الأقباط والتوازن الصعب.. من عبد الناصر إلى السيسي

الأقباط والتوازن الصعب.. من عبد الناصر إلى السيسي
صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
11770
عدد القراءات

2018-03-29

في شوارع شبرا بالقاهرة، وهو حيّ معروف بطائفته المسيحية، يؤكد الأقباط، بغالبية ساحقة، أنّهم سيصوّتون للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية، التي بدأت يوم الإثنين 26 آذار (مارس) الجاري، رغم بعض الانتقادات الخافتة.

رجل لا يوجد مثله

بمفرده، أو إلى جانب صورة بابا الأقباط الأرثوذكس، تواضروس الثاني، تظهر صورة المرشح عبد الفتاح السيسي، المنتشرة بكثافة في كلّ مكان في حيّ شبرا، وهو واحد من الأحياء المكتظة في القاهرة.

ما تزال حكومة السيسي تمثّل بالنسبة إلى أقباط مصر، حاجزاً منيعاً لحمايتهم، وضماناً للاستقرار السياسي في البلاد

المصري إدوار توفيق، 60 عاماً، يدير في هذا الحي مقهى يتردّد عليه المسيحيون، يقول هذا الستينيّ في حماس "السبب الأول الذي يجعلنا نصوّت للسيسي، هو أنّه لا يوجد رجل آخر مثله (...)، في الوقت الحالي".

تجديد الخطاب الديني

منذ أن وصل إلى السلطة، بعد إقالة الجيش للرئيس محمد مرسي، عام 2013، في أعقاب المظاهرات الضخمة، ضاعف السيسي من بوادر الانفتاح والتعاطف تجاه الطائفة القبطية.

وبسعيه إلى "تجديد الخطاب الديني" الإسلامي، نادراً ما يضيع الرئيس السيسي فرصة متاحة للظهور، جنباً إلى جنب، مع تواضروس الثاني الذي تربطه به علاقات ممتازة.

بمفرده، أو إلى جانب صورة بابا الأقباط الأرثوذكس، تواضروس الثاني، تظهر صورة المرشح عبد الفتاح السيسي

على خُطى ناصر

الكاتدرائية المكرسة للأقباط الـ 21؛ الذين قُطعت رؤوسهم على أيدي إرهابيي تنظيم داعش في ليبيا، عام 2015، افتتِحت في شباط (فبراير) الماضي، في قرية "العور" الصغيرة، جنوب مصر. لقد بُنيت على حساب الحكومة، وتندرج الكنيسة الجديدة ضمن إستراتيجية الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تعزيز التحالف مع الكنيسة القبطية.

باتباع خطوات سلفه، جمال عبدالناصر، يحاول الرئيس الآن إسكات انتقادات الذين يتهمون الدولة بعدم القيام بما يكفي لحماية حقوق المسيحيين في مصر.

يقدّر عدد الأقباط بحوالي 10٪ من الـ 96 مليون مصري، هناك القليل من الأقباط الحاضرين في الإدارة العليا؛ حيث يتم تهميشهم أحياناً، خاصة في المحافظات البعيدة والفقيرة في صعيد مصر، وبعد الصدمة التي تعرّضوا لها في حقبة مرسي، سرعان ما أيّد المجتمعُ القبطي على الفور، وعيونه مغلقة، الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، ووقفوا إلى جانبه.

وضع الأقباط منذ مصر الحديثة

مصطلح "القبط" يأتي من الاسم المعطَى لمصر من قبل اليونانيين، "Aigyptos" الذي أعطى الفترة القبطية "kyptaios" أو gyptios"". مارك الإنجيلي أدخل المسيحية إلى أرض مصر، عام 60 ميلادية، وتمثّل كنيسة الإسكندرية ذات النفوذ الكبير، واحدة من الكنائس الخمسة (مع القسطنطينية وأنطاكيا والقدس وروما)، التي أرست أسس العقيدة المسيحية، هكذا كانت مصر ذات أغلبية مسيحية، عندما وصل العرب في القرن السابع، وهكذا عاش الأقباط تحت حكم الأمويين، والعباسيين، والأغالبة، والسامانيين، والفاطميّين، والسلاجقة، والمماليك والعثمانيين. ومع ظهور محمد علي (1805-1848)، وتحويل مصر إلى دولة حديثة، بدأ الأقباط يشاركون في الحياة السياسية للبلاد، وفي الانضمام إلى الحركة الوطنية، والمشاركة بشكل كامل في ثورة 1919، التي توّجت عام 1922 باستقلال مصر. وهكذا حصل الأقباط على بعض السلطة السياسية حتى انقلاب الضباط الأحرار في عام 1952، الذي أعلن جمهورية مصر.

أهالي قرية العور بالمنيا يرتدون ملابس الحداد حزنا على ذبح 21 قبطياً على يد داعش في ليبيا

حلّ الأحزاب وتعليق المجلس المحلي

أدّى حلّ ناصر للأحزاب في عام 1953، بحكم الأمر الواقع، إلى عزل الأقباط عن المجلس الثوري، كما ظلّ المجلس الملي العام (مجلس الأقباط العِلمانيين الذي تأسّس عام 1874، تحت حكومة خديوي إسماعيل، الذي كان يهدف إلى تعزيز حماية المجتمع القبطي)، معلَّقاً حتى عام 1971. لكنّ تغيّر الرئاسة من عبد الناصر إلى أنور السادات، هو الذي أضحى التغيير الأهمّ عند مناقشة وضْع الأقباط في النظام المصري. في هذا الشأن، تقول الباحثة إليان أورسولا إيتمويلر "Eliane Ursula Ettmueller": "قدّم السادات نفسه لشعبه باعتباره الرئيس المؤمن، الذي يستخدم مفردات دينية على نطاق واسع في خطبه السياسية (...)، وقد حاول السادات الارتكاز أكثر على القوى الدينية الإسلامية، لتهميش المعارضة اليسارية"، وقد أدّت رغبة السادات في تطبيق الشريعة كأساس للتشريعات، بالنخب القبطية، إلى تعبئة نفسها، وأدت الاحتجاجات القوية إلى تنظيم مؤتمر قبطي بالإسكندرية، في 17 و18 تموز (يوليو) 1972، لمواجهة مشروع دستور السادات، وتراجع السادات، في الأخير، وأعلن حرية الدين في 24 من الشهر نفسه، لكنّ المواجهات القبطية والإسلامية، والتمييز ضدّ الطائفة المسيحية في مصر، ما لبثت أن استمرت، ولم تسمح رئاسة حسني مبارك بتهدئة هذه التوترات: رغم أنّ العلاقات بين الأديان، أصبحت على وشك التطبيع، فإنّ صراعاً عنيفاً قد اندلع في صعيد مصر، في أواخر 1980، كما انفجرت الأعمال العدائية من جديد، وتضاعفت الحوادث.

ناصر وكيرلس السادس (بابا الإسكندرية)

في 25 حزيران (يونيو) 1968، افتتح جمال عبد الناصر، في احتفال رسمي مع البطريرك كيرلس السادس، الكاتدرائية القبطية الجديدة في وسط القاهرة.

وتجلّت المشاركة المباشرة لعبد الناصر بطرق عديدة: قبل كلّ شيء من خلال مساهمة اقتصادية شخصية سخيّة، منحت للكنيسة المصرية لبناء أماكن جديدة للعبادة، وجعْل المؤسسات الحكومية المؤمّمة في خدمة تنفيذ أعمال البناء.

خطاب السيسي يتناغم مع الكلمات التي غالباً ما كان ناصر يستخدمها في خُطبه العامة

ناصر ورسالة الأخوة بين الطائفتين

بعد ذلك، سارع ناصر بإنجاز الخطوات اللازمة للحصول على إذن ببناء كنائس جديدة، وهي الخطوات التي تكون معرّضة، في العادة، لأن تضيع في متاهات بيروقراطية، محكوم عليها بالفشل في أغلب الأحيان. وأخيراً؛ كان الخطاب النابض الذي ألقاه بمناسبة وضع حجر الأساس، يوم 24 تموز (يوليو) 1965، لنشر رسالة الأخوّة والتعاون بين الطائفتين المصريّتين، لكنّ وجودَ عبد الناصر في حفل الافتتاح، الذي خلّد ظهوره يداً بيد مع كيرلس السادس، هو الذي منح لقُدسيّة الحدث جانباً سياسياً مميزاً.

1965: بدء تعاون طويل بين الحكومة وبطريركية الإسكندرية

في الواقع؛ شكّل هذا اللقاء بدايةَ تعاون طويل بين الحكومة المصرية والبطريركية الإسكندرية، وهو الذي مهّد لبناء دعم دائم وثابت من المجتمع القبطي للأنظمة المصرية، وإدراج المسيحيّين في النظام الاجتماعي والسياسي لمصر.

يحاول السيسي إسكاتَ انتقادات الذين يتّهمون الدولة بعدم القيام بما يكفي لحماية حقوق المسيحيين في مصر

أدّى انقلاب يوليو 1952؛ الذي قام به الضباط الأحرار، إلى تغيير جذريّ، ليس فقط في شكل الحكومة؛ حيث أفسح النظام الملكي المجال لنظام جمهوري، ولكن أيضاً على المستوى الأيديولوجي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

كانت السنوات الأولى من خمسينيات القرن الماضي، برئاسة محمد نجيب (1953-1954)، أعوام تحقيق استقرار سلطة الجيش: فمنذ البداية، بدأ الجيش يشجّع بقوّة تنفيذ سياسة تنصّ على مشاركة المجتمع القبطي في دعم الحكومة الجديدة، من خلال مناشدة جميع المصريّين من أجل الوحدة والمساواة، واحترام المثل الوطني الأعلى.

تعرّض الأقباط لسلسلة من القيود الاقتصادية والاجتماعية

في الأعوام نفسها، تمّ إطلاق العديد من السياسات التي أدّت، إضافة إلى ملامسة النظام القديم والنخب التي دعمته، إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمجتمع القبطي.

فمن الإصلاح الزراعي، عام 1952، إلى قانون توحيد المحاكم عام 1955، من خلال تأميمات 1957 و1960؛ عانى الأقباط الأثرياء من خسارةٍ كبيرة في الامتيازات، وسلسلة من القيود الاقتصادية والاجتماعية.

أجندة ناصرية سياسية وليست حماية مصالح

إلّا أنّ هذه الإصلاحات لم يتم وضعها لحماية مصالح وتقاليد مجموعة على حساب مجموعة أخرى، لكنّها كانت جزءاً من الأجندة السياسية والاقتصادية التي تبناها الثوار، وأعظم ممثليها هو جمال عبد ناصر، الذي انتخب رئيساً للجمهورية عام 1956.

عبد الناصر والعلاقة الصعبة بين الدين والسياسة

عبد الناصر، سعياً منه لتحديث وتقوية هياكل دولة الجمهورية المصرية الجديدة، تدخّل في العلاقة الصعبة بين السلطة السياسية والدين، ودمج الجوانب المتعلقة بالدين في مشروع أكبر، من شأنه أن يؤمّن للنظام الشرعية والدعم الشعبي.

عبد الناصر والبابا كيرلس

الأقباط والمشاركة في الأحداث التاريخية

لقد أصبحت الدّعوة المشترَكة الموجّهة للأمة المصرية، الأداة التي تمكّنت الحكومة من خلالها من تخفيف حدّة التوتر بين الجماعات الدينية، لكنّها قبل كلّ شيء كانت تمثّل للمجتمع القبطي، فرصة لإيجاد فضاء رحب للمشاركة العامة والاجتماعية، من خلال المشاركة في الأحداث التاريخية، والأوقات الصعبة التي واجهها نظام عبد الناصر، كما حدث خلال حرب الأيام الستة.

وقد شكّل التعاون الشخصي بين عبد الناصر وكيرلس السادس، الذي تمّ انتخابه عام 1959، خطوة مهمّة نحو تعاون أكبر بين الكنيسة والنظام.

الأقباط والولاء لسلطة عبد الناصر

ومنذ ذلك الحين، بدأ البطريرك في الاتصال والتواصل المباشر بالرئيس المصري؛ حيث أظهر نفسه كمرشد سياسيّ، أكثر من كونه رجلاً روحياً، وقد اعترف عبد الناصر بقيادة البطريركية، بفرض الرقابة على الأصوات غير الراضية الموجودة في المجتمع.

وسجّلت هذه الصداقةُ بين الرجلين العصر الذهبيّ للعلاقات بين الدّيانتين في مصر، التي تمثّلت بشكل رمزي من خلال صُور 25 يونيو، عندما دخل الرئيس والبطريرك إلى الكاتدرائية الجديدة، لتوطيد ولاء الأقباط للسلطة السياسة.

تشابه أيقوني بين السيسي وعبد الناصر

إنّ التشابه الأيقوني والرمزي بين السيسي وعبد الناصر، وكيرلس السادس، واضح بديهي: الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، يريد تجديد ميثاق التحالف والتعاون، الذي تم الاتفاق عليه منذ أعوام مع الكنيسة، وبالتالي محاولة التغلب على انتقادات أولئك الذين يتّهمون الدولة بعدم القيام بما يكفي لحماية حقوق المسيحيين في مصر، والخطاب الذي ألقاه السيسي، مشيراً إلى الدعوة إلى الوحدة الوطنية بين المسيحيين والمسلمين، دون انقسامات أو خلافات، خطاب يتناغم مع الكلمات التي غالباً ما كان عبد الناصر يستخدمها في خطبه العامة.

تجلّت المشاركة المباشرة للرئيس ناصر من خلال مساهمة اقتصادية شخصية سخيّة منحت للكنيسة المصرية لبناء أماكن جديدة للعبادة

لكنّ الكنائس في القاهرة ما تزال تشبه الحصون المترسة؛ بسبب الإجراءات الأمنية الهائلة التي نصِبت، بأمر من الحكومة، في كلّ أماكن العبادة في البلاد، نتيجة للعنف الذي شهدته الأعوام الأخيرة، بعد أن أصبح الأقباط هدفاً جديداً للهجمات الإرهابية التي شنّها تنظيم داعش. 

اختبار وعد السيسي الأمني

من عمليّة الاغتيال والإخلاء القسري، عام 2017، لعشرات المسيحيين في العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء؛ حيث شهدت تلك الأيام عملية واسعة لمكافحة الإرهاب من قبل القوات المسلحة وقوات الأمن، إلى الهجوم الوحشي الذي وقع في 11 كانون الأول (ديسمبر) 2016، ضدّ كاتدرائية القاهرة القبطية، والهجوم المزدوج لأحد الشّعانين في 9 نيسان (أبريل) 2017 في طنطا، في دلتا النيل والإسكندرية، وكلّ هذه الهجمات الأخيرة ضدّ الأقباط، تشير إلى أنّ العنف الإرهابي لم يعد محصوراً في شبه جزيرة سيناء؛ بل ينتقل إلى المراكز الحضرية الرئيسة، ممّا يزيد من اختبار صحّة وعد السيسي بتحقيق الأمن، باعتباره العمود الفقري لخطابه السياسي.

إضافة إلى أعمال العنف والترهيب، ما تزال ظروف التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تثقل كاهل أكبر مجتمع مسيحي في العالم العربي.

السيسي يفتتح كاتدرائية المسيح

السيسي يفتتح أكبر كنيسة في الشرق الأوسط

بعد مرور حوالي خمسين عاماً، جاء الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، ليعلن تجديد هذا الاتفاق، في حفل مهيب؛ ففي 6 كانون الثاني )يناير) عام 2018، بمناسبة عيد الكريسماس؛ افتتح الرئيس المصري الحالي مع البطريرك تواضروس الثاني، الكاتدرائية الجديدة التي ينبغي في نوايا الرئيس، أن تصبح أكبر كنيسة مسيحية في الشرق الأوسط.

تمّ تشييد الكاتدرائية على بعد 40 كيلو متراً، شرق القاهرة، في موقع "القاهرة الجديدة" (عاصمة مصر الإدارية والمالية التي يتم حالياً تشييدها وفق برنامج الحكومة للتوسع العمراني)، وقد بُنيت الكاتدرائية في وقت قياسي، حتى تتيح للحكومة المصرية أن تظهر، في مناسبة رسمية، أنّها حقّقت هذا الهدف أيضاً.

مذكرة الكونغرس الأمريكي

حاولت مذكرة قدِّمت في 6 كانون الأول (ديسمبر)، إلى الكونغرس الأمريكي، من قبل ستّة برلمانيين أمريكيين، محاولة لفت الانتباه إلى هذا الوضع، مسلّطة الضوء على ما وصفته بـ "التمييز المنهجي ضدّ الأقباط في مصر التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي".

دحض المذكرة الأمريكية

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إدانة التدخّل الخارجي، وإثارة جدل عنيف في البلاد؛ فقد حاول الردّ الذي صاغته لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان المصري دحض الأطروحات الواردة في المذكرة الأمريكية، مشيدة بإنجازات الرئيس السيسي في سحْق تصرّفات الجماعات المتطرفة التي تحاول كسر الوحدة بين المسيحيين والمسلمين، مع إعادة التأكيد على جميع الحقوق كمواطنين لكلّ المصريين دون أيّ تمييز.

شكّل التعاون الشخصي بين ناصر وكيرلس السادس، الذي تمّ انتخابه عام 1959، خطوة مهمّة نحو تعاون أكبر بين الكنيسة والنظام

الأقباط يستنكرون المذكرة الأمريكية

وتماشياً مع ردّ الحكومة الرسمي، أعرب العديد من البرلمانيين الأقباط عن خيبة أملهم فيما يتعلق بالاستنتاجات التي توصلت إليها المذكرة الأمريكية، قائلين إنّ استمرار العنف الطائفي والترهيب ضدّ الأقباط، لا يمكن أن يعزَى إلى القيادة السياسية الحالية.

مطالب بعودة الكنيسة إلى دورها الروحي

رغم ذلك، توجد الآن حركة من المعارضة داخل الطائفة القبطية، التي لطالما دعت إلى عودة الكنيسة إلى مهمتها الروحية، والتي أصبحت الآن تتلقّى انتقادات بسبب مُهمّتها السياسية البحتة، والتي قوّضت، في رأيِها، المؤسسات العلمانية في المجتمع، إنها أصوات مجموعة من الشباب الأقباط الذين شاركوا في انتفاضة عام 2011، الذين أصبحوا حاملي الديمقراطية والحرية والمشاركة السياسية الكاملة، وتحرّروا من الهوية والديناميكيات الطائفية، وهي الطموحات التي فشلت بسرعة خلال المراحل المضطربة من المرحلة الانتقالية.

تواضروس والميثاق بين السياسة والدين

في الواقع، يبدو البطريرك تواضروس الثاني أكثر من منحاز لسياسة الحكومة، بتجديد هذا الميثاق الشهير بين السياسة والدين، الذي كان له أكبر تعبير خلال أعوام عبد الناصر، الذي يتمّ إعادة اقتراحه الآن بكثير من العجلة خلال مرحلة الانتخابات الجديدة، وليس من قبيل المصادفة أنّ سلسلة من أماكن العبادة قد تلقّت مؤخراً منحاً لأعمال الترميم.

التشابُهَ الأيقوني والرمزي بين السيسي وناصر وكيرلس السادس واضحٌ بديهي

السيسي حاجز منيع لحماية الأقباط

رغم عمليات مكافحة الإرهاب الكارثية التي انطلقت في سيناء، وعلى الخصوص الحالة الاقتصادية التي تغوص فيها البلاد (بمعدل تضخّم 18٪، وبطالة الشباب التي تصل إلى عتبة 40٪، ومعدل فقر انتقل من 28٪ عام 2015، إلى 33٪ اليوم)، ما تزال حكومة السيسي تمثّل، بالنسبة إلى أقباط مصر، حاجزاً منيعاً لحمايتهم، وضماناً للاستقرار السياسي في البلاد.

الانتخابات الرئاسية التي تجري بين 26 إلى 28 آذار (مارس)، في غياب منافسين موثوقين، اضطروا إلى الانسحاب في الأشهر الأخيرة، تبدو أنّ النتيحةَ فيها لصالح السيسي، قد أصبحت جدّ مؤكدة.

ويمكن أن تؤكّد الانتخابات الحالية، مرّة أخرى، موضع المجتمع المسيحي بقيادة البطريرك، الواقف بإخلاص إلى جانب الرئيس، رغم وجود بعض الأصوات الناقدة بين الشباب والمثقفين.

هل وجدت مصر الرجل الذي لم تملكه منذ 1970

صرامة الرئيس السيسي في وجه الإرهاب، وحسّه بالوفاق الوطني، ورغبته الحازمة في محاربة المتشددين، تثبت أنّ مصر وجدتْ رجلها القويّ الذي لم تعد تملكه، منذ رحيل عبد الناصر في عام 1970، عبد الفتاح السيسي، هذا الرجل الذي يُعرّف نفسَه كرجل علماني، يقود اليوم سياسة التوازن، والبحث عن الدعم الدولي، وقد أثبت نفسه كقائد وطني حقيقي، شبيه بناصر.

عن oasiscenter.eu وlesclesdumoyenorient وinformation.tv5monde

//0x87h

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بالأرقام... معاناة الصحفيين تحت حكم أردوغان

2020-01-22

ترجمة: محمد الدخاخني


في كانون الثّاني (يناير) 1961، دخل القانون الذي ينظّم حقوق الصحفيين حيّز التّنفيذ في تركيا. ومنذ ذلك الحين، استخدمت البلاد شهر كانون الثّاني (يناير) للاحتفال بالصحافة وحرية تداول المعلومات، وكذلك لتكريم المراسلين الذين أُصيبوا أو قُتلوا أثناء أداء واجبهم.

تمتلك شركات كبرى متزايدة الحجم أصحابها غالباً حلفاء لحزب العدالة والتّنمية الحاكم العديد من وسائل الإعلام الرّئيسة في تركيا

الرّئيس رجب طيّب أردوغان احتفل بالذّكرى السّنويّة ليوم الصحفيين العاملين في تركيا، يوم الجمعة، قائلاً إنّه من الضّروريّ أن تكون الصّحافة حرّة وغير مكمّمة خلال نقلها للوقائع. وصرّح في بيان صدر يوم الخميس: "إنّ وجود وسائل إعلام متعدّدة الأغراض وفعّالة وقادرة على إعلام الجمهور دون التّعرّض لأيّ قيود، شرط لا غنى عنه لمجتمع ديمقراطيّ وشفّاف".
هذا البيان من المرجّح أن يكون غير مقنع للصحافيين الأتراك الذين واجهوا حملة أردوغان على وسائل الإعلام منذ محاولة الانقلاب التي وقعت في تمّوز (يوليو) 2016. فقد تآكلت حرية الصحافة في ظلّ حكم الرّئيس، مع زيادة الضّغط الحكوميّ ومشهد إعلاميّ أقلّ تنوّعاً فأقلّ. ووفقاً لجمعيّة الدّراسات القانونيّة والإعلاميّة في تركيا، هناك حوالي 11,000 صحافيّ عاطل عن العمل، و114 قيد الاحتجاز، و1,500 يواجهون المحاكمة.

مناخ خانق

من الصّعب على الصحفيين في تركيا الكتابة عن قضايا مثل؛ الفساد أو نزاع الحكومة مع الأكراد، كما يقول جلال باسلانغيتش من قناة "آرتي تي في"، وهي محطّة بثّ مستقلّة مقرّها ألمانيا. وكما يضيف، "الأهم هو مقاومة الحرب والنّضال من أجل السّلام. لكن، في الوقت الحاليّ في ذلك البلد، أولئك الّذين يريدون السّلام يُعاملون معاملة الإرهابيّين".

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل قمع الحريات تحت هذه الذريعة
أيدين إنجين، وهو كاتب عمود في جريدة "جمهوريّت" اليوميّة، يمتلك رأياً مماثلاً. يقول إنّ وسائل الإعلام لم تكن حرّة منذ الاستفتاء الدّستوريّ عام 2017، الّذي أبطل صلاحيّات مكتب رئيس الوزراء وركّز السّلطة في الرّئاسة بدلاً من البرلمان. وبالكاد توجد وسيلة إعلاميّة حرّة والمناخ العامّ خانق، كما يضيف.
ووفقاً للإحصاءات الرّسميّة، فإنّ واحداً من كلّ أربعة صحفيّين في تركيا عاطل عن العمل. وجرى إغلاق العديد من وسائل الإعلام بعد محاولة الانقلاب. وفي عام 2018، بعد العاملين الاجتماعيّين، كان الصّحفيّون هم الأكثر تأثّراً بالبطالة، وفقاً للمعهد الإحصائيّ التّركيّ.

في عام 2019 صنّفت منظّمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 ضمن مؤشرها لحرية الصحافة العالمية

وقد تفاقم الوضع بسبب ضعف النّقابات العماليّة. ففي عام واحد فقط، ارتفعت نسبة الصّحفيّين العاطلين عن العمل بـ 4.7 نقطة مئويّة، لتصل إلى 23.8 في المائة. وفي عام 2019، صنّفت منظّمة "مراسلون بلا حدود" تركيا في المرتبة 157 ضمن مؤشّرها لحرّيّة الصّحافة العالميّة. "لقد وصلت سياسة مطاردة السّاحرات الّتي شنّتها حكومة الرّئيس رجب طيّب أردوغان ضدّ منتقديها في مجال الإعلام إلى ذروتها منذ الانقلاب الفاشل في تمّوز (يوليو) 2016. وبعد القضاء على العشرات من وسائل الإعلام والاستحواذ على أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا على يد شركة موالية للحكومة، تشدّ السّلطات الخناق على القليل المتبقّي من التّعدديّة - الحفنة القليلة من وسائل الإعلام الّتي تتعرّض للمضايقة والتّهميش. إنّ تركيا هي أكبر سجّان للصّحفيّين الاحترافيّين في العالم".

تحت سيطرة الحكومة

تمتلك شركات كبرى متزايدة الحجم، أصحابها غالباً حلفاء لحزب العدالة والتّنمية الحاكم وأقارب لقادته، العديد من وسائل الإعلام الرّئيسة في تركيا.

اقرأ أيضاً: الحريات في تركيا.. إلى أين؟!
وليس الضّغط على الصّحافيّين في تركيا بالأمر الجديد. فمنذ فترة طويلة تخضع وسائل الإعلام الكرديّة للرّقابة والإغلاق. تقول صفيّة ألاغاس، وهي صحافيّة كرديّة، إنّ ضغوط الحكومة أضرّت بالعلاقات المهنيّة. "في عامي 2010 و2011، كان الصّحفيّون ما يزالون يقفون جنباً إلى جنب"، تقول. "الآن، هناك استقطاب خطير... وهذا يجعلني حزينة جدّاً، حيث أودّ مزيداً من التّضامن".
من جانبه، بدا أردوغان أقلّ حزناً في بيانه بمناسبة يوم الصّحفيّين العاملين. "لقد مرّت بلادنا بفترات توقّفت فيها ديمقراطيّتنا ووضعت عقبات في طريق التّنمية"، يقول. "واستغرقت الصّحافة ومجتمعنا وقتاً طويلاً للتّغلب على الآثار السّلبيّة لهذه الفترة. وفي ضوء الدّروس الّتي تمّ تعلّمها من المشكلات الّتي واجهتها، فإنّني أعتقد أنّ وسائل الإعلام في بلدنا سوف تأخذ بعين الاعتبار حساسيات المجتمع، وتمنع قوى الظّلام من تحقيق أهدافها، ولن تحترم منظور الوصاية الّذي يتجاهل إرادة الأمّة، وتفي بواجب إعلام مواطنينا بدقّة ونزاهة".


بيلين أنكر ودانيل بيلوت، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.dw.com/en/tough-times-for-journalism-in-recep-tayyip-erdogan...

للمشاركة:

ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-21

ترجمة: مدني قصري


في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري، قُتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية مستهدفة في بغداد. بعد خمسة أيام، أطلقت إيران عدة صواريخ على قاعدتين تحميان القوات الأمريكية في العراق، دون أن تتسبب في حدوث ضحايا. وكانت هذه خطوة جديدة في تصعيد العنف بين واشنطن وطهران، الأمر الذي بات يثير مخاوف من اندلاع حرب في الشرق الأوسط، والذي يطرح السؤال حول الوجود الإيراني في العراق. حول هذا الموضوع يعود الباحث آرثر كويسناي حول ألوان التعبئة الإيرانية العاملة على الأراضي العراقية.

أغراض طهران

لا شك أنّ عمليات القصف ضد قواعد أمريكية، صباح الأربعاء، انطلاقاً من الأراضي الإيرانية نتجت عن تصاعد العنف المستمر بين البلدين.

كلما لعبت الولايات المتحدة لعبة المواجهة حاولت طهران تقوية الكتلة الموالية لإيران وزيادة نفوذها في العراق

منذ استئناف العقوبات الأمريكية في أيار (مايو) 2018، لطالما رفعت طهران لهجتها ضد واشنطن، من خلال الهجمات ضد ناقلات النفط في مضيق هرمز، على سبيل المثال، أو خلال هجمات الطائرات بدون طيار على محطات النفط لشركة أرامكو السعودية بالمملكة العربية السعودية. لكن إيران لا تزال تقف ضمن إستراتيجية تصعيد متحفظة ومحدودة، لأغراض دفاعية.

على الأراضي العراقية، لم تنتظر طهران اغتيال الجنرال سليماني لمهاجمة المصالح الأمريكية. لم يلق هذا الرد اهتماماً إعلامياً كبيراً، لكن الميليشيات الشيعية المرتبطة مع الباسدران استهدفت الشركات الأمريكية بشكل منتظم، ولا سيما الشركات المرتبطة بإنتاج النفط في العراق. كما تم استهداف المصالح العسكرية الأمريكية، بهدف واحد: الردّ على إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، ودفع واشنطن إلى الخطأ لتشويه سمعة وجودها في العراق.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحاكم جاسوساً لإيران

الهجوم الصاروخي الذي شنّته كتائب حزب الله العراقي ضد القوات الأمريكية، في قاعدة في شمال العراق، في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي؛ حيث تم اغتيال متعهد أمريكي من الباطن، هو مثال على ذلك. وكان الردّ على هذه العملية ما قامت به القوات الأمريكية من قصف على مواقع حزب الله العراقي في 29 من الشهر نفسه، تلاه في نفس المساء قصف صواريخ جديدة أطلقتها المنظمة ضد القواعد الأمريكية.

لإنهاء دورة التصعيد منخفضة الشدة اختارت الولايات المتحدة خيار المواجهة المباشرة، والهادفة، من أجل تركيع طهران، من خلال اغتيالها في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري في بغداد، لقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وملازمه العراقي الرئيسي أبو مهدي المهندس المسؤول عن العمليات الإقليمية الإيرانية.

إيران تتوسع من أجل البقاء

إيران حالياً في وضع دقيق. العقوبات الأمريكية بدأت تخنق اقتصادها، وتهدف إلى دفع القوات الإيرانية إلى حدودها. من وجهة نظر طهران، فإنّ بقاءها، على العكس، يقوم على التوسع في المنطقة: في العراق، وفي سوريا، ولكن أيضاً في لبنان، أو حتى في اليمن، لتجنب الغزو المباشر على أراضيها. لا ينبغي أن ننسى أنّ إيران قد شعرت بحق، بالهجوم عليها خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، ثم شددت عليها الولايات المتحدة الخناق خلال غزو أفغانستان (2001) ثم العراق (2003). إنّ إطلاق الصواريخ من إيران يندرج ضمن هذا المنظور الدفاعي عن مصالحها الوطنية والإقليمية.

على عكس عام 2003 أصبح لدى طهران الآن نظام ميليشيات إقليمي حقيقي وكان سليماني أحد المهندسين المعماريين لهذه الميليشيات

من المؤكد أنّ هذه الطلقات كانت محدودة وغير قاتلة؛ لأنّ طهران لا تملك الوسائل لشن حرب قد تكون عواقبها وخيمة عليها. هذا الرد الخادع يترك الميليشيات الموالية لإيران في حالة ترقب وتوقع. ويمكن قراءته على أنّه اعتراف بالضعف، مقارنة بخطورة وفاة قاسم سليماني. لذلك قد يتعين على قيادات الميليشيات أن تكيف نفسها في مقابل ذلك، فهي لن تنعم بنفس الإفلات من العقاب حتى تتصرف، على الرغم من أنّ الإستراتيجية الأمريكية لضربات الطائرات بدون طيار لم تمنع مطلقاً جماعة مسلحة من العمل، بل على العكس من ذلك.

في المقابل، فإنّ الرد الرئيسي سوف يحدث على المستوى السياسي، من خلال تعزيز الكتلة العراقية الموالية لإيران من أجل الحد من تأثير الولايات المتحدة في العراق. القانون الذي أقره البرلمانيون العراقيون مؤخراً، والذي طالب بسحب القوات الأمريكية، يوضح ذلك. لقد تم إعداد هذا المشروع على مدى عدة أعوام، لكن اغتيال قاسم سليماني هو الذي أتاح القيام بضربة قوية لإجراء التصويت عليه. فكلما لعبت الولايات المتحدة لعبة المواجهة، حاولت طهران تقوية الكتلة الموالية لإيران وزيادة نفوذها في العراق.

أبرز معالم العلاقات الإيرانية العراقية في العقود الأخيرة

قضى عام 2003، مع الغزو الأمريكي للعراق وسقوط صدام حسين، على العدو الرئيسي للجمهورية الإسلامية، وفتح حدود البلاد، مما سمح لإيران بتوسيع نفوذها هناك. أولاً، من خلال المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي ودعم عودة الأحزاب العراقية المنفية إلى إيران في عهد صدام حسين. من خلال هؤلاء الوكلاء، شاركت إيران بشكل خاص في صياغة الدستور العراقي الجديد الذي تم التصويت عليه في عام 2005. ثم، من خلال دعم منظمات الميليشيات الموازية لأجهزة الأمن العراقية، مثل "كتائب بدر" التي تشكلت في إيران خلال الحرب ضد العراق (1982)، و"كتائب حزب الله" (2003)، و"عصائب أهل الحق" (2006). شاركت هذه الميليشيات بنشاط في الحرب ضد الوجود الأمريكي في البلاد.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. وسقطت ورقة التوت

ومع ذلك، فإنّ الوضع قد تغير في عام 2008 عندما اتفقت إيران والولايات المتحدة على الوضع الراهن من أجل مكافحة تمرد الميليشيات "العربية السنية" والحركة الصدرية، التي يسيطر فيها جيش المهدي على المناطق الشعبية الشيعة. لقد تم دمج "كتائب بدر" في قوات الأمن العراقية بينما استعيدت أحياءُ البصرة والصدر في بغداد من جيش المهدي. لقد تحقق هذا الوضع القائم في عام 2015 مع توقيع الاتفاقية النووية الإيرانية.

في عام 2018، وضع تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق النووي، إيرانَ، في موقف عدواني، بهدف الحفاظ على نفوذها في العراق، وطرد الولايات المتحدة في نهاية المطاف من البلاد. ولكن على عكس عام 2003، أصبح لدى طهران الآن نظام ميليشيات إقليمي حقيقي، وكان الجنرال قاسم سليماني أحد المهندسين المعماريين لهذه الميليشيات. تعمل هذه الشبكة من المنظمات السياسية - العسكرية بشكل غير مكلف، لكنها تنتج نتائج ذات تأثير كبير على الأنظمة السياسية.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟

من ناحية، تعتمد على الجماعات المسلحة المحلية: بدر في العراق، حزب الله في لبنان، شبكة من الميليشيات السورية الموالية لدمشق، أو الحوثيين في اليمن. نمت هذه الجماعات بقوة خلال الحروب الأهلية المختلفة: الحرب الأهلية السورية منذ عام 2012، والحرب ضد داعش في العراق والصراع اليمني منذ عام 2014.

من ناحية أخرى، تقترن وتتعزز هذه الجماعات المسلحة بمنظمات سياسية تترسخ تدريجياً في هياكل الدولة المرتبطة بها بهدف تحويل اللعبة السياسية. حالة حزب الله اللبناني تكشف بشكل خاص عن هذه الإستراتيجية. ففي العراق أيضاً، تم انتخاب عدد من كوادر الميليشيات المنبثقين عن الحشد الشعبي لعام 2014، في الانتخابات التشريعية لعام 2018 ويشكلون كتلة سياسية قوية. حول هذه الكتلة تحاول إيران حالياً توحيد القوى السياسية الشيعية العراقية من أجل مواجهة النفوذ الأمريكي.

دور الحشد الشعبي في تعبئة ميليشيات مؤيدة لإيران

على المستوى العسكري، جندت الجماعات المسلحة الموالية لإيران المنبثقة عن الحشد الشعبي بضع عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تم تجنيدهم محلياً وتدريبهم بمساعدة مدربين إيرانيين. المجموعات الأكثر شهرة هي؛ كتائب بدر، ولواء حزب الله، وعصائب أهل الحق. ويمكننا أيضاً إضافة مجموعات أصغر، منظّمة على نطاق المناطق أو الأحياء، والتي تستفيد من دعم إيران دون أن تكون مرتبطة رسمياً بالجمهورية الإسلامية. يمكن أن تكون أسلحتها متطورة للغاية، مثل الصواريخ طويلة المدى التي تم إطلاقها على القواعد الأمريكية في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2019، والطائرات بدون طيار، والمعدات من تحت الأشعة الحمراء، أو ترسانة كاملة من المركبات المدرعة والمدفعية التي تشكلت أثناء الحرب ضد تنظيم داعش. لقد حدث انتقالٌ للمهارات بين إيران وهذه الجماعات شبه العسكرية، لكن مواردها تأتي بشكل أساسي من القوات المسلحة العراقية والسوق المحلية.

العراقيون المنهكون من الفساد ومن تزايد سيطرة الميليشيات على المجتمع يُعبّرون عن معارضتهم الصريحة والمتزايدة لتدخل إيران

على المستوى السياسي، تستند هذه الميليشيات إلى أحزاب محلية تشكل آلات حقيقية لإنشاء شبكات اجتماعية واقتصادية راسخة، وإعادة توزيع شبكات زبائنية. لقد أسست هذه الميليشيات شركاتها الخاصة، مما أجبر رجال الأعمال العراقيين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتها على العمل معها. وبفضل مناصب المسؤولية المكتسبة أثناء الانتخابات، أو عن طريق التعيين الذاتي في الإدارة تمكنت من تحويل موارد الدولة لتعزيز شبكات عملائها وتعزيز سيطرتها على السكان. هذه الديناميكية توجد أيضاً في سوريا وحتى لبنان. فالدولة لا تختفي ولكنها تخضع للاستيلاء المتزايد على مواردها من قبل منظمات الميليشيات التي تسيطر على بعض مؤسساتها. إضافة إلى وجود مستوى كارثي من الفساد، فإنّ ترسخ هذه الميليشيات في الدولة يشل جميع محاولات الإصلاح ويسمح لإيران بالتأثير بسهولة على صنع القرار. كان دور الراحل أبي مهدي المهندس هو بالضبط تعزيز شبه نظام الدولة هذا.

ففي الأشهر الأخيرة تحديداً، تركزت الأحداث في العراق حول هذه المظاهرات الشعبية، وانقلبت جزئياً على الوجود الإيراني، التي تم قمعها بالدم. هل اغتيال سليماني يغير صورة إيران في العراق؟ وإلى أي مدى؟

اقرأ أيضاً: إيران: الأخبار السيئة لا تأتي فرادى

ما زال من السابق لأوانه القول إنّ موقف الانتظار والترقب والخوف مما سيلي من أحداث هو المهيمن، لكن يبدو أنّ الضربات الأمريكية لم تصرف انتباه المتظاهرين الذين يواصلون التعبئة.

لا بد من التذكير بأنّ نظام الميليشيات السياسية هذا يواجه العديد من المقاومات على المستوى الإقليمي، كما يتضح ذلك من المظاهرات في لبنان، في بعض المناطق التي سيطر عليها النظام السوري. في العراق، استمرت حركة الاحتجاج لعدة أشهر، على الرغم من القمع المتواصل. العراقيون، المنهكون من الفساد ومن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومن تزايد سيطرة الميليشيات على المجتمع، يُعبّرون عن معارضتهم الصريحة المتزايدة لتدخل إيران. قبل وفاته، تعرض قاسم سليماني والمهندس لانتقادات منتظمة من قبل المتظاهرين لدورهم في نظام الميليشيات السياسية في العراق؛ حيث اتهمهم بعض المتظاهرين بأنهم مدبرو القمع الذي خلف أكثر من 500 قتيل.

حالياً، هناك استقطاب للمتظاهرين: هناك جزء يرفض التدخل الأمريكي، ومتظاهرون آخرون حاولوا منع بعض المواكب الجنائزية تكريماً لسليماني. والسؤال هو ما إذا كانت هذه الحركة ستتاح لها وسائل كافية للاستمرار، إذا شدّدت إيران مواقفها في العراق. يمكن أن تؤدي التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران إلى استقطاب السكان العراقيين وإضعاف حركة الاحتجاج المدني في مواجهة كتلة مؤيدة لإيران، ومعزَّزة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

Lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

هل يقضي مشروع "قناة إسطنبول" على أردوغان؟

2020-01-20

ترجمة: محمد الدخاخني


من المحتمل أن يتحوّل الجدل الدّائر بشأن مشروع البنية التّحتيّة لقناة إسطنبول إلى جدل وجوديّ بين الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان وعمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو. وفي السّياسة، الحجج العاطفيّة لها تأثير كبير شأنها شأن الحجج العقلانيّة. وفي الوقت الحاليّ، يمتلك إمام أوغلو كافّة الحجج العاطفيّة. يقول شعاره ضدّ المشروع: "إمّا القناة أو إسطنبول". وإذا فقد أردوغان هذا الجدل، فقد يكون ذلك مكلّفاً للغاية بالنّسبة إليه.

اقرأ أيضاً: ما هي "قناة إسطنبول" التي يصر أردوغان على حفرها؟
في عام 2011، أعلن أردوغان مشروعه الجنونيّ على ما يبدو لحفر قناة تربط البحر الأسود ببحر مرمرة في موقعٍ ثان. فمضيق البوسفور، الّذي يفصل الجانب الأوروبيّ لإسطنبول عن نظيره الآسيويّ، يربط بالفعل بين البحرين، وتنظّم عمليّة مرور السّفن عبر المضيق بموجب اتّفاقيّة مونترو.

صورة لسفينة تنفث دخاناً كثيفاً على مضيق البوسفور في إسطنبول في 21 أبريل 2009
ومن المتوقّع أن تؤدّي قناة جديدة إلى الغرب من المدينة إلى تقليل حركة المرور عبر مضيق البوسفور وتخفيف المخاطر النّاتجة عن هذه الحركة. وكان وزير النّقل التّركيّ، محمد شاهد تورهان، ادّعى أنّ العائدات الأوّليّة من السّفن الّتي ستمرّ عبر القناة ستصل إلى مليار دولار سنويّاً. من الصّعب تبرير هذا الرّقم، بشكل خاصّ؛ لأنّ السّبب الّذي قد يجعل السّفن تفضّل القناة على مضيق البوسفور ما يزال مجهولاً. وتدّعي الحكومة أنّ القناة ستقلّل من أوقات الانتظار وبالتّالي فإنّ شركات الشّحن ستفضّل الدّفع.

اقرأ أيضاً: قناة إسطنبول "مشروع أردوغان العظيم" ينذر بكارثة بيئية
أردوغان مهووس بالمشاريع الضّخمة. فقد قام ببناء جسر ثالث فوق مضيق البوسفور، وثالث وأكبر مطار في إسطنبول، والعديد من مشاريع البنية التّحتيّة الكبيرة الأخرى. ساعده هذا في الفوز بالانتخابات في الماضي، لكنّه يدافع الآن عمّا يمكن أن يصبح مشروعاً مكلفاً وعديم الجدوى في أسوأ الأوقات. ففي اقتصاد هشّ بمعدل بطالة يبلغ 14 في المائة، وضرائب متزايدة، وحيث لا مجال للمناورة، سيتعيّن على أردوغان إقناع الجمهور التّركيّ، الّذي يتزايد وعيه البيئيّ، بضرورة تخصيص الموارد لهذا المشروع الآن.

يشمل المشروع مستوطنات على طول ضفاف القناة، والّتي من شأنها أن تخلق مدينة جديدة تضمّ حوالي خمسمئة ألف شخص

يشير تقييم التّأثير البيئيّ للقناة، من ناحية أخرى، إلى أنّ 200,878 شجرة ستتأثّر بالمشروع. وخلال عمليّة تنفيذ المشروع الّتي من المتوقّع أن تمتدّ إلى سبعة أعوام، سيتمّ إجراء 360 انفجاراً في المتوسّط سنويّاً، واستخدام حوالي 4,000 طن من زيت نترات الأمونيوم، وفقاً لخبراء جيولوجيّين. وهذه شروط يصعب بيعها. وهذه المرّة، لديه معارض لا يستهان به؛ إنّ إمام أوغلو يخوض معركة صارمة ضدّ المشروع.
احتدم الجدل حول مشروع القناة عندما أعلن تورهان، في 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) الماضي، أنّ عمليّة منح عقود بناء القناة ستبدأ قريباً. ويشمل المشروع، الّذي من المتوقّع الانتهاء منه في أقلّ من عقد من الزّمان، مستوطنات على طول ضفاف القناة، والّتي من شأنها أن تخلق مدينة جديدة تضمّ حوالي 500,000 شخص. (تدّعي المعارضة أنّ هناك مليوني شخص سينتقلون). ومن المخطّط استخدام التّربة المستبدلة في إنشاء جزر اصطناعيّة. وتقدّر الميزانيّة بـ 15 مليار دولار، حسب تورهان.
سيكون لمشروع بهذا الحجم عواقب طويلة الأمد ولا رجعة فيها على البيئة والاقتصاد - ناهيك عن عواقب من وجهة نظر عسكريّة. في النّهاية، بمجرّد حفر القناة، ستصبح مدينة إسطنبول القديمة فعليّاً جزيرة، وهو الأمر الّذي ادّعى إمام أوغلو مؤخّراً أنّه سيجعل المدينة دون حماية. ففي حالة وجود تهديد عسكريّ، يجب نشر القوات في "الجزيرة" إمّا من خلال الجسور الموجودة فوق القناة أو البوسفور.

ومع ذلك، فإنّ الجدل الدّائر في تركيا بعيد عن النّاحية التّقنيّة. والحجّة الأكثر بروزاً في خطاب المعسكر الموالي للقناة هي الإيرادات الّتي يمكن توليدها عندما تدفع السّفن مقابل المرور. ولم يتّضح بعد لِمَ قد تدفع السّفن لاستخدام القناة ويوجد ممرّ مجانيّ متاح على بعد 25 ميلاً إلى الشّرق، عبر مضيق البوسفور؟ الافتراضات ضعيفة، والحسابات غامضة. وفي دراسة استقصائيّة أجرتها شركة الاستطلاع إسطنبول إكونومي ريسيرش على مستوى البلاد، في كانون الأوّل (ديسمبر) 2019، لم يوافق 49 في المائة من الجمهور على القول بأنّ المشروع سيولّد مصادر جديدة للإيرادات.

اقرأ أيضاً: رغم كلّ التحذيرات.. أردوغان يصرّ على مشروع قناة إسطنبول
تهدف الحكومة إلى جمع الدّعم بشكل صارم على طول الطّيف السّياسيّ؛ وسط مشاحنات حزبيّة حول المشروع، اختار إمام أوغلو الاعتماد في الغالب على التّناقضات الفنّيّة والبيئيّة عوضاً عن ذلك. تشمل مخاوف العمدة فقدان الحقول الزّراعيّة، والنّتائج السّلبيّة المحتملة في حالة وقوع زلزال إسطنبول الّذي طال انتظاره، وتدمير الأحياء النّباتيّة في المدينة. سيحتاج إمام أوغلو إلى تقديم أدلّة أكثر تفصيلاً في المستقبل، ولكن في الوقت الحاليّ تبدو حججه جاذبة للأنظار. فقد هرع الآلاف من سكّان إسطنبول إلى مديريّة البيئة والتّوسّع الحضريّ في إسطنبول لتقديم طلبات ضدّ تقييم الأثر البيئيّ للمشروع.

وفي دراسة استقصائيّة على مستوى البلاد، لم يوافق 49% من الجمهور بأنّ المشروع سيولّد مصادر جديدة للإيرادات

بالإضافة إلى ذلك، لا يزوَّد الجمهور بشكل عامّ بالمعلومات. فالاستطلاع نفسه الّذي أجرته إسطنبول إكونومي ريسيرش أظهر أنّ المعرفة العامّة بشأن المشروع منخفضة بشكل مذهل. فقد أشار حوالي 49 في المائة من المشاركين إلى أنّه ليس لديهم معلومات عن المشروع، بينما قال 40 في المائة إنّهم "على علم إلى حدّ ما" بالمشروع. وادّعى 11 في المائة فقط أنّهم "مطّلعون جيّداً". مع ادّعاء 12.5 في المائة من السّكان المحلّيّين بأنّهم مطّلعون جيّداً، فإنّ سكّان إسطنبول يدركون أكثر قليلاً من القضايا الرّئيسة.
وصف أردوغان المشروع بأنّه حلمه واستند مجدّداً في استراتيجيّته على الاستقطاب الأيديولوجيّ. وشريكه في التّحالف، دولت بهتشيلي، رئيس حزب الحركة الوطنيّة، حذا حذوه ووصف المعارضين "غير العقلانيّين" للمشروع بأنّهم غير وطنيّين. ومن المفارقات أنّ كلا الزّعيمين كان ضدّ المشروع خلال مراحل مختلفة من التّاريخ. فقد قدّم رئيس الوزراء السّابق بولنت أجاويد الفكرة في عام 1994، عندما كان عضواً في البرلمان، وعارضها أردوغان بقوّة في ذلك الوقت، عندما كان مرشّحاً لمنصب رئيس بلديّة إسطنبول. وبالمثل، وصف بهتشيلي القناة بأنّها "مشروع جنونيّ سيمكّن السّرقة" مجدّداً في عام 2011، عندما قدّمه أردوغان لأوّل مرّة، وكان بهتشيلي ما يزال في صفوف المعارضة.

أعلن أردوغان أنّ "القناة ستبنى سواء أعجبهم ذلك أم لا"
كجزء من اتّجاه أوسع، أصبح الجمهور التّركيّ أكثر حساسية تجاه القضايا البيئيّة. فخلال العقد الماضي، وقعت احتجاجات لا حصر لها في كافّة أنحاء الأناضول، لا سيّما لمعارضة بناء محطّة توليد الطّاقة الكهرومائيّة. وفي الآونة الأخيرة، تجمّع الآلاف من النّاس في مقاطعة كاناكالي للاحتجاج على مشاريع تعدين الذّهب الّتي من شأنها أن تلحق الضّرر بالبيئة. الخيط المشترك لهذه الاحتجاجات هو أنّها تشمل أشخاصاً من جميع الأطياف السّياسيّة.

إذا تمكّن أوغلو من الفوز بالحشد في الجدل الدّائر حول المشروع فقد يوجّه ضربة قاتلة لأردوغان بالانتخابات الرئاسية المقبلة

اغتنم إمام أوغلو الفرصة لوضع نفسه أمام أردوغان في جدل له أهميّة وطنيّة من أجل تعزيز محاولته في الانتخابات الرّئاسيّة المقبلة. وهو يضغط على الرّئيس بشأن التّداعيات الاقتصاديّة والبيئيّة للمشروع. وكلاهما له صداه لدى الجمهور. على الجبهة الاقتصاديّة، ليس من الواضح كيف سيموَّل المشروع. إذا كان ذلك سيتمّ من خلال الأموال العامّة، فسيسأل النّاخبون عمّا إذا كان هذا هو التّخصيص الصّحيح للموارد في وقتٍ زاد خلاله العجز في الميزانيّة بنسبة 70 في المائة في عام 2019 ليصل إلى 21 مليار دولار، ووصلت الزّيادة الأخيرة البائسة في الحدّ الأدنى للأجور إلى 15 في المائة، تاركةً من حظي بها تحت خطّ الفقر بكثير.
حتّى الآن، تقف الحكومة بحزم. فقد أعلن أردوغان أنّ "القناة ستبنى سواء أعجبهم ذلك أم لا". لكن من غير المؤكّد أنّ خطابه المعتاد سيكون كافياً لكسب الجماهير هذه المرّة، لا سيّما عندما يتعلّق النّقاش بقضايا ذات أهميّة حقيقيّة للنّاخبين.
بعد تكرار الانتخابات البلديّة في إسطنبول، والّتي خسرها حزب أردوغان مرّتين، يستعدّ إمام أوغلو للفوز الثّاني على أردوغان - هذه المرّة على السّاحة الوطنيّة. وإذا تمكّن إمام أوغلو من الفوز بالحشد في الجدل الدّائر حول مشروع القناة، فقد يوجّه ضربة قاتلة لأردوغان في الفترة الّتي تسبق الانتخابات الرّئاسيّة عام 2023.


كان سيلكوكي، فورين بوليسي

مصدر  الترجمة عن الإنجليزية:

https://foreignpolicy.com/2020/01/16/turkey-erdogan-imamoglu-istanbul-ca...

للمشاركة:



البرلمان العربي يوجه رسالة للمجتمع الدولي تتعلق بتدخّل تركيا في ليبيا..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

وجّه رئيس البرلمان العربي، مشعل بن فهم السلمي، رسائل مكتوبة لكلّ من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي، ورئيس البرلمان الأوروبي، ورئيس برلمان عموم أفريقيا، ورئيس الجمعية البرلمانية لحلف الناتو، بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا.

 

 

وتضمّنت رسالة السلمي، وفق بيان نشره البرلمان العربي عبر وسائل الإعلام، بلاغاً  للأطراف الدولية بما اتخذه البرلمان العربي، في جلسة 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، من قرار بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا، الذي تضمن عدداً من البنود، وهي رفض وإدانة قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، التي تحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، وأن هذا التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية، ويسهم في إطالة أمد الصراع ويقوض جهود السلام، ويعرقل الحلّ السياسي في ليبيا، ويزعزع الاستقرار بالمنطقة، ويهدّد أمن دول الجوار الليبي والأمن القومي العربي.

السلمي يرفض ويدين قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي

وحملت الرسالة "إدانة لجميع صور دعم الميليشيات المسلحة وتزويدها بالأسلحة والمعدات وتسهيل نقل الإرهابين الأجانب إلى ليبيا، والمطالبة بنزع سلاح هذه الميليشيات المسلحة، ومطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لمنع نقل المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، ووضع آلية واضحة للمراقبة والعقوبات ضدّ الأطراف المُمولة للصراع في ليبيا بالسلاح".

وتطرقت أيضاً إلى "ترحيب البرلمان باتفاق وقف إطلاق النار بين قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق، بوصفه خطوة مهمة لإحراز تقدم في العملية السياسية، وحقن دماء الليبيين ودعوة الأطراف كافة الالتزام بالاتفاق، وإيجاد حلّ سياسي ونهائي للأزمة في ليبيا".

وجدّد البرلمان العربي في ختام رسائله التأكيد على ضرورة وقف الصراع العسكري في ليبيا، وأنّ الحلّ فيها لا يمكن أن يكون إلا حلاً سياسيا ليبياً خالصاً، دون تدخلات خارجية، دعماً لطرف على حساب طرف آخر إلى جانب دعم مجلس النواب الليبي في قراره بشأن رفض التدخل التركي في الشؤون الداخلية لليبيا، ومطالبة المجتمع الدولي بالتحرك الفوري والعاجل لإيقاف هذا التدخل".

السلمي: التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية

من جهته، أكّد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط؛ أنّ التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية، وتناقض المصالح العربية المتمثلة في قرارات الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي.

وقال أبو الغيط، أمس، خلال برنامج "على مسؤوليتي"، الذي يذاع على قناة "صدى البلد" المصرية، نقلاً عن وكالة "سبوتنيك" الروسية: إنّ "تركيا ترسل العناصر الإرهابية من شمال سوريا إلى ليبيا"، مؤكداً أنّ "الخلاف احتدم بسبب قيام تركيا بتوقيع اتفاقيات مع حكومة الوفاق دون موافقة البرلمان الليبي الشرعي."

وأشار إلى أنّ وثيقة برلين تعالج المحاور الرئيسة والاقتصادية والأمنية وحقوق الإنسان في ليبيا، وتضمن حلّ التنظيمات والميليشيات الإرهابية، لافتاً إلى أنّه "تمّ تكليف مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة، للتحرك مع الأطراف الأخرى للتوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار".

كما شدّد الأمين العام للجامعة العربية على أنّ هناك حدود مشتركة بين مصر وليبيا، ولا أحد يستطيع أن يفرق بين سكان شرق ليبيا وسكان الساحل الشمالي المصري، المتمثلين في القبائل، بالتالي، فإنّ الأوضاع الليبية تهم مصر بشكل كبير.

أبو الغيط: التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية وتناقض المصالح العربية

وأضاف: "ليبيا مليئة بتيارات وجماعات متأسلمة وإرهابية، وهناك تهريب للأسلحة، بالتالي، فإنّ مصر يهمها تأمين حدودها مع الدولة الليبية، ويهمها في الوقت ذاته حلّ الأزمة الليبية"، مبيناً أنّ تركيا دخلت خطّ الأزمة بتصرفات في شرق وجنوب المتوسط بشكل يهدّد مصالح أوروبية وغربية.

وكشف أبو الغيط؛ أنّ المشير خليفة حفتر سيرسل خلال الأيام القليلة القادمة 5 من القادة العسكريين التابعين له إلى جنيف، من أجل الجلوس مع 5 عسكريين تابعين لفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق، من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق، معرباً عن تمنياته بأن يكون هذا طريق إلى الحلّ برعاية الأمم المتحدة، خاصة أنّ السراج رفض الجلوس مع المشير خليفة حفتر" بحسب قوله.

وأوضح أبو الغيط؛ أنّ الجانب الأوروبي بدأ يتحدث عن قوة متابعة عسكرية وحفظ السلام على الأراضي الليبية، وهو ما اعترض عليه الجانبان الروسي والصيني، باعتباره قراراً لا بدّ من أن يصدره مجلس الأمن ويتم التصويت عليه.

 

للمشاركة:

مقتل قيادي في الباسيج.. من هو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلنت وكالة أنباء "فارس" (شبه رسمية)، اليوم، مقتل عبد الحسين مجدمي، قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني، في مدينة دارخوين، الواقعة بمحافظة خوزستان جنوب غرب إيران.

وأكدت الوكالة؛ أنّ الهجوم شنّه "مجهولون ملثمون" على مجدمي داخل منزله، وأطلقوا عليه النار من سلاح "كلاشينكوف"، ما أدّى إلى مقتله على الفور.

من جهتها، لم تعلق السلطات الإيرانية على هذا الخبر حتى الآن.

عبد الحسين مجدمي قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري في مدينة دارخوين الواقعة بمحافظة خوزستان

ومجدمي هو من الضباط المشاركين في عمليات قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا خلال الأعوام الماضية، ويتهمه ناشطون بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر.

وشهدت أغلب مدن محافظة خوزستان، ذات الأغلبية العربية، احتجاجات شعبية واسعة خلال الفترة الماضية، رفضاً لقرارات اقتصادية وحينها تدخلت قوات "الباسيج" لقمع الاحتجاجات ما أدّى إلى سقوط ضحايا وجرحى.

مجدمي متهم بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر

وتعدّ مدينة دارخوين مركز مقاطعة شادكان الواقعة في محافظة خوزستان، وتقع في منتصف الطريق الرابط بين الأحواز وعبادان، ويبلغ عدد سكانها قرابة 15 ألف نسمة.

ويأتي استهداف مجدمي بعد نحو أسبوعين من مقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري، المصنَّف إرهابياً، و"أبو مهدي المهندس" القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي وآخرين، في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في العراق.

يذكر أنّ الباسيج هي قوة شبه عسكرية من المتطوعين، تسيطر عليها ميليشيا الحرس الثوري الإيراني.

 

 

 

للمشاركة:

"الإخبارية" السعودية تعيد موضوع دعم قطر للجماعات المسلحة إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عرضت قناة "الإخبارية" السعودية تقريراً جديداً حول علاقة قطر بالجماعات المسلحة مستندة إلى بعض التقارير الإخبارية والقصص التي تؤكد تلك العلاقة، والتي يديرها النظام بالتعاون مع أمراء حروب في دول متعددة، موردة حادثة اختطاف الصحفي الأمريكي، ماثيو شرايفر، من قبل ميليشيات مرتبطة بالقاعدة في سوريا، والذي اكتشف أثناء اختطافها له أنّها مُمولة من قطر.

 

ووصفت قناة "الإخبارية" الرسمية السعودية، في تقريرها، دولة قطر بأنّها "الابن الضال للخليج"، قائلة إنّ "حكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها عدة مرات لكن دون جدوى"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

الإخبارية تعرض تقريراً جديداً يؤكد علاقة الدوحة بالجماعات المسلحة ويتحدث عن نشاطات القرضاوي

واتهمت قناة "الإخبارية" السعودية، في تقريرها الدوحة بـ"دعم منظمات مسلحة مالياً".

وتابعت القناة: "عندما نتحدث عن قطر، لا نتحدث عن الشعب والأرض، إنما نتحدث عن النظام؛ البنك المتحرك والحليف الصغير لعصابة الملالي (في إشارة إلى السلطة الحاكمة في إيران)، والمليء بالتناقضات (تقصد علاقات الدوحة مع تركيا)".

في حين رأت القناة الرسمية السعودية؛ أنّ "يوسف القرضاوي (الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) استفاد من الدعم المالي في نشر أفكاره ودعم الإخوان حول العالم عبر المؤسسات المالية القطرية، واستفادت منه قطر في وضع نفسها على خريطة النفوذ الإقليمي، خريطة ترسمها بالدماء".

"الإخبارية": قطر "الابن الضال للخليج" وحكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها لمرات عدة

وأشارت "الإخبارية" السعودية إلى أنّ "الدول الأربع الداعمة لمكافحة التطرف اتّخذت إجراءات عاجلة لحماية دولها من الممارسات القطرية"، مُعتبرة أنّ "الطريق أمام قطر يبدو طويلاً لتصحيح مسار اختارته، أو اختاره لها القرضاوي".

وفي 5 حزيران (يونيو) 2017، قررت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، إضافة إلى مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بدعوى دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة.

وكانت الأجواء الإيجابية خلال القمة الخليجية، المُنعقدة بالرياض، في 10 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قد عززت احتمالات حدوث تقارب بين الدوحة والعواصم الخليجية المختلفة معها، لا سيما مع مساعي الكويت للوساطة، وإجراء محادثات سرية، تمّ الإعلان عنها فيما بعد، بين السعودية وقطر.

 

 

 

للمشاركة:



ليبيا والمواجهة المصرية ـ التركية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عبد الرحمن الراشد

لأنَّ الأتراك على وشك أن يخسروا الحرب في ليبيا، ذهبوا إلى برلين، ساحة الحرب الأخيرة، نتيجة استيلاء الجيش على مدينة سرت قبل أسبوعين ومحاصرته طرابلس. هناك تفاوض المنتصرون والخاسرون، آملين أن تدفع الواقعية الجميع إلى التوصل الى اتفاق ينهي سنوات العنف. الاتفاق تم توقيعه من الأطراف المعنية، ورعته الأمم المتحدة، لكن الأرجح أن يعود كل فريق للاقتتال على الأميال الأخيرة.
للحرب مراحل مؤلمة في ليبيا، و2015 كانت السنة التي قضت على آمال المصالحة، حيث أغلقت السفارات في طرابلس، وسحبت الأمم المتحدة قوتها، وعمَّت الفوضى العاصمة. وتسبب تنافس القوى الإقليمية والكبرى في استمرار الحرب، وتركيا من بينها. لها ميليشيات معظم أفرادها أجانب، ويبرر الأتراك انخراطهم في الحرب بأنَّ لهم ديوناً ضخمة على ليبيا، موَّلت بها مشاريع في آخر عهد القذافي، وتدَّعي أن في ليبيا مليونَ مواطن هم من أصول تركية، وهذا طبعاً غير صحيح.
أما لماذا تُصرّ على القتال وليبيا بعيدة عنها، يُقال لأنها تريد بناء إمبراطورية، وهو أمر غير ممكن، لأنَّها لا تملك الموارد، حتى بالدعم القطري غير المحدود لها. الحقيقة لم يبقَ لتركيا سوى ليبيا، من مكاسب «الربيع العربي». وليبيا ممر خطير لزعزعة أمن مصر، وكذلك ضد أوروبا.
فقد راهنت بشكل خاص على جماعة الإخوان في سوريا ومصر والسودان وليبيا، خسروا الحكم، ومعهم خسرت تقريباً كل هذه الدول. لم يتبقَ لها سوى ليبيا، وحتى في ليبيا بقي لحليفها «الوفاق» 15 في المائة، في طرابلس ومصراته. كما خسروا مناطق النفط، من قبل.
في هذا الوضع السيئ، تهدّد أنقرة بإرسال المزيد من المدد للدفاع عن طرابلس. خبراء أتراك، والقوة التركية هم من المقاتلين الأجانب من حرب سوريا. فتركيا بعد الاتفاق مع الروس في إدلب، تريد التخلص من تركة الحرب السورية، وعلى أرضها آلاف المقاتلين الأجانب الذين سيصبحون مشكلة لها. وفي حال فشل اتفاق برلين سيقاتلون مع حكومة الوفاق، وإذا خسروا واستولى الجيش الليبي على طرابلس، سيكون للمقاتلين الأجانب في ليبيا مهمة زرع الفوضى. وورقة يساوم إردوغان بهم في ضغوطه على دول جنوب أوروبا. هذا التصور من وحي تهديدات الرئيس التركي نفسه الذي كرَّر بأنَّ أوروبا لن تكون آمنة إن سقط حلفاؤه في ليبيا!
مصر هي الهدف الآخر للأتراك في ليبيا، وكما قال الرئيس المصري في تعليقه على تزايد التدخل التركي بأنَّ مصر معنية باستقرار ليبيا، والتدخل التركي يمثّل خطراً كبيراً على مصر وقد تكون الهدف التالي. لهذا نرى القاهرة رفعت صوت خطابها معلنة بأنَّها لن تبقى متفرجة إن دخل الأتراك الحرب. في ليبيا، بمقدورهم إطالة أمد وتوسيع الفوضى، لكنَّهم لن يستطيعوا حكم ليبيا، والجميع يحاول دفع أنقرة لتكون واقعية وتتعاون بدعم أي حكومة مشتركة، تشكل وفق اتفاق برلين، حتى تنتهي هذه المأساة العبثية. ولا ننسى أنَّ الحرب الحالية بسبب إفشال فرصة سابقة للتشارك في الحكم، عندما طمع المتطرفون الذين تدعمهم تركيا، في كل السلطة. الأتراك الذين يريدون استخدام ليبيا لتعزيز وضع فشلهم في سوريا ستكون ليبيا عبئاً وفشلاً إضافياً إن أصرُّوا على دعم الحرب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اتفاق أردوغان-السراج والإرهاب في شمال أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

باسم عدلي

تحاول الدولة التركية استعادة مكانتها الدولية والإقليمية من خلال الدعم للجماعات الإرهابية، وتصعيدها إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية والأفريقية، وذلك من خلال عدة أدوات إنسانية، واقتصادية وسياسية، ومعها تأتي الأداة التسليحية والعسكرية والأمنية، خاصة في الدول الاستراتيجية التي يمكن من خلالها تحقيق أكثر من هدف، مستغلة المشاعر الدينية، والتقاربات الأيديولوجية، والحالة الأمنية، والمراحل الانتقالية.

هذا ما تم تنفيذه في الحالة السورية، وتحاول تركيا تكرار ذلك النموذج مع الدولة الليبية، من خلال مذكرة التفاهم للتعاون العسكري والأمني التي تم توقيعها بين أردوغان وحكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في 26 نوفمبر 2019، والذي يعد نسخة أوسع من الاتفاق الإطاري للتعاون العسكري المبرم بين الطرفين في وقت سابق، هذا إلى جانب اتفاق بحري تم توقيعه في ذات الفترة يهدف إلى تحديد الحدود البحرية بين البلدين.

وأثارت مذكرة التفاهم تلك العديد من ردود الأفعال الدولية والإقليمية، وخاصة من دول الجوار المباشر لليبيا، وخاصة مع التخوف من أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى نقل مسلحين دواعش إلى الأراضي الليبية، أو تهديد حالة الاستقرار في حقول غاز شرق المتوسط، إلى جانب الانتفاضة العربية تجاه محاولة تركيا انتهاك سيادة دولة عربية، ويمكن رصد تأثير مذكرة التفاهم العسكرية بين تركيا وحكومة على نشاط الجماعات الإرهابية في النقاط الآتية:

المحور الأول: التعريف بمذكرة التفاهم والاتفاق البحري:
على الرغم من عمومية نصوص مذكرة التفاهم، وتضمنها مبادئ يمكن القول إنها مبادئ تكافح من خلالها تركيا الإرهاب، لكن التخوف ينبع من تعريف من هو الإرهابي، ومن ستواجهه القوات التركية، ومن ستعزز من قدراته، ومن ستزوده بالأسلحة والتدريب، ومن ستغطيه بوحدات الدفاع الجوي، أي مع أي طرف ستقف، وضد أي طرف؟

فقد نصت مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الأمن والسيادة الليبية، وتعزيز قدرات حكومة الوفاق في مكافحة الإرهاب والهجرة غير المنظمة والجريمة، وتؤسس لمهام تدريب وتعليم، ونقل خبرات بين الجيشين التركي، والجيش التابع لحكومة الوفاق، والتعاون في تبادل المعلومات الأمنية بين الطرفين، وتغطية جميع الجوانب الأمنية.

في حين تم النص في الاتفاق البحري بين الطرفين على تحديد مناطق السيادة البحرية، وحدود المناطق الاقتصادية لكل دولة من الدولتين، بحسب الإحداثيات، وبهدف إطلاق السيادة على بعض المناطق، وهو ما يمنع بعض الدول المشاطئة، وخاصة اليونان، من توقيع وتفعيل اتفاقيات بعينها للتنقيب عن الغاز، أو تحديد حدودها البحرية كما كان متصوراً، ويؤثر على عمل منتدى الغاز الذي أسسته مصر بعضوية 7 دول بحر متوسطية باستثناء تركيا، بل ويؤثر على النشاط التنقيبي في شرق المتوسط كاملاً، وخاصة النشاط المصري، مع احتمالية المواجهة أو عدم الاستقرار في تلك المنطقة.

واعتمدت تركيا في هذا التقسيم البحري على مبدأ المناطق الاقتصادية الخالصة، والتي تحددها الأمم المتحدة والمادة 55 من قانون البحار بأنها منطقة تمارس الدولة فيها حقوقها السيادية خاصة في الاستغلال واستخدام الموارد البحرية، والتي تمتد إلى مسافة 200 ميل بحري.

وعند إعلان ليبيا في مايو 2009 حدودها البحرية ومناطقها الاقتصادية، أعلنت أيضاً أنها منفتحة مع كافة الدول لترسيم الحدود البحرية، وهو ما دفع اللواء البحري التركي "جهاد بايجي" إلى نشر كتابه "ليبيا جارة تركيا في البحر"، والذي أشار إلى أهمية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا لإفساد ما تخطط له اليونان وقبرص الجنوبية، والاستفادة من احتياطات الغاز في شرق المتوسط التي تقدر بنحو 3 تريليونات دولار.

مواقف دول شمال أفريقيا من مذكرة التفاهم
كان لهذا الاتفاق العديد من الأثار والتداعيات التي ترجمتها مواقف دول شمال القارة، بخاصة مع معرفة تلك الدول وقادتها بطبيعة الدور التركي في تكوين المليشيات، وتسليح الجماعات التي تدين بالفكر الإخواني المنحرف عن الإسلام، والتي تناهض الدولة الوطنية، وما يمكن أن يحمله ذلك من تداعيات على دول الجوار، وهو ما ظهر في الموقف المصري، الذي تم ترجمته من خلال الاتصالات، والزيارات، واللقاءات بين مصر وعدد من الدول الأوروبية، ومع الولايات المتحدة، وعدد من الدول العربية التي لا تزال تهتم بالقومية العربية والسيادة الوطنية للدول التي تضمها هذه القومية، وخاصة بعد إعلان أردوغان عن وصول عسكريين إلى ليبيا من جنسيات مختلفة، ونجاح الجيش الوطني الليبي في تحرير سرت.

وحاول أردوغان شق الصف العربي من خلال زيارة مسؤولين أتراك إلى تونس والجزائر، رغبة إظهار أن هناك تنسيقا ما على التدخل التركي في ليبيا، خاصة مع وجود حركة النهضة الإخوانية على رأس البرلمان التونسي، ومع طبيعة ما تواجهه المرحلة الانتقالية في الجزائر، ووجود جماعات تركية داخل الدولة الجزائرية، وهي المحاولات التي باءت بالفشل، وتم رفض التدخل التركي في الدول العربية، واعتبرت تونس والجزائر أن الحل السياسي هو الأفضل، وعلى إثر ذللك عُقد في القاهرة يوم 8 يناير 2020 اجتماع على مستوى بين مصر وعدد من الدول الأوروبية على رأسها اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وهو الاجتماع الذي اعتبر اتفاقية أردوغان مع السراج باطلة، وهو نفسه موقف البرلمان الليبي المنتخب.

ومع كل هذه المواقف، والهزائم التي تلحق بالمليشيات المدعومة من قبل تركيا في الداخل الليبي، وما يتكشف من رفض لأجهزة الدولة الليبية لهذا الاتفاق، لا تزال تركيا وحكومة السراج تدافعان عن هذا الاتفاق، رغبة في خدمة المشروع الإخواني في واحد من آخر معاقله، ورغبة في الاستفادة من غاز ليس من حق تركيا في إعطاء قبلة الحياة لمشروع السلطنة التركية الإخوانية، والتي كانت تقوم على تولي ولي إخواني لكل دولة عربية، يتبع مباشرة الولي التركي الإخواني، واستبدال الصفة العثمانية بالصفة الإخوانية.

الاتفاق ونشاط الجماعات الإرهابية.. مصادر التهديد
يعتبر كثيرون أن الاتفاق التركي مع حكومة السراج لا يهدف فقط إلى التدخل في الشأن الليبي، وتهديد عدد من دول الجوار من خلال دعم جماعات إرهابية، ونقل مقاتلي داعش، بل يهدف كذلك إلى رفع معنويات المليشيات والجماعات المسلحة التي لقت العديد من الهزائم على يد الجيش الليبي، واستخدامها في تقوية الموقف التركي في المفاوضات حول غاز شرق المتوسط، وهو ما يجعله عنصرا مؤثرا على أمن دول شمال أفريقيا، وجنوب أوروبا من خلال الجماعات التي يمكن استخدامها ودعمها، ويمكن أن يكون مصدر تهديد من خلال:

1. نقل إرهابيي داعش من سوريا: وهي عناصر ترى في مصر ودول أوروبا أعداء لها، وترى في العديد من الدول العربية معوقاً أمام مشروع الخلافة الإسلامية في ثوبها الإخواني، ومن الطبيعي أن تضع كل هذه الدول ومصالحها في الدول الأوروبية وأمريكا محل استهداف.

2. استخدام الأجواء الليبية الجوية والبرية والبحرية للتأثير على عدد من الدول: خاصة التي تقع في الجوار المباشر، ودعم الجماعات المسلحة التي تؤثر على استقرار تلك الدول، وهو ما يهدد الدول العربية، ودول الساحل الأفريقي.

3. هدم الجيش الوطني الليبي: وإتاحة المجال للمليشيات للسيطرة على دولة استراتيجية مثل الدولة الليبية، وتوفير ساحة لممارسة نشاط تلك الجماعات.

4. قاعد عسكرية تركية في المستقبل: يعتبر من الأهداف الاستراتيجية في الفكر الأمني التركي أن تتخذ من الأراضي الليبية مستقراً لقاعدة عسكرية، وهو ما سيمكنها من التأثير على الأمن القومي لعدد من الدول، ودعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في دول أفريقية وعربية من ناحية أخرى.

5. منتدى ومشروعات غاز شرق المتوسط وخط الغاز لأوروبا: تحاول تركيا من خلال كافة تلك التحركات التأثير على سبل الانتفاع بالغاز الطبيعي في البحر المتوسط، إلى جانب محاولة خدمة مشروعها الأيديولوجي الإخواني، وهو ما دفعها لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، بطريقة تخالف القانون والاتفاقيات والأعراف الدولية.

6. دعم الجماعات الموالية من خلال نقل سلاح أو عمليات تدعم دورها: وهو ما قامت به تركيا مع المليشيات الموالية لحكومة الوفاق، ويمكن أن يتسع مجاله وأنماطه، خاصة مع الهزائم التي تلحق بهذه المليشيات، وتقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس.

7. شد أطراف نظم سياسية قائمة بما يؤثر على خططها التنموية: خاصة النظام المصري، الذي بدأت ملامح تجربته تظهر وتؤكد أنه على الطريق الصحيح، وتحاول تركيا أن تحبط تلك التجربة، أو أن تستدرج النظام المصري نحو مواجهة وحرب تعطل الخطط التنموية، وتتيح فرصة لعودة الجماعات الإرهابية إلى هذه الدولة.

8. محور جذب لأبناء الجماعات من الدول وتكوين بؤرة تأثير على الحدود: وخلق بديل مكاني لهذه الجماعات عن سوريا والعراق ليصبح شمال أفريقيا هو المقر الجديد للجماعات الإرهابية، مع الظهير الصحراوي الأفريقي في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما سيؤثر على الأمن القومي للعديد من الدول العربية والأفريقية.

9. إضعاف الدولة الليبية: بما يسمح للمرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين ومن يعملون في الجريمة المنظمة بالتدفق إليها، وجمعيهم سيتم استخدامهم لخدمة المشروع التركي في تكوين مليشيات، أو التأثير على دول الجوار، أو التأثير على الجنوب الأوروبي.

10. نهب الغاز والبترول الليبي، والتأثير على توازن سوق البترول الدولي، بما يسمح له ليس فقط التأثير على دول الجوار المباشر لليبيا، بل التأثير على كافة الدول المصدرة للبترول والغاز، واستخدام فائض تلك الثروات في تمويل الجماعات الإرهابية.

11. ساحة مواجهة جديدة مع دول ترغب في استعادة الدولة الليبية: منها دول خليجية ودول أفروعربية، وتحاول تركيا إثبات أنها من القوى المؤثرة في التوازنات الإقليمية، وفي التطورات الداخلية في الدول العربية، وأن مشروعها الاستيطاني لا يزال قادرا على التمدد.

12. الانشقاقات الداخلية الليبية وتأثيراتها الإرهابية: والتي بدأت في صفوف مؤسسات الدولة الليبية التي لا تزال تعمل، وتأثير ذلك على الجبهة الداخلية وعلى سبل مواجهة الجماعات الإرهابية.

سبل مواجهة التغلغل التركي في الشأن الليبي

يحتاج التدخل التركي في الشأن الليبي إلى العديد من الأدوات التي يمكن تفعيلها لمواجهته، وللتخفيف من آثاره، لعل من أهم تلك الأدوات:

-تكوين جبهة إقليمية ودولية رافضة لذلك التدخل، وتوضيح الآثار والأهداف الفعلية التي تحرك تركيا نحو ليبيا.

- العمل على التوعية الدولية والإقليمية بمخاطر هذا التدخل، وعدم قانونية الاتفاقات التي تعقدتها حكومة السراج مع تركيا.

- تكوين جبهة من دول الجوار ترفض أن تستخدم تركيا أرضها في احتلال الأراضي الليبية.

- دعم الجيش الليبي الوطني، ومحاولة بذل جهد لرفع حظر التسليح عنه، حتى يستطيع مواجهة المليشيات.

- توفير الحماية اللازمة لمشروعات غاز المتوسط، وهي حماية قانونية، وحماية عسكرية.

- العمل على تقوية مؤسسات الدولة الليبية، بما يمكنها من مواجهة هذا الاحتلال التركي.

- استصدار قرارات أممية، من الأمم المتحدة والجمعية العامة، ومؤسسات أفريقية، ومن المؤسسات العربية والإسلامية التي تدين هذا التحرك وتوضح حقيقة نواياه.

- العمل على فصل ليبيا عن الساحل الأفريقي في تحرك الجماعات الإرهابية، بما يمنع تلك الجماعات داخل ليبيا من مصادر التمويل البشري.

في النهاية يمكن القول إن التحرك التركي للتأثير على الأمن الليبي، ودعمه للجماعات الإرهابية لن يتوقف عند هذا الحد، لن تكون ليبيا هي المحطة الأخيرة، فما يحرك أردوغان ليس المصلحة التركية، إنما مصلحة إخوانية تعبر عن مشروع فكري يسعى أردوغان إلى القيام بجزء مهم فيه، يستهدف التهام الدول العربية، ووضعها تحت لواء السلطنة التركية الإخوانية بثوبها الأردوغاني.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

من هو جمال حمدان الذي تنبأ بمستقبل قاتم لنهر النيل في مصر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

يفتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحادية والخمسين أبوابه يوم الأربعاء، 22 يناير/كانون الثاني، في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس شرقيّ القاهرة. وقد وقع اختيار الهيئة المنظمة للمعرض على المفكر الجغرافي الراحل جمال حمدان ليكون شخصية المعرض هذا العام.

عُرف حمدان بعشقه الشديد لمصر والذي تجلى في كتابه الأهم "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" الذي يقع في أربعة أجزاء ضمت أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير، وصدر على مدى عشر سنوات كاملة.

اقرأ أيضاً: جمال حمدان: فيلسوف عبقرية المكان

يقول حمدان: "ببساطة إن مصر، أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة. مصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية".

واشتهر حمدان بدفاعه عن الناصرية والقومية العربية وحركة الضباط الأحرار في يوليو/تموز 1952، وكان يرى أن جمال عبد الناصر هو أول زعيم مصري يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية.

وعن القومية، يقول حمدان: "إلى الآن، الحقيقة المحورية الوحيدة التي تدور حولها الحياة السياسية والوجود السياسي في العالم هي: القومية لا بديل عنها ولا مفر منها ولا مبيد لها ... كقطعة الفلين على الماء، مهما غمرتها بالقسر في غياهب الماء تطفو إلى السطح حتما .. القومية هي سنة الحياة السياسية".

"نبوءات" حمدان

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أشار غير مرّة إلى حمدان، مستشهدا ببعض أقواله، كما في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، وفي ذكرى تحرير سيناء.

وفي كتاب بعنوان "قناة السويس نبض مصر"، قال حمدان إن "قناة السويس هي نبض مصر، والقلب النابض فى النظام العالمي، وهي مركز النقل الأول في أوروبا"، داعيا إلى توسيع القناة كـ "مصل مضاد لوباء الناقلات العملاقة".

وقال السيسي في افتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس/آب 2015: "ها هي نبوءة جمال حمدان تتحقق".

ولكن لحمدان نبوءات كثيرة وردت في مذكراته التي عُني بجمعها ونشر بعضها أخوه الباحث عبد الحميد صالح حمدان.

ووصفت تلك "النبوءات" بأنها ذات طابع شديد التشاؤم، وربما كان للمحبس الاختياري -الذي لجأ إليه حمدان وظل فيه حتى وفاته الغامضة- أثر كبير فيه.

"مستقبل نهر النيل"
وفي بعض هذه النبوءات، يقول جمال حمدان إن مصر إذا لم تتحرك لكي تكون "قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما "كالقصعة!" أعداء وأشقاء وأصدقاء أقربين وأبعدين".

ويقول في فقرة أخرى، لقد "ظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدّعون هيدرولوجيا. كانت مصر سيدة النيل، بل مالكة النيل الوحيدة - الآن فقط انتهى هذا إلى الأبد، وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة، إن لم يكن للنقص، والمستقبل أسود".

ويرصد حمدان أن مصر الوطن تعني عنصري الأرض والشعب. ويشير إلى أن أرض مصر بعد بناء السد العالي لم تعد تتسع بل أخذت في الانحسار في الوقت الذي بلغ فيه تعداد شعبها "الذروة غير المتصوّرة قط، وهكذا بينما تشهد القاعدة الأرضية والمائية انكماشا أو ثباتا أو انقراضا، وصل الطفح السكاني إلى مداه، ولم يبق سوى المجاعة وبقي عامل السكان الذي تعدى إمكانيات الأرض".

ويبلغ حمدان ذروة التشاؤم فيقول: "سيأتي اليوم الذي تطرد فيه الزراعة تماما من أرض مصر، لتصبح كلها مكان سكن، دون مكان عمل، أي دون عمل، أي دون زراعة، أي دون حياة أي موت! لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة".

ويضيف حمدان أن المتغيرات الخارجية من "انقلاب عالمي وهيمنة أمريكية" تعصف بمكانة مصر.

محبس اختياري
وكان حمدان قد اختار لنفسه محبسا في شقة صغيرة في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة جنوبي القاهرة حيث قرر اعتزال العالم بعد أن تعرض لما وصفه البعض ب"مظلمة أكاديمية لم ينصفه فيها أحد" رغم وضوح موقفه.

وبحسب الروايات، فإن أحد زملائه في الجامعة قد سطا على أبحاثه وسبقه بها إلى نيل درجة علمية لم يكن هو قد حصل عليها بعد.

وإذا كان حمدان قد انقطع عن العالم في محبسه هذا، فإن أعماله لم تنقطع، حيث والى نشر العديد منها ليثري المكتبة العربية بذخائر على رأسها ملحمته "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" وكتاب "بترول العرب"، وكتاب "اليهود، أنثروبولوجيا" وكتاب "قناة السويس"، وكتاب "أفريقيا الجديدة" وغيرها من المؤلفات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.

وتوفي حمدان في ظروف غامضة في شقته في شهر أبريل/نيسان 1993.

وكان حمدان قد ولد في قرية ناي بمحافظة القليوبية بمصر في الرابع من فبراير/شباط 1928 لأسرة تنحدر من قبيلة "بني حمدان العربية".

وحصل حمدان على ليسانس الآداب في الجغرافيا من الجامعة المصرية بتقدير ممتاز عام 1948، وعُيّن معيدا بالكلية وسافر في بعثة في السنة التالية إلى إنجلترا لاستكمال دراساته العليا ليعود عام 1953 وقد حصل على درجة الدكتوراة، وانضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا إلى أن استقال عام 1969 وتفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية