"علامات في طريق القتال".. هل تكفي السير الذاتية لفهم الظاهرة الإرهابية؟

4126
عدد القراءات

2018-01-28

الاعتماد على السير الذاتية، في فهم ظاهرة الجهاد المعولم، مسألة شائكة للغاية، فغالبية هؤلاء الجهاديين، لم يكتبوا سيرهم الذاتية، أو مذكراتهم الشخصية، ولم تحرص أي شخصية منهم على كتابة تاريخها المرتبط بتاريخ الجماعة، إما لزعم التورع الذي "قد يفقد المجاهد ثواب جهاده عند الله"، وإما خوفاً من كشف عورات التنظيم وعدم إثارة الخلافات داخله، أو منح أجهزة المخابرات معلومات مجانية يمكنها الاستفادة منها في معالجتها للتنظيم، أو تسديد ضربات له ولأعضائه وقياداته، أو حتى تعرض أهلهم للإيذاء عبر الضغط عليهم.

فرضية السيرة الذاتية للجهاديين

إلا أنّ كتاب "علامات في طريق القتال.. ما تفصح عنه حياة مائة جهادي عن حركة عالمية" يتّخذ هذا المنحى في تحليل ظاهرة الجهاد العالمي، عبر قراءة سير هؤلاء القادة الجهاديين، وبُني على فرضية تقضي بأنّ الرحلات الفردية هي ما تشكل ظاهرة الجهاد العالمي، "هكذا على الإطلاق"، وهو ما يعني أنّ تأثير الأفراد هو المعول عليه في تشكيل الشبكات، وتعد المعارف بذلك من أهم اعتبارات الجهاديين العالميين، والاتصالات الشخصية، وفق هذا التحليل، مفتاح مهم ساعد على تطور الحركة الجهادية.

الاعتماد على السير الذاتية في فهم ظاهرة الجهاد المعولم مسألة شائكة للغاية لأن غالبية الجهاديين لم يكتبوها

الكتاب الصادر عن "مركز الدراسات الدينية والجيوسياسية" بالمملكة المتحدة الذي كتبه ثلاثة من الباحثين هم: مبارز أحمد، ميلو كمرفورد، إيمان البدوي، يعتمد على التدقيق في السير الذاتية لــ100 جهادي بارز، على اختلاف جنسياتهم، ولغاتهم، وظروفهم الاجتماعية، حتى يصل في النهاية لعدد من النتائج غير الدقيقة نتيجة الاعتماد على أخطاء معلوماتية فادحة.

ومن الأسماء التي درسها الكتاب، الذي نشرته مكتبة الاسكندرية عبر سلسلة "مراصد" وترجمته للعربية شريهان سعد، "أبو أيوب المصري" الذي قاد تنظيم القاعدة في العراق، خلفاً لأبو مصعب الزرقاوي، حتى قتلته القوات العراقية والأمريكية العام 2010، ومنهم أيضاً "سيف العدل"، أحد زعماء "القاعدة".

غلاف الكتاب

أخطاء تشكك في نتائج الكتاب

الكتاب يذكر أنّ "المصري" التحق بكلية الصيدلة، قبل تحول اهتمامه بدارسة الاقتصاد، ثم درس علم التشريح في المملكة العربية السعودية، وأنّه كان عضواً بارزاً في جماعة الإخوان المسلمين... وهو ما يؤكد أنّ الكتاب وقع فريسة للمعلومات غير المدققة على شبكة الإنترنت، التي خلطت بين القيادي السلفي الجهادي، شريف هزاع، الذي يحمل كنية "أبو أيوب المصري"، وعبدالمنعم عز الدين البدوي، الذي حمل الكنية ذاتها، وهو الشخصية الحقيقية التي تزعمت تنظيم القاعدة في العراق، وقيل إنّه هو الذي وضع الأسس الحالية لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

لا شك أنّ ذلك يفقد البحث جزءاً من صدقية نتائجه، ويشكك في نسب الاستبيان، فـ"البدوي"، لم يدرس الصيدلة أو التشريح؛ بل تخرج من كلية التربية بجامعة الزقازيق، شمال القاهرة، وذلك سيؤثر في النسبة المئوية للعينة التي ضمت المائة جهادي، التي تؤكد أنّ الذين خرجوا من كليات عملية أو تطبيقية بلغت 57%.

الكتاب وقع في مغالطات واضحة نتيجة الاعتماد على معلومات خاطئة في السير الذاتية لمئة جهادي بارز

وإذا عرفنا أنّ "البدوي" لم يكن عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، فأنّ ذلك سيغير في النتيجة التي قررت أنّ نسبة 59% انتقلوا من جماعة إلى أخرى، وأنّ نسبة 51% قد انتقلوا من جماعة إسلامية غير عنيفة، وخاصة جماعة الإخوان والجماعات التي تنتسب لها.. وهكذا.

لكن الملاحظة المهمة أنّه في سرد سيرة "أبو أيوب المصري" تغاضى الكتاب عن الإفصاح عن مسمّاه الحقيقي أصلاً، وهو عبدالمنعم عز الدين البدوي، واكتفى بكنيته فقط، بدون ذكر للأسباب، فربما الغموض الذي يكتنف الشخصية، قد أبعدهم عن ذكر اسمه الحقيقي، لتلافي الوقوع في أخطاء، إلا أنّ الكتاب ارتكبها بالفعل!

أما في السيرة الذاتية لسيف العدل، فقد وقع الكتاب في خطأ مشابه، فلم يكشف الاسم الحقيقي للشخصية، التي تاهت بين اثنين، أحدهما كان ضابطاً في الجيش المصري، وهو محمد صلاح الدين زيدان، والآخر هو محمد مكاوي؛ مما كان له تأثيره في النتائج أيضاً، التي حاولت الخروج بنسبة مئوية من العينة تتعلق بمن كانت لهم علاقات بالدولة، أو خدم في الجيوش النظامية.

بين التجنيد الفردي والمصادفة

فالتجنيد الفردي الذي تطلق عليه بعض الجماعات "الدعوة الفردية"، يحتل محوراً مهماً في كيفية تجنيد الأفراد لدى تلك الجماعات، إلا أنّ هناك وسائط وأدوات أخرى للتجنيد من بينها الجماعة ذاتها ككيان معنوي، فضلاً عن أحداث ومواقف وظروف دينية واقتصادية واجتماعية وسياسية، تساهم بشكل كبير في دفع الأفراد للالتحاق بالجماعات دون تأثير للأفراد بشكل مباشر.

فالمصادفة وحدها هي التي دفعت أبو مصعب الزرقاوي لتشكيل تنظيمه "التوحيد والجهاد" في العراق؛ حيث ألقت به الرياح إلى هناك بعد الهجمات الأمريكية على أفغانستان، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، رغماً عنه، كما أنّ وجوده السابق في أفغانستان أيضاً كان مصادفة؛ إذ إنّ غايته كانت الشيشان، لكنّ ظروفاً ما حالت دون وصوله لهدفه فحول وجهته إلى أفغانستان، ثم إلى العراق، قبيل الغزو الأمريكي العام 2003.

ينبّه الكتاب لدور الأفراد الخطير في بناء الشبكات داخل السجون باعتبارها جزءاً مهمّاً في تطوير هذه الشبكات

إلا أنّ التأثير الأكبر في تحول شخصية "الزرقاوي" في البداية إلى سلفي جهادي عنيف، كانت حادثة فردية صدمته، حين كان يلهو في مدينة الزرقاء الأردنية.

ويأتي دور العلاقات الشخصية عن طريق ما يطلق عليه في أدبيات التنظيمات "التزكية"، وهو المصطلح التي يستخدم لتمرير عضوية لأحد العناصر الجدد، حتى تضمن عدم اختراق تنظيمها الشبكي.

التجنيد داخل السجون

كما يعتبر الكتاب أنّ دور الأفراد في بناء الشبكات داخل السجون خطير للغاية، ويشدد على اعتبار "السجون جزءاً مهمّاً في تطوير الشبكات الجهادية؛ ففي السجون يتواصل القادة الجهاديون، بعضهم مع بعض ويطورون أيديولوجيتهم ويبنون العلاقات لما بعد، ولهذه التجارب أثرها الفعال، فينمو الفرد داخل الدوائر الجهادية، وعليه، لا بد أنّ تكون السجون قادرة على عرقلة هذه المعاملات".

هذا رصد صائب للدراسة، ولما يمكن أنّ تفعله السجون، في خلق شبكات جهادية، وإنتاج عناصر جديدة أو أكثر تشدداً، تبع ذلك توصية يصعب تنفيذها في واقع السجون العربية على الأقل، فقد تحتوي السجون في العديد من تلك الدول، على الآلاف من السجناء الجهاديين، الذين قد يصعب فرزهم، وبناء سجون بمواصفات عالية يمكنها تحقيق ذلك، فضلاً عن حالة الفساد الإداري التي تتيح، بشواهد كثيرة، لكثير من السجناء القدرة على إدارة عمليات من داخل السجون، وتنفيذ عمليات هروب، وليس فقط حرية التواصل بين الزنازين والعنابر.

انتكاسات المراجعات

وتتطرق الدراسة لعمليات المراجعات التي أجراها عدد من الجماعات الجهادية، في إشارة واضحة لتجارب الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر، والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، وترى أنّه "قد تخلى الكثير من الإسلاميين والجهاديين عن فكرهم، من خلال برامج معالجة التطرف في السجن بالعديد من الدول العربية، وليس من المرجح أنّ يتخلى الجهاديون المتعصبون عن أهدافهم الإسلامية بسهولة، ولكن اتباع منهج منظم للتعامل مع العنف في فكرهم يعتبر خطوة بداية أساسية، وضع كبار الجهاديين في زنزانات مستقلة داخل السجون وعزل القادة والمفكرين، الجهاديين الحاليين عن المبتدئين؛ مما سيساعد على منع إنشاء هياكل نحو التطرف".

عمليات المراجعة داخل السجون آتت ثمارها لدى البعض إلا أنّه ثبت فشلها عند عرضها للتقييم الشامل

صحيح أنّ عمليات المراجعة داخل السجون قد آتت ثمارها لدى البعض، إلا أنّه ثبت فشلها عند عرضها للتقييم الشامل، فلم يمر سوى عامين على مراجعة الجماعة الليبية المقاتلة، حتى قادت حركة جهادية مسلحة ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي، ثم انبثق عنها العديد من المليشيات المسلحة، التي ما تزال تعاني منها الدولة الليبية حتى الآن.

كما أنّ مراجعات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر، منيت بانتكاسة كبرى، بدأت إرهاصاتها بعد سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، ثم أخذت في التجلي بعد أحداث الـــ30 من يونيو 2013.

التعليم الديني لسجناء التنظيمات

وتنصح الدراسة بــ"توفير برامج التعليم الديني الإلزامي للسجناء المدانين بجرائم تتعلق بالفكر الجهادي؛ بحيث تتضمن دراسة نقدية للنصوص الأساسية للفكر السلفي الجهادي، وقراءات معمقة للأدب التعديلي التصحيحي الذي أنتجته شخصيات ومجموعات رائدة ممن نبذوا العنف، ودراسة لأعمال كبار علماء الإسلام عبر التاريخ من أجل تطوير فهم أكثر تقدماً عن دور الإسلام في المجتمع الحديث، وتدشين برنامج إرشادي بين المدانين بجرائم الفكر الجهادي وعلماء الإسلام من المؤسسات الدولية المرموقة، لتشجيع فهم أدق للدين. وتعد خطط مراسلة "زملاء القلم" المتاحة حاليّاً للسجناء لدعم إعادة تأهيلهم نموذجاً في هذا الصدد".

التزكية مصطلح يستخدم لتمرير عضوية لأحد العناصر الجدد لضمان عدم اختراق التنظيم الشبكي للتنظيمات

لكن المشكلة الأساسية ليست في تقديم الحكومات لتلك البرامج، التي قد يتقبلها عدد من المساجين بعد تأويل أو الاستناد لعدد من النصوص التي تسمح بإبداء التراجع في حالة العسر والضيق، فضلاً عن أنّ الجهاديين مطلقي السراح لن يعولوا كثيراً عما قد يقوله "الأسير".

وتشدد الدراسة على "التأكد من أنّ مختلف أشكال التعليم الديني في السجن تتم تحت إشراف برنامج خاص بإمام مسلم مدرب ومنضبط من أجل منع السجناء الجهاديين من تجنيد زملائهم المساجين للتطرف".

إلا أنّ الدراسة كانت تحتاج لفهم تصور بسيط عن نظرة هؤلاء الجهاديين، لما وصفته بــ"إمام مسلم"، فذلك الإمام يوصف بالكفر عند الغالبية من هؤلاء، أو بأنّه "عالم يسير في ذيل بغلة السلطان" عند الأقلية الأقل تشدداً وتكفيرية.

وتستخدم الدراسة المعادلات الحسابية، التي تخرج بالنسب المحددة، كما يستخدم الجهاديون من ذوي التخصصات العملية حسابات من هذا النوع في الاتجاه المقابل.. فكبار القادة من الجهاديين أمثال؛ أبو بكر ناجي في كتابه "إدارة التوحش"، وضع نظرية افترض فيها دخول العالم في حالة من الفوضى العارمة، بعد قراءة للسياقات الاجتماعية والسياسية الجارية، يقوم بعدها الجهاديون بالتمدد والسيطرة على أنقاضها، وهي معادلات حسابية جامدة التي ليس بالضرورة أنّ تصدق على الواقع الاجتماعي المتغير دوماً.

يكشف الكتاب عن منهجه في الاستبيان، والتقصّي، وصولاً للنتائج: "جمعنا سيراً ذاتية شاملة للجهاديين باستخدام مجموعة واسعة من المصادر المفتوحة، وعكفنا، على تحليلها وترميزها للحصول على الموضوعات المتكررة من خلال العينة، وعرضناها إلكترونيّاً، عن طريق برنامج للبيانات النوعية للحصول على نتائج كمية؛ مما مكننا من رسم الاتجاهات، مع مراعاة، الفروق الدقيقة بالسير الذاتية المختلفة، وباستكشاف عضوية الجماعة والعلاقات الشخصية، البارزة ومسارح العمليات، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالخلفيات بما فيها التعليم والخلفية، الإجرامية والعائلية، تمكنا من اعتبار مجموعة من العوامل المحتملة التي يمكن أنّ تؤثر على رحلة الفرد نحو العنف".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أيهما أخطر على الديمقراطية.. السياسي أم الديني؟

2019-10-14

يعدّ كتاب ألكسيس توكفيل (1805–1856) "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية، كان توكفيل سياسياً فرنسياً، وقد شغل منصب وزير الخارجية الفرنسي، العام 1851، وهو أيضاً مثقف ثقافة شاملة عميقة، وقد شُغل بتجربة الولايات المتحدة باعتبارها كانت بلداً حديثاً يمثّل تحدياً للمنظرين، وقدمت نموذجاً في العلاقة بين السياسة والدين في عملية بناء الديمقراطية، مختلفاً عن النموذج الفرنسي؛ حيث كانت فرنسا تخوض صراعاً مريراً مع ذاتها لم يتوقف منذ الثورة الفرنسية التي وقعت العام 1789، وفي الوقت الذي دخلت الثورة الفرنسية في صراع عدائي مع الدين؛ فإنّ الثورة الأمريكية (1776) أنشأت توافقاً فريداً بين الديمقراطية والدين.

يقول توكفيل إنّ أجمل أحلامه عندما دخل معترك السياسة كان المساهمة بالتوفيق بين روحي الحرية والدين

يقول توكفيل؛ إنّ أجمل حلم في حياته عندما دخل معترك الحياة السياسية؛ كان المساهمة في التوفيق بين روح الحرية وروح الدين.
يتساءل توكفيل: هل ستتراجع الديمقراطية أمام البورجوازيين والأغنياء كما تراجعت أمام الإقطاع؟ لقد أدرك توكفيل المدى الثوري للديمقراطية وحقوق الإنسان في كلّ مجالات الحياة، ونتائجه على العمل الكلي للمجتمع نفسه، لكنّ النزوع إلى المساواة قد يفتت المجتمع، ويغذي نزعة العزلة والاستقالة العامة لينكفئ الأفراد على حياتهم الخاصة، ومجتمعاتهم الصغيرة، بعيداً عن المجتمع الكبير؛ فالمساواة تضع البشر إلى جانب بعضهم، دون رابطة مشتركة تربط بينهم.

غلاف الكتاب
وهنا تتعرض المجتمعات الديمقراطية للتهديد من داخلها؛ فالديمقراطية بما هي التأكيد على أولوية الفرد وحريته تفكّك الروابط التقليدية المبينة على العادات أو المكانة الاجتماعية، وتصعّد نزعة الاحتكام إلى الأغلبية، وهو ما قد يؤدي إلى "طغيان الأغلبية"، ويتحوّل الرأي العام إلى مظهر للإكراه والتبعية، الطغيان الناعم الوديع!

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والديمقراطية في تركيا بعد انتخابات إسطنبول
يعتقد توكفيل أنّه من المهم أن تكون بعض الأفكار العامة عن الله والوضع الإنساني موضع وفاق، "لا يوجد فعل إنساني على الإطلاق، أياً كانت الخصوصية التي نخلعها عليه، لا يخرج إلى النور من فكرة عامة جداً، وهي أنّ البشر قد خلقوا من قبل الله، من علاقاتهم بالنوع الإنساني، من طبيعة ضمائرهم وواجباتهم تجاه من هم مثلهم، لا شيء يمكن أن يحدث من دون أن تكون هذه الأفكار المنبع المشترك الذي يتدفق منه كلّ شيء آخر. لدى البشر، إذاً، مصلحة كبيرة في إنتاج أفكار محكمة بدقة عن الله، عن روحهم، عن واجباتهم العامة نحو خالقهم ونحو من يماثلونهم، ذلك أنّ الشكّ في هذه النقاط الأولى يؤدّي إلى أن تصبح كلّ أعمالهم أسيرة الصدفة، وتصمها بشكل ما بالفوضى والضعف".

يعدّ كتاب توكفيل "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية

الأفكار العامة المتعلقة بالله وبالطبيعة البشرية، إذاً، هي من بين جميع الأفكار التي تحثّ بشكل أفضل على أن تستبعد من الممارسة المعتادة للعقل الفردي، الأفكار التي بسببها هناك الكثير الذي يتم اكتسابه والقليل الذي يمكن خسارته، بسبب الاعتراف بها كسلطة، الموضوع الأول للأديان وإحدى المميزات الرئيسة لها، هو تقديم إجابة على كلّ واحد من هذه الأسئلة الأولية، إجابة واضحة دقيقة ومفهومة، تتّسم بالديمومة إلى حدٍّ كبير من قبل الجموع.
يمكن القول: إنّ كلّ دين دخل القائمون عليه في تجربة عرقلة وإعاقة حرية خلاص الروح البشرية، والسعي إلى فرض قيود وتبعية على الفكر، لكن يجب الاعتراف أيضاً –يقول توكفيل- بأنّه إذا لم ينقذ الدين البشر في العالم الآخر، فإنّه على الأقل مفيد جداً لسعادتهم وتقدمهم في هذا العالم، هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى البشر الذي يعيشون في البلدان الحرة، وهكذا فإنّ توكفيل يرى الحرية ضرورية للدين وفهمه وتطبيقه على نحو صحيح، كما هي ضرورية بطبيعة الحال للديمقراطية.

 الدين متجذر في التجربة الفردية
إذا كانت روح الدين وروح الحرية تتعايشان في وفاق، فإنّ هذا يرجع، كما يعتقد توكفيل، إلى الاستقلال بين الدين والدولة، وقد يقلل ذلك من القوة الظاهرية للدين، لكنّه يزيد من قوته الواقعية؛ فالدين متجذر في التجربة الفردية ما يجعله قادراً على العمل والتأثير حتى من دون دعم الدولة، وفي ذلك فإنّ الشؤون الدينية يجب أن تعمل في مجالها؛ لأنّها إذا امتدت أكثر من ذلك، فإنّها تخاطر بفقدان وجودها في كلّ مجال.

اقرأ أيضاً: "الديمقراطية الحلال" تُنتَجُ وتُعلَّب في تونس
إنّ توكفيل، وهو المتحمس لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة، قد رأى جيداً الخطر الذي يحيق بالديمقراطية، بتغليبها السياسة على ما هو ديني، أو الديني على ما هو سياسي؛ لذلك فإنّ توكفيل تميّز برؤية الإمكانية العملية لتهدئة المشاعر الديمقراطية الجامحة بكلّ كفاءة، كما يرى فيه (الدين) الإمكانية النظرية في إطار المجتمع الديمقراطي للقدرة على بلوغ مجال خارجي، القدرة على الوصول إلى شيء آخر، مختلف عن الديمقراطية الطبيعية الصافية النقية – طبيعة الإنسان المتدين- متخلصاً من كلّ اعتقاد عن المساواة ذاتها، والنتيجة أنّه لا يشيد هذه الإمكانية العملية إلا من خلال انتزاع هذه الإمكانية النظرية منها، لكن تظلّ حاجة دائمة إلى تطوير الفهم الديني وقدرته على مواكبة واستيعاب التحولات الاجتماعية والحضارية التي تمر بها الأمم، وتظلّ خطورة كبرى للمؤسسة الدينية على الحياة السياسية، عندما تعجز عن التقدم بالسرعة التي تتقدم فيها الحياة السياسية والاقتصادية، ومن ثمّ، في طبيعة الحال، ثقافة الأمم وإدراكها ورؤيتها للحقائق.

للمشاركة:

هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟

2019-10-10

كيف يمكننا إعادة بناء إشكالية العلمانية في الفكر العربي بالصورة التي تحقق لنا تجاوز مجرد الدفاع عن مفهوم مكتمل، من أجل المشاركة في إعادة تأسيسه في ضوء أسئلتنا الجديدة، أسئلة الفلسفة والسياسة والتاريخ؟

يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي

وكيف نعيد التفكير في سؤال العلمانية بالصورة التي تجعله ينفتح على الإشكالية الكبرى في تاريخنا السياسي المعاصر؛ أي إشكالية استيعاب مقدمات الحداثة السياسية بإعادة بنائها وتركيبها في ضوء معطيات حاضرنا وتاريخنا؟
وكيف نعيد بناء المجال السياسي العربي؟ وكيف نواجه الاختيار السياسي الذي يستدعي أطروحات محمد عبده بتوسط رشيد رضا، ويردد دعاوى الثورة الإيرانية لرفض مبدأ العلمنة وفك الارتباط بين السياسي والمقدس؟
يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي على مستوى اللفظ والرسم والجذر اللغوي، كما على مستوى الدلالة المباشرة أو المختزنة في طبقات معانيه المترسبة عبر الزمن. وما زال الموقف من العلمانية بحكم استعمالات المفهوم المتحزّبة مشحوناً بشحنة أيديولوجية تغشي النظر إلى المفهوم بعيداً عن قطبية القبول أو الرفض القائمة على التحليل السياسي الظرفي، وتمنع من النفاذ إلى جذوره الفلسفية والسياقات الفكرية التاريخية التي ساهمت في تشكله وتطوره.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

غلاف الكتاب
لذلك فقد ظل الحوار حول هذا المفهوم حواراً متشنجاً ومصبوغا بصبغة القبول أو الرفض باعتباره مفهوماً غربياً ينفتح على علاقة الغرب الحديث بفكره الأنواري المادي ووجهه الاستعماري بالشرق المنكفئ والمدافع عن هويته الروحية منذ السجال الشهير الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون على صفحات مجلة "الجامعة" وجريدة "المنار" مطلع القرن الماضي، باعتباره يؤرخ لأول استعمال لمفهوم العلمانية في الفكر العربي. 

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية
ما يشير إلى أنّ موقف الفكر السياسي العربي من العلمانية متضمن أساساً في الموقف من الغرب والتوجهات الفلسفية والسياسية الكبرى لعصر الأنوار الأوروبي، نظراً لارتباط مفهوم العلمانية بهذه الفلسفات التي فتحت السجال التاريخي الطويل بين الديني والدنيوي، وقوضت سلطة الاستبداد الديني، وأرست قيم الحداثة الليبرالية وأسس الحرية الفردية ومركزية الإنسان في الكون، فقد تنوعت التوجهات الفكرية السياسية وما رافقها من أنماط التدين الإسلامي في الوطن العربي بتنوع تلك الفلسفات نفسها، وبتعدد المواقف منها، سواء أكان قبولاً وتبنياً أم رفضاً ومجابهة.

يسعى كمال عبداللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية" إلى إعادة التفكير بمفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة

انطلاقاً من هذه الخلفية، والأسئلة "الهموم" السابقة وما يتفرع منها، ومن وعي الباحث بصعوبة البحث في المفاهيم السياسية بحكم ارتباطها بالإشكالات التاريخية والسياسية الواقعية، والمواقف والاختيارات المتشكلة حولها في الواقع الحي، يسعى الباحث المغربي كمال عبد اللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية.. إعادة بناء المجال السياسي العربي" الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع 2007 إلى إعادة التفكير في مفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة حوله، ومحاولة مقاربته في سياقاته الفكرية والتاريخية الأصلية، للإسهام في "إضاءة محتوى المفهوم بالصورة التي تجعل تبيئته وتوطينه في الجدال السياسي العربي أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على فك مغلقات كثير من إشكالات واقعنا السياسي، فكراً وممارسة". 

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟
فمن أجل التأسيس لإعادة التفكير بالمفهوم يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية وقضية العلمنة خلال القرن الماضي لاستقصاء إطاراتها المرجعية ومحتواها التنظيري وآلية تجسيدها بالممارسة العملية، من أجل مراجعتها والتمكن من بناء ما يساهم في تجاوزها بتطويرها وتطوير أسئلتها ونتائجها؛ فيقف على ثلاث لحظات مفصلية يعتبرها محطات مؤسِسة:
تتمثل اللحظة الأولى في مجادلة محمد عبده وفرح أنطون حول مسألة التأخر في العالم الإسلامي وعلاقتها بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية؛ فرغم انطلاق الطرفين من اعتقاد واحد هو الاعتراف بتأخر العالم الإسلامي، إلا أنهما قد ذهبا في سبيل البحث عن الحلول لتجاوز واقع التأخر وتحقيق النهضة مذهبين مختلفين.

 الباحث المغربي كمال عبد اللطيف
وقد رسم هذان المذهبان الملامح الأولى لاختيارين فكريين متناقضين لا يزالان متجاورين في الفكر السياسي العربي دون أن تنفتح حدود أيّ منهما على الآخر منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، الاختيار السلفي المدافع عن خصوصية التجربة الإسلامية والرافض للعلمانية وفكر الغرب الاستعماري والداعي إلى العودة إلى الإسلام الأول بمنابعه النقية، والاختيار الليبرالي "التغريبي" الذي ذهب نحو الحداثة الغربية بحماسة وضعية وتبني العلمانية وقيم الأنوار في الحرية في مجال العقيدة والمساواة والتسامح.

يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية

أما اللحظة التالية فقد دشنها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بعد ربع قرن، "والذي يعتبر امتداداً لجدال اللحظة الأولى رغم طابعه التاريخي العام"؛ إذ أثبت مؤلفه بالشواهد التاريخية والفقهية أنّ الخلافة والإمامة والملك والسلطنة أمور دنيوية لا شأن للدين بها، وأنّ الخلافة والقضاء وغيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة كلها خطط سياسية لا شأن للدين بها، إنّما يرجع الحكم فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
ويخلص عبد اللطيف من معاينة تلك التجربتين إلى أنّه وبالرغم من أهميتهما وأهمية الآفاق السياسية التي فتحتاها في باب الكتابة السياسية العربية، إلا أنهما بقيتا محكومتين بمحدودية النموذج النظري؛ "فالمرجعية الليبرالية في خطاب فرح لا تتأسس فلسفياً بقدر ما يتم التسليم بها في دائرة الكفاح الأيديولوجي المناهض للدعوة السلفية"؛ إذ غابت عنها أسئلة التأصيل الفلسفي وحضرت مكانها حماسة الدعوى التي تكتفي بالنقل والانتقاء؛ فقد أدخلت إلى الفكر العربي مفهوم الخلاص الأنواري الوضعي الذي يسعى لتجاوز الخلاص الأخروي الديني، لكنها لم تفكر بحكم حماستها النضالية في مفهوم الخلاص ذاته، ولم تفكر في الزوج المفهومي دين/دنيا، إنما "ألهبت الحماسة في دائرة المتعلمين في زمنها، لكنها لم تؤسس النظر".
نحو إعادة بناء مفهوم العلمانية
تنفتح اللحظة التاريخية الثالثة على مساهمة جيل جديد من المفكرين العرب يقدمها الباحث كنموذج للمعالجة الجديدة لمفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي، تدخل في دائرة أفق فلسفي تاريخي جديد، أفق تساهم فيه إلى جانب إنجازات محمد أركون إنجازات نظرية لمفكرين من أمثال؛ عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وهشام جعيط وغيرهم ممن يتسلحون بنفس الآليات المعرفية والتاريخية، رغم الاختلافات في الاختيارات السياسية والفلسفية العامة بينهم؛ فقد دشنت إنجازات هؤلاء المفكرين، برأيه، عصراً فكرياً جديداً في المواجهة الفلسفية لمعضلات السياسة والتاريخ في مجتمعاتنا.

يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عمداً أو جهلاً بينه وبين النزعة التغريبية

ويركز عبد اللطيف على المنجز النظري لمحمد أركون المنفتح على تاريخانية العروي الذي ذهب نحو التأصيل الفلسفي للمفهوم وتحيينه كنموذج قابل للبناء عليه في عملية إعادة التفكير في العلمانية، مع الإشارة إلى أبحاث ومحاولات ناصيف نصار وعزيز العظمة ومحمود أمين العالم وفؤاد زكريا وسمير أمين في مواجهتهم لتيارات ورموز الإسلام السياسي. فقد عمل محمد أركون على تحليل مسلمات العلمانية في سياق تشكلها وتطورها داخل الفكر السياسي الغربي والفلسفة السياسية الحديثة بما اغتنت به من فتوحات العلوم الإنسانية، كما ساهمت أسئلته المتعلقة بإعادة توسيع المفهوم في ضوء الاستفادة من دروس وتجارب الحاضر النظرية والتاريخية في بلورة تصورات تتخلص من صنمية المفهوم لتحوله إلى أداة للفهم النظري التاريخي القابل للتوظيف في الصراع السياسي والأيديولوجي الجاري في العالم العربي.

محمد أركون
لكنه وبالرغم من كل تلك الإنجازات يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عن عمد أو جهل بين العلمانية والنزعة التغريبية، وتطابق بين العلمانية والتبعية، وثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية، أو إلى تمريرها في صيغ وسط تجعل من مفهومها جزءاً من جملة المفاهيم المرتبطة بصورة عضوية به وبمحتواه.
ما يعني التخلي عن المكتسبات التي تحققت من خلال صياغة المفهوم  في أبعاد مختلفة عبر قرن من الزمان، وكأن الذاكرة العربية ذاكرة مشروخة، والعقل العربي "برميل بلا قعر" لا يجمع ولا يراكم و"يعيد ويستعيد القضايا ذاتها في دائرة مغلقة".

ثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية

لذلك يعتبر الباحث أنّ ثمة انقطاعاً حاصلاً في تاريخ الفكر السياسي العربي كما عبر عنه محمد أركون في حديثه عن غياب أي متابعة لجهود علي عبد الرازق في تشخيص وتشريح علاقة الإسلام بأصول الحكم. لذلك لا بد من العودة إلى متابعة الجهود للتفكير مجدداً في العلمانية والمشروع السياسي الليبرالي في الفكر العربي المعاصر بالعودة إلى قراءة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي قراءة نقدية، خاصة في "ظل انتعاش الحركات الإسلامية وانتشار فكر التنظيمات الحركية "الجهادية" بشكل قوي وعنيف، ما جعل المساهمات النقدية السابقة تبدو غريبة وسط شعارات الدفاع عن الخصوصية والأصالة، ودعوات التشبث بمقومات الذات والمحافظة على نقائها والدفاع عن "الحاكمية الإسلامية" وكونية الإسلام".
يكشف مفهوم الحاكمية، كما جاء في فكر المودودي وتنظير سيد قطب، عن عمق التراجع الحاصل في المنظور الإسلامي للسلطة، والنكوص حتى عن أفكار واختيارات محمد عبده. كما يكشف استمرار الحنين إلى النموذج السياسي الإسلامي للسلطة، رغم عدم وضوحه كنموذج تاريخي، عن عدم إنجاز مهمة التفكير في أسئلة السياسي في الفكر الحديث بصورة عميقة وجذرية تتيح إعادة إنتاج المجال السياسي على ضوء أسئلة الواقع ومقتضيات النظر السياسي الحديثة والمعاصرة؛ "لذلك ستظل مسألة التنظير السياسي النقدي الهادف للقطع مع اللغة السياسية العتيقة ضمن أولويات جدول أعمالنا في الفكر السياسي العربي المعاصر، طال الزمان أو قصر".

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
وعليه، فالعمل السياسي العفوي كعمل بلا نظر قد يكون أكثر فشلاً وأكثر كارثية من النظر بلا عمل، ولن يقود إلى بناء المشروع السياسي المطابق للتاريخ، وإقامة الدولة الوطنية المعبرة عن الإرادات الجماعية، وبناء التصورات الجماعية المستقاة من ينابيع الواقع وممكنات التاريخ؛ فليس في تاريخ الفكر الإنساني مفاهيم مكتملة إلا في رأس من يوثّن الكلمات والمفاهيم ويعبد أوثانها، وليس في تاريخ البشر والحضارات نماذج دول مثالية كاملة، إنما تجارب تاريخية وحسب، إلا في فكر من يريد أن يخرج التاريخ من رأسه لا أن يخرج رأسه من التاريخ.
لذا ستبقى مهمة إعادة بناء المجال السياسي العربي، كمجال مستقل عن الدين والأخلاق واليوتوبيا، والتفكير في العلمانية في ضوء منجزات الفكر الإنساني وتجارب الآخرين، وبالاستفادة من فتوحات الفلسفات والعلوم الحديثة على اختلاف تخصصاتها مهمة راهنة.

للمشاركة:

هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية

2019-10-03

يحمل كتاب الباحث التونسي محمد الشرفي "الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي" روح مشروعه لإصلاح التعليم في تونس والعالم العربي والذي يعتبره الباحث المقدمة الضرورية لإزالة الالتباس التاريخي بين الإسلام والحرية وقيم الحداثة.

يستقصي الشرفي أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها بالمجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين

الكتاب الصادر عن دار بترا للنشر بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب 2008 ينقسم إلى أربعة فصول متكاملة، تشكل الثلاثة الأولى منها تمهيداً لا بد منه للفصل الأخير الذي حمل اسم "التربية والحداثة" الذي يعرض الشرفي من خلاله المبررات النظرية والخطوات العملية الضرورية لإنجاز عملية الإصلاح تلك، والتي عمل على بلورتها إبان تبوئه لمنصب وزير التربية والتعليم في تونس لمدة خمس سنوات تعرض خلالها لكثير من المواجهات والتهم من قبل التيار الأصولي الذي يحمل تهمة جاهزة لكل مفكر أو مشروع يخلخل حصون استبداده وتحجر أفكاره وهي تهمة "التغريب" وعداء الإسلام الذي يعتبره التيار الإسلاموي ملكاً حصرياً له، ويعتبر نفسه المعبر الوحيد عن أفكاره ونقاء أصوله وسلامة شريعته الصالحة لكل زمان ومكان، والمخول الوحيد لإحياء مجده التاريخي واستعادة خلافته.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
لذلك يذهب الشرفي بداية إلى استقصاء أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها السرطاني في المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم وأثر هذا الانتشار السرطاني على سيرورة تطور هذه المجتمعات، وتنامي ظاهرة التعصب الديني فيها وانحدارها بمجملها نحو العنف في علاقاتها الداخلية والبينية، ونحو الماضوية والتقليد على صعيد الثقافة السياسية والخطاب.

غلاف الكتاب
فيرى الباحث أنّ التركيز على العوامل الاقتصادية والسياسية والدوافع الاجتماعية وما يتصل بها من الفقر والبطالة والفساد وغياب الحريات العامة والهجرة الريفية نحو المدن... رغم أهمية دورها في هذا المجال إلا أنّها لا تقدم تفسيراً شاملاً لبروز ظاهرة التعصب الديني في هذه المجتمعات، خاصة حين نشهد انتشار التعصب والعنف في مجتمعات يتمتع أهلها بمستويات عيش مرتفعة جداً كما في الدول النفطية، ولا تعاني من تمايز مُشِطّ بين فئاتها الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
أما البلدان الإسلامية التي تشكل العوامل الاقتصادية والاجتماعية تفسيراً ممكناً للغضب الشعبي فيها فنجد مثيلاتها من الدول الأخرى تثار فيها مثل تلك الاحتجاجات الاجتماعية لكنها تتخذ طابعاً مطلبياً ويتشكل الرأي فيها في مؤسسات ومنظمات وجمعيات تطالب باستعادة التوازن الاجتماعي، وتسعى لإيجاد حلول لأزماتها الاجتماعية والسياسية، "فلم تغلف هنا تلك المطالب المختلفة بالمناداة الوهمية بالرجوع إلى دولة إسلامية تحل فيها جميع المشكلات بصورة عجائبية وعصا سحرية حالما يتحقق تطبيق الشريعة الإسلامية"؟ وهل يعبر ذلك عن حركة احتجاجية في مجتمعات ذات خصوصية إسلامية أم أنه مشروع سياسي قد يكون مدخلاً للعنف والرعب والظلم؟

يميل الباحث لاعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف

هذا الذي يجعل الباحث يميل إلى اعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف، متخذاً من واقع ودور المؤسسة المرجعية الرسمية في البلدان العربية، كالزيتونة في تونس والأزهر بمصر، وعلاقة هذه المؤسسات بالسلطة السياسية ومعاندتها للتحديث والعصرنة دليلاً على دور العامل الثقافي في هذا المجال، خاصة بعد التوسع الكمي للتعليم في هذه المؤسسات وتحولها إلى مؤسسات شعبية لم تعد تقتصر على النخبة الارستقراطية ذات التأدب العالي والموسوعية المعرفية.
ألم يخرج معظم القادة الأصوليين من تحت عباءة هذه المؤسسات التي أصابها الترهل والجمود الفكري والتحجر العقائدي؟ ألم يقف هؤلاء القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس تلك المؤسسات فاتهموهم بالكفر والمروق وغيرها من الأوصاف ومُنعت كتبهم وحُوربت أفكارهم التجديدية من قبل هؤلاء القادة وتواطؤ السلطات السياسية مع تلك المؤسسة التي تخشى إثارتها خوفاً من فقدان الشرعية التي تستمدها منها. ومن الأكيد أن قيم الحرية والديمقراطية والتجديد والانفتاح على الفكر الإنساني لن تجد لها بيئة مناسبة لتنمو فيها بل و"تمتنع ممارستها إلى حين إذا ما اعتقد جزء لا يستهان به من الشعب أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن له الحق بل من واجبه أن يفرض تلك الحقيقة بالقوة".

ينسحب موقف الأصوليين المتمسك بالفقه الذي تعلموه والرافض لكل تجديد على علاقة الإسلام بالقانون دون أدنى تفكر أو تمييز بين أعراف القبيلة ومجتمع الجزيرة العربية والإسلام الأول وبين مقتضيات مجتمع المدينة والدولة الحديثة، ويقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل: التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها، وحقوق الآخر غير المسلم، والقانون المتعلق بالعبودية وحرية المعتقد وعقوبة الردة، والعقوبات الجسدية كالجلد وقطع اليد، ثم العلاقة الملتبسة حتى اليوم بين الفقه ومدونة حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: مصطلح الجاهلية المعاصرة في الخطاب الأصولي
والمسألة المهمة التي يثيرها الباحث لا تقتصر على نقاش تلك الموضوعات نقاشاً مستفيضاً وتبيان تاريخيتها ومدى استمرار صلاحيتها، أو استنادها أو عدم استنادها إلى قاعدة قرآنية فحسب، رغم أهمية ذلك، بل البحث في التناقض الفكري والفصام النفسي الذي يعيشه الفرد الإسلامي بين ما تعلمه في التعليم الديني أو المدرسي الرسمي الذي يشكل زاده الثقافي والمعرفي وبين ما يعيشه في الحياة اليومية، ودور هذا التعليم قديماً وحديثاً في إنتاج وإعادة إنتاج العنف.
فمن المعروف أن العديد من الدول الإسلامية قد تجاوزت في دساتيرها وقوانينها الوضعية الكثير من تلك الموضوعات وألغت بعض القوانين وتقبلها الإسلاميون ببراغماتية نفعية على الصعيد العملي والمعيش، كما في تونس مثلاً، لكنها ما زالت تلقن في التعليم الديني كمنظومة تشريعية متكاملة غير قابلة للتجزئة والتفكيك والتفكر بما أضفي عليها من قداسة لا تقل عن قداسة النص القرآني نفسه.

وقف القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس مؤسساتهم

وتكرس ذلك مع بروز الظاهرة الأصولية والإسلام السياسي "فبات عسيراً على المسلمين وضع ماضيهم في مكانه المناسب وإدراك منزلته، حتى يعيشوا حاضرهم كما ينبغي لهم أن يفعلوا"، ما يعني في نظر الباحث أن التخلف ليس تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً فحسب، بل هو تخلف ثقافي وفكري أيضاً و"يمثل وجود الظاهرة الإسلاموية في البلدان الإسلامية التعبير الأكثر جلاء ووضوحاً عن هذا التخلف".
ولعلّ أسوأ أنواع هذا التخلف هو التوظيف السياسي لعقوبة الردة التي كان لها الأثر الكبير في كبح ومحق أي محاولة تنويرية وتجديدية في الفكر الإسلامي في الماضي والتي يعمل الإسلاميون اليوم بالتواطؤ مع أنظمة الحكم المستبدة إلى الدفع بها إلى السطح من جديد للنيل من رأي معارض، ولمنع حرية التفكير والرأي والضمير والدين. وهو ما يدفع الباحث للسؤال عن السبب الكامن وراء تشبث الأصوليين وأهل التقليد من المسلمين بالمحافظة على هذه المظالم المنافية للعدل والمساواة.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
ولا يختلف عن ذلك موقف الإسلامويين من الدولة ومحاولات تحديث مؤسسة الحكم وتحديث القوانين الناظمة لعمل مؤسساتها المختلفة أو من الديمقراطية والعلمانية، وفصل السلطات وفصل الدين عن السياسة، وحقوق المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون وحقوق المواطنة التي تكفل حق التمثيل والمشاركة المتساوية للجنسين وللأقليات غير المسلمة؛ حيث يجري الخلط عن جهل أو غاية وقصد بين رفض السلطة الحاكمة واستبدادها أو عجزها وفساد الحكام وبين رفض الدولة الحديثة وشيطنة وتكفير النخب السياسية الداعية للتحديث، ورفض أفكارها باعتبارها وافداً غربياً دخيلاً لتبرير التمسك بمفهوم "الدولة الدينية" أو"دولة الخلافة" والتمسك بتطبيق الشريعة وفق المدونة الفقهية التي هي عمل بشري وضع في ظرف تاريخي معين ولخدمة السلطة السياسية.

هيأت الصدمة التي أحدثتها حملة نابليون على مصر والاتصالات المستمرة بين ضفتي المتوسط في تونس لظهور جيل المصلحين الأوائل الذين أدركوا واقع التخلف في العالم الإسلامي فعملوا على خلق مؤسسات تعليمية حديثة في كلا البلدين تنفتح على العالم وتتجاوز الانغلاق الديني، لكن مساعيهم لم تستطع أن تهز جمود فكر الأزهر والزيتونة في ذلك الوقت.
ثم جاء الجيل الثاني من المصلحين بأفكارهم الإصلاحية الجذرية ممن تطعم فكرهم بأفكار النهضة الأوروبية، وتوجهت الحكومات إلى إنشاء المدارس "العصرية" إلى جانب التعليم التقليدي معتبرة أنّ إصلاح هذا الأخير أمر ميؤوس منه، ولما كان على التعليم العصري الجديد أن يؤمن التعليم الديني وتعليم اللغة العربية أيضاً فقد جرى الاعتماد من جديد على خريجي التعليم الديني لهذه المهمة، فانتقل هؤلاء بكثرة إلى المدرسة الجديدة حاملين معهم أفكارهم وبرامجهم وعقلياتهم التقليدية و"بذلك كانت الدودة في خفايا الثمرة".

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
ويلفت الشرفي في هذا المجال كيف انتشر الفكر الإخواني في عدد من الدول العربية في الأوساط الطلابية مع المعلمين الموفدين من مصر إلى هذه الدول كالجزائر والسودان بشكل خاص، وكيف "بث هؤلاء المعلمون في تلاميذهم إحساساً بالتمزق بين القيم التي تدرس من جهة وبين الواقع الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى... إذ ولّد ذلك الوضع أفراداً  منفصمي الشخصية أو متطرفين لذلك كانت نشأة الأصولية من إنتاج القطيعة بين المجتمع ومدرسته"، وما أن توسع هذا التعليم توسعاً كمياً ملحوظاً في وقت لاحق وفي مرحلة ما بعد الاستقلال حتى ترك أثره على جيل الشباب وأصبح بذاته مصدر الصعوبات الكبرى فجذور الأصولية كانت قد زرعت فيه.

يقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها

وإذا كانت التجربة التونسية التي يتخذها الشرفي مثالاً لدراسة أثر التربية والتعليم في مستقبل الدول العربية وظهور الأصولية فيها قد اكتسبت خصوصية ما مع إنشاء المعهد الصادقي كمنافس حقيقي للزيتونة وانفتاح النخبة السياسية على الحداثة الغربية، إلا أنّها لا تشذّ عن غيرها من التجارب العربية التي شكل الاستبداد السياسي وحكومات العسكر التي عملت على إنشاء جحافل الجيوش وعسكرة الدولة والمجتمع بدل تحديث التعليم عبئاً مضافاً، إلا شذوذاً نسبياً، ومع ذلك فقد ساهم في نجاتها من الوقوع في دوامة العنف كغيرها من الدول العربية.
ولما كانت الدولة قد أخذت تنافس الأصوليين في انتحال المنزع الإسلامي في الثقافة والسياسة والتشريع والتعليم فقد صبّ كل هذا التنافس في مصلحة الأصوليين أنفسهم؛ لذا يرى الباحث أن إصلاح التعليم هو المدخل الضروري لرفع سوء التفاهم بين الإسلام والحرية؛ ذلك أنّ التحديث النسبي الذي دخل على هذا التعليم منذ ما بعد الاستقلال بقي تحديثاً هشاً أو "حداثة مترددة" دخلت من الأبواب الخلفية وليس فعلاً ذاتياً مدروساً، إذ اقتصرت عمليات التحديث على الانتشار الكمي للمدارس والطلاب وإضافة المواد العلمية واللغات الأجنبية التي استمر تدريسها وفق مناهج تقليدية وتلقينية تكرس دونية المرأة التي كانت مشاركتها أو استفادتها من انتشار التعليم بحدود دنيا، عدا عن الفصل بين الجنسين وإلغاء المدارس المختلطة.

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
وقد ارتبطت رهانات هذا التعليم بالتوجه السياسي للسلطة وأيديولوجيتها، وهي أيديولوجيا ذات منزع هووي قومي أو إسلامي، أكثر من ارتباطها بضرورات تحديث المجتمع؛ الأمر الذي دفع الشرفي لاعتبار أن التخلف الثقافي والعملية التربوية والتعليم كان لهما الدور الأكبر في استمرار تخلف المجتمعات العربية وانتشار الأصولية وتفجر العنف فيها، وأنّ مكافحة هذه الظواهر لا تتم بالقمع والتسلط والعنف المضاد، إنّما بإزالة أسبابها، ما يجعل من تحديث التعليم وربطه برهانات تحديث المجتمع مهمة راهنة.

للمشاركة:



حصيلة قتلى ميليشيا الحوثيين خلال 7 أيام في "حجة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

أعلنت القوات الحكومية، أمس، مقتل أكثر من 100 من عناصر ميليشيا الحوثي، خلال ٧ أيام من المعارك، بمختلف المحاور في محافظة "حجة" شمال غرب اليمن.

وقال المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة، في صفحته على فيسبوك: إنّ "العشرات من عناصر الميليشيات الحوثية الانقلابية، قتلوا خلال المعارك التي استمرت 7 أيام في مختلف محاور الجبهة بمحافظة حجة.

القوات الحكومية تعلن مقتل أكثر من 100 من مسلحي الحوثي خلال ٧ أيام من المعارك في "حجة"

وقال رئيس المركز المقدم "بندر المهدي": إنّ "عدد قتلى المليشيات في اليومين الأولين للمعارك كان 84 قتيلاً وعشرات الجرحى، كما وقع عدد آخر من الأسرى في قبضة الجيش".

وأضاف: "المعارك أسفرت عن "انكسار  للميليشيات مخلفة قتلى وجرحى وأسرى".

وبحسب المهدي؛ فقد شنّ طيران التحالف عشرات الغارات على مواقع المليشيات ومعداتها مما ضاعف الخسائر في العتاد و الأرواح.

وفي سياق مرتبط بانتهاكات الحوثيين؛ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، أمس، وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام فقط، من الأول من تشرين الأول (أكتوبر) وحتى 10 من الشهر ذاته، في المحافظات اليمنية التي تقع تحت سيطرتها، أو المحافظات والمدن التي ما تزال تتعرض لهجمات المقذوفات المختلفة من قبل عصاباتها المسلحة.

الشبكة اليمنية للحقوق والحريات توثق وقوع 514 انتهاكاً ارتكبتها ميليشيا الحوثي الإرهابية خلال 10 أيام

وأفادت الشبكة، في تقرير ميداني لها، وفقاً لصحيفة "عكاظ" السعودية، أنّ الانتهاكات بحقّ المدنيين التي ارتكبتها ميليشيا الحوثي توزعت بين القتل والإصابة والخطف والقصف العشوائي على الأحياء الآهلة بالسكان، والقنص المباشر وزرع العبوات الناسفة، والتهجير القسري، وتقويض سلطات الدولة، وزراعة الألغام، ومداهمة المنازل، وترويع المواطنين، ونقل السلاح إلى الأحياء السكنية، وإغلاق دور العبادة، ونهب وتفجير المنازل، وغيرها من صنوف الانتهاكات.

 

للمشاركة:

"التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سلّطت صحيفة "التايمز" البريطانية الضوء على قصة الطفل الكردي محمد، البالغ من العمر 13 عاماً، الذي احترق جسده بشدة بمادة الفسفور الأبيض، وبات يصارع الألم والموت، جراء قصف تركي طال رأس العين، شمال سوريا قبل أيام.

وأكّدت الصحيفة؛ أنّ إصابة محمد دليل واحد وقوي على العديد من الأدلة المتزايدة، التي تؤكّد استخدام تركيا لأسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد السوريين.

حالة الطفل الكردي محمد دليل إضافي على أنّ تركيا تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد

وانتشرت مأساة الطفل الكردي على مواقع التواصل الأجنبية، وارتفعت الأصوات مناشدة بضرورة محاكمة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على جرائم الحرب المرتكبة وعمليات التطهير العرقي ضدّ الأكراد، في شمال سوريا، وفق ما نقلت "رويترز".

وأفادت الصحيفة، نقلاً عن مراسلها، أنتوني لويد، الذي غطى القصة "كانت حروق الطفل المتألم الذي أُحضر إلى المستشفى السوري الكردي في تل تمر كافية لجعل الطاقم الطبي يتصلب فزعاً مما شاهده؛ حيث تعرض الطفل لحروق مروعة بعد غارة جوية تركية على بلدته، فجر الأول من أمس.

ووفق ما قاله والده؛ فقد كانت "الجروح الرهيبة التي أصابت محمد حميد، البالغ من العمر 13 عاماً، من أكتافه واخترقت بعمق جسده تشير إلى أنّ إصاباته نجمت عن شيء أسوأ بكثير من الانفجار وحده".

وأضافت الصحيفة: "هذه الحالة تقدم دليلاً إضافياً على مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أنّ تركيا، العضو في حلف الناتو، تستخدم الفسفور الأبيض ضدّ المدنيين الأكراد في هجومها الذي استمر ثمانية أيام على شمال سوريا".

وتابعت: "لقد كانت صيحات محمد لا توصف بين جرحى الحرب؛ بسبب جسده المحترق من حلقه حتى وسطه، حتى إنّ أحد الرجال انفجر باكياً عند رؤية الطفل."

إلى ذلك، أوضحت الصحيفة أنّ الذخائر التي أحرقت جسد محمد انفجرت خارج منزل عائلته في رأس العين، وسط قصف تركي عنيف، الأربعاء الماضي، محولة الشارع إلى بحر من اللهب والجثث المحترقة.

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ محمد يصارع الموت، لا سيما أنّه لا توجد أيّة وسيلة لنقله إلى مكان آخر لتلقي العلاج.

وأضافت أنّه "رغم أنّ والد محمد نجح في إخراجه من رأس العين ليلاً، مع زوجته وثلاثة أطفال آخرين، إلا أنّ الأطباء يقولون إنّه يعاني من حروق تزيد عن 70٪؜ من جسمه، ومن غير المرجح أن يعيش دون علاج متخصص."

من جهته، قال هاميش دي بريتون جوردون، خبير الأسلحة الكيميائية البريطاني، بعد أن فحص صور لحروق الطفل محمد: "يبدو أنّ هذه الحروق العميقة سببها الفوسفور الأبيض".

كما أشارت الصحيفة إلى أنّ العديد من الصور ظهرت في الأيام الأخيرة، كاشفة مثل هذا النوع من الحروق.

يذكر أنّ الفسفور الأبيض، سلاح يمكن استخدامه عن طريق القصف الجوي أو المدفعي، ويتفاعل مع الرطوبة في الجلد بطريقة تزيد من احتراقه؛ حيث لا يستطيع الماء إخماده.

وقد اتهم عدة مسؤولين أكراد تركيا باستخدام المادة الكيميائية المحظورة ضدّ الأهداف المدنية بموجب اتفاقيات جنيف.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أكّدت، أمس؛ أنّ القوات التركية والفصائل الموالية لها ارتكبت جرائم حرب شمال سوريا.

 

 

للمشاركة:

بعد فشل إخوان الجزائر في ركوب الحراك.. ما هي خطتهم البديلة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

قال الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بالجزائر، عمار سعداني: إنّ التيارات الإخوانية في بلاده، تحاول في الوقت الراهن، مهادنة الحراك بعد أن فشلت في ركوبه وتسلق مطالبه.

سعداني: التيارات الإخوانية تحاول في الوقت الراهن مهادنة الحراك؛ لأنّها فشلت في ركوبه

وانتقد سعداني، في تصريحات نقلتها مواقع إلكترونية محلية، تلك التيارات الإخوانية بقياداتها الحالية، واتهمها بـ "مساندة مشروع المقاطعة الذي يصبّ في مشروع الدولة العميقة لا المشروع الوطني"، في إشارة إلى مقاطعة التيارات الإخوانية انتخابات الرئاسة المقبلة، مشدّداًعلى أنّ غالبية المتظاهرين يقفون ضدّ الحركة الإخوانية.

وأكّد أنّها "قاطعت الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ من هم في الحراك أغلبيتهم ضدّ "حمس" (التسمية المختصرة للحركة الإخوانية)".

وكشف سعداني، للمرة الأولى، العراقيل التي لطالما وضعها الإخوان في طريق التقريب بين الجزائريين، وذكر أنّه عندما كان أميناً عاماً لحزب جبهة التحرير الحاكم (2013-2016)، حاول التقريب بين "الوطنيين والإسلاميين (الإخوان) وقام بعدة خطوات، لكن، للأسف، باءت كلها بالفشل".

عمار سعداني

وأرجع ذلك إلى اعتقادهم بأنّهم "أصحاب الرأي، وهم على حقّ، ولا يمكنهم الاقتراب من الوطنيين"، وشدّد على أنّ مقاطعتهم للانتخابات لن "تأتيهم بالفائدة".

وزعمت حركة مجتمع السلم الإخوانية وجبهة العدالة والتنمية؛ أنّ قرار مقاطعتها للانتخابات يعود إلى "عدم توفر ضمانات لنزاهة الانتخابات"، على الرغم من أنّها كانت من أكثر الداعين إلى الإسراع في إجرائها، وتنصيب السلطة المستقلة للانتخابات.

الإخوان قاطعوا الانتخابات الرئاسية كي تهادن الحراك، علماً بأنّ معظم من في الحراك ضدّهم

وردّ القيادي البارز في الحزب الحاكم بالجزائر على التبريرات الواهية للإخوان، بالإشارة إلى أنّ بلاده تمرّ بمرحلة انتقالية صعبة، "لا توجد فيها مؤسسات، وبخلاف المؤسسة العسكرية، فإنّ بقية المؤسسات تعاني، فالرئاسة ضعيفة وكذلك البرلمان، دون أن ننسى المطالب برحيل الحكومة".

وأوضح أنّه "كان من المفروض أن تذهب هذه التيارات الإخوانية إلى الرئاسيات، ولو ناقصة، أحسن من ألا تذهب إليها"، مشدداً على أنّ "التيارات تعتقد بأنّها تريد ربح الحراك، لكنّها لا تستطيع ربحه، لأنّها غير موجودة في الحراك أو خارجه".

 

 

للمشاركة:



انقسامات جبهة الإنقاذ تنهي أسطورة الأحزاب الإسلامية في الجزائر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

صابر بليدي

انتقلت عدوى خلافات الإسلاميين في الجزائر، لأول مرة إلى أعرق الأحزاب الإسلامية جبهة الإنقاذ، وباتت بوادر الانشقاق غير المسبوق تلوح في صفوف جبهة الإنقاذ الإسلامية، تحت ضغوط التغيرات المتسارعة في البلاد.

وانقسمت القيادات لأول مرة في تاريخ الحزب المحظور، بين داعم لخيارات المؤسسة العسكرية ومحافظ على خط معارضة السلطة.

وظهرت خلافات عميقة في هرم قيادة حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، حول تقييم التطورات السياسية في البلاد، لاسيما منذ انطلاق احتجاجات الحراك الشعبي في شهر فبراير الماضي، بشكل يوحي بنهاية وشيكة للجبهة التي أنهكت السلطة الجزائرية طيلة العشريات الأخيرة، رغم منعها من النشاط الرسمي في البلاد.

وفيما يتمسك الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ علي بلحاج، بمواقفه المعارضة للسلطة والمؤيدة للحراك الشعبي، شقت قيادات أخرى على غرار علي جدي، عصا الطاعة وأعلنت ولاءها وتأييدها لقيادة الجيش، على خلفية ما أسمته بـ”التوجهات والعقيدة الجديدة للجيش الحامية لثورة الشارع السلمية، والمؤيدة لخيارات الأغلبية الشعبية”.

ورغم تفادي الطرفين الخوض في مسألة الخلافات غير المسبوقة، لمنع تمدد الانشقاقات، إلا أن التصريحات التي أدلى بها القيادي علي جدي، بخصوص وقوفه إلى جانب توجهات المؤسسة العسكرية في تنظيم الانتخابات، وتثمين مواقفها الحامية للحراك الشعبي من الانزلاقات العنيفة، عكس توجهات التسعينات التي فتحت أبواب الحرب الأهلية في البلاد، توحي بأن مراجعات سياسية عميقة تجري داخل أعتى أحزاب المعارضة الإسلامية في البلاد.

ويتمسك في المقابل، الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ، برفض الخيارات المطروحة من طرف السلطة، وما انفك يعرب عن دعمه للمعارضة وقوى الحراك الشعبي، ويشدد على ضرورة الاستجابة للمطالب السياسية المرفوعة منذ ثمانية أشهر، محاولا في كل مرة اختراق التحفظ الأمني المضروب عليه بغية الالتحاق بصفوف المحتجين في العاصمة.

وجبهة الإنقاذ الإسلامية هي حزب جزائري سابق تم حله بقرار من السلطات الجزائرية في مارس 1992، وشاركت في الصراع المسلح بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لها وللإسلام السياسي، وذلك خلال الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء في الجزائر عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر.

ويتفادى إسلاميو جبهة الإنقاذ الخوض في المسائل التنظيمية داخل الحزب بدعوى قرار الحظر الساري منذ تسعينات القرن الماضي، ويتعللون بعدم منح أولوية لمناقشة المسائل الداخلية للحزب في ظل الأوضاع السياسية التي تشهدها البلاد خلال الأشهر الأخيرة، لكن ذلك زاد من تعمق الخلافات العميقة التي أنهت أسطورة أكبر الأحزاب التي استحوذت على الانتخابات النيابية التي جرت في مطلع التسعينات.

ويرى متابعون أن وفاة عباس مدني الرجل الأول في الحزب شهر أفريل الماضي، أنهت حالة الإجماع الداخلي، وأن الخلافات باتت واضحة لدى الحلقات القيادية الحالية، لاسيما بين علي جدي وعلي بلحاج، خاصة حول التعاطي مع دور ونفوذ المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي القائم.

ولم تسمح المراجعات غير المعلنة في صفوف إسلاميي جبهة الإنقاذ بعد العشرية الدموية التي أدت إلى مقتل نحو ربع مليون جزائري بين 1990 و2000، بالحفاظ على الانسجام بين قيادات الحزب، فعلي بلحاج الذي تنازل عن تشدده ومعاداته للتيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى، وعلي جدي الذي صار مؤيدا لقيادة العسكر، صارا خصمين لدودين سيشقان الحزب الذي جمعهما منذ بداية التعددية السياسية في البلاد.

وعكس ما كان متوقعا لدى أنصار ومناضلي جبهة الإنقاذ، بخلافة علي بلحاج للراحل عباسي مدني، ولو بصفة مؤقتة باعتباره نائبا في قيادة الحزب منذ تأسيسه وإلى غاية حظره، إلا أن الأمر لم يتم بسبب رفض قيادات أخرى تريد زحزحة من تصفهم بـ”التيار المتشدد”، وعدم السماح لهم بالاستمرار في مناصب القيادة في أبعد السيناريوهات، وهو ما أدى إلى استمرار الشغور في منصب الرجل الأول، رغم مرور سبعة أشهر على وفاة عباسي مدني، في منفاه الاختياري بدولة قطر.

وإذا كان الانشقاق في جبهة الإنقاذ جديدا في المشهد الجزائري، فإنه يعتبر حالة عادية بالنسبة للأحزاب الأخرى، ففيما يلاحظ انسجام بين قطبي التيار الإخواني (حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية)، في مسألة الانتخابات الرئاسية والأوضاع السياسية السائدة في البلاد، فإن إسلاميين آخرين أو محسوبين عليهم انخرطوا في المسعى طواعية، ومنهم من ترشح لخوض الاستحقاق، على غرار رئيس حركة البناء الوطني عبدالقادر بن قرينة.

وتتجه أحزاب وشخصيات إسلامية إلى التخلص من عباءة التيار الإسلامي، والتلحف بثوب التيار الوطني (القومي)، تقربا من توجهات قيادة المؤسسة العسكرية، عبر ما بات يعرف لدى الموالين لها بـ”النوفمبرية الباديسية”، نسبة لرمزية ثورة التحرير التي انطلقت في شهر نوفمبر، وعبدالحميد بن باديس، الذي تزعم التيار الإصلاحي خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما يوحي ببروز معالم حلف بين العسكر وقوى سياسية لا تمانع في ممارسة السياحة الأيديولوجية.

وأمام ترشح بن قرينة عن حركة البناء الوطني، وهو أحد المقربين من الراحل محفوظ نحناح، مؤسس حركة حمس الإخوانية، انضمت قيادات وأحزاب في حركة النهضة والإصلاح وحتى جبهة الجزائر الجديدة، إلى قطب سياسي قومي لا يزال يبحث عن مرشح له في الانتخابات الرئاسية، ويتخذ من خطاب دعم قيادة الجيش، ومعاداة العلمانية والمخارج الانتقالية للأزمة السياسية مبادئ أساسية له.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

من هو عاصم عمر الذي "أخفى" أسامة بن لادن لسنوات في باكستان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

لقي عاصم عمر، أمير تنظيم القاعدة في جنوب آسيا، حتفه في عملية عسكرية أمريكية أفغانية مشتركة الشهر الماضي، بحسب مصادر استخباراتية أفغانية.

فقد لقي عمر حتفه في غارة على مجمع تابع لحركة طالبان في إقليم هلمند في 23 سبتمبر/أيلول الماضي، وهي الغارة التي أسفرت أيضا عن مصرع 40 مدنيا على الأقل.

فمن هو عاصم عمر؟

في فيديو يرجع تاريخه لـ 9 سبتمبر/أيلول عام 2014 أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تولية الباكستاني "مولانا عاصم عمر إمارة التنظيم في جنوب آسيا"، كما قام بتسميته متحدثا باسم التنظيم في جنوب آسيا.

وكان قد عرف عن عمر قبل هذه الخطوة كونه منظرا وخطيبا مفوها من القطاع الباكستاني من كشمير، وكان عضوا بارزاً في القاعدة لسنوات عديدة.

وأشارت المعلومات إلى توليه رئاسة لجنة الشريعة داخل تنظيم القاعدة لسنوات قبل توليه قيادة التنظيم في جنوب آسيا.

وتقول التقارير إن عمر، الذي كان في أواخر الأربعينيات من عمره لدى مصرعه، قد قضى سنوات طويلة من عمره في أفغانستان وكان من المقربين من زعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن.

وكان ذات يوم من نشطاء مجموعة الجهاد الإسلامي في كشمير ذات الصلة بالقاعدة، وقد أشارت التقارير إلى علاقته الوثيقة بالمتشددين في كشمير لذلك تم تعيينه زعيما للقاعدة في جنوب آسيا.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر من المناطق القبلية في باكستان على الحدود مع أفغانستان القول إنه عقب مصرع بن لادن كان الظواهري يسعى لإعادة تنظيم القاعدة وركز اهتمامه على جنوب آسيا.

وتابعت المصادر قائلة: "بدأت القاعدة تجند مقاتلين في أفغانستان، وعين عاصم عمر أميرا للتنظيم في جنوب آسيا لصلته القوية بالإسلاميين داخل باكستان".

وقالت المصادر إن عمر هو الذي سهل انتقال بن لادن إلى ملاذ آمن في مدينة آبوت آباد الباكستانية حيث عاش لسنوات دون أن يعرف أحد بذلك إلى أن نجحت القوات الأمريكية في قتله.

ونسبت وكالة رويترز لمصادر مطلعة القول إن عمر كان شديد التدين وألّف 4 كتب على الأقل تحرض على الجهاد أحدها عن شركة بلاك ووتر الأمنية الأمريكية وكان عنوانه "جيش المسيح الدجال".

كما أصدر العديد من الفيديوهات التي تحرض أهالي كشمير على الانضمام إلى المسلحين في حربهم ضد "الكفار"، وكان دائما ما يذكر متابعيه بأمجاد الهند الماضية في ظل الحكم الإسلامي الذي هيمن على الهند لقرون.

وتقول مصادر باكستانية إنه قضى 16 عاما على الأقل في أفغانستان، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها دوائر الجهاد عندما درس في جامعة العلوم الإسلامية في كراتشي.

كما درس عمر أيضا في مدرسة العلوم الحقانية الباكستانية التي كان يديرها مولانا سامي الحق المعروف بأبي طالبان لأنه قام بتدريس عدد كبير من قادة الحركة.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

قصة الدبلوماسي السوري سامي الدروبي مع دوستويفسكي وعبدالناصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-19

سيد محمود 

يشعر كل القراء العرب من هواة الأدب الروسي أنهم مدينون بشكل شخصي للمترجم السوري الدكتور سامي مصباح الدروبي (27 نيسان 1921-12 شباط 1976)، الذي تولى تقديم علامات هذا الأدب، وورطهم في حب دوستويفسكي، وبعض أعمال تولستوي وبوشكين وميخائيل ليرمنتوف.

فعل الدروبي ما فعله انطلاقا من قناعة وإيمان بجدارة تلك النصوص، ولا يزال اسمه بعد سنوات من وفاته أقرب ما يكون إلى "علامة مميزة" أو "شهادة ضمان" تشير إلى جودة المحتوى.

كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين هو صاحب الوصف الأهم للدروبي، حين كتب "إن سامي الدروبي مؤسسة كاملة".

أنجز الدروبي مهمته كمترجم فذّ وسط زحام وانشغالات عمل لا ينتهي وخبرات توزعت بين الجامعة وكواليس العمل الدبلوماسي، فقد عمل أستاذا جامعيا للفلسفة في حمص، ثم عميداً لكلية التربية بجامعة دمشق فوزيراً للمعارف، ثم سفيراً لسوريا في يوغسلافيا، مصر، إسبانيا، والمغرب، ومندوبا لسوريا في جامعة الدول العربية في القاهرة التي كانت أقرب المدن لمزاجه وقلبه.

وخلال إقامته بالقاهرة منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ما لم يمنحه لأي شخص آخر، فقد عامله كصديق أتاح له أن يجالسه وقتما يشاء، بحثا عن "خبرة إنسانية" أو سعيا لمشورة، وفي كل اللقاءات التي جمعت بينهما كان ثمة مقعد يشغله في المخيلة.. كاتب روسي يجري استدعاؤه في أي حديث بين الرئيس وصديقه المترجم الذي كان سفيرا لبلاده في القاهرة.

وبلغت درجة الصداقة بينهما أن عبدالناصر عرض عليه، بعد انفصال سوريا ومصر عقب فشل الوحدة بين البلدين، منصب سفير في الخارجية المصرية ليبقى إلى جواره.

وتحفل مذكرات زوجته إحسان البيات بالكثير من التفاصيل الكاشفة عن عمق العلاقة مع عبدالناصر وعائلته، لدرجة أن عبدالناصر كان يهتم بالحالة الصحية لسامي كما كان يدعوه بعد إصابته بمرض القلب، بل بعث إليه دواء يابانياً أرسل في طلبه خصيصا.

وتعرض سامي لفقد ابنته وهي طفلة، وكانت من الأزمات الكبيرة التي عاشها، وهاتفه عبدالناصر معزيا ودعاه للمكوث معه شهراً في الإسكندرية بعد تلك الأزمة في استراحة الرئاسة.

وحدث مرة أن طلب منه عبدالناصر أن ينقل رسالة لأحمد بهاء الدين، بأنه لن يعتقله رغم المقالات التي كان ينشرها وتدفع بمساعدي الرئيس للتحريض عليه، لأنه يعرف أن بهاء الدين "يكتب من دماغه".

وعُيِّنَ أول سفيرٍ لسوريا في القاهرة بعد الانفصال ومندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية في 1966/9/1 ثم اختير سفيراً للجمهورية العربية السورية في مدريد بإسبانيا في 1971/11/27، ثم سفيراً لدى الفاتيكان في تشرين الأول 1973، وفي 1975/10/12 طلب إعادته إلى دمشق لأسباب صحية وبقي سفيراً في وزارة الخارجية، وظل يعمل في أعماله الأدبية وفي حقل الترجمة وإنجاز مشاريعه الأدبية رغم ظروفه الصحية القاسية.

ولم يكن عبدالناصر يشعر بالغيرة مثل السيدة إحسان البيات، زوجة الدروبي التي كتبت كتابا فريدا عن زوجها، أشارت فيه على سبيل السخرية إلى شعورها بـ"الغيرة"، لأنها كانت تعرف أن زوجها يعطي فيودور دوستويفسكي أكثر مما يعطي لأي فرد من أفراد العائلة.

ففي إحدى الأمسيات دعيت أسرة الدروبي إلى عشاء في بيت السفير السوفيتي فينوغرادوف، فقال لها مندهشاً "عندما قيل لي إن السفير السوري أنهى ترجمة 18 مجلداً لدستويفسكي رغم أعبائه كسفير عربي بالقاهرة تعجبت، وقلت أسألكِ: كيف وجد الوقت؟"، فكانت إجابة إحسان أن زوجها يوزع وقته بدقة فائقة بين عمله الرسمي بالسفارة والبيت، وأن دستويفسكي ضرتها. وبعد أقل من شهر زارهما السفير السوفيتي في عيد رأس السنة وحمل لهما هدية، لوحة زيتية لدستويفسكي، وقال مازحا "أرجو من السيدة إحسان ألا تزعجها هديتي.. الضرة"، وانفجروا ضاحكين من تحول دستويفسكي لجزء من حياتهما.

يقول الدروبي في أحد لقاءاته "شعرت أن بيني وبين دوستويفسكي أنساباً روحية، ووجدت نفسي فيه، وصرت أتحرّك في عالمه كتحرّكي في بيتي، وأعرف شخوصه معرفة أصدقاء طالت صحبتي معهم، حتى لأكاد أحاورهم همْساً في بعض الأحيان".

كانت إحسان البيات شريكة العمر والتجربة والترجمة، فعندما تزوجت الدروبي طلب منها ترك عملها بالإذاعة والعمل معه كسكرتيرة وزوجة، وكان يترجمان معا، فهو يمسك بالكتاب في أصله الفرنسي يقرأ، وهي تكتب ما يمليه عليها.

وفي تجربة الدروبي الكثير الذي يفسر ولعه بدوستويفسكي، الذي يصفه الجميع بأنه أهم خبراء علم النفس، فالدروبي الذي جاء من مدينة حمص إلى القاهرة في الأربعينيات لدراسة الفلسفة وعلم النفس في جامعة القاهرة، قبل أن يحصل على دكتوراه في التخصص، جاء لمصر وأهّل نفسه للتعاطي مع مدينة كانت تعيش "سنوات الغليان" قبل ثورة 1952، وخلال سنوات دراسته بالقاهرة ارتبط بصلات وثيقة مع زملائه من الطلاب الذين مثلوا جيلا ضم أسماء مثل محمود أمين العالم ويوسف الشاروني ومصطفي سويف وبدر الديب ولطيفة الزيات، وكانوا جميعا من الأدباء الراغبين في التغيير، ولديهم طموح بكتابة إبداعية مختلفة تكسر السائد والمألوف.

وحين باشر الدروبي نشر ترجماته خلال حقبة الخمسينيات والستينيات وجد دعما وترحيبا من أقلام كبيرة، في مقدمتها أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش وأحمد حمروش وآخرين كانوا يعرفون عنه ولعا استثنائيا بدوستويفسكي، الذي ترجم له أكثر من 11 ألف صفحة، وهو مريض في القلب مرضا لا يمكّنه من الاستلقاء على سريره أثناء النوم، كما أنجز 5 مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي يصل عدد صفحاتها إلى 5 آلاف صفحة، وهو في صراع بين الحياة والموت.

وعلى الرغم من أنه كان يترجم عن الفرنسية وليس عن الروسية إلا أن دقتها وعذوبة لغتها دفعت "دار التقدم" الروسية إلى اعتمادها بعد تنقيحها قليلاً في ضوء النصوص الأصلية، من خلال المترجم المصري الراحل أبوبكر يوسف، الذي رأى أن ذلك أفضل من إعادة ترجمتها عن الروسية مباشرة، ولا تزال هي الترجمة العربية الوحيدة والأكثر قبولا لدى القراء، الذين كانت مقدمات الدروبي لتلك الأعمال مداخلهم الأولى لاكتشاف دوستويفسكي والتعرف على عالمه الخصب.

ويمكن القول إن دستويفسكي خطف الأضواء من ترجمات الدروبي الأخرى ومن مؤلفاته أيضا، فقد ألف كتاباً بعنوان "الرواية في الأدب الروسي"، صدر بعد وفاته بـ6 سنوات 1982م عن دار الكرمل في دمشق.

وترجم رائعة تولستوي "الحرب والسلم"، وأهم عمل لليرمنتوف "بطل من هذا الزمان"، ولبوشكين "ابنة الضابط"، ومؤلفات الأديب اليوغوسلافي البوسني إيفو أندريتش ، منها "جسر على نهر درينا"، قبل أن يحصل صاحبه على نوبل.

بلغت ترجمات الدروبي 80 كتاباً، منها أيضا ثلاثية الكاتب الجزائري محمد ديب "الدار الكبيرة، الحريق، النول (عن اللغة الفرنسية)"، وترجمته المهمة لكتاب "الضحك" للفيلسوف هنري برجسون، لكن ما خلده حقا هو دوستويفسكي.

عن موقع "العين الإخباري"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية