمثابة تجديف ولكن أزرق أبيض يسير خلفهم.

نتنياهو وغانتس يتصارعان على ثلاثة مقاعد من مصوّتي اليمين، الذين يمكن أن يغادروا ويذهبوا إلى كتلة وسط يسار

على صعيد رؤساء "أزرق أبيض"؛ فإنّهم يقسمون بالإخلاص لإسرائيل، على اعتبارها دولة يهودية وديمقراطية، ورغم ذلك يتطلعون إلى شراكة مع أحزاب مناهضة للديمقراطية، تقوم بإقصاء النساء وتحتقر حقوق الإنسان وتتنكر للمساواة، وتسعى إلى دولة شريعة أو تؤيد ضم مناطق وتفرض على الفلسطينيين العيش إلى الأبد كمواطنين من الدرجة الثانية، في أحزاب الوسط أيضاً يتبين أنّ الدم يسبق الديمقراطية؛ موقف اليمين معروف بأنّه  يتشكّل من كراهية العرب في حدّ ذاتها، والتعامل مع المجتمع العربي كطابور خامس والرغبة في استغلاله من أجل إذكاء الكراهية في القاعدة وإحراج خصومهم، عمير بيرتس، في سعيه وراء الصوت العربي واستعداده للتعاون مع القائمة المشتركة، يعبّر عن موقف معاكس وجدير؛ فهو يعرف أنّ مكانة العرب، كأقلية، تحوّلهم إلى شريك طبيعي لكلّ من يؤمن بالديمقراطية والمساواة، حتى إن لم يتبنَّ الرواية الصهيونية.

يكمل حيمي الحديث في مقالته قائلاً: "منذ إقامة الدولة، ثمة دعوة للمواطنين العرب من أجل الاندماج في المجتمع الإسرائيلي والنضال من أجل حقوقه، لا من أجل حقوق أبناء شعبهم الذين هم خلف الخطّ الأخضر، مع مرور 71 عاماً، تمّ استيعاب الرسالة، أشركونا صراخ زعماء المجتمع العربي، هم وممثلوهم في القائمة المشتركة، وماذا كان ردّ ممثلي الأغلبية اليهودية، بمن فيهم من يسمّون أنفسهم معتدلين وعقلانيين؟ ابحثوا عنا في الحملة، موقف غانتس يعني أنّ التعاون مع القائمة المشتركة خطير على إسرائيل، أكثر من استمرار حملة هدم نتنياهو لسلطة القانون والديمقراطية، التاريخ سيسجل أنّ الجمهور اليهودي رفض اليد الممدودة للمجتمع العربي، الأمر الذي لن يمنع إدانتهم، ووصفهم بأنّهم يغرسون سكيناً في الظهر، عند ترجمة خيبة أملهم إلى غضب واغتراب، مثلما غنى يئير نيتساني منذ زمن، الأمر يتعلق بأقلية هي المذنبة دائماً".

رؤساء "أزرق أبيض" يقسمون بالإخلاص لإسرائيل، على اعتبارها دولة يهودية وديمقراطية، رغم تطلعهم إلى شراكة مع أحزاب مناهضة للديمقراطية

وحول قدرة حزب "أزرق أبيض" على تشكيل حكومة بعيداً عن القائمة العربية المشتركة، ومنع جرّ البلاد لانتخابات رابعة، تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية، عشية الانتخابات، إلى أنّ الواقع السياسي في دولة إسرائيل لا يقف أمام تغيير يؤدي أخيراً إلى تشكيل حكومة في إسرائيل، فهذا التعادل بين الكتلتَين، كما ينعكس في كلّ الاستطلاعات، قد ينتهي بالدولة إلى جولة انتخابات رابعة، في وضع مثل هذا لم تشهد له الدولة مثيلاً قط، في هذا الوضع يثور القلق والتفكير على نحو طبيعي لدى كلّ ذي عقل؛ كيف نمنع حملة الانتخابات التالية ونوقف قطار الانتخابات الذي تحرك دون كوابح إلى اللامكان؟ يتضح من تحليل هذا الواقع أنّ البحث في حكومة وحدة لـ "أزرق أبيض" و"الليكود" مع بنيامين نتنياهو، كرئيس وزراء في العامَين الأولين، لن تؤدي إلى حلّ هذه المتلازمة، ولا أمل أيضاً في أن يفرّ أحد الأحزاب من كتلة اليمين إلى "أزرق أبيض"، من هنا نستنتج؛ أنّه إذا ما منح الوسط العربي للقائمة العربية المشتركة 16 مقعداً، فذلك كفيل بأن يحدث انعطافة في ختام جولة الانتخابات الثالثة، وهذا ما تتنبأ به الاستطلاعات الأخيرة، في مثل هذا الوضع سيكون من الصعب جداً تجاهل الحزب الثالث في حجمه بالكنيست، تحديداً حين لا يكون هناك خلاف في أنّ بنيامين نتنياهو ساهم في تعاظم هذا الحزب، وهو الذي لم يفوت أيّة فرصة لشرخ عرب إسرائيل والمسّ بهم وإقصائهم، ويبرز هذا في الشعار الانتخابي لليكود، الذي يقول: "ليس لغانتس حكومة دون القائمة المشتركة"، أي أنّك إذا صوّت لغانتس فستحصل على أحمد الطيبي وشركائه في الحكومة.

يتبين أنّ "أزرق أبيض" فزع بما يكفي من هذا الربط، وحرص في الأيام الأخيرة على الخروج في تصريح علني، "أزرق أبيض" لن يشكّل حكومة بمساعدة القائمة العربية المشتركة، وكما هو معروف عشية حملة الانتخابات، فإنّ السياسيين من كلّ الأنواع والأصناف يحلون اللجام ويطلقون العنان لشعارات ووعود بلا تمييز، كما يقول المثل العربي: "الكلام ببلاش"، ويطلقون التصريحات المختلفة والمتنوعة، مثلما سمعنا أفيغدور ليبرمان يعلن هذه الأيام؛ أنّ لا مشكلة لديه في أن يجلس في حكومة واحدة مع عمير بيرتس، وأورلي ليفي أبقسيس ويئير غولان اليساري.

اقرأ أيضاً: إسرائيليون على أعتاب انتخابات ثالثة: البلاد ذاهبة إلى الفوضى
هكذا، في رأيي؛ فإنّ "أزرق أبيض" أيضاً إذا كان محباً للحياة ويريد أن يشكّل الحكومة القادمة ويضع حداً لقصة الانتخابات الباهظة، هذه التي لا نهاية لها، وبالتوازي يضع حدّاً لمملكة نتنياهو، فيجب ألّا يتجاهل القائمة العربية المشتركة، ينبغي الارتباط بها كي تتمكن القائمة المشتركة من مساعدة "أزرق أبيض"، بالتأييد من الخارج للائتلاف كي يشكل الحكومة القادمة، كلّ خيار آخر يعرض كبديل هو وهم عديم الأساس، ومؤخراً ازدادت الانتقادات من قبل الأحزاب الإسرائيلية ضدّ القائمة المشتركة، التي بات يراها كثيرون، سواء زعماء الأحزاب، أو أعضائها، أو حتى على مستوى المواطنين؛ على أنّها عدو خطير لإسرائيل.
في سياق ذلك وصف الكاتب والمحلل السياسي، تسيفي برئيل، حزب غانتس بالحزب المتردّد دائماً، وأنّه ليس لديه رأي منصف ونهائي؛ ففي كلّ أسبوع يغير موقفه من الشراكة مع القائمة المشتركة، ويبدو أنّه حزب يرسم الحدود المسموحة بين الصهيونية العقلانية والمسيحية المتعصبة، وبين السياسة النقية وأكوام من القذارة والفساد، لكنّه حزب لا يعرف نفسه عندما تتعلق الأمور بعملية سلام مع عرب إسرائيل، فإما طلب دعم القائمة المشتركة والتجول في أوساط الجمهور مع وصمة الخيانة، وإما إبعاد عرب إسرائيل، وكأنّهم مصابون بفيروس كورونا.

في استطلاع للرأي، أجرته القناة العبرية الثالثة عشر، طرح سؤال مثير: "هل يمكن لحكومة مدعومة من العرب أن تكون شرعية؟" الصدمة الكبيرة أنّ 44% اعتقدوا أنّها ستكون حكومة شرعية، مقابل 33% اعتقدوا عكس ذلك، أي جمهور ليبرالي هذا؟! والمستطلعون الآخرون لم يكن لهم رأي في ذلك، ولنفترض أنّ نصفهم اقتنعوا بأنّ حكومة مع العرب لن تكون شرعية، عندها كانت ستجرّ الفجوة بين الليبراليين والوطنيين، يمكن تقدير حجم الضجّة التي كانت ستثور لو سئل هذا السؤال في الولايات المتحدة بالنسبة إلى السود، وفي فرنسا، بالنسبة إلى المهاجرين من المغرب، وفي بريطانيا، بالنسبة إلى اليهود.
لكنّ هذا السؤال يعدّ مشروعاً في إسرائيل؛ لأنّه مسألة سياسية وليست قيمية، وقد ولد في إطار حملة التحريض الوحشية والمقيتة ضدّ العرب، التي ترأسها نتنياهو وعصابته في الصراع ضدّ حزب "أزرق أبيض"، لكنّ التمسّك بإقصاء العرب عن النسيج السياسي في إسرائيل، نابع من رؤية معينة، ويشكّل استمراراً مباشراً للتشريع العنصري الذي يشكل صورة دولة إسرائيل كدولة يهودية، ويعكس المواقف والآراء التي تجذرت خلال عشرات الأعوام في أوساط الجمهور، الأعوام العشر التي كانت فيها إسرائيل مسجونة في حكم يميني، ازداد تطرفه ووصل إلى حافة الهستيرية، وأوجدت القالب الذي ستصبّ الحكومة في داخله الهوية القومية اليهودية، لكنّ هذه الهوية لم تساعد في جهود العثور على القاسم المشترك الضروري، لكنّها تجمع بين القومي واليهودية التي كان يبدو أنّها قادرة على أن تستخدم كرزمة واحدة، لكنّ اليهود في إسرائيل منقسمون بين من يخدمون الجيش ويتهربون منه، وبين الأصوليين والأصوليين الوطنيين.
وبين الصهاينة المتدينين والصهاينة العلمانيين، في المقابل؛ فإنّ العدو الخارجي هو أداة معترف بها لبناء هوية وطنية، لم ينجح في إلقاء الانقسامات الداخلية؛ حيث إنّ حكم اليهود في غلاف غزة ليس بحكم اليهود في حيفا، وحتى إيران، التي تعدّ تهديداً وجودياً للدولة، لم تنجح إسرائيل بعد في تشكيل حكومة وحدة، وهي الآن مهددة بالذهاب إلى جولة انتخابات رابعة، إذا لم تحسم نتائج الانتخابات القادمة من سيقوم على تشكيل الحكومة التي طال انتظارها.


مصدر الترجمة عن العبرية: هآرتس
https://www.haaretz.co.il/news/elections/1.8524729
https://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.8554222
https://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.8551980

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية