الشيشان.. منجم الجهاديين الذي يعجز بوتين عن إغلاقه

10968
عدد القراءات

2018-06-26

ترجمة: علي نوار

تكشف جنسية منفذ الاعتداء الأخير في باريس كثيراً عن هشاشة منطقة تحاول روسيا السيطرة عليها بقبضة من حديد.

تجمع كلّاً من يونس بك يفكوروف رئيس جمهورية إنجوشيا، ويوري كوكوف رئيس جمهورية كباردينو بلكاريا، ورمضان قديروف رئيس جمهورية الشيشان، ثلاثةُ أشياء مشتركة فيما بينهم؛ فقد كانوا جميعاً عسكريين في صفوف الجيش الروسي، وينتمون اليوم إلى (روسيا الموّحدة)، الحزب الذي يتزّعمه فلاديمير بوتين، وهو ما يجمعهم تحت إمرة الرئيس الروسي الذي وضعهم في مناصبهم التي يشغلونها حالياً، بمهّمتين محّددتين: تعزيز السلطة الروسية في مناطق المتمّردين المناوئين لسيطرة موسكو، خاصة التعامل -أو القضاء عملياً على- صعود الأصولية الإسلامية الذي انعكس في أبرز صوره في اعتداء باريس، الذي وقع مؤخراً وأسفر عن مصرع شخص وإصابة أربعة آخرين.

التحق البعض بجبهة النصرة وآخرون بجند الشام فضلاً عن هؤلاء المنخرطين في صفوف داعش

وفي تقاطع شارعي سان أجوستين ومونسني، استلّ الشيشاني البالغ من العمر 21 عاماً، حمزة عظيموف، سكيناً وهو يصرخ "الله أكبر"، ثم اعتدى على خمسة أشخاص في إحدى أكثر مناطق العاصمة الفرنسية اكتظاظاً بالسياح.

من جانبه، لم يتوانَ تنظيم داعش عن التأخّر في إعلان مسؤوليّته عن الهجوم، ليؤكّد أنّ هزيمته العسكرية في العراق، في نهاية عام 2017، لم تقضِ بعد بالكامل على قدراته العملياتية، خاصة أنّ الشباب الشيشانيين المنحدرين بشكل مباشر من إمارة القوقاز، هم أحد أوراقه الرابحة للاستمرار في شنّ هجمات في قلب أوروبا.

 

 

ليبيون، سوريون، مغاربة، أوزبك، ...إلخ؛ هذه هي وبشكل متكرر جنسيات المنفذّين للهجمات التي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها خلال الأعوام الأخيرة، لكن الشيشان تظهر بصورة أكبر من البقية، يعزى ذلك إلى أنّ الشيشان، مثلها مثل إنجوشيا وداغستان، هي أحد مناجم الجهاديين، والواقع أنّ جزءاً من امتداد تنظيم داعش يعود بدرجة كبيرة إلى تنامي نفوذه في القوقاز بسياسة تجنيد طموح، تفوق إلى حد بعيد تلك التي تبنّاها تنظيم القاعدة تحت قيادة أسامة بن لادن.

وفي الوقت الحالي، تعدّ الروسية هي ثالث أكثر لغة استخداماً في قنوات الاتصالات الخاصة بتنظيم داعش، وتتفوق عليها فقط العربية والإنجليزية، وبالفعل، استناداً إلى المعلومات الرسمية التي كشفت عنها روسيا، فإنّ هناك 23 ألف مقاتلاً منخرطين في صفوف التنظيم في سوريا والعراق، منهم ألفان ينحدرون من أصول روسية. وضمن جهوده لتجنيد أكبر عدد ممكن من المقاتلين فيما كان الاتحاد السوفييتي البائد، وصل الأمر بداعش إلى تدشين قناة دعائية تبثّ باللغة الروسية، وتحمل اسم (فرات ميديا)، كما كثّف أيضاً تواجده على (أودنوكلاسنيكي) و(فكونتاكتي)، وهما الشبكتين الاجتماعيتين الأشهر في روسيا.

الشباب الشيشان المنحدرون من إمارة القوقاز هم أحد أوراق داعش الرابحة لشنّ هجمات في قلب أوروبا

كما أنّ تنظيم داعش لجأ إلى استخدام التقنيات الحديثة، رغم أنّ الوضع في القوقاز، خاصة في الشيشان، أسهم في إيجاد التربة الخصبة اللازمة كي يقرر عدد كبير من الشباب الانخراط في صفوف الجهاد، الأمر الذي تعود جذوره بنسبة كبيرة إلى حركات التمرد الرامية للاستقلال، التي لم تكن بمعزل تماماً عن الدين.

عام 1991، انتهزت الشيشان تفكّك الاتحاد السوفييتي، وأعلنت استقلالها بشكل أحادي الجانب، وظلّت روسيا مهمّشة لأعوام، لكنّها بدأت هجوماً، عام 1994، بهدف استعادة الشرعية الدستورية؛ حيث إنّ الشيشان لم يكن وضعها مثل باقي الجمهوريات الاشتراكية الأخرى؛ بل كانت جمهورية ذاتية الحكم لكن بدرجة سياسية أقلّ، ولا تتمتع بالقدرة على اتخاذ قرار بنفسها حول مستقبلها، كانت هذه الحرب كارثية بالنسبة إلى روسيا، لكنّها كانت نقطة الانطلاق التي يستغلّها تنظيم داعش اليوم، سواء على جبهات القتال أو في طرقات باريس.

كانت هذه الحرب الأولى إيذاناً بظهور المقاتلين العرب، الذين تنامى تأثيرهم في ميدان القتال بصورة كبيرة عقب انتهاء الحرب في مواجهة تضييق الخناق الاقتصادي الذي فرضته روسيا على الشيشان، وإزاء استحالة وقف المساعدات الاقتصادية التي انهالت من العالم العربي عن طريق منظمات سلفية، في أغلب الحالات، ولم تحل هذه التفصيلة (كون أغلب مسلمي الشيشان من السنّة) دون الصعود الحثيث بلا توقّف للأصولية الإسلامية؛ ببناء مساجد سلفية، أو افتتاح معسكرات تدريب عسكري؛ حيث حصل المقاتلون من مناطق مختلفة بالقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط على التأهيل.

تأكّدت الاستخبارات السوفييتية والأمريكية من وجود صلات تربط المتمرّدين الشيشان بالقاعدة

وتحقّقت وتأكّدت كلّ من الاستخبارات السوفييتية (كي جي بي) والاستخبارات الأمريكية من وجود صلات تربط المتمرّدين الشيشانيين بتنظيم أسامة بن لادن، وعام 2007 تبيّن أنّ إعلان إمارة القوقاز كان حدثاً مختلفاً تماماً عن إمارة شمال القوقاز، التي ظهرت بالمنطقة خلال الحرب الأهلية الروسية، عام 1919.

ثم حدثت انشقاقات عدة بعد ذلك، والتحق البعض بتنظيم (جبهة النصرة)، وآخرون بتنظيم (جند الشام)، فضلاً عن هؤلاء المنخرطين في صفوف تنظيم داعش، ما أدّى إلى ظهور نوع من الهدوء في الشيشان، علاوة على جهود حكومة قديروف التي يحرّكها بوتين، والتي تمّ تكليفها برئاسة الإقليم ومكافحة الإرهاب، ما أسهم في تراجع العنف بدرجة كبيرة في منطقة خفتت تطلّعاتها الانفصالية إلى حدّ بعيد، بيد أنّ الشيشان تواجه، في الوقت الحالي، خطراً يتمثّل في عودة المقاتلين الذين انضمّوا إلى تنظيم داعش، خاصّة التّهديد المتمثّل في الآلاف والآلاف من الشيشانيين النازحين حول العالم والذين ظلّوا حاملين طباعهم ومشكلاتهم.

اقرأ أيضاً: أهالي الجهاديين الشيشان يكسرون حاجز الصّمت

وقد طفت إلى السطح إحدى هذه المشكلات قبل أشهر معدودة في ألمانيا، حين فتحت بعض وسائل الإعلام المحلية ملف الواقع الذي تشهده شوارع العاصمة برلين، والمجهول بالنسبة إلى الكثيرين، الذي لا تملك السلطات الألمانية عملياً حياله من أمرها شيئاً؛ فوفق معلومات مختلفة عن أحياء المهاجرين من أصول شيشانية يعتقد بوجود "شرطة أخلاقية" بمحاكمها الخاصة، خارج نطاق أيّة سيادة لقوانين الحكومة الألمانية، علاوة على ذلك؛ أشارت المعلومات إلى مقطع فيديو متداول عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه رجل مقنّع وهو يهدّد باقي المهاجرين الشيشانيين بالموت، إذا تقاعسوا عن الالتزام بالشريعة الإسلامية و"العادات"، وهي مجموعة من التقاليد الشيشانية.

يوجد في ألمانيا 60 ألف شيشاني، على الأقل، يعيشون بصورة قانونية، وعدد مقارب يعيشون في فرنسا، نتيجة للنزوح جراء حربين مع روسيا، فضلاً عن المشكلات مع الأصولية الإسلامية. إنه المشهد المثالي لاستقطاب مقاتلين على الأراضي الأوروبية، فيما يعرف باسم "الذئاب المنفردة"، ويعدّ الهجوم الذي نفّذه حمزة عظيموف في باريس أحدث نموذج، رغم أنّه ربّما يكون هناك المزيد في المستقبل القريب من مواطنيه من الشيشانيين الذين تشرّبوا الفكر الأصولي.

مقال للصحفي ماريو دياز منشور في جريدة "الإسبانيول"

اقرأ المزيد...

الوسوم: