حسن الترابي: سلّم كارلوس لفرنسا وفاوض على بن لادن

6354
عدد القراءات

2017-12-10

برحيل الترابي، في الخامس من آذار عام 2016، طوِيَت صفحة جدلية من تاريخ رجل لَمَعَ نجمه في الانقلابات العسكرية، تماماً كما الموالاة فالمعارضة، والفتاوى الجدلية والتمرّد على كثير من الموروث الديني والاجتماعي.
عند الحديث عن شخصية كشخصية الترابي، فإن الأمور ستنحو، حتماً، نحو الجدليات التي وَسَمَت شخصيته ومواقفه الدينية والسياسية، على السواء، ما جعله واحداً من أكثر المفكّرين الذين لم يُحسم اللغط حولهم بعد، على الرغم من حجم الأثر الذي خلّفه لدى جيل الإخوان المسلمين الشاب في العقود الأخيرة.
يُحسب الترابي على الفكر الإخواني، في وقت كان يهجس فيه بتفكيك الموروث الديني والتعاطي معه من منظور تجديدي. كما فُتِنَ بالغرب وتجربته الحضارية وكانت البراغماتية عنوان علاقته به، وفي الوقت ذاته كان من بين منتقدي تدخل أمريكا بالمنطقة بذريعة حرب الخليج، إلى جانب كونه من أبرز مناهضي الديموقراطية بوصفة أمريكية. وهو أيضاً من قاد، ضمن حزبه، انقلاباً على المهدي. بيد أن رحلته مع المعتقلات لم تنته حتى في زمن من أتوا بعده، وإن كان يتقلّد مناصب رسمية.

تلقي الترابي تعليمه في أكسفورد والسوربون، فأتقن العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، كما نشأ في كنف رجل صوفي

يُعدّ الترابي، الجدليّ بامتياز، والمولود شرق السودان في العام 1932، أحد أهم مجدّدي بند الفتاوى والنظر في الموروث الفكري الذي بات يتعامل معه المسلمون بمثل قدسية النص القرآني، كما في حالة الحجاب على وجه التحديد؛ إذ فسّر كلمة الحجاب بالحاجز الذي يتحدث منه الرجل مع المرأة، معتبراً أنّ الغطاء الأساسي هو لمنطقة الصدر التي كانت تكشفها النساء في الجاهلية.
الترابي والدفاع عن المرأة
ثمة جوانب أخرى تحدّث عنها الترابي، محدثاً حالة من اللغط المزمن، لعل من كلماتها المفتاحية المرأة؛ إذ كان يهجس بحقوقها المهمّشة في العالم العربي، مردداً أن أحد أبرز كبوات العالم الإسلامي تهميشها والاحتكام للفهم المتحجر للنصوص الدينية المتعلقة بها، ما دفعه لإعادة النظر في أحكام من قبيل الميراث وشهادة المرأة، التي جعلها مرهونة بالحالة المنظور فيها وليست حُكماً ثابتاً، وكذلك إمامتها للرجال وزواجها من كتابي.
ليس هذا فحسب، بل ثمة أفكار تقليدية عدة أعاد الترابي النظر فيها، مثل عذاب القبر وقتال الملائكة مع المجاهدين وعُمر خديجة بنت خويلد عند زواج الرسول – عليه السّلام - منها، وتحريم شرب الخمر بالمُطلق، وتعريف الحور العين.
يبدو جلياً مما سبق أنّ الرجل، الذي عُيّن وزيراً للعدل، ووزيراً للخارجية، ورئيساً للبرلمان، في السودان، عدا عن تاريخه الحزبي الطويل، لم يكن ممن يأخذون الأمور الدينية والسياسية المتداولة كمُسلّمات، بل كان يدقق فيها ويُفكّكها، معطياً الأولوية للنص القرآني على حساب النبوي، ليأتي الفهم المنطقي والعقلاني بعد هذا مباشرة، إلى جانب كونه ملمّاً أيّما إلمام بتعقيدات اللغة العربية ودواخلها، ما منحه فهماً متفرّداً للنصوص الدينية. وسياسياً، لم يكن الانقلاب على أحد ما دليل عداء (المهدي وكارلوس وبن لادن أنموذجاً)، كما لم تكن موالاة طرف ما دليل حب دائم (البشير أنموذجاً)، بل ثمة علاقات شدّ وترك وغرام وخصام، وما إلى ذلك من تقلّبات تجعل الرجل ظاهرة براغماتية تمشي على قدمين.

تعليم عال وأربع لغات

تلقّى الترابي تعليمه في جامعتَي أكسفورد والسوربون، فأتقن العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية بطلاقة، عدا عن كونه تربّى في كنف رجل صوفيّ وأسرة ميسورة، كان فرصة ذهبية لمنتقديه، الذين يرونه يخالف الصورة النمطية لرجل الدين الزاهد والآتي من خلفية دينية صارمة بظروف معيشية قاسية، كما يخالف ما أجمع عليه فقهاء الأمة من حيث الفتاوى والرؤى الفقهية، ما جعل الصحافة تقنص تصريحاته وفتاواه بشهيّة ملحوظة، معتبرين أنّ فيها مشاغلةً للعالم الإسلامي عن مخططات أمريكية وصهيونية، في وقت يقول فيه الترابي إنّ كثيراً من هذه الفتاوى انتُزِعت من سياقها.
يسوق مثلاً عن فتوى زواج المسلمة من كتابيّ، قائلاً إنها كانت حين سئل من قِبل امرأة أجنبية أسلمت للتوّ، عما إذا كان عليها الطلاق من زوجها غير المسلم، ما كان سيُرتب عليها حرماناً من الحقوق المادية وتلك المتعلقة بحضانة أطفالها، وهي الخسائر التي كان يخشى الترابي ألاّ يصمد أمامها إسلام هذه المرأة، ما دفعه لقول إن لا لزوم لطلاقها، بل لعل زواج المسلمة من غير المسلم يحثه على اتباع الدين بالحُسنى.

تلقي الترابي تعليمه في أكسفورد والسوربون، فأتقن العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، كما نشأ في كنف رجل صوفي

من بين المواقف السياسية الأكثر جدلية حول الترابي، تلك المتعلقة بانقلابه على المهدي وإتيانه بعمر البشير، ومن ثم معارضته له لينتهي به المطاف في السجون والمعتقلات، برغم تقلّده مناصب رسمية، وكذلك ما يتعلق بتسليم المناضل الفنزويلي كارلوس (إلييتش راميريز سانشيز) للسلطات الفرنسية وهو تحت تأثير الحمّى والمخدّر، والتسليم الذي كان مزمعاً لأسامة بن لادن لأمريكا، في وقت كان ينتقد فيه الترابي قبضة الغرب المتغوّلة في العالم العربي. هذه من بين المواقف التي رأى الترابي أن الإشاعات شابتها، إلى حد حاول الوصول فيه لزنزانة كارلوس في فرنسا؛ لشرح الأمر.
جزئية بن لادن تحديداً، كانت تكشف حجم الإرباك الذي أحدثه الترابي للعالم أجمع؛ إذ في وقت كان ينعته خصومه بالمجافي للفتاوى التقليدية والفهم الكلاسيكي والمُجمَع عليه للدين الإسلامي، إلى حد وُصِمَ فيه بالمرتدّ والمهدور دمه، فإنّ أمريكا كانت ترى فيه راعياً روحياً للإرهاب؛ لمجرد أنّ بن لادن كان زوج ابنة شقيقته.
كيف تناول الإعلام شخصية الترابي؟
الجدليات التي وَسَمت الترابي، على المستوى الشعبي، هي ذاتها التي لاحقته إعلامياً، وعلى مدار عقود؛ إذ كانت فتاواه تثير كثيراً من اللغط حوله، سواء كان هذا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو المواقع الإلكترونية، أو المطبوعات، أو حتى تعليقات المتابعين عبر مواقع مثل "يوتيوب".
لعل الحلقات الأشهر، التي استُضيف الترابي خلالها ، كانت تلك الخاصة ببرنامج "شاهد على العصر" على قناة "الجزيرة"، مع المذيع أحمد منصور.

يبدو منصور متساوقاً في المقابلة مع المزاج الإخواني الذي ينظر بعين الريبة لفتاوى الترابي واجتهاداته؛ إذ لم يُظهر حماسة أو حتى رضا حيال معظم الأجوبة، بالإضافة لكونه حاول حشره في الزاوية عند سؤاله عن اعتقال كارلوس.
الطريقة التي أدار بها منصور الحوار، والتحضير المدهش الذي ظَهَرَ عليه في مداخلاته وأسئلته، دفع بالترابي لقول تفاصيل لربما لم تظهر من قبل إعلامياً، من قبيل تفاصيل ما حدث مع كارلوس وبن لادن. الارتباك كان جلياً على الترابي، وكان يحاول التهرّب من أسئلة منصور المحرِجة بكثير من الضحك ومحاولة اختلاق النكتة.
المنهجية التي اتبعها منصور في الحوار، دفعت بالترابي للتنصل من كلا القضيتين: كارلوس وبن لادن، من خلال قول إنه كان على صلة بكل المجتمع السوداني ومؤسساته، لكنه لم يعلم عن التسليم، ولم يعلم في البداية عن وجود بن لادن، قائلاً لربما أنّ الأمن يتعاون مع بعضه على مستوى عالمي، كما أن السودانيين لا يجيدون النقاش والإقناع، وقال في موضع آخر إن الغرب يأتونه ويظنونه صاحب الكلمة حين يطلبون منه تسليم بن لادن.

الأمن يتعاون مع بعضه على مستوى عالمي، كما أن السودانيين لا يجيدون النقاش والإقناع

يقول إنّ من بين ما قاله للأمريكان، إنه من الأفضل ترك بن لادن في السودان (الذي استثمر في البنية التحتية هناك وفي الزراعة أيضاً)، عوضاً عن الذهاب لأفغانستان، حيث الجبال التي لن تذكّره بغير الجهاد. هنا تظهر النزعة البراغماتية لدى الترابي جليّة، ولربما كانت أسئلة منصور التي تحمل طابع الإلحاح بشكل جليّ هي التي دفعته لقول هذه التفاصيل، بعد أن حاول التنصل طويلاً، تارة من خلال الضحك والإضحاك وتارة من خلال الإجابات المموّهة.
ظَهَرت عقلية الترابي، التي تفكر بدقة وبتفاصيل موغلة في العُمق، من خلال اعترافه إنه بدأ بالتفكير بانقلاب العام 1989 والتخطيط له منذ العام 1975.
الحلقات التي امتدت لستة عشر جزءاً، والتي سُجّلت في العام 2010، بينما لم تُذع إلا في 2016، أي بعد وفاته بحسب ما اشترطه على منصور، استعرضت منذ بداياتها طفولة الترابي التي لم تكن عادية، والتي أوصلته لما كان عليه؛ إذ كان منتظماً في مدارس بريطانية، وكان في الوقت ذاته مجيداً للغة العربية نحواً وصرفاً وشعراً، كما تلقّى على يدي والده، الذي يعمل قاضياً شرعياً، علماً دينياً، وتحديداً ما يتعلق بالمذهب الحنفي.
يظهر اعتداد الترابي بهذه الخلفية من خلال تعليقه على تديّن بن لادن بأنه تديّن بسيط، وبأن الرجل كان طيباً وأن معرفته دينياً وكلياً تفتقر للبُعد العالمي، ما يمكن أن يعكس التفرّد الذي ظَهَرَ لدى الترابي لاحقاً، حين كان يتعامل مع أقوال المتدينين بحذر ويفكّكها ويحلّلها ويعيد تصوّرها من جديد من منظور عالمي؛ فهو يعي جيداً السطحية أو البساطة المفرطة التي يبدو عليها الخطاب الديني في معظم المرات.
لم يكلّ الترابي ولم يملّ من العمل السياسي الفاعل، تارة منقلِباً وتارة موالياً وأخرى معارضاً؛ إذ ساقته أسئلة منصور التفصيلية للحديث عن انقلابه على المهدي ومن ثم لعبه بـ "البيضة والحجر"، إن جاز المصطلح، مع عمر البشير؛ إذ كان يتحالف معه في مرات فيقلّده منصباً وزارياً، ليأتي يوم آخر يكون فيه معارضاً فيُزجّ به في زنزانة مخصصة للمحكومين بالإعدام.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:

لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-10-16

رغم واقع الدولة الإيرانية الراهن، الذي يتّسم بالجمود والثبات، في ظلّ حكم الجمهورية الإسلامية، ونظام الوليّ الفقيه الذي يُطبق بمخالبه على التنوع في المجتمع، ويفرض العديد من السياسيات والرؤى الضيقة التي تغلق مسام التجديد، فيترك انطباعاً مشوهاً ومنقبضاً، في أعقاب كلّ حديث حول الدولة الفارسية وتاريخها.. رغم كل ذلك فثمة تاريخ آخر موازٍ، يسبق لحظة سقوط العمامة الغليظة على عقل الدولة، يحفل بالعديد من المنجزات الإصلاحية، في السياسة، والاقتصاد، والفنّ، والصحافة؛ حيث لعبت شخصيات مؤثرة عدة أدوار بهدف التحديث والتطوير، ونقل مجمل الخبرات المتقدمة وتطبيقها، إضافة إلى تنظيم العلاقة مع العالم، الذي يعدّ منذ أربعين عاماً، بمثابة سؤال أزمة في طهران.
بواكير التحديث
بزغ اسم الميرزا تقي خان، الملقب "أبو الإصلاحات"، والمعروف باسم "أمير كبير"، مع عهد الدولة القاجارية، والأخيرة، تعدّ إحدى أكثر فترات التاريخ السياسي الإيراني حساسية وأهمية؛ إذ جاءت في أعقاب سقوط وهزيمة الدولة الصفوية، في العقد الثالث، من القرن الثامن عشر الميلادي، ونشوء عدة حكومات محلية مستقلة، حتى عادت الوحدة مع تدشين "آفا محمد خان" الدولة القاجارية.

كان من بين الأمور التي سعى كبير لتنفيذها، فيما يتّصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير في مراسم العزاء

وقد شهدت تلك الفترة بواكير التحديث، والاستفادة من كلّ الطاقات الموجودة في المجتمع، دون تمييز طائفي أو صنع حواجز مذهبية، وما يرافقهما من وقائع فساد وظلم. كما حصل المسلمون، والمسيحيون، واليهود، والزرادشتيون، وغيرهم من الطوائف الدينية والقومية والإثنية، على حقوقهم الدينية والمواطنية والمدنية.
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية، كما لعب أدواراً سياسية وإصلاحية متفاوتة؛ كان من بينها، وصوله لمقعد رئيس الوزراء، الذي بقي فيه لمدة ثلاثة أعوام، استحدث خلالها مؤسسات جديدة، ووضع جملة من القوانين، وأسّس لمجموعة من القيم المنضبطة في الإدارة ونظام العمل، بهدف منع الفساد المالي الإداري، في بلاط الشاه، ومن ثم، تطوير مؤسسات الدولة، كما عقد اتفاقيات مهمة مع الدول الغربية؛ إذ يعدّ أول من عقد اتفاقية تجارة وملاحة مع الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
ومن بين الأمور التي وضع قواعدها بشفافية وانضباط صارمَيْن؛ تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة؛ بداية من الملك، وحتى أصغر عامل، كما أنشأ أول هيئة للبريد، والعديد من المستشفيات والمصحات الطبية، ويضاف إلى ذلك؛ اهتمامه بتحديث المؤسسة العسكرية، وتطوير الجيش، خاصة أنّها تعرضت لهزيمة فادحة في عهد الدولة السابقة (الصفوية).
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية

مسارات التحديث
لذا؛ اتفق مع النمسا على تولّي أمر تطوير وتحديث الجيش، من حيث التدريبات لأفراده، ومده الجيش بالسلاح، وبعدها تمكّن من عقد عدة اتفاقيات أخرى مع بريطانيا وروسيا.
يعدّ أمير كبير من بين جيل تأثر بالمساحات الجديدة التي اكتشفها الغرب، خلال القرن قبل الماضي، في العلم والسياسة والفنّ، كما يوضح الباحث الإيراني، عدنان زماني، في دراسة منشورة عن رجل الإصلاحات في عهد الدولة القاجارية؛ حيث تطلّع عبر البعثات العلمية، وزيارة المدن الأوروبية، ومشاهدة الجامعات الغربية، أن ينهل مما أنتجته من معرفة جديدة، فقد عاش في تبريز، شمال غرب طهران، في بلاط ولي العهد، عباس ميرزا، والذي كان يحفل بوجود مجموعة من الخبراء الأوروبيين، وانتقل للعمل معهم في إسطنبول، كسفير لدى الدولة العثمانية، لمدة أربعة أعوام، واطّلع على مؤلفات جمال الدين الأفغاني، وآرائه الإصلاحية، التي اشتق منها عناصر عديدة وحاول تطبيقها في الإصلاح والتحديث داخل إيران.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وعليه؛ قام بتأسيس "دار الفنون"، للمرة الأولى في تاريخ إيران، عام 1851؛ حيث تعدّ المدرسة الأولى في إيران، التي تخالف واقع التعليم الديني السائد، حتى ذلك الوقت، وبالتالي، حررت المجتمع من إطار المدارس الدينية المنتشرة، وكان التعليم فيها ينقسم إلى كليات الطبّ والتشريح، والهندسة، واللغة الأجنبية، كما استقدم معلمين لهذه التخصصات، من فرنسا والنمسا، والعديد من الدول الأوروبية، ويذكر أنّه انضمّ لصفوف الدراسة، في المرحلة الأولى، نحو 114 طالباً، واصل جميعهم بعد ذلك دراستهم وتعليمهم في أوروبا، عبر البعثات التعليمية التي توافرت لهم.
كيف تؤسس دولة حديثة؟
وبينما يعدّ ميرزا فراهاني أحد حلقات التحديث الإيراني، الذي بدأ منذ العقد الثالث للقرن التاسع عشر، فقد ساعده اطلاعه على الإصلاحات في الدول الخاضعة للاستعمار العثماني، ومعها إصلاحات محمد علي في مصر، ومتابعته لها بشغف، وتحديثه للجيش، أن ينطلق منها لبناء دولة قوية، لها مؤسساتها وأجهزتها الإدارية، لذا وضع تحديث الجيش في مركز أولوياته، ثم تبع ذلك بناء المؤسسات العلمية والتعليمية والطبية، ودعمها بالبعثات التعليمية الأولى، وبذلك يكون وضع أسس النهضة للدولة، بما جاء في تجربة سلفه في مصر نفسها.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
ومثلما راجت الصحافة، وانتشرت بصورة قوية ومؤثرة، في التجربة المصرية، اهتم ميرزا بالصحافة، وإصدار المطبوعات المختلفة، وأسّس "أمير كبير" الجريدة الرسمية لإيران، المعروفة باسم: "روزنامه رسمي إيران"، بيد أنّ تغييرات جرت بعد ذلك، في الاسم والمضمون والشكل الخاص بالجريدة؛ حيث تبدلت إلى "وقايع اتفاقيه"، إلى أن تمّ الاستقرار على اسم "روزنامه دولت عليه إيران"، قدمت تلك الصحيفة العديد من الترجمات المهمة للمقالات العلمية، وكانت تصدر بثلاث لغات؛ الفارسية والعربية والإنجليزية.
أصدر قراراً بإلغاء التطبير المنتشر في مراسم العزاء

غضب رجال الدين
جلبت الإصلاحات التي قام بها أمير كبير، ومحاولاته التحديثية، خاصة في التعليم، خصومة رجال الدين، ونقدهم له ومحاربتهم إياه؛ لما تسببت فيه خطواته التقدمية من تهميش لدورهم، وتقليص لنفوذهم؛ حيث كان يهاجم العديد من الطقوس الدينية المغلوطة، والممارسات التي كان يعدّها بمثابة "خرافات وشعوذة"، إلى أن انتهى به الحال مقتولاً في مدينة كاشان، جنوب طهران، بعد أيام ليست بكثيرة على عزله من منصبه.

من القضايا التي وضع كبير قواعدها بشفافية وانضباط صارمين تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة

وكان من بين الأمور التي سعى لتنفيذها، فيما يتصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير، المنتشر في مراسم العزاء، كما ألغى وزارة "دار الشرع"، والأخيرة كانت تمارس نوعاً من التعسف والاضطهاد على غير المسلمين، بينما أعطى الأقليات الدينية مزيداً من الحقوق المواطنية والمدنية، وألغى اللجوء للأضرحة الدينية، وتصدى للعديد من الجماعات الدينية المتطرفة.
لم تكن محاربته لطبقة رجال الدين، وهيمنتهم على المجتمع وأفراده، هي السبيل الوحيد لتأليب هذه الطبقة ضدّه، الأمر الذي تسبّب في عزله من منصبه واغتياله، بيد أنّ أمير كبير سعى لتقليص نفوذ الأجانب المسيطرين بقوة على الشؤون الداخلية الإيرانية، وعزل العديد من الولاة المتهمين بالفساد والولاء للأجانب، وبالتالي، عمد إلى تنويع العلاقات مع الغرب؛ ليحدّ من نفوذ البريطانيين والروس الذين كانوا يتقاسمون الوضع المحلي الإيراني، وتوجّه إلى أطراف دولية أخرى، من بينها النمسا والولايات المتحدة، وهو ما يوضحه السفير البريطاني لدى طهران، فيليب هوفمن، في رسالة وجهها إلى وزير خارجية بلاده، آنذاك، وقال فيها: "توجهات أمير كبير ضدّ الروس، لا تعني أنّه من المؤيدين لنا، لكنّ هدفه الرئيس تقليص نفوذ الروس والبريطانيين في إيران والعمل على تنفير الناس منا ومن الروس معاً".

للمشاركة:

كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-03

"الربّ وحده يستطيع تنحيتي من العرش"؛ بتلك الكلمات الأخيرة ذيّل الراحل عن عمر ناهز 95 عاماً، روبرت موغابي، مسيرته المتناقضة بين مناضل من أجل التحرر الوطني إلى ديكتاتور انفرد بالسلطة طيلة أربعين عاماً، لا صوت يعلو فوق صوته، حتى تمّت إزاحته عن السلطة، عام 2017، بعد أن تجاوزّ التسعين من عمره.
لكن ما الذي حوّل موغابي من بطل حرَّر بلاده من الاحتلال إلى دكتاتور؟
نظرة على زيمبابوي
زيمبابوي، أو روديسيا الجنوبية، كما سمّاها الاحتلال البريطاني، على اسم سيسيل رودس، المؤسس الفعلي للإمبراطورية البريطانية، والذي يعدّ أحد أهمّ الشخصيّات في التوسع البريطاني في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث حصل على حقوق المعادن عام 1888، ووفق كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"، للمؤرخ العسكري الأمريكي، بايرون فارويل؛ فإنّ سيسيل حصل على حقوق حصرية، وقّعت إثرها الملكة فيكتوريا، عام 1889، ميثاقاً يمنح رودس ثروة معادن جنوب أفريقيا كاملة، فيما استخدمها سيسيل لإرسال مستوطنين بيض إلى الأراضي الأفريقية، وأنشؤوا منظّمة مسلحة من قبل الحكومة الإنجليزية، سمّيت "BSAP"، وقادت حرباً مع السكان الأصليين من السود.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
وفي عام 1899؛ تمّ إنشاء المجلس التشريعي مع أقلية من المقاعد المنتخبة، وكان المنوط بها تمرير التدابير الحكومية عن طريق كتلة ممثلة لصالح شركة جنوب أفريقيا البريطانية"BSAC" ، التي أنشأها رودس؛ حيث كانت أغلبية الناخبين من المستوطنين البيض وزادت نسبة المقاعد المنتخبة مع مرور الوقت، وبحلول عام 1918، كانت الغالبية تؤيّد حكم ""BSAC، لكن سرعان ما تغير هذا التأييد مع تطور البلاد وزيادة الاستقرار.

 كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ أصدرت المحاكم البريطانية مرسوماً مفاده أنّ الأراضي التي لا تملكها جهات أو أشخاص ملكية خاصية، تصبح ملكاً للتاج البريطاني، بدلاً منBSAC" "، وكان هذا القرار بمثابة دفعة كبيرة لحملة الحكم الذاتي، واحتفظت ردويسيا الجنوبية بحقّ التصويت للبيض والسود الذين يمتلكون رأس مال لا يقلّ عن 150 جنيه استرليني، أو لديهم دخل سنوي لا يقل عن 100 جنيه إسترليني، ويخضع الناخبون لاختبار اللغة الإنجليزية، وظلّت تلك الشروط حتى عام 1951؛ إذ تمّ رفع المؤهلات المالية، وبسبب طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدهر اقتصاد البلاد، وعليه؛ فإنّ الفترة ما بين 1953 و1958، حاولت الحكومة فيها العمل على إصلاحات ليبرالية لزيادة رفاهية السكان السود، خشية التمرد، وذلك عن طريق زيادة فرص تعليم السود، وتقديم السكن والرعاية الصحية، بعد تلك الفترة استمرت الأقلية البيضاء في تحجيم سلطة الأغلبية السوداء، بينما استمر نضال السود لإحباط حكم البيض، حتى تنصيب إيان دوغلاس سميث رئيساً للوزراء، مع استقلال روديسيا غير المشروط من قبل السود، واستمرّ هذا السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد، عام 1980؛ إذ تمكّنت الأغلبية السوداء من حكم زيمبابوي.

استمرّ السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد عام 1980

فارس التحرير الوطني
تبدو شخصية موغابي أكثر تعقيداً بتتبع مسيرته الحياتية، لا سيما بعد توليه السلطة في أعقاب الاستقلال، فالمملكة المتحدة، التي منحته لقب "فارس" تكريماً لنضاله ضدّ الاستعمار، لم تكفّ عن تشويه صورته كديكتاتور أغرق بلاده الواعدة هائلة الثروة، فالصبي الذي نشأ في كنف أمه، بعد أن هجرها والده، وهو لم يتجاوز الثلاثة أعوام، احتضنته المدارس التبشيرية الكاثولوكية، وتفوّق دراسياً، حتى ارتاد جامعة "فورت هير" في جنوب أفريقيا، وبعد التخرّج، تمّ تعيينه معلماً في غانا، ومع قدوم الستينيات، بزخمها في حركات التحرر الوطني، التي اجتذبت موغابي، الذي تلقّى تعليماً جيداً، رحل إلى بلاده عام 1960، ليبدأ عمله السياسي، الذي استهله بالسجن لعشرة أعوام؛ إثر خطاباته التي دعا فيها إلى تدمير المملكة المتحدة، وإنهاء حكمها للبلاد.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة
بعد خروجه من السجن؛ هرب إلى موزمبيق المجاورة، ومن هناك قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"، والذين انشقّوا عن الاتحاد الشعبي الإفريقي لزيمبابوي "زابو"، بقيادة جابوا نكومو، وخاضوا حرباً طويلة ضدّ حكومة إيان سميث، خلّفت 27 ألف قتيل.

قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"

وعام 1979؛ جلب اتفاق لانكستر هاوس، الذي انعقد في لندن، الاستقلال لزيمبابوي، ليعود موغابي إلى وطنه بطلاً متوّجاً، ومعلناً سياسة المصالحة مع البيض، وطلب مساعدتهم في إعادة بناء البلاد، وفي خطابه المشهور بعد الاستقلال، غازلهم بقوله: "إذا حاربتك بالأمس كعدو، فقد أصبحت اليوم صديقاً، وإذا كرهتني بالأمس، فلا يمكنك اليوم تجنّب الحبّ الذي يربطني بك"، وفي بداية حكمه قاد حكومة ائتلافية مع نكومو، لكن سرعان ما أطاحه موغابي، عام 1982، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بحكمه، وعليه فقد تمرّدت قوات نكومو المسلحة، وقادت حرباً أهلية قتل فيها الآلاف من المدنيين، بحسب صحيفة "التايم الأيرلندية"؛ التي نعت نكومو بعد وفاته، عام 1999، واصفة إياه بـ "رجلنا العزيز الكبير"، بينما سحقت قوات موغابي المدربة من كوريا الشمالية تمرد أتباع نكومو، الذين خلّفوا 20 ألف قتيل من المدنيين، في الوقت نفسه؛ قرّر موغابي الاهتمام بالصحة والتعليم، لتصبح زيمبابوي في الثمانينيات من الدول الأفريقية الأكثر صحة، والأفضل تعليماً، في وقت قياسي.

نكومو

الطريق إلى الهاوية
عام 1987؛ عقدت المصالحة بين زانو وزابو، وفي الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، تمّ توقيع اتفاقية الوحدة من قبل الزعيمين، وانضم زابو إلى زانو ليصبح اسمه "زانو بي إف"، وهو ما جعل المعارضة السياسية تتنامى في أيام موغابي، وما جعلها في تصاعد كانت سياسات توزيع الأراضي وتسوية الإرث الاستعماري، الذي بدأها موغابي في التسعينيات من القرن الماضي، في هذا الصدد تحدث مدرس العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، الدكتور أحمد أمل، لـ "حفريات" قائلاً: "لا شكّ في أنّ موغابي كان بطلاً للتحرير، بلا منازع، سوى نكومو، وقد صنع معجزة اقتصادية فيما يخصّ العملية التعليمية والرعاية الصحية التي انتهج فيها نهجاً سوفييتياً بامتياز، لكن بالنظر إلى تسوية الأراضي فقد قاد موغابي حملة عنصرية ضدّ البيض؛ باعتبار أنّ السود صارت لهم اليد العليا، هذه الازدواجية في المعايير خلقت له معارضة تنامت مع زوال الديكتاتوريات المجاوزة في أوغندا، وغيرها من دول الجوار، وتحالفت المعارضة مع بريطانيا في محاولة لإسقاط حكمه، خاصة بعد اتهامه من قبل القوى الدولية؛ بأنّه شيوعي، وذلك لأنّ محرّكه الفعلي للنضال ضدّ الاستعمار كان شيوع الأفكار الماركسية في الستينيات".

صحفية عن موغابي: تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ على الهدايا التي منحت له

ويستطرد قائلاً: "كثيراً ما نفى موغابي ماركسيّته، لكنّ سياساته الإصلاحية كانت تثبتها، وعلى مستوى إعادة توزيع الثروة والأرض؛ فإنّ هذه العملية أطلقت العديد من الأسئلة حول الهوية والجنسية، وكان النقد الموجَّه إلى الرئيس وقتها هو ازدواجية الإمبريالية والتعصب الاستبدادي غير المقبول للمعارضة آنذاك؛ حيث كانت القوات المسلحة درعاً أساسياً لبقائه في السلطة، لكن ما جعل حكمه يتهاوى كان مشروع خلافة زوجته غريس لرئاسة الجمهورية، كان هذا القشّة التي قصمت عرش موغابي إلى الأبد"، وفي مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، بعد وفاة موغابي، يستعرض الصحفي الأمريكي ومدير مكتب "الغارديان" بواشنطن مسيرة موغابي الذي قسّمه إلى شخصين، أحدهما بطلاً للتحرير ولأفريقيا برمّتها، أمّا الآخر؛ فهو ديكتاتور غامض وقاسٍ، لكنّه في غاية الذكاء، يعرف الهدف ويصيبه سريعاً، ومن خلال مقابلة أجراها سميث مع وزير مالية موغابي، سيمبا ماكوني، فإنّ موغابي بالنسبة إليه كان موغابي السابق "بطلاً للتحرير"، ثمّ ديكتاتوراً متكالباً على السلطة، واستعرض ماكوني في المقابلة جانباً من شخصية موغابي، قائلاً: "رجل قويّ وغامض، ذكي ومرح، ويحاول بشتى الطرق أن يخفي نقاط ضعفه".

عشاء مع موغابي
في كتابها "عشاء مع موغابي"، تسبر الصحفية الجنوب أفريقية، هيدي هولاند، أغوار الرئيس الغامض، التي سردت سيرة ثلاثين عاماً من حياته، ولا يخلو كتابها من التناقضات التي اتّسمت بها شخصيته؛ ففي بداية الكتاب فصول كاملة تسرد سيرة الرجل المحارب الذي حرر بلاده بروح قتالية نادرة الوجود، وباستكمال السيرة، خاصة مع بداية التسعينيات، نجد أنفسنا أمام شخصية أخرى، غاية في القسوة وحبّ السلطة، الذي دفعه لسحق المعارضة على مرأى ومسمع من العالم، وتصفه بقولها: "رجل تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة، لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ بنعمة على الهدايا التي منحت له من بلاده".

كتاب "عشاء مع موغابي"

بينما تتوازى سيرة موغابي مع مانديلا؛ فإنّ الأخير أجرى مقابلة مع الصحفي الجنوب أفريقي، إليستر سباركس، في مطلع الألفية؛ إذ يصفه مانديلا: "كان النجم، ثم أشرقت الشمس"، ويوضح سباركس الكره الشديد الذي كنّه مانديلا لموغابي الذي كان ينافسه على قيادة أفريقيا، إلّا أنّ مانديلا سرعان ما تنازل عن السلطة قبل أن تشرق عليه الشمس، كما موغابي.
وبحلول عام 2008؛ تمّ تجريد موغابي من لقبه الفخريّ، وتعرض لعقوبات دولية كانت بريطانيا خلفها بلا منازع، بينما ظلّ، حتى نهاية حياته، يردّد جملته الأكثر شهرة: "لن تكون زيمبابوي مستعمرة مرة أخرى".

للمشاركة:



عدد الإرهابيين الخطيرين يتضاعف 5 مرات في ألمانيا.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

ذكر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، هولجر مونش؛ أنّ عدد الإسلاميين الخطيرين أمنياً في ألمانيا تضاعف بمقدار يزيد عن 5 مرات، منذ عام 2013، ليصل اليوم إلى نحو 680 فرداً.

رئيس الشرطة الجنائية: سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد منذ 2016

وأضاف مونش، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية، الصادرة اليوم: "سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد، منذ هجوم الدهس الذي وقع قبيل الاحتفالات بعيد الميلاد (الكريسماس)، عام 2016".

وقال مونش؛ إنّ القصور الذي وقع في الإجراءات القانونية المتعلقة بشؤون الأجانب والمراقبة والملاحقة الجنائية، للتونسي أنيس العمري، الذي نفّذ بعد ذلك هجوم الدهس في برلين، لا يمكن أن يحدث بعد ذلك الآن.

ومن ناحية أخرى؛ وصف مونش التهديدات من اليمين المتطرف على الإنترنت، بأنّها "تعرض الديمقراطية للخطر"، معلناً في الوقت نفسه تأسيس "مركز مركزي لمكافحة الكراهية على الإنترنت"، وقال: "يتعين علينا التصدي لجرائم الكراهية على الإنترنت بصورة أقوى، الإنترنت يبدو أحياناً مثل معقل أخير للغرب المتوحش، وعندما تؤدي تهديدات اليمين إلى عدم منافسة ساسة محليين في الانتخابات وانسحاب المتطوعين من نشاطهم التطوعي، فإنّ هذا يعتبر أمراً مهدداً للديمقراطية".

مونش يؤكّد أنّ تهديدات اليمين المتطرف تعرّض الديمقراطية للخطر ويجب التصدي لجرائم الكراهية

يذكر أنّ العمري استولى على شاحنة، في 19 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ودهس بها جموعاً بشرية في أحد أسواق الكريسماس في برلين، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وعقب الجريمة فرّ العمري إلى إيطاليا؛ حيث لقي حتفه بعد أربعة أيام، برصاص الشرطة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يعترفون: زرعنا 2500 حقل ألغام!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أبلغت ميليشيات الحوثي الإرهابية رئيس فريق المراقبين، الجنرال الهندي أبهيجيت جوها؛ بأنّ حقول الألغام التي زرعتها تتجاوز 2500 حقل، في منطقة المنظر والمنصة جنوب غرب الحديدة، وأنّ الذين زرعوا هذه الألغام قتلوا لذلك لا يستطيعون انتزاعها.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تؤكّد لرئيس فريق المراقبين أنّ الذين زرعوا حقول الألغام قُتلوا

وكان فريق الأمم قد أقام، أمس، رابع نقطة مراقبة في منطقة منظر للإشراف على وقف إطلاق النار، وربطها بغرفة العمليات في السفينة الأممية قبالة سواحل اليمن، متهماً ميليشيا الحوثي بقصف منازل المدنيين، في مديرية التحيتا ومواقع الجيش اليمني، رغم الجهود الأممية الرامية للتهدئة، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ".

ولفتت المصادر إلى أنّ الميليشيا ارتكبت خلال الساعات الماضية 20 خرقاً، وتعرضت نقاط لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الثلاث في شرق الحديدة لاستهداف مباشر.

في غضون ذلك؛ طالب نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في اليمن، رضا قريشي، بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي، مؤكداً أنّ البرنامج قدم غداء ودواء وماء تكفي لـ 3 أشهر.

وأوضح في بيان له أمس؛ أنّ 200 شخص ما يزالون معرضين للخطر في المدينة، وسط تفاقم معاناتهم وتوقف المراكز الصحية والمحلات التجارية.

برنامج الغذاء العالمي في اليمن يطالب بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي

وتتخذ المليشيا من المدنيين في الدريهمي دروعاً بشرية، وتمنع خروجهم إلى أماكن آمنة بعد أن زرعت حزام ألغام حول المدينة.

ونجح برنامج الغذاء العالمي، الأسبوع الماضي، بعد أن تمكنت قوات التحالف العربي وآليات كاسحات الألغام من تنظيف الطرق المؤدية إلى المدينة من الألغام الحوثية، في تأمين دخولهم عبر طرق ريفية وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين.

 

للمشاركة:

لليوم السابع.. احتجاجات لبنان تستمرّ ولا بوادر للانفراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

تتواصل الاحتجاجات في لبنان، لليوم السابع على التوالي، وتشهد البلاد شللاً جزئياً، بفعل قطع المحتجين لمعظم الطرقات الرئيسة في مختلف الأراضي اللبنانية، وإغلاق المدارس والمعاهد والجامعات والبنوك.

وبدأ المحتجون، منذ ساعات صباح اليوم، بالتوافد إلى ساحة رياض الصلح وسط بيروت، إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"، كما يسمّيها المحتجون، وسط رفض تام للورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة اللبنانية، في محاولة لرأب الصدع الاقتصادي والمعيشي الذي أدّى إلى انفجار الشارع، وفق "روسيا اليوم".

المحتجون منذ ساعات الصباح يتوافدون إلى وسط بيروت إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"

إلى ذلك، يصرّ المحتجون على إقفال الطرقات المؤدية إلى العاصمة مع بداية كلّ يوم؛ حيث تعمل القوى الأمنية بالتفاوض مع المحتجين إلى فتحها ولو جزئياً في ساعات المساء.

كما يعمد المحتجون إلى قطع الطرقات التي تصل جنوب لبنان ببيروت، وبيروت بجبل لبنان والبقاع والجنوب، تأكيداً على عدم مركزية الاحتجاجات وانتشارها في كلّ أرجاء البلاد.

وبينما أصدر وزير التربية والتعليم العالي، أكرم شهيب، قراراً بإعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات اليوم، ولا يبدو أنّ قراره لقي آذاناً صاغية؛ حيث أقفلت اليوم أيضاً غالبية المدارس في كلّ لبنان، فيما تركت معظم المؤسسات الخاصة الكبيرة تقدير إمكانية الحضور للموظفين وفق ظروف مناطقهم.

وأفادت صحف محلية؛ بأنّه "تمّ تشكيل قيادة من مدنيين وعسكريين متقاعدين، لإدارة حركة الاحتجاجات، ويجري التكتم على إعلان أسمائهم لتجنب الخلافات".

سياسياً؛ أفادت صحيفة "الجمهورية" بأنّ اتصالاً جرى ليلاً بين رئيس البرلمان، نبيه بري، ورئيس الحكومة، سعد الحريري، أكّد خلاله الأخير؛ أنّ "الحديث عن استقالة الحكومة ليس وارداً، وليس مطروحاً على الإطلاق، وبالتالي لا توجد استقالات أو تعديل للحكومة، والأولوية للتنفيذ السريع للمقررات التي انتهى إليها مجلس الوزراء".

وكانت معلومات قد تحدثت، أمس، عن احتمال إجراء تعديل وزاري يطيح بالوزراء "الاستفزازيين" في الحكومة، بهدف امتصاص نقمة الشارع، إلا أنّ هذه الاقتراحات لم تلقَ قبولاً من المحتجين.

ومع اقتراب نهاية الشهر، برزت علامات استفهام في شأن مصير الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، في ظلّ استمرار المصارف في إقفال أبوابها اليوم أيضاً.

الحريري وبري: لا توجد استقالات أو تعديل حكومي، والأولوية للتنفيذ السريع لقررات مجلس الوزراء

وفي هذا السياق؛ طمأنت وزارة المالية بأنّ "دوائرها المختصة تتابع العمل على إنجاز معاملات دفع الرواتب كالمعتاد في مثل هذا التوقيت من كلّ شهر، والتي ستحوَّل إلى المصرف المركزي في مواعيدها العادية والطبيعية".

وكانت مجموعة "لـ حقي" أعلنت في بيانها رقم 8، مساء الثلاثاء، استمرار التظاهرات في كافة المدن اللبنانية، حتى "استقالة الحكومة الفورية، وتشكيل حكومة إنقاذ مصغرة مؤلفة من اختصاصيين مستقلين لا ينتمون للمنظومة الحاكمة، فضلاً عن إدارة الأزمة الاقتصادية وإقرار نظام ضريبي عادل".

كما طالبت بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانوني انتخابي عادل، وتحصين القضاء وتجريم تدخل القوى السياسية فيه.

 

للمشاركة:



مصرع المتنبي.. آل بويه أم اللُّصُوص؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

رشيد الخيّون

احتفلت الموسوعة الشعرية في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، في 23 سبتمبر المنصرم، بمرور (1054) عاماً، حسب التقويم الهجري، على مصرع أبي الطَّيب المتنبي، فقيل قُتل في (27 رمضان 354هـ) المصادف (سبتمبر 965م)، فتوافق الذكرى الـ(1087) حسب الميلادي. إنها ليست المرة الأولى الذي يحضر فيها المتنبي بأبوظبي، بل أحييت عدة مناسبات حوله، في معارض الكتب والندوات الثَّقافيّة، وطباعة ديوانه محققاً، مع صورة مخطوطته في مجلد خاص. وحسب متابعتي، أجد أبا الطَّيب الشَّاعر الأكثر حضوراً، مِن الأوائل والأواخر، في مناسبات أبوظبي الثَّقافيَّة والأدبيَّة، فليس دافع هذا الاحتفاء بحاجة إلى توضيح، فالمتنبي مازال «مالئ الدُّنيا وشاغل النَّاس»، وكان هذا عنوان الاحتفال بذكرى مصرعه.
وكانت مجلة «المقتطف» قد احتفلت بمرور ألف عامٍ على مصرع المتنبي (1935)، ونشرت كتاباً للمحقق والأديب المصري محمد محمود شاكر (ت 1997)، بعنوان «المتنبي»، وكان مِن أبلغ مَن كتب مِن المتأخرين عنه، وبعد حين حصل الكتاب على جائزة «الملك فيصل العالميَّة» (1984). يأتي بعده، في النّشر، كتاب الشَّاعر والأديب البحريني إبراهيم العَريَض (ت 2002) «فن المتنبي بعد ألف عام» (نُشر 1962).
وتزامناً مع «المقتطف»، احتفت مجلة «الرِّسالة» المصرية بألفية المتنبي في العام نفسه، واستكتبت أبرز أدباء وشعراء ذلك الوقت، وبينهم جميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936)، والذي وصف المتنبي بعبارة: «مثل بحرٍ رحيب» (مجلة الرسالة). بحثتُ في المجلات العربية، منذ (1935) وما قبلها، وحتى يومنا هذا، عن طريق «موقع» أرشيف المجلات (عن مؤسسة صخر لصاحبها الأديب الكويتي محمد الشَّارخ)، ما استطعت إحصاء البحوث والمقالات التي كُتبت في أبي الطيب!
ليس بين الأوائل، مَن أسس لسيرة المتنبي أكثر أهمية مِن أبي منصور الثَّعالبي (ت 429هـ) في «يتيمة الدَّهر»، فيبدو لم يسبقه أحد بنقد شعر المتنبي، وما تضمنه مِن كنايات وأمثال. قال فيه: «نادرة الفلك، وواسطة عِقد الدَّهر» (اليتيمة). كذلك لا يتجاوز مَن أراد دراسة المتنبي مِن السابقين واللاحقين، ما أرخه القاضي المُحَسّن التَّنوخي (ت 384هـ) في «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة». فعلى ما يبدو معظم المؤرخين، نهلوا منهما في هذا الشَّأن، فهما مِن مجايليه، خصوصاً صاحب النّشوار.
لا ينتسب المتنبي لقبيلة أو مذهب، وقصة والده عيدان السَّقا، واسم المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي، يشوبها الغموض، لهذا وجد البعض مجالاً في نسبته إلى العلويين، على أنه تعلم في كتاب الأشراف بالكوفة، وفي شبابه ادعى أنه قائد ثورة علوية ببادية السّماوة، فاستنفر عليه والي حمص للأخشيديين واعتقله ثم استتابه.
قيل الكثير في سبب لقبه بالمتنبي، هل كان لبيت شعر شبه نفسه ببعض الأنبياء، أم لادعاء النّبوة فعلاً؟! فقيل كان له كتاب «يُعارض به القرآن»، ولما سئل عنه في الكبر، قال ذاك كان زمن الحداثة (التَّنوخي، نشوار المحاضرة). تاه البعض فيه، وأظهر مِن شعره دلائل بأنه ابن شخصية علوية بارزة، ابن المهدي المنتظر مثلاً، وبهذا يكون الإمام الثَّالث عشر للإماميَّة، مما سيربك نظريَّة الإمامة إذا صح ما جاء في كتاب عبد الغني الملاح (ت 2002) «المتنبي يسترد أباه» (1973-1974).
كان اعتزاز المتنبي بموهبته طافحاً في شعره: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي مَن به صممُ». قالها قبل وجود أبي العلاء المعري (ت 449هـ) أشد المعجبين به، والذي عنون تفسيره لديوانه بـ«معجز أحمد»! هناك مَن لا يُشمئز مِن غروره، وكأنه هو هكذا، فإذا قال محمد مهدي الجواهري (ت 1997): «كلما حُدثتُ عن نجمِ بدا/ حدثتني النَّفس أن ذاك أنا»، فليس هذا بغرور إنما تعبير عن موهبة عالية في الشعر؟! فالمتنبي نظر الأعمى في أدبه والجواهري شبّه نفسه بالنجم، فما الغرور في ذلك، طالما الأمر يخص موهبتهما؟!
تغنى الجواهري في أكثر من قصيدة بعظمة المتنبي. وجاء في قصيدة «يا ابن الفراتين» (بغداد 1969)، بما يُشير إلى مصرعه: «ناشدته وعلى أثوابه عَلَقٌ/ مِن الدِّماء، ومِن حباتها زردٌ»، ويؤكد أنهما مِن دوحة واحدة: «أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنبٌ بها/ وإن طاح مِن أركانه عمدٌ/ فكن أبا الطَّيب الجبارَ لي مدداً/ ولي بما صُغتَ مِن جبارةٍ مددُ» (الدِّيوان). شارك أيضاً بـ«فتى الفتيان» في افتتاح مكتبة «المتنبي» الوطنية ببغداد (1977)، وضمن احتفال بألفيته، ومنها: «أراب الجنَّ أُنسٌ عبقريٌ/ بوادي عبقر افتَرَش الجِنانا/ تطوف الحورُ زِدْن بما تَغَنّى/ وهنَّ الفاتنات به افتتانا».
أتذكر كان الشَّاعر السوري سليمان العيسى (ت 2013) حاضراً، فخلع معطفه وأخذ يلوح به في الهواء إعجاباً بالاثنين.
كان المتنبي عائداً مِن شيراز، حيث اللّقاء بعضد الدولة البويهي (ت 372هـ)، وقال فيه: «ولو أني استطعتُ حفظتُ طرفي/ فلم أبصر به حتى يراك»، وكان عضد الدَّولة سخياً معه، وأراد سماع ما يرجحه به على سيف الدولة الحمداني (ت 357هـ)، فدس مِن سأله، فقال: «هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف، وكان سيف الدَّولة يعطي طبعاً»، وهذا ما قتله وهو في طريقه إلى بغداد، وكان أحد وزرائها حشد الشّعراء لهجائه فيها، لأنه رفض مدحه، فردَّ قائلاً: «أرى المتشاعرين غُروا بذمّي ومَن ذا يحمل الدَّاءَ العضالا» (النشوار واليتيمة).
أما الرّواية الأخرى في قتله فإن لصوصاً خرجوا عليه عند النعمانية أسفل بغداد، حيث دير العاقول، وقتلوه وولده، ولم يعلم اللّص فاتك الأسدي قَتل مَن. أما أنه قتله لأنه هجا والده، فهذا اختلاق القصاصين. هذا، ولا يمنع أن يكون الأمران معاً: إشارة مِن البويهيين بقتله نكاية بغرمائهم الحمدانيين، وجرأةً مِن اللّصُوص.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

مظاهرات لبنان: هل بدأ نظام المحاصصة الطائفية يتصدع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

مارتن بيشنس

نحو أسبوع كامل، أبدى الناس في لبنان تمردا غير مألوف ضد ساستهم.

وأغلقت مدارس وجامعات وشركات مع تدفق مئات الآلاف من المتظاهرين على ساحة الشهداء بقلب العاصمة بيروت ومناطق أخرى بشتى أنحاء البلد، للتظاهر ضد أشخاص حققوا مكاسب بينما قادوا لبنان إلى جحيم اقتصادي.

واندلعت المظاهرات بسبب ضريبة على الاتصالات عبر تطبيق واتساب، لكن الحكومة سرعان ما تخلت عنها.

وبالرغم من هذا، لم تتمكن الحكومة من احتواء غضب أمة سئمت الركود الاقتصادي، والفساد المزمن، وغياب الخدمات العامة الأساسية.

ويعاني الاقتصاد اللبناني حاليا تحت وطأة واحد من أعلى معدلات الديون في العالم.

اللافت هو أن الاحتجاجات تجاوزت الخطوط الطائفية التي ابتلي بها لبنان طيلة عقود.

ويقول متظاهر يُدعى كريستيان ماناشي "لأول مرة على الإطلاق هناك وحدة حقيقية في البلد وليست زائفة مثل ما شاهدنا في السابق".

"الناس أدركوا أن المسيحي الذي يعيش في فقر مدقع لا يختلف عن السني أو الشيعي الذي يعيش في فقر مدقع"، بحسب ماناشي الذي يبلغ من العمر 29 عاما.

وبموجب النظام السياسي في لبنان، توزع المناصب السياسية العليا وفقا للطائفة، وهو ما أدى إلى نظام من المحسوبية تمكن السياسيون من استغلاله ببراعة.

وطالب المحتجون زعماءهم بالاستقالة. وقد استقال عدد من الوزراء بالفعل، لكن غالبيتهم مازالوا يقاومون.

وأعلن رئيس الحكومة، سعد الحريري، أمس عن مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية، يأمل أن ينجح بعضها في تهدئة غضب المحتجين. فقد تعهد بخفض رواتب السياسيين، والاستثمار في مجال الطاقة، وفرض ضرائب على المصارف للمساعدة في خفض الدين العام.

وحرص الحريري في كلمته على ألا يلهب الموقف أكثر، قائلا إنه استمع لغضب الناس.

لكن كثيرا من المتظاهرين يرون أن الحكومة تأخرت ولم تقدم إلا القليل، وقد تعهدوا بالبقاء في الشوارع بهدف "إسقاط النظام".

وقال لي محتج شاب "الأمر كله كان مبهما. لماذا لم يفعلوا هذا منذ 30 عاما؟".

غير أن الزعماء السياسيين في لبنان سيأملون أن تخبو الاحتجاجات - التي اندلعت على نحو عفوي غير منظم - في نهاية المطاف.

إذا لم يحدث هذا، فسيتجه البلد إلى منطقة مجهولة. ومن شأن هذا إثارة قلق الغرب، الذي يعتبر لبنان بمثابة منطقة تنعم باستقرار نسبي في الشرق الأوسط المضطرب.

ومما لا شك فيه أن لبنان بلد يشعر بأنه وُلد من جديد في الأسبوع المنصرم. فالناس المهمشون منذ عقود شعروا فجأة أن بإمكانهم محاسبة النخبة السياسية والمطالبة بالتغيير.

وربما حافظ اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية قبل 30 عاما، على السلام، لكنه خلق كذلك مأساة اقتصادية لكثير من اللبنانيين، وقد بدأ يتصدع.

غير أن الخطر الحقيقي مختف خلف قناع المناخ الاحتفالي، الذي يصطحب فيه الناس أبناءهم للاحتجاجات ويرقص فيه متظاهرون بحماس في طرابلس. فالخلافات القديمة لا تموت بسهولة.

وربما شلّت هذه الاحتجاجات المفاجئة حركة الزعماء السياسيين في لبنان، لكن هذا لا يعني أنهم سيسلمون السلطة دون قتال.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل يعلن نصر الله الجهاد على لبنان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

مشاري الذايدي

ماذا لدى زعيم «حزب الله»، حسن نصر الله، حامي العهد اللبناني السياسي القائم، ليعيد الشعب اللبناني الثائر إلى منازلهم؟
حسن نصر الله قال صراحة، في خطبته المثيرة تعليقاً على انتفاضة الشارع اللبنانية الكبرى، إنه ليس بمقدور أحد إسقاط العهد، ومسح على لحيته، وقال: «خذوها من هالدقن»!
العهد هو اصطلاح لبناني يعني رئيس الجمهورية وتركيبته السياسية التي تؤمن له الحكم، وفي مقدمها حزبه السياسي، التيار الوطني الحر، أو التيار العوني كما يسمى في لبنان.
يضاف لهذه المفردات، طبعاً، رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي يؤمن الغطاء السني والدستوري لهذه الحكومة وهذا العهد.
«حزب الله» هو المستفيد الأكبر من هذه الحكومة وهذا العهد، فهو يفعل ما يريد تحت غلالة شرعية مدنية شكلية، خاصة مع التضييق الدولي بقيادة أميركا، على إيران وأذرع إيران، ومن أهم هذه الأذرع، شبكة «حزب الله» اللبناني.
دوما يتفاخر نصر الله في خطبه التي يزبد فيها ويرعد، بترسانته من الصواريخ التي تطال حيفا وما بعد حيفا، ولكنها في الواقع طالت الزبداني وما بعد الزبداني، وفتكت بالشعب السوري لصالح الحرس الثوري الإيراني الإرهابي.
يتفاخر بنخبه العسكرية وأصحاب القمصان السوداء من الحزب الأصفر، ممن اتهموا بقتل الرموز السياسية المدنية، وفي مقدمهم رفيق الحريري وجبران تويني ومحمد شطح وجورج حاوي وبيير الجميل وغيرهم ودرّسوا خطف الطائرات المدنية وتفخيخ السيارات.
حسناً، هذه الصواريخ الإيرانية الصنع، وكتائب المقاتلين، بماذا ستنفع حسن نصر الله، ومن يسيّره في إيران، في ردع الشعب اللبناني المنتفض؟
هل سيطلق صواريخه على الناس في ميادين صور والنبطية وبيروت وطرابلس والمتن وبنت جبيل وجلّ الديب؟
هل يعلن مجلسه الجهادي الجهاد على الشعب اللبناني؟ هل يتصدر قادة إرهاب الحزب الخميني اللبناني أمثال طلال حميّة وسليم عياش ونبيل قاووق ومحمد يزبك وهاشم صفي الدين المشهد ويقتلون الناس باسم الله؟
نعم «حزب الله» هو الطرف الوحيد الذي يملك السلاح الفتاك، ولكن بماذا سيفيده هذا السلاح اليوم؟ إن استعمله ضد الناس في شوارع وميادين لبنان، فهو يضع نفسه بشكل نهائي في خانة العدو للوجدان اللبناني العام، وإن لم يستعمله ضاق به، وصار هذا السلاح عليه لا له.
لقد كسر الحاجز، وشبّ عمرو عن الطوق، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وحتى لو «مرقت» هذا الهبة، فالمقبلة أعظم منها. فهل يعلن «نصر الله» الجهاد على لبنان؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية