الأقباط والتوازن الصعب.. من عبد الناصر إلى السيسي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
10438
عدد القراءات

2018-03-29

في شوارع شبرا بالقاهرة، وهو حيّ معروف بطائفته المسيحية، يؤكد الأقباط، بغالبية ساحقة، أنّهم سيصوّتون للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية، التي بدأت يوم الإثنين 26 آذار (مارس) الجاري، رغم بعض الانتقادات الخافتة.

رجل لا يوجد مثله

بمفرده، أو إلى جانب صورة بابا الأقباط الأرثوذكس، تواضروس الثاني، تظهر صورة المرشح عبد الفتاح السيسي، المنتشرة بكثافة في كلّ مكان في حيّ شبرا، وهو واحد من الأحياء المكتظة في القاهرة.

ما تزال حكومة السيسي تمثّل بالنسبة إلى أقباط مصر، حاجزاً منيعاً لحمايتهم، وضماناً للاستقرار السياسي في البلاد

المصري إدوار توفيق، 60 عاماً، يدير في هذا الحي مقهى يتردّد عليه المسيحيون، يقول هذا الستينيّ في حماس "السبب الأول الذي يجعلنا نصوّت للسيسي، هو أنّه لا يوجد رجل آخر مثله (...)، في الوقت الحالي".

تجديد الخطاب الديني

منذ أن وصل إلى السلطة، بعد إقالة الجيش للرئيس محمد مرسي، عام 2013، في أعقاب المظاهرات الضخمة، ضاعف السيسي من بوادر الانفتاح والتعاطف تجاه الطائفة القبطية.

وبسعيه إلى "تجديد الخطاب الديني" الإسلامي، نادراً ما يضيع الرئيس السيسي فرصة متاحة للظهور، جنباً إلى جنب، مع تواضروس الثاني الذي تربطه به علاقات ممتازة.

بمفرده، أو إلى جانب صورة بابا الأقباط الأرثوذكس، تواضروس الثاني، تظهر صورة المرشح عبد الفتاح السيسي

على خُطى ناصر

الكاتدرائية المكرسة للأقباط الـ 21؛ الذين قُطعت رؤوسهم على أيدي إرهابيي تنظيم داعش في ليبيا، عام 2015، افتتِحت في شباط (فبراير) الماضي، في قرية "العور" الصغيرة، جنوب مصر. لقد بُنيت على حساب الحكومة، وتندرج الكنيسة الجديدة ضمن إستراتيجية الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تعزيز التحالف مع الكنيسة القبطية.

باتباع خطوات سلفه، جمال عبدالناصر، يحاول الرئيس الآن إسكات انتقادات الذين يتهمون الدولة بعدم القيام بما يكفي لحماية حقوق المسيحيين في مصر.

يقدّر عدد الأقباط بحوالي 10٪ من الـ 96 مليون مصري، هناك القليل من الأقباط الحاضرين في الإدارة العليا؛ حيث يتم تهميشهم أحياناً، خاصة في المحافظات البعيدة والفقيرة في صعيد مصر، وبعد الصدمة التي تعرّضوا لها في حقبة مرسي، سرعان ما أيّد المجتمعُ القبطي على الفور، وعيونه مغلقة، الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، ووقفوا إلى جانبه.

وضع الأقباط منذ مصر الحديثة

مصطلح "القبط" يأتي من الاسم المعطَى لمصر من قبل اليونانيين، "Aigyptos" الذي أعطى الفترة القبطية "kyptaios" أو gyptios"". مارك الإنجيلي أدخل المسيحية إلى أرض مصر، عام 60 ميلادية، وتمثّل كنيسة الإسكندرية ذات النفوذ الكبير، واحدة من الكنائس الخمسة (مع القسطنطينية وأنطاكيا والقدس وروما)، التي أرست أسس العقيدة المسيحية، هكذا كانت مصر ذات أغلبية مسيحية، عندما وصل العرب في القرن السابع، وهكذا عاش الأقباط تحت حكم الأمويين، والعباسيين، والأغالبة، والسامانيين، والفاطميّين، والسلاجقة، والمماليك والعثمانيين. ومع ظهور محمد علي (1805-1848)، وتحويل مصر إلى دولة حديثة، بدأ الأقباط يشاركون في الحياة السياسية للبلاد، وفي الانضمام إلى الحركة الوطنية، والمشاركة بشكل كامل في ثورة 1919، التي توّجت عام 1922 باستقلال مصر. وهكذا حصل الأقباط على بعض السلطة السياسية حتى انقلاب الضباط الأحرار في عام 1952، الذي أعلن جمهورية مصر.

أهالي قرية العور بالمنيا يرتدون ملابس الحداد حزنا على ذبح 21 قبطياً على يد داعش في ليبيا

حلّ الأحزاب وتعليق المجلس المحلي

أدّى حلّ ناصر للأحزاب في عام 1953، بحكم الأمر الواقع، إلى عزل الأقباط عن المجلس الثوري، كما ظلّ المجلس الملي العام (مجلس الأقباط العِلمانيين الذي تأسّس عام 1874، تحت حكومة خديوي إسماعيل، الذي كان يهدف إلى تعزيز حماية المجتمع القبطي)، معلَّقاً حتى عام 1971. لكنّ تغيّر الرئاسة من عبد الناصر إلى أنور السادات، هو الذي أضحى التغيير الأهمّ عند مناقشة وضْع الأقباط في النظام المصري. في هذا الشأن، تقول الباحثة إليان أورسولا إيتمويلر "Eliane Ursula Ettmueller": "قدّم السادات نفسه لشعبه باعتباره الرئيس المؤمن، الذي يستخدم مفردات دينية على نطاق واسع في خطبه السياسية (...)، وقد حاول السادات الارتكاز أكثر على القوى الدينية الإسلامية، لتهميش المعارضة اليسارية"، وقد أدّت رغبة السادات في تطبيق الشريعة كأساس للتشريعات، بالنخب القبطية، إلى تعبئة نفسها، وأدت الاحتجاجات القوية إلى تنظيم مؤتمر قبطي بالإسكندرية، في 17 و18 تموز (يوليو) 1972، لمواجهة مشروع دستور السادات، وتراجع السادات، في الأخير، وأعلن حرية الدين في 24 من الشهر نفسه، لكنّ المواجهات القبطية والإسلامية، والتمييز ضدّ الطائفة المسيحية في مصر، ما لبثت أن استمرت، ولم تسمح رئاسة حسني مبارك بتهدئة هذه التوترات: رغم أنّ العلاقات بين الأديان، أصبحت على وشك التطبيع، فإنّ صراعاً عنيفاً قد اندلع في صعيد مصر، في أواخر 1980، كما انفجرت الأعمال العدائية من جديد، وتضاعفت الحوادث.

ناصر وكيرلس السادس (بابا الإسكندرية)

في 25 حزيران (يونيو) 1968، افتتح جمال عبد الناصر، في احتفال رسمي مع البطريرك كيرلس السادس، الكاتدرائية القبطية الجديدة في وسط القاهرة.

وتجلّت المشاركة المباشرة لعبد الناصر بطرق عديدة: قبل كلّ شيء من خلال مساهمة اقتصادية شخصية سخيّة، منحت للكنيسة المصرية لبناء أماكن جديدة للعبادة، وجعْل المؤسسات الحكومية المؤمّمة في خدمة تنفيذ أعمال البناء.

خطاب السيسي يتناغم مع الكلمات التي غالباً ما كان ناصر يستخدمها في خُطبه العامة

ناصر ورسالة الأخوة بين الطائفتين

بعد ذلك، سارع ناصر بإنجاز الخطوات اللازمة للحصول على إذن ببناء كنائس جديدة، وهي الخطوات التي تكون معرّضة، في العادة، لأن تضيع في متاهات بيروقراطية، محكوم عليها بالفشل في أغلب الأحيان. وأخيراً؛ كان الخطاب النابض الذي ألقاه بمناسبة وضع حجر الأساس، يوم 24 تموز (يوليو) 1965، لنشر رسالة الأخوّة والتعاون بين الطائفتين المصريّتين، لكنّ وجودَ عبد الناصر في حفل الافتتاح، الذي خلّد ظهوره يداً بيد مع كيرلس السادس، هو الذي منح لقُدسيّة الحدث جانباً سياسياً مميزاً.

1965: بدء تعاون طويل بين الحكومة وبطريركية الإسكندرية

في الواقع؛ شكّل هذا اللقاء بدايةَ تعاون طويل بين الحكومة المصرية والبطريركية الإسكندرية، وهو الذي مهّد لبناء دعم دائم وثابت من المجتمع القبطي للأنظمة المصرية، وإدراج المسيحيّين في النظام الاجتماعي والسياسي لمصر.

يحاول السيسي إسكاتَ انتقادات الذين يتّهمون الدولة بعدم القيام بما يكفي لحماية حقوق المسيحيين في مصر

أدّى انقلاب يوليو 1952؛ الذي قام به الضباط الأحرار، إلى تغيير جذريّ، ليس فقط في شكل الحكومة؛ حيث أفسح النظام الملكي المجال لنظام جمهوري، ولكن أيضاً على المستوى الأيديولوجي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

كانت السنوات الأولى من خمسينيات القرن الماضي، برئاسة محمد نجيب (1953-1954)، أعوام تحقيق استقرار سلطة الجيش: فمنذ البداية، بدأ الجيش يشجّع بقوّة تنفيذ سياسة تنصّ على مشاركة المجتمع القبطي في دعم الحكومة الجديدة، من خلال مناشدة جميع المصريّين من أجل الوحدة والمساواة، واحترام المثل الوطني الأعلى.

تعرّض الأقباط لسلسلة من القيود الاقتصادية والاجتماعية

في الأعوام نفسها، تمّ إطلاق العديد من السياسات التي أدّت، إضافة إلى ملامسة النظام القديم والنخب التي دعمته، إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمجتمع القبطي.

فمن الإصلاح الزراعي، عام 1952، إلى قانون توحيد المحاكم عام 1955، من خلال تأميمات 1957 و1960؛ عانى الأقباط الأثرياء من خسارةٍ كبيرة في الامتيازات، وسلسلة من القيود الاقتصادية والاجتماعية.

أجندة ناصرية سياسية وليست حماية مصالح

إلّا أنّ هذه الإصلاحات لم يتم وضعها لحماية مصالح وتقاليد مجموعة على حساب مجموعة أخرى، لكنّها كانت جزءاً من الأجندة السياسية والاقتصادية التي تبناها الثوار، وأعظم ممثليها هو جمال عبد ناصر، الذي انتخب رئيساً للجمهورية عام 1956.

عبد الناصر والعلاقة الصعبة بين الدين والسياسة

عبد الناصر، سعياً منه لتحديث وتقوية هياكل دولة الجمهورية المصرية الجديدة، تدخّل في العلاقة الصعبة بين السلطة السياسية والدين، ودمج الجوانب المتعلقة بالدين في مشروع أكبر، من شأنه أن يؤمّن للنظام الشرعية والدعم الشعبي.

عبد الناصر والبابا كيرلس

الأقباط والمشاركة في الأحداث التاريخية

لقد أصبحت الدّعوة المشترَكة الموجّهة للأمة المصرية، الأداة التي تمكّنت الحكومة من خلالها من تخفيف حدّة التوتر بين الجماعات الدينية، لكنّها قبل كلّ شيء كانت تمثّل للمجتمع القبطي، فرصة لإيجاد فضاء رحب للمشاركة العامة والاجتماعية، من خلال المشاركة في الأحداث التاريخية، والأوقات الصعبة التي واجهها نظام عبد الناصر، كما حدث خلال حرب الأيام الستة.

وقد شكّل التعاون الشخصي بين عبد الناصر وكيرلس السادس، الذي تمّ انتخابه عام 1959، خطوة مهمّة نحو تعاون أكبر بين الكنيسة والنظام.

الأقباط والولاء لسلطة عبد الناصر

ومنذ ذلك الحين، بدأ البطريرك في الاتصال والتواصل المباشر بالرئيس المصري؛ حيث أظهر نفسه كمرشد سياسيّ، أكثر من كونه رجلاً روحياً، وقد اعترف عبد الناصر بقيادة البطريركية، بفرض الرقابة على الأصوات غير الراضية الموجودة في المجتمع.

وسجّلت هذه الصداقةُ بين الرجلين العصر الذهبيّ للعلاقات بين الدّيانتين في مصر، التي تمثّلت بشكل رمزي من خلال صُور 25 يونيو، عندما دخل الرئيس والبطريرك إلى الكاتدرائية الجديدة، لتوطيد ولاء الأقباط للسلطة السياسة.

تشابه أيقوني بين السيسي وعبد الناصر

إنّ التشابه الأيقوني والرمزي بين السيسي وعبد الناصر، وكيرلس السادس، واضح بديهي: الرئيس المصري الحالي، عبد الفتاح السيسي، يريد تجديد ميثاق التحالف والتعاون، الذي تم الاتفاق عليه منذ أعوام مع الكنيسة، وبالتالي محاولة التغلب على انتقادات أولئك الذين يتّهمون الدولة بعدم القيام بما يكفي لحماية حقوق المسيحيين في مصر، والخطاب الذي ألقاه السيسي، مشيراً إلى الدعوة إلى الوحدة الوطنية بين المسيحيين والمسلمين، دون انقسامات أو خلافات، خطاب يتناغم مع الكلمات التي غالباً ما كان عبد الناصر يستخدمها في خطبه العامة.

تجلّت المشاركة المباشرة للرئيس ناصر من خلال مساهمة اقتصادية شخصية سخيّة منحت للكنيسة المصرية لبناء أماكن جديدة للعبادة

لكنّ الكنائس في القاهرة ما تزال تشبه الحصون المترسة؛ بسبب الإجراءات الأمنية الهائلة التي نصِبت، بأمر من الحكومة، في كلّ أماكن العبادة في البلاد، نتيجة للعنف الذي شهدته الأعوام الأخيرة، بعد أن أصبح الأقباط هدفاً جديداً للهجمات الإرهابية التي شنّها تنظيم داعش. 

اختبار وعد السيسي الأمني

من عمليّة الاغتيال والإخلاء القسري، عام 2017، لعشرات المسيحيين في العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء؛ حيث شهدت تلك الأيام عملية واسعة لمكافحة الإرهاب من قبل القوات المسلحة وقوات الأمن، إلى الهجوم الوحشي الذي وقع في 11 كانون الأول (ديسمبر) 2016، ضدّ كاتدرائية القاهرة القبطية، والهجوم المزدوج لأحد الشّعانين في 9 نيسان (أبريل) 2017 في طنطا، في دلتا النيل والإسكندرية، وكلّ هذه الهجمات الأخيرة ضدّ الأقباط، تشير إلى أنّ العنف الإرهابي لم يعد محصوراً في شبه جزيرة سيناء؛ بل ينتقل إلى المراكز الحضرية الرئيسة، ممّا يزيد من اختبار صحّة وعد السيسي بتحقيق الأمن، باعتباره العمود الفقري لخطابه السياسي.

إضافة إلى أعمال العنف والترهيب، ما تزال ظروف التمييز السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تثقل كاهل أكبر مجتمع مسيحي في العالم العربي.

السيسي يفتتح كاتدرائية المسيح

السيسي يفتتح أكبر كنيسة في الشرق الأوسط

بعد مرور حوالي خمسين عاماً، جاء الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، ليعلن تجديد هذا الاتفاق، في حفل مهيب؛ ففي 6 كانون الثاني )يناير) عام 2018، بمناسبة عيد الكريسماس؛ افتتح الرئيس المصري الحالي مع البطريرك تواضروس الثاني، الكاتدرائية الجديدة التي ينبغي في نوايا الرئيس، أن تصبح أكبر كنيسة مسيحية في الشرق الأوسط.

تمّ تشييد الكاتدرائية على بعد 40 كيلو متراً، شرق القاهرة، في موقع "القاهرة الجديدة" (عاصمة مصر الإدارية والمالية التي يتم حالياً تشييدها وفق برنامج الحكومة للتوسع العمراني)، وقد بُنيت الكاتدرائية في وقت قياسي، حتى تتيح للحكومة المصرية أن تظهر، في مناسبة رسمية، أنّها حقّقت هذا الهدف أيضاً.

مذكرة الكونغرس الأمريكي

حاولت مذكرة قدِّمت في 6 كانون الأول (ديسمبر)، إلى الكونغرس الأمريكي، من قبل ستّة برلمانيين أمريكيين، محاولة لفت الانتباه إلى هذا الوضع، مسلّطة الضوء على ما وصفته بـ "التمييز المنهجي ضدّ الأقباط في مصر التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي".

دحض المذكرة الأمريكية

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إدانة التدخّل الخارجي، وإثارة جدل عنيف في البلاد؛ فقد حاول الردّ الذي صاغته لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان المصري دحض الأطروحات الواردة في المذكرة الأمريكية، مشيدة بإنجازات الرئيس السيسي في سحْق تصرّفات الجماعات المتطرفة التي تحاول كسر الوحدة بين المسيحيين والمسلمين، مع إعادة التأكيد على جميع الحقوق كمواطنين لكلّ المصريين دون أيّ تمييز.

شكّل التعاون الشخصي بين ناصر وكيرلس السادس، الذي تمّ انتخابه عام 1959، خطوة مهمّة نحو تعاون أكبر بين الكنيسة والنظام

الأقباط يستنكرون المذكرة الأمريكية

وتماشياً مع ردّ الحكومة الرسمي، أعرب العديد من البرلمانيين الأقباط عن خيبة أملهم فيما يتعلق بالاستنتاجات التي توصلت إليها المذكرة الأمريكية، قائلين إنّ استمرار العنف الطائفي والترهيب ضدّ الأقباط، لا يمكن أن يعزَى إلى القيادة السياسية الحالية.

مطالب بعودة الكنيسة إلى دورها الروحي

رغم ذلك، توجد الآن حركة من المعارضة داخل الطائفة القبطية، التي لطالما دعت إلى عودة الكنيسة إلى مهمتها الروحية، والتي أصبحت الآن تتلقّى انتقادات بسبب مُهمّتها السياسية البحتة، والتي قوّضت، في رأيِها، المؤسسات العلمانية في المجتمع، إنها أصوات مجموعة من الشباب الأقباط الذين شاركوا في انتفاضة عام 2011، الذين أصبحوا حاملي الديمقراطية والحرية والمشاركة السياسية الكاملة، وتحرّروا من الهوية والديناميكيات الطائفية، وهي الطموحات التي فشلت بسرعة خلال المراحل المضطربة من المرحلة الانتقالية.

تواضروس والميثاق بين السياسة والدين

في الواقع، يبدو البطريرك تواضروس الثاني أكثر من منحاز لسياسة الحكومة، بتجديد هذا الميثاق الشهير بين السياسة والدين، الذي كان له أكبر تعبير خلال أعوام عبد الناصر، الذي يتمّ إعادة اقتراحه الآن بكثير من العجلة خلال مرحلة الانتخابات الجديدة، وليس من قبيل المصادفة أنّ سلسلة من أماكن العبادة قد تلقّت مؤخراً منحاً لأعمال الترميم.

التشابُهَ الأيقوني والرمزي بين السيسي وناصر وكيرلس السادس واضحٌ بديهي

السيسي حاجز منيع لحماية الأقباط

رغم عمليات مكافحة الإرهاب الكارثية التي انطلقت في سيناء، وعلى الخصوص الحالة الاقتصادية التي تغوص فيها البلاد (بمعدل تضخّم 18٪، وبطالة الشباب التي تصل إلى عتبة 40٪، ومعدل فقر انتقل من 28٪ عام 2015، إلى 33٪ اليوم)، ما تزال حكومة السيسي تمثّل، بالنسبة إلى أقباط مصر، حاجزاً منيعاً لحمايتهم، وضماناً للاستقرار السياسي في البلاد.

الانتخابات الرئاسية التي تجري بين 26 إلى 28 آذار (مارس)، في غياب منافسين موثوقين، اضطروا إلى الانسحاب في الأشهر الأخيرة، تبدو أنّ النتيحةَ فيها لصالح السيسي، قد أصبحت جدّ مؤكدة.

ويمكن أن تؤكّد الانتخابات الحالية، مرّة أخرى، موضع المجتمع المسيحي بقيادة البطريرك، الواقف بإخلاص إلى جانب الرئيس، رغم وجود بعض الأصوات الناقدة بين الشباب والمثقفين.

هل وجدت مصر الرجل الذي لم تملكه منذ 1970

صرامة الرئيس السيسي في وجه الإرهاب، وحسّه بالوفاق الوطني، ورغبته الحازمة في محاربة المتشددين، تثبت أنّ مصر وجدتْ رجلها القويّ الذي لم تعد تملكه، منذ رحيل عبد الناصر في عام 1970، عبد الفتاح السيسي، هذا الرجل الذي يُعرّف نفسَه كرجل علماني، يقود اليوم سياسة التوازن، والبحث عن الدعم الدولي، وقد أثبت نفسه كقائد وطني حقيقي، شبيه بناصر.

عن oasiscenter.eu وlesclesdumoyenorient وinformation.tv5monde

//0x87h

اقرأ المزيد...
الوسوم:



فرح بهلوي: الخمينية جاءت مع أشرطة الكاسيت وستختفي مع الإنترنت

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-14

ترجمة: مدني قصري


فيما يُحلّل البعضُ بنظرة جديدة الحقبة الملكية، في ضوء انحرافات وتجاوزات الجمهورية الإسلامية، والظلامية التي استقرت في بلد كان مزدهراً ذات يوم، تتذكر الملكة فترة كانت فيها الشاهدة بامتياز، عندما اقترنت بمحمد رضا بهلوي، كانت هذه الطالبة في الهندسة المعمارية تبلغ من العمر عشرين عاماً، ولم يكن لديها آنذاك أي فكرة عن المهمّة التي كانت تنتظرها.

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟

في 21 كانون الأول (ديسمبر) 1959، كان الانبهار والمبالاة على موعد في صالونات قصر جولستان بمناسبة حفل الزفاف هذا، في أجواء من ألف ليلة وليلة! كل شيء بدأ كحكاية خرافية، وتُوِّج بميلاد أربعة أطفال: الأمير رضا، المولود عام 1960، والأميرة فرحناز، في عام 1963، والأمير علي رضا، في عام 1966، والأميرة ليلى، في عام 1970. لقد حرصت الإمبراطورة على تقديم دعمٍ لا يُقهر لزوجها، ملك الملوك منذ عام 1941، كما انخرطت الإمبراطورة بشكل كبير في القطاعات التعليمية والصحية والثقافية والفنية. وقد عبَر لها الشاه علناً عن تقديره لها وأعلنها أوّل إمبراطورة لإيران بتتويجها في طهران في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1967.

علي رضا بهلوي

وتلت هذا الحفل الذي لا يُنسى، احتفالاتٌ أخرى، مثل احتفالات بيرسيبوليس  (Persépolis) (1)، التي أسالت الكثير من الحبر. من خلال العودة إلى عظمة أمّة ألفية، أثار الملك الغيرة، وفقدَ قادةَ قوى كانت صديقة فيما مضى. لقد انعكست التحالفات آنذاك، وبدأت المملكة التي أصابها الوهن تتلاشى أمام التعصب الديني الناشئ في البلاد.

أغرقت "ثورة" عام 1979 إيران في فترة مظلمة ما تزال تحجب الآفاق حتى الآن. ومنذ ذلك الحين، تأمل الإمبراطورة في مستقبل أفضل لإيران. بعد أن أصبحا ضحيّتين لهذا المنفَى أنهى علي رضا والأميرة ليلى مأساتهما؛ حيث فارقا الحياة في المهجر، وهو الألم الذي كان على الإمبراطورة تجاوزه، والتغلب عليه من أجل الاستمرار في خدمة شعبها ووطنها، بتفانٍ وتصميم.

فرح بهلوي: عندما يتحرك البلد إلى الأمام يكون الاقتصاد فيه أفضل حالاً والناس يحققون فيه تقدّماً في حياتهم

لم تنسَ الإمبراطورة الأخيرة، إيران، التي لم تعد إليها أبداً منذ 16 كانون الثاني (يناير) 1979، عندما غادرت مطار طهران وهي في ذراع الشاه، باكية. وبعد مرور أربعين عاماً، ما تزال تحتفظ بروح الملكة وكرامتها، وتفكر في عهدها السابق ومواطنيها.

تعيش الشهبانو (الإمبراطورة) بشكل رئيسي في باريس؛ حيث تتمتع بمراقبة سرية للشرطة. كما تسافر بانتظام إلى نيويورك، حيث يسكن ابنها الأكبر رضا، وريث العرش، الذي لم يتخلّ عن الأمل في توحيد المعارضة حول شخصه.

من إيران الحديثة، تحتفظ فرح بهلوي اليوم بذكرى "الثورة البيضاء" التي أطلقها زوجها. تحديثٌ قسري للبلاد، مع محاربة الملاك الإقطاعيين، وإرسال المعلمين الشباب إلى الأرياف، وتعليم الفتيات، والحق في التصويت لصالح النساء. من جهتها، كرست فرح حياتها لرعاية المستشفيات والتعليم ودعم الفقراء. أصبحت فرح شهبانو؛ أي إمبراطورة، في عام 1967 ، خلال حفل تتويج زوجها الذي وضع هو نفسه التاج على رأسها، كما فعل نابليون مع جوزفين.

أرادت الإمبراطورة فرح أن تتطرق لعهد زوجها الراحل، شاه إيران، الذي أطيح به قبل نحو 40 عاماً. واحتفلت الإمبراطورة مؤخراً بعيد ميلادها الثمانين. بهذه المناسبة أجرت معها مجلة L'EVENTAIL   هذه المقابلة.

سيدتي، هل تعتقدين أنّ العصر الملكي يتم تحليله الآن بمزيد من الموضوعية؟

أعتقد أنّه بفضل التلفزيون والإنترنت، يمكن للإيرانيين، صغاراً أو وُلدوا بعد سقوط الشاه، الحكم بشكل أفضل على هذه الفترة التي قيل فيها الكثير من الأكاذيب. إنّ شهادة آبائهم والأفلام الوثائقية التي يمكن الوصول إليها، على الرغم من الرقابة، تساعدهم على الفهم، وبسرعة كبيرة تُمكنهم من تقدير حجم تدهور الوضع الاقتصادي وعدم احترام النظام الحالي للنساء على الخصوص.

اقرأ أيضاً: كيف كان الخميني وريثاً لعبد الناصر وحسن البنا؟

بينما لدينا ثلاثة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل، فإنّ الإيرانيين يؤكدون أنّ هناك أربعة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل، وزمن الشاه. أتلقى الكثير من رسائل البريد الإلكتروني من شباب يتمتعون بلطف مؤثر. غالباً ما يطلبون مني الاتصال بهم، وهو ما أقوم به أحياناً، أحاول منحهم بعض الأمل، وهم بدورهم يمنحونني الشجاعة.

هل تعتقدين أنّ هذا الجيل يمكن أن ينقذ إيران من الظلامية؟

بالتأكيد. هم وحدهم يستطيعون تغيير الأشياء. يقول هؤلاء الشباب: "إذا كان الخميني قد جاء مع أشرطة الكاسيت، فستختفي الخمينية مع الإنترنت". آمل ذلك؛ لأنهم عانوا من غسيل مخ فظيع، لا يوجد عمل ولا حرية. الاكتئاب، والمخدرات منتشرة وشائعة جداً. إذا قطعنا رأس الجبل الجليدي، فستتمكن المنطقة من تحرير نفسها من التعصّب الديني. في يوم من الأيام يجب أن يتبلور هذا الغضب، ولكن القمع بلغ من الحدة حداً لا يطاق؛ حيث إنّه عندما يقوم شخص ما بمبادرة، يتم إلقاؤه في السجن. لذلك، على القوى العظمى التفكير في دعم الإيرانيين.

رجال الدين من كبار ملاك الأراضي

الخميني

في محاولته لتحديث إيران، هل أراد الشاه أن يتصرف بسرعة كبيرة؟

كان الملك يريد إخراج إيران من النظام الإقطاعي. كنا في القرن العشرين، وعلى الرغم من ثروتنا، كنا جزءاً من العالم النامي. لذلك كان لا بد من اتخاذ قرارات، فأنت عندما تريد تغيير الأشياء، غالباً ما تتعرض للسخط أو سوء الفهم. لكنْ، من هو الشعب الذي لا يرغب في  التقدّم والتطور؟ لقد عارض رجال الدين الذين كانوا من كبار ملاك الأراضي، الإصلاحَ الزراعي، الذي كان يهدف إلى تحقيق إعادة توزيعٍ أكثر إنصافاً للأراضي، ولم يعترفوا بتحرير المرأة.

بهلوي: يجب أن نجمع قواتنا لإنشاء حركة وطنية إيرانية تدافع عن الديمقراطية والسلامة الإقليمية والحرية للجميع

فكما يقول المثل الشائع "الإملاء التي لم تُكتب ليس فيها أخطاء". عندما يتحرك البلد إلى الأمام، يكون الاقتصاد فيه أفضل حالاً، والناس يحققون فيه تقدّماً في حياتهم. العامل الذي لم يكن لديه دراجة للذهاب إلى العمل، ينتهي به المطاف إلى شراء واحدة، ثم يريد سيارة، ثم يريد الذهاب في إجازة. لقد تعرّضنا لركود اقتصادي، كما تعرضت له جميع البلدان في العالم، وقد أثار هذا الوضعُ الكثير من السخط، إنّه مزيج من الظروف. ومع ذلك، أنجز الإيرانيون المزيد من الطرق والمستشفيات والمدارس والجامعات، وهي مكاسب كانت جزءاً من هذا التطور.

التخلي عن إيران جزء من مصالح الغرب

هل ساهمت بعض القوى، من خلال موقفها، في التعجيل بسقوط النظام الملكي؟

الوثائق السرية تطفو على السطح الآن، وتسلطُ الضوء على الموقف الغامض لبعض البلدان "الصديقة". في ذلك الوقت، كانت لدينا علاقات ودية مع الغرب، ولكن أيضاً مع الكتلة الشيوعية. نشأت المخاوف الكبيرة عندما رفعت "أوبك" سعر النفط وتحمّل الشاه المسؤولية. بدأت الهجمات في هذه اللحظة. جميع الأمم تريد حماية مصالحها، وعدم دعم إيران والتخلي عنها ربما  كان جزءاً من هذه المصالح. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مشاكل داخلية تسبّب فيها رجال الدين.

كيف يمكننا تلخيص الوضع الحالي في إيران؟

في الوقت الحالي، رجال الدين يسيطرون على قطاعات لا يتحكمون فيها، وهذا يطرح مشاكل خطيرة. لكنّ عزائي وما يواسيني قليلاً هو أنّ ما تم تحقيقه من قبل ما يزال مكسباً للبلاد، وأنا سعيدة بهذا. من ناحية أخرى، تدهورت البيئة وأصبح التلوث كارثياً. الكثير من القوانين الخاصة بحقوق المرأة تمّ تعديلها، ومن الأمثلة، هناك امرأة كانت قاضية تحت حكم الشاه، تم منعها من ممارسة هذه الوظيفة، وإقصاؤها من المجلس القضائي، بسبب اعتقادهم بأنّها غير ملائمة لإصدار حكم قضائي. واليوم، تحتل إيران المرتبة الثانية في الاغتيالات.

اقرأ أيضاً: ما بعد الخمينية... ما الذي يفعله الإصلاحيون في إيران؟

قبل الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، حصلت المرأة الإيرانية على حقوق، مثلها مثل النساء في أجزاء أخرى من العالم. كنّ بالمئات يعملن ويدرن في المجالس المحلية المنتخبة، وكن بالملايين، للعمل، بما في ذلك في سلك القضاة، وفي الوظيفة العمومية، وكضباط في الشرطة. لقد أهلكت الثورة الإسلامية هذه المكاسب.

الشباب يتحايل على قيود النظام

هل يمكننا أن نتخيل أنّ ابنك سيكون قادراً يوماً ما على العمل من أجل مستقبل البلد؟

حاول ابني في كامل السريّة والحذر، حشد الإيرانيين لصالح التغيير، وعندما يحين الوقت، سيقرر الناس ما إذا كانوا يفضلون الملكية الدستورية على نظام آخر. يجب أن نجمع قواتنا لإنشاء حركة وطنية إيرانية تدافع عن الديمقراطية والسلامة الإقليمية والحرية للجميع وقبل كل شيء للنساء. لقد استطاع أن يقيم ويحافظ على العديد من الاتصالات مع الإيرانيين.
كيف يمكن التواصل بأمان مع السكان الإيرانيين؟
بفضل التكنولوجيا، تعلم الجيل من الشباب التحايل على قيود النظام التي تريد السيطرة على كل شيء. تمكنوا من التقاط التلفزيونات الأجنبية واكتشاف حقيقة أخرى. يشرح فيلم عُرض مؤخراً في مهرجان كان بعنوان "الأمثال" كيف يتم في إيران انتزاع وسائل التواصل هذه. على الهاتف، لا نذكر الأسماء ولكن الناس يتعرفون على صوتي. والشيء الأكثر أهمية هو أنّهم ليسوا قلقين.

عندما تزوجك الشاه في عام 1959، هل فكّرت في ما كان ينتظرك؟

لقد نشأت مع ذوق الواجب، وعندما أخبرني الملك بأنني سأتحمل العديد من المسؤوليات كملكة، كنت مستعدة لتحملها، ولكني لم أتخيل حجم المسؤولية. كانت البلاد تتغير بشكل كبير، وسرعان ما أصبحت أهتم بالأعمال الاجتماعية. ربما كان الشيء الأكثر استثنائية هو مقابلة الإيرانيين من مختلف المهن والخلفيات والاهتمامات. من موقعي، كان يمكنني التأثير على تطور الأشياء. لقد حاربنا الجذام والسل والسرطان، مع مساعدة المتخلفين عقلياً. كنت أرغب في الترويج للرياضة والثقافة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: "ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي

مع إعجابي بماضينا الألفي، كنت أتمنى أيضاً دعم الفنانين الحاليين من خلال إنشاء متحف للفن المعاصر، ومتحف للسجاد، أو متحف مخصص لفترة كادجار، ومتحف آخر للسيراميك، والزجاج ما قبل الإسلامي، أو متحف لبرونزات لوريستان. لقد دعمني الملك دائماً في مشاريعي وأنا ممتنة له.

مسلمون لم ينسوا إيرانيتهم

لم تنسَ الإمبراطورة الأخيرة، إيران، التي لم تعد إليها أبدًا منذ 16 يناير 1979

هل استطاع النظام الحالي أن يُنسي الإيرانيين حضارتهم الفارسية القديمة؟
حاول لكنه لم ينجح! لقد حظرت السلطات السنة الإيرانية الجديدة الذي يصادف في 21 آذار (مارس)، وهو متعارف عليه قبل الإسلام، لكنها مناسبة راسخة في أوساط السكان لدرجة أنّ الحظر لم ينجح. الآن تم استعادة هذا اليوم، وبعض الإيرانيين يحتفلون بهذا العيد أمام قبر قورش الكبير (2)، وهو حدث رمزي كبير. إنهم مسلمون حقاً، ولكنهم قبل كل شيء إيرانيون.

أي ذكريات تحتفظين بها عن أعياد برسيبوليس؟

أثار تنظيمها الكثير من الانتقادات القادمة من المعارضة ومن الصحافة الأجنبية، لكننا حققنا هدفنا: أن نُظهر للعالم ما كانت عليه إيران وحضارتها. واليوم، لا أحد يشعر بالإهانة عندما تنفق دول ملايين الدولارات للترويج لها، ومع هذه الاحتفالات كان لدينا تداعيات مذهلة. عند تتويجي ملكة، عندما وضع الملك التاج على رأسي، شعرت أنه يحتفل بجميع النساء الإيرانيات. كانت أهمية هذه الإيماءة كبيرة للغاية!

هل يمكن لسلالة بهلوي، في حالة حدوث مأساة تاريخية، أن تظهر كعلاج موحّد للأمة الإيرانية؟

لقد لعبت الملكية في إيران دوراً مُوحِّداً منذ فجر الزمن. يهدف كفاحنا الحالي أوّلاً وقبل كل شيء إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية. ثانياً، يجب أن يتمتع الإيرانيون بحرية اختيار مصيرهم.

مؤسسة علي رضا لتخليد تاريخ إيران

هل يمكنك استحضار المؤسسة التي تم إنشاؤها في ذكرى ابنك الأمير علي رضا؟
لقد درس ابني علي (3) في جامعة هارفارد، وأردت تخليد اسمه من خلال ربطه بمؤسسة تشجع على دراسة إيران القديمة، وهو موضوع كان يعشقه كثيراً. تحت مظلة المؤسسة، أنشأنا كرسي هارفارد لدراسة الثقافة الإيرانية القديمة. نحتاج الآن إلى رفع المبلغ اللازم لهذه المنحة التي سيتم إنشاؤها في جامعة هارفارد وتمويل دراسات الشباب الإيراني.

بفضل التكنولوجيا تعلم الجيل الجديد من الشباب التحايل على قيود النظام الإيراني الذي يريد السيطرة على كل شيء

نرحب بأي شكل من أشكال الرعاية أو الشراكة لمساعدتنا في تنفيذ هذا المشروع. أنا سعيدة حقاً لأنني تلقيت الدعم من العديد من مواطنينا. قمت برسم بعض اللوحات بنفسي وطباعات مطبوعة تمثل غروب الشمس، والتي تم عرضها للبيع لصالح المؤسسة. وفي الآونة الأخيرة، قمنا بتنظيم معرض ومزاد للوحاتٍ وأوشحة وطباعة حجرية في موناكو، وأنا أبحث عن أماكن وأعمال أخرى التي تتيح وتحقق لنا المزيد من الحصاد.

اقرأ أيضاً: أي إرث للخميني بعد ثلاثين عاماً على رحيله؟

لقد استثمر الأمير علي رضا نفسه وجهوده بالكامل في بحثه، لأنه كان مرتبطاً بعمق ببلده. أثناء عمله على الذاكرة التاريخية لإيران، كان يحاول أن يحيا هُويته الإيرانية بالكامل، أو كما قال الرئيس "ليوبولد سيدار سنغور" بشكل لطيف، "إيرانيته". وهذا هو الحال بالنسبة للإيرانيين الذين يعيشون اليوم في المنفى وأكثر من ذلك حتى بالنسبة لمواطنينا الذين يعيشون في إيران.

سافاك تضلل الشاه

اليوم، تأسف فرح ديبا لعدم اكتراثها وعدم اكتراث زوجها لمواجهة التمرد الديني المتصاعد. فهي تلقي باللوم على عمَى الملك إزاء سافاك، الشرطة السرية الإيرانية المخيفة التي، وفقاً لفرح، كانت تُضلل الشاه. كان بعض أعضاء سافاك، كما تقول، يلعبون لعبة مزدوجة، وتؤكد أنّ الولايات المتحدة أسقطت الشاه لأنه رفض خفض أسعار النفط.

سقوط الشاه، رحيله المأساوي، تجواله من بلد إلى آخر يعطي في النهاية قصة البُعد المأساوي الذي كان ينقصه. "لقد خدم الملك بما فيه الكفاية ولم نعد بحاجة إليه". لم يعد لديه أصدقاء، باستثناء الرئيس السادات.

اقرأ أيضاً: قبل سقوط الخمينية بقليل!

غادر محمد رضا مصر حتى لا يحرج السادات حليف الولايات المتحدة. المكسيك، التي استضافت الشاه لأوّل مرّة، منعته من الدخول. مبعوثو جيمي كارتر حاولوا إقناعه بالاستسلام للملالي مقابل الإفراج عن الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، هكذا تقول فرح التي تضطلع بمهمة الدفاع عن ذكرى الشاه. انشغالها الوحيد: "كم يلزمني من الوقت لأستمرّ في الحديث؟".


المصدر: eventail.be/art


الهوامش:

(1) تخت جمشيد، أو برسبوليس هي عاصمة الإمبراطورية الأخمينية (  550-330ق.م). يبعد هذا الموقع مسافة 70 كم شمال شرق مدينة شيراز في محافظة فارس في إيران. في الفارسية الحديثة، يعرف هذا الموقع باسم تخت جمشيد (أي عرش جمشيد) أو پارسه. أقدم بقايا هذا الموقع يعود تاريخها إلى 515 ق.م. يدعى هذا الموقع عند الفرس القدامى باسم پارسه، والتي تعني "مدينة الفرس". وترجمة اسم برسبوليس في اليونانية تعني "المدينة الفارسية". وقد تم إعلان تخت جمشيد كموقع للتراث العالمي من قبل اليونسكو.

(2) قورش الكبير أو كورش أول ملوك فارس ( 560 - 529 ق م) واسمه كورش بن كمبوجية بن كورش بن جيشبيش بن هخامنش ، أحد أعظم ملوك الفرس الأخمينية. استولى على آسيا الصغرى وبابل وميديا، وحكم من (550-529) ق.م. وقـُتل في ماساجت ودُفن في باساركاد. ليس ثمة أحد من ملوكها تضاهي شخصيته أول ملوكها قورش، الذي أسس إمبراطورية مترامية الأطراف، وأرسى مبادئ ممتازة لحكمها. في البدء احتل الكثير من الممالك المجاورة، مثل ليديا في غرب تركيا الآن، وميديا، وبابل التي أطاح بها في عام 539 ق.م.

(3) علي رضا بهلوي، الابن الأصغر لشاه إيران السابق محمد رضا بهلوي من زوجته الثالثة فرح ديبا. وكان خلال حكم الشاه يعتبر الثاني في وراثة عرش الإمبراطورية الإيرانية بعد أخيه الأكبر ولي العهد رضا بهلوي الثاني.

للمشاركة:

تجدد الجدل حول إمامة المرأة في فرنسا.. ماذا عن الدول العربية؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-11

ترجمة: مدني قصري


هل يمكن للمرأة أن تؤمّ المصلين؟ رغم أنّ غالبية فقهاء الدين في الإسلام يجيبون بشكل إيجابي عن هذا السؤال، فإنّ المشهد الفرنسي المسلم ما يزال من اختصاص الرجال.
ولد في باريس بالفعل مشروعان لمسجدين "ليبراليين" مفتوحين لكلّ من النساء والرجال، وتشرف عليهما نساء أبدين استعدادهن للقيام بوظيفة الإمامة فيهما.

اقرأ أيضاً: لماذا تثير إمامة المرأة في الصلاة الجدل؟
كاهنة بهلول، باحثة في الدراسات الإسلامية الفرنسية، ومؤسّسة مجموعة "أخبرني عن الإسلام"، ستؤمّ كاهنة بهلول الصلاة في أوّل مسجد باريسي مختلط، وقد صرحت بأنّ المسجد سوف يسمح للنساء دون الحجاب بالدخول إليه، ليقينها أنّه "لا إكراه في الإسلام"، وقد دعت إلى "إعادة تقييم التاريخ"، قائلة: إنّ "الوقت قد حان للمرأة المسلمة أن يكون لها رأي في التفسيرات الدينية".
تُعِد إمامُ مسجد فاطمة في باريس، المتوقع افتتاحه خلال عام 2019، والباحثة كاهنة بهلول، أطروحة عن المفكر المسلم ابن عربي الذي، لم ير منذ القرن الثاني عشر، أي عقبة تمتع النساء من أن يؤمن الصلاة.

ولد في باريس مشروعان لمسجدين مفتوحين لكل من النساء والرجال

مبادرة نسوية 

منذ بداية عام 2019، ما فتئت ريح من القلق والاضطراب تعصف عبر الشبكات الاجتماعية وأماكن النقاش التي يتردد عليها المسلمون الفرنسيون، لقد شهد بالفعل مشروعا مسجدين "ليبراليين"، (مسجدان تقدّميّان وشاملان)، مفتوحان للنساء وكذلك الرجال، ولغير المسلمين والمسلمين، في باريس، فإذا كان المشروعان يختلفان بعض الشيء من حيث تصميمهما، إلا أنّهما يشتركان في كونهما مبادرة من نساء يُظهرن أيضاً استعدادهنّ لأداء مهمّة الإمامة فيهما.

 الأيديولوجيا السلفية ترى في الجنس الأنثوي خطراً حقيقياً لذا تمنعها من الإمامة

الرجال على اليسار والنساء على اليمين
مسجد فاطمة، الذي تدافع عنه عالمة الإسلام، كاهنة بهلول، وأستاذ الفلسفة فاكر كورشان، سيقترح عندما يرى النور، على المؤمنين من الرجال والنساء، الصلاة في قاعة مشتركة؛ الرجال على اليسار، النساء على اليمين، هذا حتى لا يشعر أي شخص بعدم الارتياح أثناء السجود الذي تتطلبه الصلاة. وهو اختلاط أساسي في رأي كاهنة بهلول؛ لأنه لم يعد بالإمكان "ترحيله بانتظام إلى أماكن ثانوية".

ردود فعل البعض التي تسخر من مشروع مسجد فاطمة والهجمات والتهديدات التي تتلقاها لا تخيف كاهنة بهلول

"يجب أن نعلم أنّه في معظم أماكن العبادة المسلمة، لا يُسمح للنساء بالوصول إلى قاعة الصلاة الرئيسة، فإذا أردتُ التفرّج على الهندسة المعمارية لقاعة صلاة المسجد الكبير في باريس، مثلاً، فبإمكاني المرور بالمكان فقط، وليس الدخول إليه تحت طائلة ردود فعل عنيفة من قبل الرجال؛ لذلك يتم "ترحيل" النساء إلى الطابق السفلي".
هذه المعاينة تشاطرها صوفي مونسيناي وإيفا جنادين، اللتان أطلقتا من جانبهما مشروع مسجد سيمورج؛ "..النساء مضطرات باستمرار لممارسة صِلتهنّ مع الله، في عزلة، أو فقط مع نساء أخريات"، في مكان عبادتهنّ القادم لن يصلي الرجال والنساء في نفس القاعة فحسب، بل أيضاً جنباً إلى جنب، وهنا الاختلاف الملحوظ بين هذا المسجد ومسجد فاطمة.

 نساء يُظهرن استعدادهنّ لأداء مهمّة الإمامة

إبعاد النساء أيديولوجيا سلفية

إذا كان الفصل بين مساحة الذكور والإناث أمراً شائعاً في المساجد "الكلاسيكية"، فإنّه مع ذلك ليس فصلاً تقليدياً، "في مسجد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، تقول كاهنة بهلول: "صلى الرجال والنساء في القاعة نفسها، رغم أنّ النساء كنّ وراء الرجال، كان يمكنهنّ التحدّث والمشاركة خلال المناقشات. إبعاد النساء وفصلهنّ عن النساء في المساجد جاءا مع ظهور الأيديولوجيا السلفية، التي ترى في الجنس الأنثوي خطراً حقيقياً، وكأنّ الرجال غير قادرين على التحكم في دوافعهم! أجد أنّ هذه الرؤية مهينة للمرأة، كما هي مهينة بالنسبة إلى الرجال".

طارق أوبرو: يمكن للمرأة أن تؤمّ الصلاة تماماً إذا كانت لديها المهارات المطلوبة

يقدّر إمام وعميد مسجد بوردو، طارق أوبرو، هذا الغضب، حتى وإن كان يرى أنّ أسباب عدم الاختلاط في بعض أماكن العبادة أمرٌ نسبي؛ فهو يرى أنّه بسبب "اعتبارات تقنية"، تم ترحيل النساء تدريجياً إلى مساحات ملحقَة إضافية، حيث كان من الضروري التعامل مع الزيادة في التركيبة السكانية ونقص المساحة، ومع ذلك، تقليدياً، صلاة الجماعة إلزامية للرجال فقط، وهي اختيارية للنساء.
وقال أوبرو ملطِّفاً: "الأمر ليس استبعاداً طوعياً للنساء"، ولهذا السبب فإنّ مصطلح العبادة "الشاملة"، والذي يُستخدم أحياناً لتقديم مسجدَيْ فاطمة وسيمورج، مُحرج قليلاً لإمام بوردو: "مسجدي لا يستثني أحداً؛ فهو يرحب بالمسلمين الملتزمين أو قليلي الالتزام، النساء، أو الرجال، ...إلخ".

هجمات شديدة على الشبكات الاجتماعية

لكن، إذا كان هذا الاختلاط موجوداً بالفعل، في الواقع، في بعض المساجد الفرنسية، فلا يوجد في الوقت الحالي أي مسجد إمامُه امرأة، وحول هذه النقطة بالتحديد، أصبحت الهجمات شديدة اللهجة على الشبكات الاجتماعية، أو أثناء المناقشات العامة؛ فهي تنبع بشكل خاص من المسلمين العاديين، الذين يتحدّثون باسمهم الخاص، "منذ متى أصبح بإمكان النساء أن يؤمن الصلاة في المساجد؟"، هكذا أطلق شخص مجهول الهوية، سخطه، أثناء مائدة نقاش مستديرة في معهد العالم العربي (باريس)، في أوائل نيسان (أبريل)؛ "هل ستخترعون نصوصاً جديدة؟" تجدر الإشارة إلى أنّ بعض النساء يتّسمن بنفس القدر (إن لم يكن أكثر) من الهجاء والعنف من نظرائهنّ من الرجال حول هذه النقطة، ولا مجال للمساومة مع التقاليد، ولا للمجازفة بالابتكار (البدعة)، التي غالباً ما يُنظر إليها على أنّها تضليل.

 أسباب عدم الاختلاط في بعض أماكن العبادة أمرٌ نسبي

أمّ ورقة تؤمّ الصلاة

لا حاجة، مع ذلك، إلى كتابة نصوص جديدة للإذن بإمامة المرأة، التي يبدو أنّها قديمة، وتجدر الإشارة إلى أنّه في الإسلام السنّي؛ فإنّ الإمام هو الذي يوجه الصلاة، ومع ذلك، يجب أن يحظى بموافقة من عدد كبير بما فيه الكفاية من أفراد مجتمعه، حتى يكون قادراً على ممارسة الإمامة، على وجه التحديد، فعلاً لم يقل القرآن الكريم شيئاً بشأن مسألة الإمامة، وما من آية واحدة على وجه الخصوص، تمنع المرأة من أن تؤمّ الصلاة. وبصرف النظر عن نصّ القرآن الكريم، هناك حديث للنبي، صلى الله عليه وسلم، يدلّ على أنّ النبي أذِن في الواقع لإحدى النساء بأن تؤمّ الصلاة، ألا وهي أمّ ورقة (التي أذن لها بأن تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا)؛ فهي امرأة من المدينة المنوّرة، تقيّة، كانت تحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وكانت من "صحابة رسول الله"؛ أي أقرب أتباعه، ومع ذلك، فهذا الحديث لا يقول ما إذا كانت أم ورقة تؤم الصلاة للنساء فقط، كما كانت تفعل السيدة عائشة وأم سلمة،رضي الله عنهما، زوجتا النبي، عليه السلام،  أم جماعة مختلطة من الرجال والنساء؟

 المرأة يمكن أن تكون خبرتها في العلوم الدينية بقدر خبرة الرجل فيها

المرأة لا تقل خبرة دينية عن الرجال

ومع ذلك، فإنّ حالة أمّ ورقة سمحت لثلاث من مدارس الشريعة الإسلامية الأربع بتفويض الإمامة للتجمعات النسائية. بعض المفسرين، أمثال ابن رشد في القرن الثاني عشر، أو ابن العربي في القرن الثالث عشر، ذهبوا إلى أبعد من ذلك؛ حيث سمحوا بالإمامة الكاملة للنساء في مجموعات مختلطة، ووفقاً لهم، لا يوجد أي دليل على أنّ أم ورقة كانت تؤمّ أفراداً من جنسها فقط، ولنتذكر أنّ هناك حديثاً آخر عن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول: "لِيَؤُمّكُمْ أَكْثَركُمْ قُرْآنًا، فَكُنْت أَكْثَرهمْ قُرْآنًا"، والحال أنّ المرأة يمكن أن تكون خبرتها في العلوم الدينية بقدر خبرة الرجل فيها.

انتشار ظاهرة إمامة النساء في العالم

رغم عدم وجود إجماع بين فقهاء الدين الإسلامي حول السماح أو عدم السماح للنساء بقيادة الصلاة، فإنّ المصادر التاريخية توثق بعض الحالات على مر القرون، على وجه الخصوص؛ هناك حالة فاطمة بنت عباس (الملقبة بأمّ زينب) في القرن الرابع عشر.

اقرأ أيضاً: الصلاة والأدعية في الإسلام وكيفية إدراج الإنسان في سياق قدسي
ابتداء من القرن التاسع عشر، نمت ظاهرة الأئمة النساء؛ إذ إنّ هناك أئمة نساء الآن من الصين إلى الولايات المتحدة (خاصة الشهيرة أمينة ودود، الشخصية الرائدة للمرأة المسلمة)، مروراً بألمانيا أو الدول الإسكندنافية (مع الدنماركية شيرين خانكان).

فرنسا تضم أكبر مجتمع إسلامي في أوروبا

التحذير من عدم نضج المجتمع

كون فرنسا، التي تضم أكبر مجتمع إسلامي في أوروبا، تبدو حذرة للغاية بشأن هذه النقطة، حتى لو كانت السلطات الدينية تدافع عن نفسها، ردّاً على سؤال، أشار ممثلو الإسلام الفرنسي إلى أنّه "لا توجد أي مشكلة لاهوتية" في الترويج للإمامة الأنثوية، لكنّ "الإسلام الفرنسي يعاني من مشاكل أكثر خطورة وإلحاحاً"، من الواضح؛ أنّ المسألة، ليست أولوية، ومع ذلك، إذا كان البعض يتهربون من هذا الموضوع، فإنّ بعض الأئمة يتخذون مواقف أوضح، وهذا مرة أخرى حال إمام بوردو، طارق أوبرو، فوفقاً له: "يمكن للمرأة أن تؤمّ الصلاة تماماً إذا كانت لديها المهارات المطلوبة"، المسألة في رأيه ليست مسألة جنس، على أي حال، إنه الخيار القانوني الذي اختاره، يعتقد لاهوتيون آخرون أنّ الإمامة لا يمكن أن تكون أنثوية"، لكن لا بد من التحذير من "عدم نضج" المجتمع المسلم في هذا المجال، و"يجب أن ندرك أن هناك من ناحية قانون الشريعة، ومن ناحية أخرى، علم اجتماع المساجد. فالأمر مختلف، لا ينبغي إهمال وزن الثقافات والتقاليد، أعتقد أنّ المجتمع الآن غير جاهز".

سمح بعض المفسرين أمثال ابن رشد وابن العربي بالإمامة الكاملة للنساء في مجموعات مختلطة

التحفظات نفسها على جانب إمام إيفري كوركورون، لدى طارق أبو نور، لأسباب مختلفة تماماً، يشعر رجل الدين هذا بالقلق من مخاطر "احتواء الإسلاموفوبيا" للموضوع؛ "ففي الإسلام، السنّي أو الشيعيّ، إمامة المرأة مسموح بها منذ 1400 عام، بينما عند الكاثوليك، لا يحق لهنّ أن يكنّ كاهنات، لكنّ البعض يستخدمون الضجيج الإعلاميّ الذي يتم في الوقت الحالي حول مشروع المسجدَيْن هذا، من أجل وصم الإسلام".

ومع ذلك، يأمل الرجلان في أن تتمكن أماكن العبادة الجديدة هذه في فرنسا، من أن تحقق إنجازها قريباً؛ "إنها مسألة حرية، يقول، مدافعاً، طارق أبو نور؛ يجب أن يتمتع كل فرد بحرية إنشاء مسجد إذا كان يتوافق مع القوانين"، وفي هذا الشأن يقول إمام بوردو طارق أوبرو: "رغم العقبات التي تواجهها الشابات، وسيظللن يواجهنها، يجب أن نحاول القيام بالتجربة"، في الوقت الحالي؛ تنتظر رائدات الإسلام الفرنسي الحصول على التمويل، وخاصة على أماكن للعبادة، تتلاءم مع مشاريعهنّ، وهنّ يأملن في تحقيق ذلك في خلال عام 2019.

كاهنة بهلول

كاهنة بهلول الإمام

هذا لا يمنع كاهنة بهلول، في الوقت نفسه، من أن تبدأ بالفعل في العمل كإمام، في نهاية شهر آذار (مارس) المقبل، وقد طُلب من الإمام الشابة قراءة صلاة الجنازة، وفقاً للتقاليد الإسلامية، في مقبرة في منطقة باريس، طقوس مؤثرة بشكل خاص لكل من الإمام الجديدة وعائلة الميت، وتقول بهلول: "لقد كان رائعاً أن تعيش هذه اللحظة من الشراكة الروحية، بعيداً عن الجدل وأحكتم النوايا في قلب التأمل والصفاء".

إبعاد النساء وفصلهنّ عن النساء في المساجد جاءا مع ظهور الأيديولوجيا السلفية التي ترى في الجنس الأنثوي خطراً حقيقياً

ردود فعل البعض المفرطة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتي تسخر من مشروع مسجد فاطمة كنوع من "مركز اليوغا الروحية"، أو الهجمات والتهديدات التي تتلقاها لا تخيف كاهنة بهلول، تعتقد كاهنة أنّ رفضها ارتداء الحجاب خارج المسجد، ربما يكون سبب هذا "العداء"، الذي يأتي من هامش المجتمع المسلم الأكثر محافظة، تقول الشابة كاهنة: "إذا اعتقدوا أنّهم سيغيّرون رأيي، فإنهم مخطئون، قد يكون ذلك متعلقاً باسمي، الذي يشير إلى ملكة بربرية صلبة وعنيدة وغير مرنة، لكنني لا أستسلم للضغط".


المصدر: lemondedesreligions

للمشاركة:

ليبيا.. أزمة شديدة التشابك تستعصي على الحل

2019-07-10

ترجمة: علي نوار


في إطار ثورات "الربيع العربي"، حين تفشّى الاستياء في ربوع المنطقة بأسرها، كانت أجواء العنف تتصاعد بوتيرة سريعة وحادة في ليبيا بين نظام العقيد الراحل معمر القذافي ومعارضيه، لتصل الأمور إلى درجة الحرب الأهلية، فيما يعرف باسم الثورة الليبية أو ثورة 17 شباط (فبراير)، والتي قرّر حلف شمال الأطلسي (ناتو) ودول أخرى التدخّل فيها لإسقاط النظام، وصولاً إلى إنهاء حياة القذافي على يد ميليشيات مسلحة معارضة في ضواحي مدينة سرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

يعدّ المكوّن القبلي هو الإطار الذي يمكن لأبناء القبيلة عبره محاولة البقاء وانتزاع مكاسب وفيرة بناءً على الأهداف المرجوّة

بنى القذافي، الذي استمر في سدة الحكم بليبيا طوال ما يزيد عن 40 عاماً (1966-2011)، نظاماً استبدادياً فردي الطابع، يتمثّل في شخصه وأطلق عليه مصطلح (جماهيرية) مع إدخال تعديلات على شكله وهيكله كلما تطلّب الأمر، ليظلّ على رأس السلطة طوال هذه الأعوام؛ حيث سمحت طبيعة هذا النظام الخاصة من حيث الهيكل الحكومي والإداري، فضلاً عن منظومة لتوزيع السلطة والهدايا، له بالإبقاء على البلاد في حالة استقرار طيلة عقود حتى لو كان عن طريق قبضة حديدية.

وحين كان المأمول مع سقوط آخر بقايا نظام القذافي، ومع تدخّل المجتمع الدولي، هو عملية انتقالية سلمية، ظهرت الحقيقة؛ وهي أنّه بوفاة العقيد الليبي تهاوت المنظومة تماماً سواء الإدارية أو الأمنية أو جهات إنفاذ القانون مع باقي الخدمات الحكومية الأساسية، لذا كان التوصيف الحقيقي للوضع هو أنّ ليبيا دولة لا يوجد فيها أي طرف يمكن الحديث معه، فحين ذهب القذافي ذهب كل شيء معه.

 استمر القذافي في سدة الحكم بليبيا طوال ما يزيد عن 40 عاماً (1966-2011)

أضحت ليبيا دولة فاشلة، أو ضعيفة بحسب المصطلح الأحدث والأكثر شيوعاً في الوقت الحالي، حيث تشهد البلاد وجود مصالح عديدة وفصائل متناحرة لكل منها أجندتها الخاصة مع غياب أي قدرة فاعلة من جانب الحكومة؛ لذا وإضافة إلى تبعات وضع النزاع الذي يعيشه سكان ليبيا، فقد أدّى فراغ السلطة إلى ظهور جماعات إرهابية على الأراضي الليبية وفي مقدمتها تنظيم داعش الذي وجد تربة خصبة ينمو فيها بعد الضغط العنيف الذي تعرّض له في سوريا والعراق.

وبخلاف الآثار التي تعرّض لها البلد العربي وسكانه، كان لسقوط النظام الليبي تأثير مباشر في زعزعة استقرار دولة أخرى مثل مالي، وتعقيد الموقف أكثر في إقليم الساحل الإفريقي والمنطقة بالكامل.

كان التوصيف الحقيقي للوضع هو أنّ ليبيا دولة لا يوجد فيها أي طرف يمكن الحديث معه فحين ذهب القذافي ذهب كل شيء معه

ويعمل المجتمع الدولي ممثّلاً في منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية على تشكيل حكومة موحّدة، لكن حتى هذه اللحظة وبعد جهود عديدة لم يحدث تقدم يذكر في هذه النقطة. ورغم وجود مهمة أممية لدعم ليبيا (يونسميل) وأخرى أوروبية للسيطرة على الحدود (يوبام) والاعتراف الرسمي الدولي بحكومة طرابلس والمساعدات في سبيل تشكيل حكومة وجهات، تباشر عملية التحوّل الديمقراطي وكذلك جهود إصلاح قطاع الأمن، وكذلك إجراء انتخابات؛ لم يحل شيء دون اندلاع نزاع عنيف ودامٍ في 2014 -الحرب الأهلية الليبية الثانية- والتي ما تزال رحاها تدور حتى اليوم، وتسبّبت في خلق أكثر من مركز للقوى تتنافس فيما بينها وعدد كبير من الميليشيات المسلحة وعناصر أخرى مسلحة تعمل خارج إطار أي سلطة، في مشهد فوضوي بالكامل لا وجود فيه للدولة التي تحتكر العنف بشكل مشروع.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع

يضاف إلى كل ذلك حقيقة وجود حكومتين وعدد كبير من الأطراف الفاعلة الداخلية والخارجية، بعضها له حضور حتى منذ ما قبل سقوط القذافي، والتي تنشط على الساحة الليبية بغرض الحصول على وضع مُميّز استغلالاً للظروف الداخلية في البلد العربي الواقع بشمال إفريقيا، والهدف هو خدمة مصالحها الخاصة فحسب.

أضحى الربيع العربي شتاء عربياً، وباتت ليبيا أحاجي وألغاز مستعصية على الفهم وحيث يبدو أنّ كل شيء يتّجه نحو الشقاق والانقسام.

 لم يحل شيء دون اندلاع نزاع عنيف ودامٍ في 2014

ليبيا.. فسيفساء شديدة التعقيد

منذ زمن بعيد تنقسم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم جغرافية مُحددة؛ طرابلس، أقصى الغرب، وبرقة في أقصى الشرق، ويتميز الشرق والغرب بامتلاكهما لسواحل مطلّة على البحر المتوسط وتتركّز فيهما غالبية السكان ومراكز القوى، رغم وجود حالة من العداء بينهما، بينما يوجد في الجنوب إقليم آخر هو فزان ذو الطبيعة الصحراوية القاحلة وتقطنه أغلبية من البدو الذين يسيطرون على طرق التجارة بمختلف أنواعها من البضائع والموارد، المشروعة وغير المشروعة، فضلاً عن تمتّعها باحتياطات هائلة من المحروقات التي ينبغي بعد استخراجها نقلها إلى الساحل تمهيداً لبيعها.

يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة رئيسة على المحروقات لا سيما مع وجود بنية تحتية تعمل بكفاءة وتتبع أغلبها شركات أجنبية

يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة رئيسة على المحروقات، لا سيما مع وجود بنية تحتية تعمل بكفاءة وتتبع أغلبها شركات أجنبية، وكذا احتياطات ضخمة في باطن الأرض. سمح ذلك للنظام الليبي السابق بتطبيق نظام دعم على المنتجات الأساسية مثل المواد الغذائية، والتي أغلبها مستوردة بنسبة كبيرة من الخارج إزاء ضعف قدرة البلاد على الإنتاج. إذ تستورد ليبيا مواد غذائية واستهلاكية من الخارج نتيجة لعدم قدرتها على إنتاجها محلياً.

يُقدّر عدد سكان ليبيا بـ6 ملايين ونصف المليون نسمة، يعيش 90% منهم بالمنطقة الساحلية وفي المدن لا سيما طرابلس العاصمة في الغرب وبنغازي في الشرق. تكتسب هاتان المدينتان أهمية خاصة سواء لوجود عدد كبير من السكان أو وجود هياكل إدارية والبنية التحتية الاقتصادية القائمة والموانئ لتصدير المحروقات إلى الأسواق العالمية.

اقرأ أيضاً: ليبيا: داعش يطل من جديد ويتوعد الجيش
ولا تحظى المدن الليبية فقط بالسواد الأعظم من السكان، بل إنّ كلاً منها يشهد وجود ميليشيات مسلحة أو ائتلاف من الميليشيات التي تحكم المدينة بنموذج يشبه إلى حد بعيد الدولة- المدينة، حيث تعمل المدن الليبية كأعمدة رئيسة للسلطة في البلاد، وتدور رحى المعارك بالأساس من أجل محاولة السيطرة على المدن والبنية التحتية الحيوية.

يُقدّر عدد سكان ليبيا بـ6 ملايين ونصف المليون نسمة

أما الداخل الليبي؛ حيث يعيش بالكاد 10% من المواطنين بسبب طبيعته الصحراوية القاسية وجفاف مساحات شاسعة من الأراضي لعدم وجود الماء، فيمثّل أراضي فضاء هائلة والتي نظراً لبعدها عن مراكز القوى تصبح خارج السيطرة الفعالة، مثلما هو الوضع بالنسبة للمناطق الحدودية على مساحة 4 آلاف و300 كلم مع كل من مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس. كما أنّه وفي الجنوب الليبي يوجد جزء من البنى التحتية المهمة المخصصة لنقل البترول والماء، واللازمة لوصول الموارد وأشياء أخرى إلى المنطقة الساحلية.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
توجد في ليبيا 140 قبيلة، حيث ما يزال النظام القبلي سائداً في البلاد، وهي ليست على وفاق دائماً، وذات مصالح متضاربة في كثير من الأحيان مع تقسيم خاص يجعل كلاً منها مهيمنة على مناطق محددة من الأراضي الليبية. وفي أعقاب سقوط القذافي، شكّلت القبائل فصائل مسلحة خاصة بها سواء لضمان أمنها أو تحقيق مآربها؛ بغض النظر عن الفوضى المخيمة على المشهد أو غياب إدارة فعّالة في أجزاء كبيرة من البلاد، ويعدّ المكوّن القبلي هو الإطار الذي يمكن لأبناء القبيلة عبره محاولة البقاء وانتزاع مكاسب وفيرة بناءً على الأهداف المرجوّة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
وبخلاف القبائل، تأتي الميليشيات المسلحة، التي يُعتقد أنّ عددها يدور في فلك الألف و500 ميليشيا، وجماعات أخرى مسلحة أيضاً تنشط في مجال تهريب المواد غير المشروعة، وتقاتل في صف من يدفع أكثر أو أحد الأطراف القوية المتناحرة، ما يضيف قدراً إضافياً من التنافر في الفوضى الليبية، لدرجة دفعت أحد المسؤولين رفيعي المستوى في البلاد للتصريح بأنّه من أجل العودة للسياسية ينبغي أولاً الانتهاء من الميليشيات.

 يُعتقد أنّ عدد المليشيات المسلحة يدور في فلك الألف و500 ميليشيا

وتشهد ليبيا حالياً وجود مركزين رئيسين للقوى: طرابلس المعترف بها من قبل منظمة الأمم المتحدة كعاصمة شرعية للبلاد، وطبرق معقل الرجل القوي الآن في ليبيا (القذافي الجديد) المشير خليفة حفتر، ويتنازع المركزان فيما بينهما للسيطرة على كامل التراب الوطني، وتبدو طبرق أكثر قوة في الوقت الراهن، وتعمل بكل قوة من أجل حصد الدعم الدولي.

ليبيا.. ساحة عالمية معقّدة

إذا كان المجتمع الدولي والأمم المتحدة قد اعترفا بحكومة طرابلس كحكومة شرعية، فكيف تدعم بعض الدول ذات الشأن في نفس المجتمع الدولي وبصورة علنية، حكومة طبرق الغريمة؟

يرجع هذا التناقض إلى مصالح وتحرّكات الأطراف الخارجية في داخل البلاد، منبع هذه المصالح هو موقع ليبيا على البحر المتوسط وقربها من أوروبا، ومكانها في شمال إفريقيا، وكذا لوضعها كدولة عربية وإسلامية، وأيضاً بسبب ثروتها من المحروقات وعوامل أخرى. لذا، ووفقاً لمصالح كل فاعل خارجي، يذهب الدعم إلى طرف على حساب الآخر، أو لصالح ميليشيا أو قبيلة في مواجهة الأخرى، وهو الأمر الذي يحدث حتى لو كان الموقف "الرسمي" للدولة صاحبة المصالح هو دعم حكومة طرابلس.

اقرأ أيضاً: بعد النفط.. المياه سلاح حرب جديد يرفع سخونة الصراع في ليبيا

لذلك تدعم روسيا وبوضوح المشير حفتر في طبرق لأسباب تتعلق بتأمين تدفّق المحروقات والسيطرة على الموانئ عن طريق مجموعة (فاجنر) وهي شركة أمن خاصة يستخدمها الكرملين الروسي كأداة للتحرّك في الخارج، كما أجرى رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب محادثة هاتفية مع حفتر ثمّن خلالها دوره في مكافحة الإرهاب وجهوده الهادفة لضمان تدفّق البترول.
... يستمر النزاع ويأخذ الوضع في التعقّد أكثر وأكثر ليصبح أكثر غرابة. ويتواصل الاقتتال على السيطرة على الموارد والبنى التحتية والمدن، بدون تناسي حقيقة أنّ المعلومات والأنباء تتّسم بالتناقض وهي جزء كذلك في النزاع، حيث أنّ الأنباء الكاذبة تلعب هي الأخرى دوراً مهماً.

تدعم روسيا وبوضوح المشير حفتر

وكلما طالت فترة غياب الاستقرار واستطالة أمد النزاع، تصبح شبكات المصالح الخاصة بزعماء الجماعات المسلحة أكثر تعقيداً وعمقاً مع السياسيين والمهرّبين ورجال الأعمال، بشكل يجعل مسألة التوصّل لحلّ خياراً مستبعداً بالنسبة لهم، حيث إنّ فراغ السلطة ووجود مساحات شاسعة من الأراضي دون أدنى سيطرة، أسهم ليس فقط في استحواذهم على الموارد والاستفادة منها، بل ونمو اقتصاد مواز على هامش الاقتصاد الرسمي.

لذلك، وبعيداً عن المسائل السياسية والاجتماعية بالغة التشابك، واستناداً إلى مبدأ "الحرب تقود إلى الحرب"، وتحرّك كل فاعل خارجي وميليشيا وقبيلة وجماعة حصراً من أجل مصالحها الخاصة. فهل من الممكن مع كل ذلك إيجاد أي حل؟

غياب المصلحة المشتركة.. هل يمكن إحلال الاستقرار في ليبيا؟

من أجل بناء مؤسسات وطنية موحّدة، ينبغي تحقيق توافق بين مصالح كبرى الجماعات القبلية وكذلك الدول الأجنبية التي تدعم الأطراف المختلفة في الداخل.

إنّ ضعف مستوى فعالية الهيكل الحكومي هو مؤشر على إحدى المصاعب الكبيرة أيضاً التي ستضطر البلاد للتعامل معه إذا توافرت الإرادة لبناء دولة، لا سيما وأنّه ومع استمرار الأمور على ما هي عليه حالياً يعني بالتبعية أن يكون وضع ليبيا هو دولة فاشلة أو نصف فاشلة، ويرجع ذلك إلى التناحر المستمر بين الجماعات والقبائل والميليشيات والأطراف الفاعلة من غير الدول التي لا تتوانى عن رفع السلاح من أجل الانفراد بأي بوادر هيكل حكومي من الدولة كأداة الغرض الوحيد منها هو خدمة مصالحها الخاصة.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا

وحين يُنظر إلى الدولة على أنّها مجرّد مصدر للموارد يسعى كل طرف أو فصيل أو جماعة فقط للحصول على القدر الأكبر منها، يصبح من الصعب للغاية رسم مستقبل مشترك، ويستحيل تقريباً إيجاد "نحن".

إنّ الانقسام الحاد بين مراكز القوى وتشتّت الشرعية في ليبيا، يؤدّيان إلى تشكيل تحالفات بغية محاولة تحقيق الأهداف على أوسع نطاق ممكن، أو حتى كنوع من السلطة، فرض الإرادة على الجماعات أو الائتلافات الأضعف. بيد أنّ هذه التحالفات غير مستقرة ولا تضمن التوافق. ففي بعض الأحيان ترفع الأطراف الداخلة في ائتلاف ما ثمناً باهظاً لدخولها في هذا التحالف، سواء مادياً أو حتى موقع النفوذ أو الامتيازات. وعندما لا يعتمد الولاء على قيم جوهرية أو الاقتناع بالصالح العام عند وجود ثمن للولاء، ينتج عن المقابل المدفوع احتراماً سريعاً، وبالتالي يرتفع في كل مرة الثمن المطلوب من أجل إحداث الأثر نفسه.

أدّى فراغ السلطة إلى ظهور جماعات إرهابية على الأراضي الليبية وفي مقدمتها تنظيم داعش

وتتنوّع الخيارات المطروحة أمام الجماعات المشاركة في هذه التحالفات، المتأثرة بدورها بالتوتّرات الداخلية، فأحد هذه الخيارات قد يكون الدخول بناء على طلب أحد الأطراف الموجودة بالفعل واستجابة لرغبتها في المزيد (من الثراء أو النفوذ) من أجل الإبقاء على التحالف متماسكاً. ولدى تحقيق هذا الجزء، يظهر الهدف التالي ألا وهو القدرة على التأثير بعد الحصول على النتائج المطلوبة، ودون الحاجة لتقديم شيء جديد بعد، مروراً بخيار الإحلال والتبديل (عبر العنف أو بدونه) بين الأطراف التي رفعت "تعريفتها" كشرط للاستمرار في هذا الائتلاف. خاصة وأنّ بعض الأطراف تلعب دور المنقذ للتحالف أو تتسبب في اندثاره ليملأ تحالف آخر جديد الفراغ الذي تسبّب فيه اختفاء الأول، وهكذا في عملية لا نهاية لها.

اقرأ أيضاً: تركيا وليبيا.. هل باتت الحرب وشيكة؟

في هذه الظروف الطائفية، ومع النظر فقط لمصالح الفصيل أو الجماعة، تفقد المؤسسات حتى أي مغزى لوجودها، لتدخل هي الأخرى في دوامة الصراع. ومثال على ذلك؛ إذا توقّف المصرف المركزي الليبي في طرابلس عن إتمام التحويلات المالية والحفاظ على النشاط المالي لفرعه في بنغازي، لن يصبح ممكناً سداد المستحقّات المالية للطاقم الموجود في برقة، وهو أمر سيمس بالطبع عملية الاستيراد والتصدير، وهنا يجب الإشارة مجدّداً إلى أنّ ليبيا بحاجة لاستيراد منتجات عديدة من بينها المواد الغذائية، ما يعني أنّ الوضع سيكون خطيراً للغاية.

وفي حال طُرح خيار وقف التحويلات المالية بشكل أقوى كوسيلة للضغط على بنغازي، وهو إجراء يبدو منطقياً خاصة وأنّ جزء من هذه المبالغ يذهب في النهاية إلى ميليشيات مشاركة في الهجوم على الحكومة المعترف بها دولياً، رغم أنّ بعض وجهات النظر ترى أنّ هذه الخطوة ستؤدّي لزيادة الفوضى الموجودة بالفعل، لا يسعنا تناسي أنّه ومنذ تجدّد الأزمة في العام 2014 حدثت انشقاقات داخلية على نطاق واسع في مؤسسات عديدة، الأمر الذي أدّى لتفاقم المشكلة. فقد حدث ذلك إثر خلاف بين محافظ المصرف المركزي ونائبه نتيجة تنفيذ فرع المصرف في بنغازي بشكل منفرد ومستقل عن المقر الرئيسي في طرابلس. من شأن الانشقاقات مثل هذه إن لم تحُلّ وتصحح سريعاً، أن تفضي إلى أوضاع شديدة فيما بعد.

اقرأ أيضاً: هذا ما يقوم به إخوان ليبيا في طرابلس

وعلى الجانب الآخر، يأتي الرد المعتاد من قبل الأطراف والفصائل المسلحة والجماعات شبه المسلحة، متمثلاً في وقف الإمدادات من الموارد- خاصة المحروقات التي تمثل أبرز ثروات ليبيا، كوسيلة ضغط وعمل لإثبات القوة، سواء من مناطق الاستخراج أو البنية التحتية المخصصة للنقل والموانئ التي تُصدّر منها المحروقات، ما يضعف الاقتصاد الوطني الليبي. يجدر الإشارة إلى أن مساحات الفضاء الشاسعة الخارجة عن أي سيطرة تسهم في ظهور هذه الممارسات.

ومع الأخذ في الاعتبار أنّ الأهم هو تحقيق المصالح الخاصة، لذا لا يُستبعد بتاتاً الاستعانة بحلفاء خارجيين والسماح بتدخل أجنبي في الشأن الداخلي كوسيلة للحصول على الدعم بأي شكل لا سيما المالي منه، وهو الدعم الذي يُمنح مقابل شروط عسيرة إزاء "خطر الاستثمار" الذي يمثّله الفاعل، وعادة ما يكون دولة أجنبية، حيث إنّه وفي حال خسارة "حليفه على الأرض" للمعركة، فسيكون من الصعب بالنسبة للمستثمر استرداد استثماره.

اقرأ أيضاً: هل وصل البغدادي إلى ليبيا؟!

في ضوء غياب الرؤية والمصلحة المشتركة في لعبة المصالح المتشابكة هذه، يلعب الاقتصاد الموازي واقتصاد الحرب دوراً مهماً للغاية في تفسير مدى تعقيد الأزمة الليبية. تكتسب الفصائل المختلفة والميليشيات والجماعات في أغلب الأحوال مكاسب عديدة من هذا الوضع، في المقابل يعاني ملايين الأشخاص من الغلاء وانعدام الأمن والعنف؛ وهنا يبرز السؤال: إذا كان ممكناً تحقيق مكاسب هائلة، ما الداعي لإنهائه إذاً؟

في ظل هذا المناخ الحافل بالميليشيات والذي يغيب عنه احتكار العنف والمصالح القبلية والأطراف الخارجية وتعدّد مراكز القوى والتناحر بين المدن، وبالطبع غياب السيطرة عن أراض شاسعة... يبدو السلام أمراً بعيد المنال في ليبيا، رغم أنّه يحظى بأهمية بالغة خاصة بالنسبة لأوروبا بسبب القرب الجغرافي الشديد بين الجانبين وتأثيرات الأزمة الليبية.

تحليل عن الأزمة الليبية وأسباب تعقيدها في الوقت الراهن وصعوبة الوصول لحل سياسي للنزاع، وهو عمل للخبير بدرو سانشيز إرايث ونشر بموقع (المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية).


المصدر: https://bit.ly/2FQgeYb

للمشاركة:



في ظلّ تعنّت إيران.. هل تنقذ أوروبا الاتفاق النووي؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أمس؛ إنّ "طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها".

منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي

وتقول إيران: إنّ على الدول الأوروبية بذل المزيد لضمان حصولها على المزايا الاقتصادية التي كان يفترض أن تنالها، مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بموجب الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن، العام الماضي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، عن كمالوندي قوله: "سنقلص التزاماتنا بموجب الاتفاق النووي حتى يفي باقي الموقِّعين بتعهداتهم".

من جهته، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي؛ أنّ بلاده "ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي المبرَم مع القوى الدولية عام 2015، بالقدر نفسه الذي سيلتزم به باقي الموقّعين عليه".

وأضاف موسوي أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة "تسنيم" للأنباء؛ أنّ "إيران تتوقع من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق".

في المقابل؛ قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: إنّ "الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي لا تعدّ مخالفات طهران للاتفاق انتهاكات كبيرة، ولم تشر إلى أيّة نية لتفعيل آلية فضّ النزاع بالاتفاق".

موغريني: الاتفاق النووي مع إيران ليس في وضع جيد لكنّه ما يزال حياً

وأضافت في مؤتمر صحفي، بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "في الوقت الحالي، لم يشر أيّ من أطراف الاتفاق إلى أنّه ينوي تفعيل هذا البند، وهو ما يعني أنّ لا أحد منهم يعدّ في الوقت الحالي، وفي ظلّ البيانات الحالية التي تلقيناها، سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ أنّ المخالفات انتهاكات كبيرة"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأعلنت أنّ "الاتفاق النووي مع إيران، ليس في وضع جيّد، لكنّه ما يزال حياً، ولا يمكن تحديد إن كان في ساعاته الأخيرة".

بدوره، أكّد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، أنّ الوقت ما يزال متاحاً لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، مضيفاً إلى أنّ بلاده لا تتفق مع الولايات المتحدة، وهي أقرب حلفائها، في طريقة تعاملها مع الأزمة الإيرانية.

وقال هنت للصحفيين، أمس، لدى وصوله إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية، لكن هناك فرصة ضئيلة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة".

وزير الخارجية البريطاني: ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية

وفي السياق نفسه؛ قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، اليوم: "يجب على أوروبا أن تظلّ موحّدة في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني"، مضيفاً أنّ "على طهران العدول عن قرارها بعدم الالتزام ببنود في الاتفاق".

وأوضح لو دريان للصحفيين في بروكسل: "يجب على الأوروبيين الحفاظ على وحدتهم في هذه المسألة".

وأضاف أنّ "قرار إيران بتقليص التزامها بالاتفاق، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي، بمثابة "ردّ فعل سيّئ على قرار سيّئ".

 

للمشاركة:

التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:

"دير شبيغل": الخليفي يواجه اتهامات جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية ؛ أنّ المالك القطري لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، ناصر الخليفي، "ضلّل المحققين، وانتهك قواعد انتقال اللاعبين".

ووفق الوثائق التي نشرتها المجلة؛ فإنّ الخليفي "أرسل خطاباً لمسؤول قطري كبير، يطلب فيه دفع ٢ مليون يورو لوكيل اللاعب الأرجنتيني خافيير باستوري، الذي انتقل للنادي الفرنسي في صفقة قيمتها ٤٠ مليون يورو، عام ٢٠١١".

وطلب الخليفي أيضاً، بحسب المصدر ذاته، ٢٠٠ ألف دولار تحت بند "نفقات" لشركة قطرية خاصة "Oryx QSI" يديرها شقيق الخليفي.

مجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف بالوثائق انتهاك ناصر الخليفي قواعد انتقال اللاعبين

وتحظر قواعد انتقال اللاعبين دفع رؤساء الأندية أيّة مبالغ مالية لوكلاء اللاعبين، وتنصّ هذه القواعد التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، على أن يدفع مستحقات الوسيط، اللاعب الذي وكّله، أو النادي الذي وكّله فقط.

وأكّد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم لـ "دير شبيغل"؛ أنّ ما يتضمّنه خطاب الخليفي للمسؤول القطري، يعدّ مخالفة واضحة لقوانينه وقوانين الاتحاد الدولي".

الخطاب المكتوب باللغة العربية يكشف أيضاً؛ أنّ الخليفي ضلل المحققين الفرنسيين حينما قال، في تحقيق خضع له مؤخراً: إنّه لا يملك سلطة التوقيع على أيّة أوراق رسمية تخص شركة "Oryx QSI"  القطرية، وإنه لم يكن يستطيع طلب، أو صرف، أيّة أموال من الشركة عام ٢٠١١.

وعلقت "دير شبيغل" قائلة: "هذه الاتهامات تعزز الاتهامات التي تطول الخليفي".

ولفتت إلى أنّ "الاتهامات الموجهة للخليفي سيكون لها جانب سياسي؛ لأنها ستقوض المشروع السياسي الذي تستثمر فيه قطر منذ أعوام طويلة، ويهدف لتحسين صورتها دولياً عبر الاستثمار في كرة القدم".

ويواجه الخليفي اتهامات كثيرة بالرشوة، تتعلق باستضافة الدوحة لبطولات رياضية دولية، كأولمبياد 2016 و2020، وكأس العالم لألعاب القوى.

 

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية