هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

يبدو من خلال الوثوقية التي يتحدث بها شيعة الثورة الإيرانية؛ أنّ ولاية الفقيه أمر ثابت، وأصل ديني متفق عليه عند الشيعة، وهي أسّست لشكل من أشكال الحكم الثيوقراطي الديني في نسختها الأحدث، والأولى تطبيقياً، بعد قيام الثورة مع آية الله الخميني، الذي وجد ضالته السياسية فيها؛ إذ أصبحت إدارة الدولة تتم من خلال أوامر الولي الفقيه، وما يراه حسناً هو عند الله حسن، فهل ثمة اتفاق شيعي عليها؟

لا شك، أنّ ولاية الفقيه أمر اجتهادي جاء إثر فراغ دستوري، حدث مع ما يسمّى بالغيبة الثانية للإمام الأخير؛ إذ تمّ تحريم إقامة الدولة وممارسة السياسة في غيابه، وهذا ما يحمله مصطلح "غيبة" نفسه، فكانت أولى الاجتهادات لتجاوز ذلك مع الشيخ المفيد في أوائل القرن الرابع الهجري، وكان حدود هذا الاجتهاد؛ هو وجود ما ينوب عن الإمام، لكن في الأمور الدينية فقط، واستمرّ الأمر حتى القرن السادس الهجري، حتى جاء الشيخ العاملي بجواز تولي من ينوب عن الإمام الغائب الأمور السياسية، وقد هبّ عليه كثير من الأئمة الشيعة، رافضين هذا الاجتهاد، فعدّوه خروجاً على الأصل الذي يمنع الممارسة السياسية في حال غياب الإمام الغائب.

ولاية الفقيه محاولة لعلاج أشكال خارج منظومة الدولة الحديثة، وهذا ما خلق الشرخ الكبير داخل حزب الله

يقول الكاتب اللبناني فرج كوثراني: "من المهم الإشارة إلى أنّ كثيرين من الفقهاء الشيعة العرب؛ من جبل عامل في لبنان، ومن القطيف، ومن النجف أيضاً، سارعوا إلى شجب الخطوات الفقهية التي قام بها الفقيه الكركي، متهمين إياه بأنّه يشرعن سلطات زمنية لغير السلطة الشرعية، التي هي من حقّ الإمام المعصوم وحده، وأنّه يقوم بتطوير مفاهيم غريبة عن عقيدة الإمامة، من شأنها أن توسع صلاحيات الفقيه بما لا يتناسب مع العقيدة الإمامية، وفي ذلك تعدٍّ على صلاحياته".

إنّ من ضمن الذين تصدّوا لهذه العقيدة، التي تعطي بعداً توسعياً للولي الفقيه؛ كان الشيخ مهدي شمس الدين، الذي كان يرأس المجلس الأعلى للشيعة في لبنان؛ فقد كان يرى أنّ الإمام في وجوده كان معصوماً بالعلم الإلهي، على المستويات؛ الدينية والسياسية، وذلك خوّل له منصب الولاية العامة، وبالتالي؛ لا يجوز للنائب عنه أن يتولّى كافة المناصب، لانتفاء عصمته؛ فالقول بميراث كافة صلاحيات الإمام الغائب يعني عصمته، وهذا -بحسب شمس الدين- ما لا يجوز فقهاً، وعلى هذا؛ فهو يرى أنه لا بدّ من فصل كامل للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ فالسلطة التنفيذية لا يمكنها أن تجتمع مع التشريعية، في يد فقيه ليس بمعصوم، وبهذا قد سحب البساط عن الحجج التي يقدمها الخميني وخامنئي وقاسم نعيم؛ فالنسبة إلى مهدي شمس الدين؛ لم يعطِ غياب الإمام الشرعية لإمام من بعده ينوب عنه، إنما أعطى الشرعية للأمة بكاملها، لتقوم بإدارة أمورها العامة.

اقرأ أيضاً: ماذا يستبطن فرح الولي الفقيه بنتائج الانتخابات اللبنانية؟

يمكننا القول: إنّ ولاية الفقيه محاولة لعلاج أشكال خارج منظومة الدولة الحديثة، وهذا ما خلق الشرخ الكبير داخل حزب الله، والتناقض بين الانتماء للوطن من جهة وولاية الفقيه، التي تقع كمنظومة سياسية دينية خارج الوطن، وبالتالي؛ لا تعالج مشكلات الداخل اللبناني، ولا تستجيب لتطلعاته السياسية والثقافية، خصوصاً أنّه بلد فائق التعقيد والتركيب الثقافي، بتنوعه وتعدديته، فولاية الفقيه والتبعية لها ستظلّ هاجساً يهدّد هذه التعددية، التي يطمح حزب الله، بحسب تطلعات مرجعيته، إلى إقامة النموذج الإسلامي المتخيل، الذي يشكّل مرجعية معيارية في إيران؛ ففكرة الدولة الإسلامية، في النموذج الإيراني، أمر فوق الدستور الوطني؛ فهي مبدأ مغاير لكلّ شكل من أشكال التحديث السياسي.

كان شمس الدين واعياً بما سيخلقه التناقض بين الوطني والطائفي فأوصى الشيعة بلّا يفكّروا وفق الحسّ الطائفي

لقد كان مهدي شمس الدين واعياً بما سيخلقه التناقض؛ بين ما هو وطني، وما هو طائفي ديني، فكانت من وصاياه الأخيرة، للشيعة عموماً، وشيعة لبنان خصوصاً، بألّا يفكّروا وفق الحسّ المذهبي والطائفي، وألّا يبنوا علاقاتهم مع أقوامهم وشركائهم في الوطن على التمايز الطائفي، وأن يبتعدوا عن محاولات بناء منظومات سياسية خاصة بهم، إنما عليهم أن ينخرطوا في نظام المصلحة العامة، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للقانون والدستور، وهذا بطبيعة الحال عكس ما يقوم به حزب الله اللبناني تماماً؛ فمصلحته هو، كحزب يتبع إيران، ويحتكر التشيّع، تبدو في كلّ مرة أعلى من إيمانه بمصلحة اللبنانيين، وبهذا يمكن اعتبار حزب الله ردّة على الإصلاحات التي كان يقف عليها أحد المرجعيات الشيعية الدينية الإصلاحية، مهدي شمس الدين، فما جاء به أكثر مواكبة لروح العصر، ويسحب البساط عن أيّة محاولة لتوظيف ما هو ديني وحقوقي طائفي، في الصراع السياسي، والتكسب والعيش من خلاله.

اقرأ أيضاً: التشيع في المغرب: وهم يراهن عليه الولي الفقيه كطابور خامس

يبدو أنّ ثمة قصوراً عميقاً داخل النسق البيئي المسيطر على التشيع في العالم العربي، يلفّ عالم أفكاره وتصوراته عن العلاقة بين الفرد والدولة والدين؛ إذ ثمة تداخل مربك بين كلّ هذه الأنساق المختلفة؛ التكوين، والصور، والعوامل التي شكلت كلّاً منها، وظلّ هذا القصور مستمراً، رغم الاجتهاد الفرديّ للكثير من علماء الشيعة؛ إذ كان يتمّ تهميشهم دائماً من قبل الخطاب الرسمي لإيران كدولة، أو الشيعة كطائفة مسلمة، فتمّ التخلص من الأصوات التي تمثّل فارقاً تقدمياً داخل التشيّع، وبعدة صور.

الأقسام: