قول في أيديولوجيا القتل: نزع الطبيعة الذئبية عن الإنسان

صورة أحمد برقاوي
كاتب ومفكر فلسطيني
7712
عدد القراءات

2018-07-01

هل قتل الإنسان أو النزعة الاعتدائية لدى الإنسان هي نزعة مؤصلة في طبيعته، هل هي جزء من جبلّته، أم أنها أمر طارئ؛ إذ إنّ ما نراه أمامنا من حالات القتل يجعلنا على يقين، من أنّ العدوان جزء أصيل في بنية الذات البشرية. وأنتم على دراية بأنّ فرويد قد قال بأنّ هنالك غريزة اسمها غريزة العدوان، وقبله تحدث هوبس عن الطبيعة الذئبية للإنسان، وقالت العرب قديماً إنّ "الإنسان عدو الإنسان". ويحضرني هنا بيت من الشعر يقول: (عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى، وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطير).
تُرى ما الذي يجعل الإنسان يستأنس بصوت الذئب، ويخاف من صوت الإنسان، مع أنّ الحالة الطبيعية تقضي بأن يستأنس المرء بصوت أخيه الإنسان؟ ذلك لأنه يعرف كل ردود فعل الذئب، ويعرف كيف يمكن أن يواجه سلوك الذئب الذي إذا كان جائعاً سيهجم على ضحيته، وإن كان شبعان فسيمر مرور الكرام من أمام الإنسان من دون أن يلتفت إليه. لكن من ذا الذي يستطيع أن يتوقّع ما سيكون عليه سلوك الإنسان؟ ربما ابتسم بوجهه ليطعنه بخنجر ما، أو قد يسرقه. باختصار، إنه يخاف منه لأنه لا يدري كيف سيكون سلوكه. غير أنّ هذه الحالة مختلفة كل الاختلاف عن القتل من أجل القتل، أو بالمقابل عن القتل دفاعاً عن النفس.

عندما نتحدث عن الجانب المأساوي التراجيدي في حياة البشر سنجد أنّ أيديولوجيا القتل هي بذاتها أيديولوجيتان

لكن، ما القيمة التي تتفوق على قيمة الإنسان ليقتل أو يُقتل من أجلها؟ ما هي أيديولوجيا القتل؟ ما هي تلك القيمة التي تجعل لدى المرء دافعاً مصاغاً صياغة أيديولوجية يجعله في حالة القتل؟
عندما نتحدث عن هذا الجانب المأساوي التراجيدي في حياة البشر، سنجد أنّ أيديولوجيا القتل هي بذاتها أيديولوجيتان: أيديولوجيا ظاهرة وأخرى خفية، أما أيديولوجيا القتل الظاهرة فلا تقول للإنسان اذهب واقتل من أجل أن تسلب الآخر أرضه. لا تقول له اقتل من أجل أن تحتل بلداً من البلدان. لا تقول له اقتل من أجل الحفاظ على سلطة الحاكم، بل تقول له: قاتل من أجل كرامة الأمة أو الدولة والأمان، إلخ من مفاهيم أسيرة لُدَى البشر. وهذه الأيديولوجيا الظاهرة تكمن وراءها الأيديولوجيا الخفية الحقيقية: اقتل من أجل أن تعود. اقتل من أجل الثروة والاحتلال والسلطة. خذوا الأيديولوجيا الصهيونية، على سبيل المثال، إنها أيديولوجيا قتل بامتياز، تأسست على فكرة نفي الآخر بالمطلق، الآخر الذي يعيش على أرضه عبر آلاف السنين، ويمتلك هُويته، ويشعر بانتمائه للآخر الذي هو نحن.

اقرأ أيضاً: الأيديولوجيا ليست ديناً ولا علماً ولا فكراً

الصهيونية في حقيقتها أيديولوجيا استعمارية استيطانية إجلائية، وهي تربط عقيدتها المستبدة بجذر ديني خطابه الدائم: اقتل لأن هنالك وعداً إلهياً بأن أرض فلسطين لك، ولا وجود لك على هذه الأرض إلا بنفي الآخر الفلسطيني. ولذلك، فالتعايش مع هذه الأيديولوجيا وتطبيقاتها الدموية مسألة خارجة عن سنن الحياة الطبيعة، لأنّ فكرة المصالحة مع أيديولوجيا القتل مستحيلة، لاسيما عندما تتعزز هذه الأيديولوجيا بوظيفة أخرى تملي على أصحابها أن يمارسوا من خلالها قتل الشعوب تحت عنوان قيمي يخفي نهماً شرساً إلى الثروات والمغانم، ويجعل اضطهاد القتيل وتدميره وجهاً لرسالة "إنسانية".

في أيديولوجيا القتل لا قيمة للإنسان لا للقاتل ولا للمقتول لأنها تستبطن نزعة عدمية باتجاه فكرة الإنسان

ما الخطاب الذي قالته الدولة الأمريكية لجنودها الذاهبين لاحتلال العراق؟ لم تقل لهم اذهبوا واقتلوا من أجل النفط في العراق، ولا من أجل تمزيق هذا البلد، بل اذهبوا من أجل القضاء على هذا الديكتاتور لرفع راية الديمقراطية عالياً، ومن أجل أمن أمريكا.
ماذا يقول حكام إيران ونصرالله للذاهبين للقتال في سوريا؟ لا تقول لهم اذهبوا للحفاظ على نظام الطاغية، الذي لولاه لم صار لإيران وجود مهيمن في سوريا، بل اذهبوا من أجل الحسين والمراقد، ومن أجل أن لا تُسبى زينب مرتين .
إذاً، في أيديولوجيا القتل هنالك خطاب معلن، وآخر خفي. المشكلة حين تنطلي هذه الأكذوبة الأيديولوجية على البشر، وحين تنطلي على القاتل والقتيل بالكيفية ذاتها، سيما أنّ أيديولوجيا القتل تتزين بخطابات الشرف والكرامة. أقول "تتزين"، لكن، لا الشرف ولا الكرامة يمكن أن يشكلا أساس أيديولوجيا القتل؛ لأنها تقوم على نفي الآخر. إنها أيديولوجيا الأقوياء في مواجهة الضعفاء. بالمناسبة، الحروب الصليبية هي في حقيقتها وأساسها حروب مجتمعات غزو وسلب لما هو خارج حدودها انطلاقاً من أيديولوجيا زائفة تقول لأصحابها اقتلوا من أجل المسيح، تصوروا مدى ذرائعية من هم وراء هذه الغزوات، فالمسيح الفادي، وهذا أحد أسمائه، يتحول في أيديولوجيا القتل إلى دافع للقتل. ما من أحد يقول للآخرين موتوا من أجل أسباب وضيعة، إذ يجب أن يكون الموت في سبيل أهداف نبيلة، فالإنسان يرى في الفكرة النبيلة ما هو أسمى من وجوده، فيقاتل من أجل تحقيقها.

اقرأ أيضاً: حروب القبائل الأيديولوجية

لكن الحقيقي في أيديولوجيا القتل أنّ القتال يجري عملياً من أجل أهداف وضيعة جداً، في حين يقتنع الإنسان أنه يقاتل من أجل مهمة نبيلة.
وما يهمنا هنا أيديولوجيا القتل بوصفها أيديولوجيا الحرب العدوانية، حرب دولة ضد شعب آخر باسم المدنية، باسم التحديث والازدهار، حرب ميليشيات ضد مجتمع يريد العيش بحرية. الإنسان يتحوّل إلى قاتل ومن أجل أهداف وضيعة؟ دون أن يدري، فيما الذي يدري هو الذي يصوغ الخطاب الزائف الدافع للقتل.

في أيديولوجيا القتل هنالك خطاب معلن وآخر خفي المشكلة حين تنطلي هذه الأكذوبة الأيديولوجية على البشر

في القصة الدينية أنّ إبراهيم قرّر أن يذبح ابنه اسماعيل امتثالاً للوعد الذي قطعه للإله. أخذ إبراهيم ابنه إلى أسفل الجبل، وشحذ سكينه وهمّ أن يذبحه، تقول الرواية الدينية أنّ إبراهيم قد حزّ رقبة ابنه إسماعيل، فوجد أنها سوّرت بصفيح من النحاس (وهذه إشارة تنطوي على دلالات)، لكن إسماعيل، الذي كان عالي التربية، قال لأبيه: كبني على وجهي حتى لا تراني فتحزن، واشحذ شفرتك شحذاً قوياً حتى لا أتألم، وهكذا فعل. كبّه على وجهه وحزّ السكين أيضاً، لكن السكين لم تفعل شيئاً، ثم قال له: انزع يا أبت القميص عني حتى لا تسقط قطرات من دمي على قميصي فتحزن أمي. المهمّ في هذه الصورة التراجيدية أنّ أباً يقتل ابنه، هذا طبعاً شيء خارج عن حدود العقل والطبيعة الإنسانيين، لكن بما أنّ ابراهيم تقيّ يمتثل لأوامر الإله، فإنّ الله قد فدى إسماعيل بالكبش، فكان عيد الأضحى. لكن دلالة القصة، من وجهة النظر الدنيوية وليس الدينية، أنّ الله قد غيّر أوامره بالنسبة لإسماعيل لأنّ الله، الذي يحيي ويميت، لا يطيق أن يرى طفلاً يُذبح، الإله نفسه فدى الطفل. المهم أنّ دلالة القصة تنطوي على هذه القيمة الكبرى للنفس البشرية التي جرى ترميزها في قصة إسماعيل.

اقرأ أيضاً: الإيمان الأعمى وعبادة القتل!

في مقابل هذه الأيديولوجيا هناك فلسفة الدفاع عن النفس، لماذا قلنا أيديولوجيا القتل مقابل فلسفة الدفاع عن النفس؟ فلسفة الدفاع عن النفس فعل في مواجهة العدوان على النفس. أمامي، على سبيل المثال، شخصيتان: غورو الفرنسي، ويوسف العظمة السوري، غورو يمثل رمزاً فاقعاً للقاتل المسلح بأيديولوجيا القتل، والقادم من خلف البحار لتنفيذ مهمة استعمارية هي احتلال الشام. يأتي غورو ويحتل لبنان ثم دمشق. فعل غورو هو فعل عدواني بامتياز، بينما القبول بالفعل العدواني هو فعل خانع بامتياز. يوسف العظمة رافض للفعلين معاً؛ لأنه صاحب كرامة إنسانية ووطنية بامتياز؛ إذ لا معنى لحياته ولا قيمة لها إلا بوصفها حياة حرة كريمة عزيزة، وكانت أمامه ثلاثة مواقف: موقف من المعتدي، وموقف القابل بالاعتداء لأسباب عديدة، وموقف الرافض للاعتداء، الأول هو موقف إيديولوجيا القتل. والثاني موقف الخنوع. أما الأخير فموقف فلسفة الدفاع عن النفس.
من هنا قرر يوسف العظمة أن فكرة العيش في وطن مستعمر من قبل غورو مستحيلة، أما أن يكون وزيراً للدفاع في بلد مستقل فهو الشيء الذي يستحق الحياة.
لذلك ذهب يوسف العظمة بكل اعتزاز لملاقاة الغزو الفرنسي، لا ليقتله غورو، بل ليدفع عن نفسه وشعبه رافضاً الخنوع، فضحى بحياته من أجل الفكرة السامية التي هي فكرة الوطن الحر الكريم. وهذا معنى  فلسفة الحياة؛ الحياة دفاعاً عن الحياة الكريمة، أما غورو، بوصفه رمزاً لأيديولوجيا القتل، فقد ضحّى بالآخر، وهذا الآخر بالنسبة له هو آخران: سوري وفرنسي يقتتلان، لأنّ القتل هو قاتل ومقتول، وكل منهما وسيلة لا قيمة كبيرة لها أمام الغاية، ففي أيديولوجيا القتل لا قيمة للإنسان، لا للقاتل ولا للمقتول، ذلك لأنها تستبطن نزعة عدمية باتجاه فكرة الإنسان.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بغداد تقدح شرارة الربيع الإيراني.. طهران حين تخاف

2019-11-18

العالم اليوم يتقدم بسرعة كبيرة إلى الحرب، إلى أية حرب ممكنة، وكأنّ الحروب أصبحت الفكرة الأكثر جدوى وأهمية واحتمالية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت أزمات ونزاعات وحروباً أكثر من غيرها من مناطق العالم، فلم تعد احتمالات السلام مطروقة ومتاحة كثيراً؛ حيث فقدت شعوب هذه المنطقة قدرتها على الثقة بكل أحاديث السلام ومزاعمه واتفاقياته.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
العرب، تحديداً، يستطيعون أن يقدموا أعظم سردية للحرب يمكن لشعب ما أن يقدمها عبر تاريخه الطويل، فقد عانوا ويلات الحروب طويلاً، وما يزالون، حتى قيل عن العرب قول محفوظ في التاريخ: "العرب أمة حرب"، كان لها من الحروب ما لها، وأصبح عليها منها ما عليها، من ويلات وعذابات وخيبات.

منذ انتصرت ثورة الخميني بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين: عدو أو فريسة

وبالعودة إلى موضوعة العنوان "إيران"؛ فهي ذات إرث حربي كبير، مع العرب تحديداً، منذ عصر الخلافة الراشدة، حين قال الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "وددت لو بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا نغزوهم ولا يغزونا"، فبين العرب وإيران تاريخ طويل من الوقائع والغزوات والحروب ونقض العهود؛ فالتاريخ علّم العرب أنّ عهود إيران لا يمكن الوثوق بها، منذ أن نقض "الهرمزان" ثلاثة عهود للعرب، كان العهد الأول قد أعطاه للنبيﷺ، ثمّ نقضه، ودخل في حرب القادسية، ثم عاهد المسلمين ألا يقاتلهم، وأن يدفع الجزية، ثم نقض العهد مرة أخرى ودخل في معركة "سوق الأهواز"، وانتصر عليه جيش الصحابي حُرْقُوص بن زهير السعدي، ثم طلب العهد الثالث فقبل منه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على ألا يقاتل المسلمين، ويبقى في مكانه، لكنّه نقض العهد وغدر للمرة الثالثة.

اقرأ أيضاً:  حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟
ليس مهماً أن نتوغل في التاريخ كثيراً، المهم هو ما يحدث في وقتنا المعاصر، وتحديداً منذ أن انتصرت ثورة الخميني التي أطلق عليها الثورة الإسلامية، عام 1979، حينها بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين "عدو أو فريسة"، وبما أنّ الطابع الذي اكتسبته الثورة الإيرانية هو الطابع الإسلامي، فمن الطبيعي أن يكون العداء مع العرب عداء طائفياً محضاً، مرتبطاً بالدين، ومؤسّساً له في تصانيف الفقه والتعاليم في كتب الشيعة وكتب السنّة، على حدّ سواء.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
ومع ذلك، ومع أنّ الطابع الديني هو الذي فرض شكل العداء بين الجانبين، إلا أنّ الطابع السياسي ظلّ محشوراً في الزوايا المعتمة، حتى ظهر جلياً وواضحاً وصريحاً منذ حادثة سقوط بغداد، في التاسع من نيسان (أبريل) من عام 2003، حينها وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية خاصة في الدول التي فيها ثنائية طائفية بين سنّة وشيعة.
أصبحت إيران تمارس نفوذاً سياسياً قوياً في تلك الدول "العراق وسوريا وإيران" تحديداً، تحول هذا النفوذ بعد اشتعالات المنطقة وأزماتها إلى نفوذ عسكري، ممثلاً في وجود حزب الله في لبنان، ووجود قوات الحشد الشعبي في العراق.
هكذا تنامى النفوذ الإيراني في دول الأزمات العربية، وهكذا أصبحت إيران رقماً صعباً في المعادلة الدولية والمنطقة تحديداً، رغم كلّ العقوبات المفروضة عليها، وعلى رموزها وقادتها، والتي يجري الحديث عنها بشكل متنامٍ، دون أن يتساوق هذا مع نمو الأثر السلبي من هذه العقوبات، فما يمكن قياسه هو أثر التوغّل الإيراني في المنطقة، سياسياً وعسكرياً، أكثر بكثير من القدرة على قياس أثر العقوبات التي من المفروض أن تلجم الغرور الإيراني أو توقف نموه وتصاعد وتيرته.

اقرأ أيضاً: القمع والاغتيالات منهج إيران الثابت تجاه الأقليات
على مستوى الأنظمة العربية القائمة في دول النفوذ الإيراني، فإنّ إيران ما تزال ذات إمكانيات تمدّد وحصد مزيد من النفوذ والسلطة والأثر السياسي، لكن على المستوى الشعبي، تغير الموقف كثيراً منذ أن ثارت جموع العراقيين ضدّ فساد النخب وفساد السلطة وفساد ممثلي الطوائف المتحكمة سياسياً بالعراق، وتغير كذلك، منذ أن ثار اللبنانيون في مسيرات ومظاهرات واحتجاجات عارمة ما تزال مستمرة، يمثل شعارها الكبير "كلن يعني كلن" شكلاً متقدماً من أشكال الرفض والاحتجاج على كلّ تفاصيل السلطة الحاكمة، بمن فيها "حزب الله"، الذي ظلّ دائماً بمنأى عن أيّ قلق أو احتجاج لبناني.
من هنا، تبدو إجابة سؤال: "لماذا على إيران أن تخشى العرب..؟" واضحة؛ باعتبار أنّ العرب اليوم هم شعوب الدول التي امتدت إليها سطوة إيران وسلطة ممثليها، أو من يتبعون لها، ومن يدينون لها بالولاء والطاعة، هم الشعوب الذين لم يعودوا قادرين على أن يروا رأس الفساد ويتجاوزونه.

بعد سقوط بغداد وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية

ما يحدث في العراق ولبنان تحديداً، لا يمثل موجة ثانية من موجات الربيع العربي، بل يمثل حالة متقدمة من الرفض أوسع نطاقاً من حالة الرفض للسلطات المحلية المكشوفة للعلن، إنّه رفض لتغوّل إيران واقتحامها العنيد لكلّ تفاصيل الحياة، السياسية والاقتصادية، ما نتج عنه كلّ هذا الفساد، سواء المرتبط بأعيان إيران وتوابعها ووكلائها أو بالأعيان المحليين الذين ينتمون للرأسمالية الجشعة، بغضّ النظر عن أيّ ولاء طائفي آخر.
على إيران فعلاً أن تخشى العرب، كشعوب حية أصبحت قادرة على كشف تفاصيل لعبتها السياسية وتوظيفها لشعارات الدين والممانعة، حتى إن لم تنجح هذه الاحتجاجات في العراق ولبنان، لكنّها مؤشر مهم على أنّ الشعوب ببراءتها السياسية من كلّ تبعات الأيديولوجيات والطائفيات، أصبحت تدرك ما يجب أن تخشاه إيران.
الخشية من الشعوب العربية الحية المنتفضة اليوم ضدّ المشروع الإيراني، تمتدّ من الخارج إلى الداخل الإيراني، المشتعل أيضاً، بالرفض للسياسات التي بقيت ردحاً طويلاً من الزمن سياسات مقدسة، لكنّها اليوم وصلت إلى منحنى خطير للغاية، ربما يشكّل ربيعاً إيرانياً بدأ في بغداد وامتدّ إلى طهران.

للمشاركة:

كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟

2019-11-17

لعلّ الفارق بين المجتمع البدائي والمجتمع الحديث، يدور حول جملة من المعطيات التي تميّز الثاني عن الأول، وهو ما انتبه إليه عالم الاجتماع، هنري ماين، في معرض تحليله لتطور المجتمعات الإنسانيّة، وأبرز هذه المعطيات؛ مفهوم التعاقدية، ومفهوم المكانة التي تؤسس لنوعية الدور الوظيفي للأفراد، وفق القدرات والمهارات الشخصية، بالتالي؛ تتحلل المجتمعات المركزية، التي تقوم على أواصر مثل: القرابة والعرق والدين، لصالح الجماعة الوطنيّة الحديثة، التي تقوم، وفق توصيف دور كايم، على التضامن العضوي الحرّ بين أفرادها.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
من هنا نشأت فكرة الوطن القومي، وتجلّت في التاريخ الحديث، كمحصلة لتطور الجماعة البشرية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حيث بدأت الجماعة القبلية/ الدينية في الانحسار تدريجيّاً، لصالح فكرة الدولة القائمة على مفهوم العقد الاجتماعي الذي نظّر له روسو. 

اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد

وسرعان ما تفجّرت الحالة القومية في التاريخ، مع تراجع دور المؤسسة الدينية التقليدية، ليصبح الانتماء لوطن واحد، تجمع بين أفراده مجموعة جديدة من المعايير، مثل: التاريخ المشترك، والتراث الثقافي/ الاجتماعي الواحد؛ فالقومية تنطلق من وجود مكون نفسي جمعي، في محيط جغرافي تحدده قدرة الجماعة المتسقة عضوياً على تحقيق السيادة فيه، وبظهور ألمانيا الموحدة وإيطاليا الموحدة، ظهرت تنظيرات متعددة لفكرة القومية، احتلت فيها العناصر الإثنية واللغوية صدارة المشهد السياسي، الذي وجهت النخبة البرجوازية عناصر التغيير القومي فيه، وهو ما وصل تأثيره إلى المنطقة العربية، مع تراجع نفوذ الإمبراطورية العثمانية، قبيل سقوطها التدريجي.
وسرعان ما تطورت الفكرة القومية، بصورة أكثر شمولية، لتكرس المزيد من العناصر المكونة لفكرة الوطنيّة، التي أدارت ظهرها لفارق اللغة والعرق، لصالح إدارة التنوع في الدولة الواحدة، طالما اجتمعت الجماعة في بقعة جغرافية، اتفقت على بسط سيادتها وتحقيق مصالحها فيها، بالتالي؛ تحللّت مركزيات أخرى متعددة، وظهرت أنماط اقتصادية أكثر تعاونية وميلاً نحو اليسار، عن تلك التي أسّست لها النخبة البرجوازية في مرحلة التأسيس، كما ظهرت الأدوار الفرديّة بصورة أكثر تأثيراً، وهو ما ساعد في انطلاق القدرات الكامنة في الأشخاص.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
في هذا السياق المفاهيمي المفعم بالوطنية القومية، ذات القدرة على الانتشار الشعبي، كان لدى جماعة الإخوان المسلمين تصورات مغايرة، أدارت من خلالها ظهرها لحركة التاريخ، فيما يتعلق بتطور الجماعات البشرية، لتستدعي مركزية الدين في غير موضعها، لابتلاع الدولة الوطنية، وتفكيكها مؤسسيّاً، لصالح جماعة ربانيّة، ادّعت امتلاك نوع رديء من الخلاصيّة المطلقة. 
الأمميّة الدينية ووهم أستاذية العالم
على عكس النزعة الذاتية/ الفردانيّة التي قادت عمليات التحول الاجتماعي في العصر الحديث، والتي سرعان ما بدأت تتشكّل في صورة موجات الوحدة القوميّة في أوروبا، وبلورتها في العالم الثالث حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار، استدعت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة من المفاهيم القروسيطيّة، التي تدور في فلك الانتماء لكيان مفارق، هو الدولة الدينيّة المقدسة ذات الأدوار الوظيفية التي انتهت إكلينيكيّاً، وهو ما يعكس حالة من حالات اغتراب الوعي في تيه الصعود الأيديولوجي، بشكل مضاد تماماً لحركة التاريخ، في محاولة لقلب وتطويع الواقع؛ لصالح تصورات سياسية مغلقة، في قوالب مفعمة بالمقولات الدينيّة، ذات الأفق المحدود، والفقر الواضح في عناصرها المكونة.

أودت تصورات الأمميّة الدينيّة والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار

في ذروة صعود المدّ العروبي، الذي جاء كمحاولة لتأسيس شخصيّة قوميّة مستقلة في محيط تلك الوحدة الثقافية، المتسقة عضوياً من المحيط إلى الخليج، بعيداً عن مساعي الهيمنة الغربية التي دشّنها مشروع أيزنهاور، عام 1957، والاستقطاب السوفييتي الحاد، بدءاً من صفقة الأسلحة التشيكية، عام 1955، وفي سياق واحدة من أشرس معارك التحرر الوطني، اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد، وتكفير تيارات نضالية بعينها، رغم وحدة المصير والمعركة، واختلاق نوع آخر من الأمميّة، هي الأمميّة الدينية، رغم صعوبة تخلّق معطياتها أو تشكلها من الناحية السياسيّة، واستحالة هذا الطرح جغرافياً، واللافت أنّ الإخوان الذين حشدوا لمعركة فلسطين، ووظفوها دعائيّاً في إطار الحرب الدينية على اليهود، أداروا ظهرهم لمعركة التحرر الوطني في الجزائر، والتي حمل التيار القومي تبعات دعمها حتى النهاية؛ بل ورأت الجماعة في رموز النضال الأممّي ضدّ الهيمنة الاستعمارية، والرأسمالية الغربية، رموزاً للكفر والإلحاد، رغم ما بذله هؤلاء من تضحيات فائقة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وفي الوقت الذي تطوع فيه عشرات الآلاف من دول الكتلة الشيوعية، للقتال في معركة السويس، إبان العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، لم يُسمع للجماعة صوت! وقد تبدو محنة الحظر والسجن التي مرّت بها الجماعة مبرراً لصمتها المريب آنذاك، إلا أنّ موقف شحاتة هارون، اليهودي المصري الذي بعث إبان حرب حزيران (يونيو) 1967، رسالة من سجنه، يطلب فيها التطوع للقتال ضدّ إسرائيل، يفضح الجماعة ويكشف مبرراتها الواهية، لتفسير تخاذلها في واحدة من أبرز المعارك الوطنية.
لقد أودت تصورات الأمميّة الدينيّة، والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار، في دوائر تيه أبدية داخل مدارات المستحيل.
الاقتصاد الريعي وطبقية التنظيم
منذ لحظة التأسيس؛ احتفى الإخوان المسلمون بنمط الاقتصاد الريعي القائم على التجارة، وفق قاعدة "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وكثيراً ما احتفى المرشد الأول حسن البنا بالأثرياء، وسعى إلى التقرّب إليهم، وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة، والمدقِّق في البنية الاقتصادية عند الجماعة، يلاحظ وجود هيكل رأسمالي بدأ بسيطاً، وانتهى كبنية شديدة التعقيد، تراعي في مساقاتها تراتبية طبقية صارمة، متقاربة هرمياً عند القاعدة، شديدة الاتساع صعوداً نحو القمة.

كثيراً ما احتفى المرشد الأول، حسن البنا، بالأثرياء وسعى إلى التقرّب إليهم وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة

ذلك النهج الطبقي، بغطاء ديني لتبرير الفوارق الفجّة، جعل الجماعة في بُعد آخر، بينما الإصلاحات الاقتصادية تكتنف العالم من الشرق إلى الغرب، وقد ظهرت إبان ثورة الشباب عدة تنظيرات سياسيّة أخذت الرأسمالية الغربية، وبشكل متفاوت نحو اليسار، بصعود الأحزاب والتيارات الاشتراكية، وتدشين طروحات الطريق الثالث، والاشتراكية الاجتماعية، مع سنّ قوانين الرعاية الاجتماعية، وحقوق العمال، وغير ذلك من المتغيرات، التي حركت وطورت من كافة النظريات الاقتصادية حول العالم.
وحدها الجماعة ظلّت تدير ظهرها للسياسات الاشتراكية، وتكرس للمزيد من التوجهات اليمينة في بنيتها الداخلية، وهو ما جعل الفجوة تتسع، والقدرة على ممارسة الأدوار الاقتصادية بشكل سياسي تتضاءل، وهو ما تجلّى في مشروعها للنهضة، إبان ثورات الربيع العربي، القائم على المتاجرة في النقد السائل، والهيمنة الرأسمالية على الأنشطة الاقتصادية، وافتقد لأيّ بعد إنساني يدعم الطبقات الفقيرة.

للمشاركة:

دراسة جديدة تبحث أوضاع النساء في العالم.. من أسوأ الدول؟ ولماذا؟

2019-11-17

قام بعض الناشطين والناشطات بدراسة إحصائية لمؤشر "المرأة والسلام والأمن" لعام 2019/2020 (wps)، من حيث المتغيرات التي طرأت على العالم، وقد تناولت الدراسة وضع المرأة في مئة وسبع وستين دولة في العالم، وتضمّنت الإحصائية المذكورة مؤشرات: العمالة والأمن والتمثيل السياسي، وصولاً إلى الاستقلال المالي والحسابات المصرفية.

اقرأ أيضاً: المرأة اللبنانية تحطم الصورة النمطية وتصنع أيقونة الثورات العربية
احتلّ اليمن المرتبة الأخيرة، لما يشهده من تدهور في أوضاع النساء في جميع جوانب الحياة، تلته أفغانستان، ثم سوريا، ليس مفاجئاً أن تكون سوريا ثالث أسوأ دولة في العالم يمكن أن تعيش فيها المرأة، تليها الباكستان، ثم جنوب السودان.
فما هي القواسم المشتركة بين صنعاء وكابول ودمشق وإسلام آباد وجوبا؟
أحالت الدراسة تردّي أوضاع المرأة، أو تحسّنها، إلى جملة من العوامل أو الأسباب، كان النزاع المسلح الذي لم تنطفئ ناره في أفغانستان، ويتفاقم يوماً بعد يوم في كلّ من اليمن وسوريا، في مقدمة هذه العوامل، التي تؤدي إلى تدهور نوعية حياة المرأة، في ظلّ تدهور عام لشروط الحياة الإنسانية.

سوريا ثالث أسوأ دولة في العالم يمكن أن تعيش فيها المرأة تليها الباكستان ثم جنوب السودان

أما على الجانب الآخر؛ أي الدول الأفضل لوضع المرأة، تأتي النرويج في المرتبة الأولى؛ إذ حصلت على درجة مثالية في الإدماج المالي للمرأة، وحققت مكاسب كبيرة في التطبيق والإدراك لأهمية حماية المرأة وتعزيز أمنها، وسويسرا في المرتبة الثانية، ثم فلندا والدنمارك وآيسلندا.
يتضح من خلال تلك الإحصائية، أنّ العالم مهتم بشؤون المرأة، ويعمل على الحدّ من التمييز ضدّها، لكنّ الإحصائية نفسها تبيّن أنّه من بين جميع الدول التي شملتها الدراسة لم تحصل أيّة دولة على درجة الامتياز لوضع المرأة فيها، ما يعني أنّ أوضاع المرأة في العالم بوجه عام ليست على ما يرام، وغالبية نساء العالم لسنَ بخير، لكنّ درجة الاختلاف والتفاوت كبيرة جداً، بين وضع المرأة في الدول المتقدمة ووضعها في الدول المتخلفة، والأسوأ في الدول التي تخضع لنزاعات مسلحة؛ فهل تتأثر المرأة بالنزاعات أكثر مما يتأثر الرجل؟ وما هو السبب وراء ذلك؟

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
لو كانت الدراسات والإحصاءات دورية، تجري كلّ عام أو أكثر، لتبيّن أنّ أوضاع النساء في سوريا وغيرها من البلدان العربية تتدهور عاماً بعد عام، وأنّ الحياة الإنسانية تتدهور عاماً بعد عام، لا بسبب الحجر على النساء وتقييد حريتهن واضطهادهن واستغلالهن وحرمانهن من الحقوق فقط، بل بسبب فساد الأنظمة الاجتماعية والسياسية، الذي أدّى إلى تفكّك المجتمعات وتدهور القيم الأخلاقية، علاوة على تنامي الفقر والجهل والمرض والبطالة ونهب قوت الناس وقوة عمل المجتمع وثروات الوطن.

بالنسبة للدول الأفضل لوضع المرأة تأتي النرويج في المرتبة الأولى ثم سويسرا تبعتها فلندا والدنمارك وآيسلندا

الأسوأ في أوقات النزاع؛ هو زجّ النساء في الأعمال الحربية والاستخبارية، تحت عناوين مختلفة، منها مساواة النساء بالرجال، وقدرة النساء على القيام بالأعمال التي يقوم بها الرجال، فصارت النساء مقاتلات وبطلات وشهيدات،... إلخ.
لقد كانت سوريا من أوائل الدول التي أقرّت حقوقاً سياسية للنساء؛ إذ أُقرَّ حقّ المرأة في الاقتراع العام 1949؛ أي قبل أن يقرّ في فرنسا، أو في العام نفسه، وكانت النساء، في خمسينيات القرن الماضي، تشارك في الاحتجاجات الشعبية، وتخرج من الحارات الدمشقية التي صارت في الوقت الحاضر أكثر تعصباً، دينياً واجتماعياً، حيال النساء؛ ذلك لأنّ دور المرأة كان فعّالاً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وكانت النهضة التعليمية للفتيات والنساء في أوج حماستها، وكان الاستبداد الديني أخفّ وطأة على النساء، مما هو اليوم، ولم تكن السلطة السياسية مستبدة، كما هي في الوقت الحالي، مع أنّ القوانين السورية الخاصة بالمرأة في تلك الفترة لم تختلف عن القوانين الحالية، خاصّة قانون الأحوال الشخصية.

اقرأ أيضاً: المرأة الإماراتية في قطاع الفضاء .. قصص نجاح ملهمة عنوانها التمكين
لا يقتصر تأثير النزاعات المسلحة، وغير المسلحة، على وضع المرأة في البلدان النامية فقط، ففي المجتمعات المتقدمة أيضاً تتأثر المرأة أكثر من الرجل في النزاع، والدليل على هذا التأثر؛ القرار رقم 1325، الذي أصدره مجلس الأمن لحماية النساء والأطفال من النزاعات، العام 2000، وقد أضاف إلى موضوع الحماية إشراك النساء في حلّ النزاعات وبناء السلام، نظراً إلى دورها الفاعل في بعض المجتمعات وعدم فاعليتها في مجتمعات أخرى، فهو تحفيز للدول والمجتمعات التي تُغفل دور المرأة في صنع السلام*.
في كتابها "بنيان الذكورة"؛ تبيّن الدكتورة رجاء بن سلامة، انبناء الثقافة التقليدية على ثنائية الذكورة والأنوثة، وترصد مظاهر عملية البناء الثقافي على هذه الثنائية المركزية بقولها: "... أصبحت الثقافة التقليدية المركزية وإعادة بنائها في العصر الحديث، وما يصحب البناء وإعادة البناء من أنظمة تبريرية وآليات تفكير، تحوّل الهيمنة التاريخية إلى بديهيات ومسلمات غير قابلة للنقاش".

من بين جميع الدول التي شملتها الدراسة الدولية لم تحصل أيّ منها على درجة الامتياز لوضع المرأة فيها

إذاً، ليست النزاعات وحدها ما تؤثر في فاعلية دور المرأة في المجتمع، أو تجعلها متأثرة في النزاعات أكثر من الرجل؛ فالنظرة الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي جعلتها أقلّ منزلة من الرجل، تجعل تأثّرها بالنزاع مسألة حتمية؛ فالأطراف المتنازعة تستغل النساء للضغط على الرجال على أنهنّ الحلقة الأضعف في تلك المجتمعات المتنازعة، فعلاقات الهيمنة واللامساواة تجعل الوعي بالمسلّمات أكثر قصوراً وأكثر تخلفاً، فلم تعد المرأة نفسها تنظر إلى الاغتصاب، على سبيل المثال؛ إلّا بصفته انتهاكاً لشرف العائلة والقبيلة والعشيرة، وليس انتهاكاً لإنسانيتها وحريتها وكرامتها الإنسانية، وهذا الأمر (الاغتصاب) نراه بكثرة أثناء النزاعات.
أما السلطة السياسية التي تحجّم دور المرأة في الحياة العامة؛ فهي الأكثر تأثيراً عليها في حالات الحرب والسلم؛ فالمرأة ليست في حاجة إلا إلى الاعتراف بوجودها كإنسانة حرة، لديها القدرة على حماية نفسها أثناء النزاع، بواسطة قانون يساويها بالرجل في الحقوق والواجبات، فلو كانت المرأة في الدول التي حصلت على أسوأ درجة في الإحصائية السابقة؛ تتمتع بالحرية والمساواة كالمرأة الألمانية التي أعادت بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لما وصلت تلك الدول إلى ما هي عليه الآن، فوضع المرأة في كلّ مجتمع ينمّ عن تطوره ومدى حداثته وتقدمه.


هامش:

* لا مجال لذكر بنود القرار رقم 1325، موجود على موقع الأمم المتحدة.

للمشاركة:



علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

كشفت وثائق مسربة علاقة جماعة الإخوان المسلمين وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

فبعد شهور من عزل الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، التقى مسؤولون في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، في أحد فنادق تركيا، أما الهدف فقد كان السعودية.

مسؤولون في فيلق القدس يلتقون بأعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في أحد فنادق تركيا

تفاصيل الاجتماع كشفتها وثائق سرية مسربة، وهي جزء من أرشيف الاستخبارات الإيرانية السرية، حصل عليها موقع "The Intercept" الذي تشارك في نشرها مع صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت واحد.

"القمة السرية"، كما وصفها موقع "ذا إنترسبت" جمعت أقوى منظمتين في الشرق الأوسط من حيث النفوذ.

بحسب الوثائق؛ فإنّ القمة السرية جاءت في لحظة حرجة لكلّ من فيلق القدس وجماعة الإخوان، وبالتحديد، في نيسان (أبريل) 2014، حيث كان الجيش العراقي يواجه داعش الذي كان يهدد استقرار الدولة المجاورة لإيران.

بينما كانت جماعة الإخوان المسلمين تعاني، بعد إزاحة الجيش حكومة الإخوان والرئيس المحسوب على التنظيم محمد مرسي، في الثالث من تموز (يوليو) 2013.

ما لم يكن يعرفه الطرفان؛ أنّ جاسوساً كان يحضر القمة، ويسجل كلّ ما يدور في الاجتماع، وهو ممثل وزارة الداخلية الإيرانية التي يزعجها دور الحرس الثوري ومكانته في جهاز الأمن القومي الإيراني.

كانت تركيا تعدّ مكاناً آمناً للقمة؛ حيث كانت واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات جيدة مع كل من إيران والإخوان المسلمين في ذات الوقت، رغم أنّها رفضت منح تأشيرة دخول لقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، بحسب الوثيقة المسربة من وزارة الداخلية الإيرانية.

وحضر الاجتماع وفد رفيع المستوى من فيلق القدس، بقيادة أحد نواب سليماني، عرف في الوثيقة باسم أبو حسين، فيما حضره من جانب الإخوان ثلاثة من أبرز قياداتها المصرية في المنفى، وهم: نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والأمين العام للتنظيم الدولي، إبراهيم منير، ومحمود الإبياري، ويوسف ندا.

غير أنّ يوسف ندا أنكر، في مقابلة مع "ذا انترسبت"، حضوره هذا الاجتماع، قائلاً: "لم أحضر مثل هذا الاجتماع في أيّ مكان، ولم أسمع به أبداً".

ويقول الموقع؛ إنّه لم يتمكن من الوصول إلى منير والإبياري للتعليق.

جماعة الإخوان وفيلق القدس يؤكّدون أنّ العدو المشترك لكلّ منهما هو المملكة للسعودية

افتتح وفد الإخوان الاجتماع بالتفاخر بأنّ "الجماعة لديها حضور في 85 دولة على مستوى العالم"، ربما كانت محاولة منهم لمواجهة دعم الحكومة الإيرانية لفيلق القدس، حيث لم تكن لجماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت قوة وطنية تقف خلفها.

وأكّد وفد الإخوان أنّ هناك بالفعل خلافات بين إيران كرمز، وممثل عن الشيعة والإخوان المسلمين، كممثل للعالم السنّي، لكنّه أكّد أنّه "ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو "المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للملكة العربية السعودية".

بحسب الوثيقة؛ فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون بين الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، لتقليل الصراع بينهما وإدارته ناحية السعودية.

في الوقت ذاته، أرادت جماعة المسلمين إحلال السلام في العراق، ووقف الحرب بين الفصائل السنية والشيعية هناك، وإعطاء الفرصة للسنّة للمشاركة في الحكومة.

وحول سوريا؛ أشارت الجماعة إلى أنّ الوضع المعقد "خارج عن سيطرة كلّ من إيران وجماعة الإخوان حالياً، لذلك فإنّه ليس ثمة شيء يمكن فعله حيال ذلك".

ورفضت الجماعة في الاجتماع أيّة مساعدة من إيران بشأن الأحداث في مصر "بالنسبة لقضية مصر، فإننا كجماعة الإخوان غير مستعدين لقبول أيّة مساعدة من إيران للتأثير في الحكومة في مصر"، رغم أنّ الجماعة كانت قد أُزيحت حينها من الحكم واعتُقلت قياداتها في مصر قبل أقل من عام.

ورأت برقية وزارة الداخلية الإيرانية؛ أنّه "رغم السعي الواضح لجماعة الإخوان لتشكيل تحالف، فإنّ الوفد ربما أراد إهانة فيلق القدس بهذا الحديث من خلال التلميح بأن إيران تستخدم القوة في سوريا واليمن والعراق"، وقالوا: إنّ "أعضاء جماعة الإخوان المسلمين دربوا أنفسهم على التحلي بالصبر أكثر من الإيرانيين".

وتأتي هذه المعلومات ضمن وثائق مسربة من أرشيف الاستخبارات الإيرانية، مكونة من 700 صفحة، كتبها ضباط أمن واستخبارات إيرانيون، في الفترة 2014-2015.

وكشفت تلك الوثائق حقائق عن الدور الخفي لإيران في العراق وتعزيز نفوذها والسيطرة على مفاصل الحكم في الدولة الجارة.

 

للمشاركة:

الإمارات تمدّ يد العون لأهالي حضرموت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

سيّرت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر"، قافلة مساعدات غذائية جديدة إلى أهالي مديرية بروم ميفع، بمحافظة حضرموت اليمنية، استفاد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعبة؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها اليمن.

الإمارات تسيّر قافلة مساعدات غذائية لأهالي حضرموت يستفيد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة

وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع 900 سلة غذائية، تزن 72 طناً و720 كيلو غراماً على مناطق: حصاحصة، وانتيشة، والمسيني، وحرو، وظلومة، بالمديرية، ضمن سلسلة من الحملات نفذتها في عموم مناطق حضرموت، ووصلت إلى عدة مناطق نائية، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأعرب المستفيدون عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على وقفتها الأخوية معهم في محنتهم، وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء محافظة حضرموت.

يذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية عام التسامح، بلغت 33 ألفاً و644 سلة غذائية، بمعدّل "2718 طناً و435.2 كيلو غراماً، استهدفت 168 ألفاً و220 فرداً من الأسر المحتاجة في محافظة حضرموت.

 

 

 

للمشاركة:

غارات روسية في سوريا تخلّف قتلى وجرحى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

شنّت طائرات روسية، أمس، ضربات على مناطق في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، أسفرت عن مقتل 9 مدنيين، على الأقل.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ بأنّ خمسة مدنيين، بينهم ثلاث مواطنات، قتلوا جراء غارات روسية استهدفت قرية الملاجة في ريف إدلب الجنوبي، بينما قتل 4 آخرون جراء غارات روسية على مخيم عشوائي للنازحين شمال مدينة سراقب.

ضربات شنّتها طائرات روسية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا تقتل 9 مدنيين

ورجّح المرصد ارتفاع حصيلة القتلى نظراً لوجود جرحى "في حالات خطرة".

وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب، حيث تنشط فصائل أخرى معارضة وإسلامية أقل نفوذاً، ويعيش في إدلب، مع أجزاء من محافظات مجاورة، نحو 3 ملايين نسمة، نصفهم نازحون من مناطق أخرى.

وفي نهاية نيسان (أبريل) الماضي؛ بدأت قوات النظام السوري، بدعم روسي، عملية عسكرية سيطرت بموجبها على مناطق عدة في ريف إدلب الجنوبي، وريف حماه الشمالي المجاور، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية روسية – تركية، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

ورغم وقف إطلاق النار، تتعرض المنطقة بين الحين والآخر لغارات سورية وأخرى روسية، تكثفت وتيرتها مؤخراً، وقد تسببت بمقتل 110 مدنيين، منذ الاتفاق الروسي – التركي.

 

 

للمشاركة:



خلافات "التحالف" أكبر من تسلّم "الدواعش"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

عبد الوهاب بدرخان

أخيراً وبعد خلافات عكسها الإعلام اجتمع وزراء خارجية دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» قبل أيام في واشنطن، وعلى غير العادة ظهرت الخلافات ولم يعتّم عليها ولم تكن مسألة استرداد مقاتلي «داعش» الأجانب وأفراد عائلاتهم، سوى الجانب الظاهر منها. أما الجوانب الأخرى للخلاف فبقيت بعيدة عن الأضواء، لكنها استحقّت إشارة من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ينس ستولتنبرغ»، كذلك من منسّق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية «ناثان سيلز»، فكلاهما وصف الوضع في سوريا بأنه لا يزال «هشّاً وصعباً» ويمكن «أن يتغير بلمح البصر». فعلامَ الخلاف إذاً؟ إنه على تقلّبات المواقف الأميركية وعدم وجود تقويم مشترك لمستوى الخطورة التي يواصل تنظيم «داعش» تشكيلها رغم هزيمته وزوال «دولته». لذلك بدت الكلمة الافتتاحية للوزير «مايك بومبيو» عليمةً بمآخذ الحلفاء ومحاولةً الردّ عليها، وإذ تجاهل الجدل حول «الانسحاب الأميركي»، فإنه حرص على تأكيد أن الولايات المتحدة مستمرّة في «قيادة المعركة»، وأن الهدف هو منع التنظيم من استعادة قوّته.
والواقع أن هذا الخطر قائم إذا أوقف «التحالف» حربه أو قلّص من قدراتها، تحديداً بسبب تأخّر الحلّ النهائي للأزمة السورية، ذاك أن آلاف «الدواعش» الذين لم يؤسروا يتوزّعون في مناطق شمال سوريا، خصوصاً في إدلب، ويمكن أن يشكّلوا نواةً لظهور «داعش» التالي. ويبدو أن أجنحة الإدارة في واشنطن استطاعت التوصل إلى صيغة في شأن إعادة الانتشار في شمال سوريا، وبالتالي إقناع الرئيس دونالد ترامب الذي تولّى تسويقها على النحو الذي يريده. فهو حدّد لبقاء نحو ستمئة عسكري هناك مهمة «حماية حقول النفط» وتمكين الأكراد من التموّل باستخدام مواردها، لكنهم يتمركزون في منطقة مفصلية متواصلة مع العراق لمتابعة الضغط على فلول «داعش» ومراقبة تحركات الإيرانيين وميليشياتهم بالقرب من الحدود مع سوريا. لم يشر هذا الترتيب إلى مصير مشاركة دول غربية كفرنسا وبريطانيا في «التحالف» وعناصرها القليلة المنتشرة في تلك المنطقة ولم يُعلن عن انسحابها.
كان أعضاء كثيرون في «التحالف» يريدون مناقشة العملية التركية في شمال سوريا والمخاطر التي تسبّبت بها لـ «الحرب على داعش». والأكيد أن لدى أعضاء «الناتو» الأوروبيين وشركاء عرب في «التحالف» علامات استفهام كثيرة عن مغزى الاتفاقين المنفصلين بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن وموسكو، إذ أن نصوصهما المعروفة لم تتبنَّ تزكية مكتوبة لـ «محاربة الإرهاب» كما تقدمها تركيا كهدفٍ معلنٍ ضد الأكراد. لم يتّضح ما إذا كان اجتماع واشنطن استطاع تبديد غموض السياق الذي وُضع التدخّل التركي فيه، أهو مراعاة لضرورات الأمن القومي التركي، أم توسيع مدروس للنفوذ التركي ولتوظيفه لاحقاً في سوريا، أم أن تركيا تستغلّ التنافس الأميركي - الروسي على موقعها؟ في أي حال، يرى الحلفاء والشركاء أن واشنطن لا تبدو مهتمّة بالجوانب المقلقة في السلوك التركي.
ليست مفهومة تماماً أسباب رفض الدول تسلّم «الدواعش» الذين يحملون جنسيتها أو سحبت منهم. فثمة مصيرٌ يجب أن يُرسم لهؤلاء ولنسائهم وأطفالهم، ولعل دولهم حسبت أنهم لن يعودوا أبداً وأن الحرب ستتكفّل بهم، فما العمل الآن وقد نجوا من الموت. الضغط لإبقائهم في العراق أو عند أكراد سوريا ليس خياراً، وقد عرض بعض الدول كفرنسا دفع مساهمة مالية في تكاليف محاكماتهم واحتجازهم «الدائم»، لكن الأعباء والإشكاليات أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى الأكراد. كانت واشنطن الأكثر إلحاحاً على حلّ هذه المعضلة، ومع أن عدد رعاياها الراغبين في العودة قليل إلا أنها لم تقدّم نموذجاً في سرعة استردادهم. بدهي أن التعقيدات القانونية للمشكلة كثيرة، وكان يفترض أن تستبقها الدول بالتشاور لوضع الحلول المناسبة.
عندما قاربت المعارك ضد «داعش» نهايتها سارعت الدول إلى التنسيق في ما بينها لإجلاء عملائها الذين أرسلوا لاختراق التنظيم استخبارياً، وها هي تتلكأ الآن في تسلّم المقاتلين وتجازف بجعلهم «قنبلة موقوتة» تستولد الجيل التالي من «داعش». لم ينسَ أحد أن هذا التنظيم ولد عملياً في سجون العراق. قد يكون هذا الهاجس دفع أنقرة إلى حسم الجدل والبدء بترحيل الأجانب المعتقلين لديها إلى دولهم غير الراغبة بعودتهم لكن المضطرّة للتعامل مع الأمر الواقع. روسيا وحدها مهتمّة ومتعجّلة لتسلّم الذين هم من تابعيتها أو من الدول التابعة لها ولا تتعذّر بـ «صعوبات» في محاكمتهم والحكم عليهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أحمد هاشم

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة كشفت عن سعي طهران الحثيث للاستحواذ على السلطة في بغداد عبر تجنيد مسؤولين عراقيين.

وذكرت الصحيفة أن تحقيقا استقصائيا أجرته الصحيفة بالتعاون مع موقع "إنترسبت" الأمريكي، أظهر أن طهران جندت مسؤولين عراقيين، وأن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يرتبط بالسلطات الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد، تسلل "زائر مألوف" خلسة إلى العاصمة العراقية المحاصرة منذ أسابيع، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة بعبدالمهدي، كما نددوا بالنفوذ الهائل لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصليتها.

وأوضحت أن هذا الزائر هو اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني الذي جاء لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين، وقد جاء لإقناع حلفاء إيران في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء على الاحتفاظ بمنصبه.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها الجنرال سليماني إلى بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع، وفقا للصحيفة، التي لفتت إلى أن جهود طهران لدعم عبدالمهدي تعد جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة خاضعة طيعة.

وأوضحت أن الوثائق الإيرانية المسربة تقدم صورة مفصلة حول محاولات طهران المستميتة لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد الذي يضطلع به الجنرال سليماني.

ونوهت بأن الوثائق كانت ضمن أرشيف برقيات استخباراتية إيرانية سرية حصل عليها "ذا إنترسبت"، وشاركها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لإعداد هذا التقرير الذي نشرته كلتا المؤسستين الإخباريتين في وقت واحد.

وتكشف التسريبات غير المسبوقة عن نفوذ طهران الهائل في العراق، وتوضح بالتفصيل سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لتجنيد قادة البلاد، ودفع رواتب وكلاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين لتغيير مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وأوضحت التسريبات أن مصادر المعلومات كانوا يختبئون في مطار بغداد يلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، وكان العملاء يمشون في طرق متعرجة لحضور الاجتماعات للتهرب من المراقبة، بينما تغدق عليهم هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وتقدم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

كما يحتوي الأرشيف على تقارير نفقات من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 يورو تم إنفاقه على هدايا لقائد كردي.

كما تظهر إحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية أن رئيس الوزراء عبدالمهدي، الذي عمل في المنفى عن كثب مع إيران في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كانت له "علاقة خاصة مع إيران"، عندما كان وزير النفط بالعراق في عام 2014.

وتعطي البرقيات المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري؛ حيث توضح بالتفصيل إلى أي مدى سقط العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الذي حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيرانية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

جتين غورر

لم يعد من الأهمية بمكان الاجتهاد لشرح التطورات، التي تجري في تركيا في الوقت الراهن، أو فهمها أو التعليق عليها باستخدام قواعد الاستنباط العقلي المعتادة. والسبب في هذا أن تلك القواعد لم تعد صالحة منذ فترة طويلة للحكم على تلك الأحداث.
والواقع أن التحليلات، التي ظللنا، لفترة طويلة، نقوم بها حول التطورات التي تحدث داخل حزب العدالة والتنمية، هي أيضاً من هذا النوع الذي بات من الصعب تفسيره بتحليلاتنا المعتادة.
تحدثنا، فيما سبق، عن النواب الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، والأعضاء الذين استقالوا أو فقدوا أماكنهم داخل الحزب، بعد أن تبوأوا مكانة عالية داخل الحزب؛ بسبب انتقادهم سياسة الحزب، وليس حال عبد الرحمن ديليباك، وخروجه غير المتوقع من الحزب عنا ببعيد.
تناولنا كذلك الصراع المحتدم داخل الحزب، بين وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيرق. وأخيراً كان موضوع الحزب الجديد، الذين يسعى كلّ من داود أوغلو وباباجان لتأسيسه. نظرنا، نحن جبهة المعارضة، إلى هذه التطورات بشكل مُجمل، باعتبارها مؤشرات على بداية تصدع فاشية حكم أردوغان، إيذاناً بانهياره.
ولكن ماذا إذا كانت كل هذه التطورات، التي نشهدها في الفترة الراهنة، تدور في إطار خطة محكمة، وضعها أردوغان وحزبه بشكل يذكرنا برواية "1984"، وهي رواية ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير) للروائي الإنجليزي جورج أورويل، التي تحكي عن "الأخ الكبير"، الذي يحكم سيطرته ورقابته على كل شيء، وبالتالي يمكننا القول، استناداً إلى هذه الفرضية، إن مساعي باباجان وداود أوغلو لتشكيل حزب جديد لا تتم، هي الأخرى، بعيداً عن أردوغان، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تجري بموافقته، وتحت إشرافه شخصيًا.  والواقع أنه، وإن كان أمر كهذا غير وارد من الناحية المنطقية، فإننا لا نستبعد وقوعه في إطار أحداث رواية ديستوبية كالتي تحدثتُ عنها قبل قليل.
يزخر التاريخ السياسي لتركيا، منذ قيام الجمهورية وإلى الآن، بالكثير من النماذج على "إنشاء حزب جديد"، سواء أكان ذلك استناداً لخطة جرى الإعداد لها سلفاً أم نتيجة لانفصال عن حزب آخر بسبب وجود صراعات وصدامات داخل هذا الحزب. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك؛ أذكر منها تأسيس الحزب الجمهوري الحر، والصدام بين مسعود يلماز وأركان مومجو داخل حزب الوطن الأم، وتفكك حزب اليسار الديموقراطي عام 2000، والانقسام الذي أصاب حزب الحركة القومية بعد ألب أرسلان تُركَش، وظهور الحزب الصالح مؤخراً، ومولد حزب العدالة والتنمية نفسه بعد انفصال أردوغان عن  حركة الرأي الوطني...
وباستثناء الأحزاب، التي تمّ التخطيط لإنشائها، لم تكن الانقسامات والصدامات والصراعات، التي أدت إلى ظهور أحزاب جديدة، تجري في الخفاء أو بدون إثارة ضجة داخل الحزب أو في الساحة السياسية في تركيا؛ الأمر الذي جعل "الصراعات السياسية" داخل الأحزاب التركية سمة أساسية للثقافة السياسية في تركيا. ومن ناحية أخرى، يمكننا القول إن تركيا لم تشهد، في أي وقت من الأوقات، قيام حزب جديد بعد "انفصال مدني" عن حزب آخر، وإنما، دائماً، ما ارتبط تأسيس الأحزاب الجديدة بصراعات وصدامات داخل الحزب الأم.
لقد قرأ المواطنون ظهور داود أوغلو أثناء عبوره من فوق أحد الكباري في إسطنبول، ورؤيته بالمصادفة أحد المواطنين، وهو يحاول الانتحار من فوق هذا الكوبري، ونجاحه، بعد ذلك، في إقناع هذا المواطن بالعدول عن هذا الأمر، بأن هناك حزباً جديداً في سبيله للظهور على الساحة السياسية، وأن هذا الحزب هو الذي سينقذ تركيا بكاملها من الانتحار، وأن داود أوغلو سيصبح الزعيم لهذا الحزب الجديد. ولكن ما حدث أنه مرّ الآن وقت طويل على هذه الواقعة تخلله الكثير من الأحداث، ولم نرَ تركيا، وهي تتراجع بعيداً عن حافة الانتحار، ولم نشهد كذلك ظهور الحزب الذي كثر الحديث عنه.
كذلك مرّ وقت طويل على الزيارة المفاجئة، التي قام بها كل من رئيس الأركان التركي ورئيس جهاز الاستخبارات، بإحدى الطائرات العمودية، إلى عبد الله غول، وناقشا خلالها مع الأخير ما يتردد عن تحالفه مع علي باباجان، وسعيهما لتأسيس حزب سياسي جديد. ولكن ماذا حدث بعد هذا أيضاً ؟ لم يقم أي من عبدالله غول أو باباجان بتشكيل حزبهما الجديد حتى الآن.
سؤالي أيضاً: هل سيفضل أردوغان وأي شخص أو هيكل يحكم تركيا لسنوات طويلة من خلال حزب تعسفي "ديستوبي" مثل حزب العدالة والتنمية أن يلتزم الهدوء، وينظر بود إلى تحركات كوادر وشخصيات من حزبه ظلت تشغل لسنوات مناصب وزارية، أو حتى شغلت منصب رئيس الوزراء قبل ذلك، وهي تنفصل عن الحزب، بل وتحاول استمالة الكتلة التصويتية الخاصة به إلى جانبها؟ هل يستقيم في ذهن أحد أن أردوغان، الذي تدخل من أجل استصدار قرار من المحكمة في إحدى مدن ولاية سيواس لمنع حدوث انقسامات حزب الحركة القومية، ومنع عقد الاجتماع الطارئ لحزب الحركة القومية سيكتفي بدور المتفرج، وهو يتابع الكوادر، التي تنفصل عن حزبه الواحد تلو الآخر، وسعيها لإنشاء حزب سياسي جديد؟
في رأيي، إن أردوغان، الذي صعد إلى السلطة من قبل بعد الانفصال عن حزب سياسي آخر، وليس عن طريق الاتحاد بين ذلك الحزب وحزب آخر، لن يرضى بدور المتفرج، ولن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى حالة الانقسام والصراعات التي تجتاح حزبه في الوقت الراهن.
أي انفصال هذا الذي يتحدثون عنه وداود أوغلو وعلي باباجان، اللذان استقالا من حزب العدالة والتنمية، ومن المفترض أنهما يستعدان لتأسيس حزبهما الجديد، لم يتوقفا عن لقاء أردوغان في السر والعلن ويطلبان منه المشورة.
قرأتُ بالأمس أيضاً خبراً يتحدث عن أن أردوغان طلب مقابلة باباجان والاجتماع معه. والواقع أن هذه المقابلة لم تتم، ليس لسبب آخر سوى أن أردوغان نفسه لم يرد الالتقاء بباباجان قبل رحلته إلى أميركا، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته بشأن هذه الزيارة، وأن كل ما في الأمر أنه ربما أراد أن يبعث إليه برسالة تحذير مفادها "لا أريد أية مفاجآت في أثناء غيابي عن تركيا".
من ناحية أخرى، لم نسمع عن أي صراع أو صدام مباشر بين أردوغان من ناحية، وداود أوغلو وعلي باباجان من ناحية أخرى، على الرغم من أننا نشهد فترة لا يستطيع المجتمع أو الساحة السياسية التركية التقاط أنفاسهما من حدّة التوترات بها، بل وعلى العكس من ذلك تماماً جرت عملية الانفصال بشكل متحضر للغاية، ودون أي تحدٍ من جانب أي من الطرفين. والوقع أن هذا الاحترام المتبادل قد يكون أمراً محموداً يحسدون عليه في ظل الظروف العادية، وليس في فترة كالتي نعيشها الآن؛ حيث ازدادت أعمال العنف، وسقطت البلاد في مستنقع الحرب والموت والفقر والجوع؛ مما أدى لارتفاع نسبة الانتحار بين المواطنين بشكل غير مسبوق.
لقد بثت القناة التليفزيونية الألمانية-الفرنسية ARTE ، الأسبوع الماضي، فيلمًا وثائقيًا رائعًا نال اهتماماً كبيراً من جانب المُشاهِد الأجنبي. تناول الفيلم وجه الشبه بين أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكيف أن أردوغان يعتبر المؤسس الثاني لتركيا، وهو موضوع ألِف المشاهد التركي الحديث عنه.
ولكن عند النظر إلى حقيقة أن أتاتورك هو الذي أسس الحزب الجمهوري الحر بيده، عندئذ تصبح فرضية أن أردوغان، الذي يسعى اليوم كي يصبح أتاتورك الثاني في تركيا، يخطط الأن لإنشاء حزب بأيدي داود أوغلو وباباجان يصبح أكثر "ليبرالية" مما كان عليه حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه، فرضيةً أكثر منطقيةً وتوافقاً مع الدور الذي يؤديه الآن.
السؤال الآن: لماذا يحتاج أردوغان إلى حزب جديد يعمل من تحت عباءته، وكيف سيلبي ذلك الحزب تطلعات أردوغان خلال الفترة المقبلة؟
لا شك أن وجود هذا الحزب الجديد سيضعف، بشكل كبير، الجبهة المعارضة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وللنظام الرئاسي ككل. ومع هذا، تبقى فرضية أن هذا الحزب قد لا ينضم إلى جبهة المعارضة من الأساس، ويفضل الدخول في شراكة مع السلطة إذا اقتضى الأمر. وبالتالي من الممكن أن يؤدي دوراً مهماً في اتجاه تعزيز سلطة أردوغان والنظام الرئاسي بصفة عامة وترسيخها؛ مما يعني أن أعضاء هذا الحزب قد يرتدون نفس القميص الذي يرتديه المنتمون لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي ينجح أردوغان في تحقيق ما لم يقدر عليه بالصراع مع الأحزاب الأخرى أو عن طريق الانتخابات.
في رأيي، إن أردوغان يفضل، في سعيه لترسيخ سلطته في تركيا، تكليف أي حزب أو قوة أخرى بمهمة تفكيك الأحزاب الائتلافية مثل حزب الشعب الجمهوري عن طريق اجتذاب "الديمقراطيين"، الذين لم يجدوا أمامهم خيارات مناسبة في الماضي سوى التصويت لحزب الشعب الجمهوري أو لغيره من الأحزاب الديمقراطية اليسارية الصغيرة الأخرى، وتوجيهها، إلى التصويت لداود أوغلو وباباجان، بدلاً من محاولته، عن طريق حزب العدالة والتنمية، استرداد أصوات الليبراليين والمحافظين والأكراد، الذين كانوا يدعمونه ويدعمون حزبه في السابق، أو السعي لاستمالة بعض الأصوات من حزب  الشعب الجمهوري أو حزب السعادة.
ويرى أردوغان كذلك أن ظهور الحزب الجديد، الذي سيعمل بتوجيهاته بطبيعة الحال، سيعمل على تهميش مطلب أحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة، بإعادة العمل بـِ "النظام البرلماني" من جديد، وإضعاف أصواتهم، والقضاء على أية محاولة لانتقاد النظام الرئاسي، ووصف أردوغان بأنه "ديكتاتور" أو "مجرم حرب"؛ مما يسهم في تقوية نفوذه بالداخل.
وكان من الطبيعي أن يلتزم أردوغان الصمت، وألا يعلق على إنشاء الحزب الجديد، الذي سيؤدي هذا الدور الحيوي بتوجيه منه، بل سيمنحه بعض النواب داخل البرلمان. وفي رأيي، إن أمراً كهذا لا يدعو إلى الطمأنينة، ولا يبعث على الأمل بأي حالٍ من الأحوال، وآمل أن أكون مخطئًا، وأن تكون الأغلبية محقة في تصورها للوضع، بعيداً عن هذه الفرضية ...

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية