الرصاصة التي لن تُطلق.. المتاجرة الإيرانية بالقدس

صورة ماهر فرغلي
كاتب مصري وباحث في شؤون الحركات الإسلامية
1314
عدد القراءات

2017-12-10

كشف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده في "إسرائيل" إلى القدس، قناعاً آخر من استغلال إيران وحلفائها للقضية الفلسطينية في كسب العواطف وتجنيدها لصالح مشروع الملالي التوسعي؛ فعلى مدى 38 عاماً منذ اندلاع ثورة الخميني، لم تقدم إيران شيئاً يذكر لقضية فلسطين، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة، ومعها تركيا، التي لم يسقط لها قتيل واحد في مواجهة إسرائيل، ولم تفعل أي شيء منذ العام 1979 وحتى الآن، سوى تكريس الانفصال بين الشعب الفلسطيني عبر دعمها منظمة حماس، واختلاق حركات شيعية لنشر الطائفية في الأراضي المحتلة مثل حركة "الصابرين" بغزة، وتجنيد المئات من الشباب الفلسطيني في حركات إرهابية مسلحة، في سورية ومصر، ودعم وإنشاء حركات إرهابية لتفتيت دول الطوق العربي، وبعض الدول العربية الأخرى، مثل؛ السعودية، والبحرين، واليمن، والكويت، تمهيداً لاحتلالها فيما بعد، أو السيطرة السياسية عليها، كما حدث في العراق، التي أصبح للميليشيات الإيرانية العاملة بها، اليد الطولى في سياسة الدولة.
يوم عالمي للقدس من أجل إيران
أطلقت ثورة الخميني ما أسمته بيوم القدس العالمي؛ لتقدم فيه نفسها على أنّها المناصر الأول لفلسطين والحامي الأول للإسلام، وخصصت له الجمعة الأخيرة من شهر رمضان من كل عام، لتخرج فيه المظاهرات في إيران وتحتفي به المجموعات والتنظيمات التابعة لها، لكنها في الواقع دأبت على تحويله ليوم تهاجم فيه الدول العربية، خاصة دول الخليج، بزعم أنّها تخلّت عن نصرة القدس، وأنّ طهران المقاتل الأوحد من أجل المدينة المقدسة.

كشف قرار ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس قناعاً آخر من استغلال إيران وحلفائها للقضية الفلسطينية

وقد اعترف رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريحاني، بشكل غير مباشر، أنّ ثورة الخميني استغلت التعاطف مع القضية الفلسطينية في شحن نفوس بعض المسلمين لمناصرة ما تسميها إيران بالصحوة الإسلامية، فقد صرّح في شهر حزيران (يونيو) 2017 أمام حشد من النواب السابقين إنّ "الانتفاضة الفلسطينية التي استفادت من توجهات الثورة الإسلامية تعدّ إحدى القضايا المهمة الأخرى التي أدت إلى بث روح جديدة للكفاح ضد الكيان الصهيوني في العالم الإسلامي"، بحسب ما نقلت عنه وكالة "تسنيم" الإيرانية.

سليماني يضل طريقه في العراق وسورية
قبل إعلان ترامب بأيام، ظهر في العراق قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، وهي فرقة تابعة للحرس الثوري الإيراني، والمسؤولة عن العمليات العسكرية والعمليات السرية خارج الحدود الإقليمية، فبدلاً من أن يتوجه إلى القدس، التي يحمل لواؤه اسمها، توجه إلى بغداد، ليشرف على ميليشيات الحشد الشعبي الطائفية المدعومة إيرانياً.
وصرح لـ "حفريات" أحد قادة الحشد (ي.غ) رفض الكشف عن اسمه، بأنَّه تم تعيينه بشكل غير رسمي ليكون بمثابة سفير لطهران ببغداد، والمشرف على قوات الحشد الشعبي.
سليماني في أمثلة كثيرة تجول في المحيط العربي، بالشام والعراق، ولم يتحرك شبراً واحداً في المجال الحيوي الإسرائيلي، وكانت خطواته كلها لدعم التمدد الإيراني، وليس تحرير القدس كما يدّعي.

دأبت إيران على تحويل يوم القدس العالمي الذي أطلقته ثورة الخميني إلى مناسبة لمهاجمة الدول العربية

في 12 كانون الثاني (يناير) 2017 عيّنت إيران، العميد ايرج مسجدي، مستشار قائد "فيلق القدس" بالحرس الثوري الإيراني، المدرج على قائمة الإرهاب الدولية، سفيراً لها في العراق بدلاً من السفير السابق حسن دانائي فر، وهو من منتسبي الحرس الثوري أيضاً.
ومسجدي هو من صرح لموقع "بسيج نيوز" التابع للحرس الثوري، في أيار (مايو) 2016 أنّ "دخول الحرس الثوري الإيراني بضباطه في معركة الفلوجة كان من أجل أنْ تبقى إيران مركزاً للتشيّع في العالم، كما أننا نعتبر هذه المشاركة دفاعاً عن إيران وحدودها"، على حد تعبيره. وذكرت صحيفة "عصر إيران" أنّ تعيين العميد مسجدي سفيراً لطهران في بغداد جاء بناء على "توافق بين الجنرال سليماني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف".
في 11 نيسان (أبريل) 2017 ذهب سليماني إلى مدينة السليمانية في إقليم كردستان لإعاقة عملية الاستفتاء على تقرير مصير كردستان، ولإبعاد الاتحاد الوطني الكردستاني عن الحزب الديمقراطي، وكانت وكالة "فارس" الإيرانية قد أوردت في تشرين الأول (أكتوبر) 2014 أنّ قاسم سليماني، هو القائد الفعلي للقوات العراقية التي تقاتل "داعش"!
وصرّح حسن نصر الله، في خطابه بمناسبة يوم القدس، في 11 تموز (يوليو) 2015 "إنّ الطريق إلى القدس يمرّ بالقلمون والزبداني وحمص وحلب والسويداء والحسكة"، وهي المناطق التي شهدت معارك طاحنة ضد قوات المعارضة السورية المسلحة، التي تقاتل حليف إيران بشار الأسد.

قاسم سليماني في أمثلة كثيرة تجول في المحيط العربي ولم يتحرك شبراً واحداً في المجال الحيوي الإسرائيلي

ونشرتْ قناة "فوكس نيوز" الأميركية، يوم 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 تقريراً حول استغلال الحرس الثوري الإيراني أكبر شركة طيران إيرانية التي تحمل عنوان "ماهان إير"، وبإشراف فيلق القدس لنقل السلاح والجنود في حروبه في سورية والعراق.
وخصّصتْ إيران اعتمادات مالية ضخمة، تعادل 600 مليون دولار، لتطوير برنامجها الصاروخي ولدعم فيلق القدس، وفق ما نقله موقع روسيا، يوم 2 (أكتوبر) 2017، بعد أنْ خرج قائد فيلق القدس في 27 أيلول (سبتمبر) 2017 ليقول "إذا أخطأ أحد مع إيران فسنمرّغ أنفه بالتراب"، ويكشف أنّ كل هذا التحشيد باسم القدس ليس إلا غطاءً للأعمال المشبوهة التي تقوم بها إيران في المنطقة، والوجه المسلّح، الذي يمهّد لزيادة النفوذ الإيراني.

تمدد إيراني بميليشيات "معاداة الصهيونية"
عملتْ إيران، على بناء تنظيمات إرهابية، وكانتْ خطّتُها تكمن في مساهمة هذه التنظيمات، فيما بعد، في مشروعها التمدّدي، وبدءاً من الشمال الإفريقي، وحتى البحرين، كان للدولة الإيرانية أذرع مسلحة، والغريب أنها كلّها رفعتْ شعار الموت لإسرائيل، وتحرير القدس، رغم أنّها، منذ نشأتها وحتى الآن، لم تسهمْ سوى في تموضع إيران بالمنطقة، وإشعال الحروب الطائفية، التي كانت صناعة إيرانية بامتياز، بدءاً من تفجير الحرمين العسكريين في سامراء شمال العراق في شباط (فبراير) 2006، الذي اعترفَ بعض القادة عقب التحقيقات، بضلوع ميليشيات إيرانية، وتورط فيلق القدس به.
قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، زعم أنّ الميليشيات الإيرانية التي تحارب في سورية والعراق، وتستخدم إيران لها تسمية "حماة ضريح أهل البيت"، هي "سورة من نور القرآن"، وأن الله أنزل "سورة حماة ضريح أهل البيت" من السماء، بحسب ما نقلتْ عنه وكالة فارس للأنباء التابعة للحرس الثوري في أيلول (سبتمبر) 2017 خلال مراسم الاحتفال الذي أُقيم في طهران لعيد ميلاد أبناء بعض قتلى الميليشيات الإيرانية في سورية والعراق.

يكشف التحشيد الإيراني باسم القدس أنّه ليس إلا غطاءً لأعمال مشبوهة تستهدف زيادة نفوذ طهران في المنطقة

لم يأتِ سليماني مطلقاً على ذكر القدس؛ بل أشاد بما قام به مقاتلو هذه الميليشيات في العراق وسورية لما سمّاها حماية الأضرحة المقدسة الشيعية هناك، لافتاً النظر إلى التضحيات التي يقدمها هؤلاء في هذا الطريق.
وترفع كل هذه الميليشيات شعارات جهادية برّاقة، مثل "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام" و"كتائب بدر"، لكنها لم تطلق ولو مرّة واحدة رصاصة على إسرائيل، في الوقت الذي شاركت جميعها في الحرب بسورية، خاصة حزب الله اللبناني، الذي أعلن في نهاية العام 2012 عن إنشاء مجموعات "الدفاع الشعبي" التي أنيطت بها مهمة اتخاذ المتطوعين الشيعة العراقيين تحت إدارة كتائب حزب الله، التي افتخرت بنشر مجموعات كبيرة من المقاتلين في الجنوب العراقي في مدينتي بغداد وديالى، وقرية آمرلي بحسب ما أوردت مجلة "فورين بوليسي" في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014.

ترفع كل الميليشيات المدعومة إيرانياً شعارات جهادية برّاقة لكنها لم تطلق ولو مرة واحدة رصاصة على إسرائيل

وفي سورية لعبت هذه الميليشيات مثل "عصائب أهل الحق"، و"بدر" و"كتائب سيد الشهداء"، و"أبو الفضل العباس" دوراً رئيسياً في الحرب الطائفية في سورية، فضلاً عن "لواء الإمام الحسين"، وهي ميليشيا شيعية أخرى تعمل في دمشق.
وعراقياً يوجد 17 فصيلاً يتبع المرجع الشيعي علي السيستاني، من أبرزها: ثلاثة فصائل تابعة للمجلس الأعلى الإسلامي بقيادة عمار الحكيم، ولواء أنصار المرجعية، وغيرها من الفصائل الصغيرة غير المعروفة على مستوى ساحات القتال أو وسائل الإعلام، خلافاً للفصائل التابعة للمرشد الأعلى علي الخامنئي.
وهناك اثنا عشر فصيلاً صغيراً تتبع عدداً من المرجعيات، منها المرجع كمال الحيدري ومحمد اليعقوبي وصادق الشيرازي وكاظم الحائري، وكل هؤلاء لا همّ لهم سوى ترسيخ الوجود الإيراني.

 

أكذوبة "الموت لإسرائيل"
في العام 2006 وبينما كانت المواجهات المسلحة في الجنوب اللبناني على أشدها بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله، وفيما كانت دفقات الصواريخ المدمرة تنطلق من وإلى قرى وبلدات الجنوب، خرج الأمين العام للحزب حسن نصر الله في خطاب تاريخي ليهدد بأن صواريخه ستصل "إلى حيفا، وإلى ما بعد حيفا"، يومها تحول الرجل إلى أيقونة للمقاومة، وتبين فيما بعد أنه كان يروج شعارات خادعة.
لقد انكشف حزب الله الإيراني، وانكشفت شعاراته الفارغة، وتبين أنه لا وجود لأي مشروع حقيقي متكامل، لدى من يدّعون أنهم محور المقاومة، بما فيها "حزب الله" لتحرير القدس أو فلسطين.

أوردت وكالة "فارس" الإيرانية في 2014 أن قاسم سليماني هو القائد الفعلي للقوات العراقية التي تقاتل "داعش"!

يقول الكاتب التونسي شمس الدين النقار، في مقال نشره موقع القدس العربي في 26 آب (أغسطس) 2015 إن "الموت لأمريكا هما شعاران رفعهما موالو إيران في المنطقة في كل تظاهرة يقيمونها، معلنين كرههم لهاتين القوتين رياء..، فرافعو الشعار قد اختاروا الموت لأعداء إسرائيل، من أولئك الضعفاء الذين تقلبت قلوبهم نحو حب إيران، التي رأوا فيها المارد المقبل لتحريرهم وتحرير أراضيهم، لكن المشاهد اليوم يرى أنّ المارد قد دخل بيوتنا وأكل من خيراتنا وتزود منها ثم انقلب علينا ودمر مناطقنا وأشعلها ناراً وحرباً طائفية كان هو البادئ بها".
عشر سنوات أو تقل قليلاً، هي ما فصلت بين خطاب حسن نصر الله بمناسبة يوم القدس، حين هدد بإزالة إسرائيل من الوجود، وخطابه عقب قرار ترامب، فالرجل لم يتحدث عن الدور العسكري أو اللوجيستي للحزب من أجل تحرير القدس، واكتفى في كلمته عقب القرار بالحديث عن الاحتجاج والرفض وتقديم النصح العام للجميع، كما أنه لم يطلق تهديداً عسكرياً في حال حصول مواجهة أو توعد بعمليات أمنية رداً على القرار.

نصر الله لم يطلق تهديداً عسكرياً في حال حصول مواجهة أو توعد بعمليات أمنية رداً على قرار ترامب

إنه حسن نصر الله، هو ذاته عبد الملك الحوثي، لا اختلاف بين الشبيهين مطلقاً، فهي نفس الكلمات التي أطلقاها معاً.. الرفض، والاستنكار، والشجب، والدعوة للهجوم على الأنظمة العربية.
أحد الباحثين اليمنيين وصف في مدونة "أسرار الحوثي" في 25 كانون الأول (ديسمبر) 2013 الشعار الذي يردده الحوثيون "الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود.. النصر للإسلام" بأنّه "شعارٌ براقٌ جميلٌ، لا غبار عليه، والخلاف ليس عليه، ولا على كلماته ونظْمه ومعناه، لكن الخلاف حول حقيقته وتطبيقاته، ووسائله على أرض الواقع".

اقرأ المزيد...

الوسوم: