إشكاليات منهجية في قراءة طه عبد الرحمن للتراث

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2648
عدد القراءات

2018-11-22

انطلاقاً من قناعته بضرورة تجديد النظر في كثير من المفاهيم المنثورة من حولنا، فحصاً ونقداً وتصحيحاً وتنقيحاً، للخروج من تيه الأفكار الذي نعيشه حالياً؛ أسهم الفيلسوف المغربي، طه عبد الرحمن، الحاصل على جائزة "الإيسيسكو" في الفلسفة والفكر الإسلامي، لعام ٢٠٠٦، بسلسلة من الأعمال الفكرية، منذ سبعينيات القرن العشرين، في التحليل النصّي والدرس التأويلي.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل

وقد توقّف طه عبد الرحمن عند علاقتنا الحتمية بالتراث، على مستوى تصوّر موضوعه ومنهج قراءته، فوسّع دائرة مصادر التراث الإسلامي العربي، لتشمل النصّ الديني المؤسِّس، مستنداً في ذلك إلى قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: (٣٢)]، غير أنّ هذا التصوّر لا يخلو من إشكاليتين: الأولى: اتكاؤه على الدلالة اللغوية لكلمة الإرث في القرآن الكريم، لتحديد المفهوم التداولي لكلمة "تراث"، والثانية: إدماج عبد الرحمن القرآن الكريم في بنية التراث.

تجاهل عبدالرحمن الأبعاد الثقافية للمفهوم في التداول الإسلامي، وهي أكثر تعقيداً من الدلالة اللغوية للفعل "ورث"

في الإشكالية الأولى: تجاهل طه الأبعاد الثقافية للمفهوم في التداول الإسلامي، وهي أكثر تعقيداً من الدلالة اللغوية للفعل "ورث"، الذي استعمله القرآن الكريم للإشارة إلى "ما يتركه الميت من مال فيورث عنه"، في قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [سورة الفجر: (١٩)]، فالمادة اللغوية القرآنية الأقرب إلى مفهوم التراث في التداول الإسلامي، ليست "ورث"، إنّما "سنّة/ سنن"، التي حملت مدلولين في القرآن الكريم، تبعاً لقيد الإضافة:
المدلول الأوّل: "سنّة الله"؛ بمعنى القوانين الإلهية العامة الثابتة في الكون والطبيعة والاجتماع الإنساني، والثاني: "سنّة الذين خلوا من قبل"؛ إشارة إلى المفاهيم والقيم والمعتقدات والتقاليد والمحددات السلوكية والأعراف التي كانوا عليها، فالسنّة بالمفهوم الثاني أقرب الدّوال القرآنية إلى مفهوم التراث.

اقرأ أيضاً: التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"

أما في الإشكالية الثانية؛ فقد أضفى قداسة على التراث، وهذا يتنافى مع طبيعة التراث نفسه؛ في كونه فكراً واجتهاداً إنسانياً، لا يتمّ بمعزل عن واقعه، فهو نِتاج مباشر للمكان والزمان الذي أُنتج فيه، ووفق الآليات المعرفية التي توفّرت له.

فالتراث ليس معطى واحداً؛ بل معطيات متعددة متنوعة، وهذا ما لا يختلف عليه طه عبد الرحمن؛ ففي الوقت الذي سلّم فيه بتنوع مجالات واتجاهات التراث وتعدّدها، بما يجعله لا يخضع لمنظومة فكرية موحدة متجانسة؛ بل لمجموعة من الأنساق الفكرية المختلفة الرؤى والتوجهات، ركّز على ضرورة العمل على اكتشاف العلاقات العضوية المُشكّلة لمختلف مجالات التراث؛ من اللغة، والنقد، والبلاغة، وعلم الكلام، وعلوم القرآن، وغيرها من المجالات المعرفية التراثية، وربطها ببنية فكرية واحدة، وهذا ما أطلق عليه عبد الرحمن: "القراءة التكاملية"، أو "مبدأ تكامل المعارف"، وهو أحد المبادئ التي انتهى إليها عبد الرحمن من طول اشتغاله على روح التراث الإسلامي، وعلى حدّ تعبيره: "لو أنّ الغرب أخذ بمبدأ "تفاصل" أو تباين المعارف، فالمعرفة الإسلامية تتداخل أقسامها تداخلاً كاملاً؛ حيث يبدو الفقه موصولاً بعلم الكلام، وعلم الكلام موصولاً بالفلسفة، والفلسفة موصولة بأصول الفقه"، وفي هذا الإطار؛ تنوّعت كتابات عبد الرحمن بين التأسيس لقراءة تكاملية، اعتماداً على آليات التداخل المعرفي، والتقريب التداولي، ونقد الخطابات التجزيئية والتفاضلية في قراءة التراث.

فسّر المظاهر التجزيئية بأنّها وليدة مضامين النص التراثي، ولم ينظر في الوسائل اللغوية والمنطقية التي بُلِّغت بها هذه المضامين

فسّر الفيلسوف المغربي المظاهر التجزيئية بأنّها وليدة تقويم يغلب عليه الانشغال بمضامين النص التراثي، ولم ينظر البتة في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أُنشئت وبُلِّغت بها هذه المضامين، فميّز بين نظرة جزئية تفاضلية، لا تتجاوز في دراستها المضامين المعرفية للتراث، بوسائل تجريدية وتسيسية منقولة، تتجاهل الوسائل التي عملت في تأصيل وتفريع هذه المضامين التراثية، وبين نظرته هو القائمة على الشمولية التكاملية غير التجزيئية للتراث، بوصفها منحى غير مسبوق.
ويشير الواقع المعرفي إلى وجود باحثين شاركوا عبد الرحمن بدايات ظهور تلك القراءة التكاملية للتراث؛ منها الدراسة المبكّرة في مسيرة جابر عصفور، في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عن "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي"، التي قدّم فيها قراءة للنقد والبلاغة في ضوء علاقتها بعلوم التراث كلّها؛ مثل الفلسفة، وعلم الكلام، والتصوّف، والتفسير، وعلوم القرآن، وغيرها، كما لم يكن ارتياد الجابري، أو أركون، أو أبو زيد، وغيرهم، مجال الدراسات التراثية مقصوراً على المضامين؛ بل ركّزوا على بنية العقل المنتجة للتراث وأدواته الاستدلالية واللغوية، في محاولة لاكتشاف التراث في سياقاته التاريخية والثقافية.

الحداثة والتراث في فلسفة عبد الرحمن

إذا نظرنا في منهجية عبد الرحمن في قراءة التراث، بوصفها الإشكالية التي تُميّز العقل "المتسائل" من العقل "المذعن"، والعقل القادر على إنتاج المعرفة من العقل الذي يُلوّن المعرفة، أو يكرّرها، فسنجد أنّها لا تنتمي إلى العقلية الرافضة للتجديد بشكل عام، والحداثة بوجه خاص، تلك التي تُؤمن بكفاءة وكفاية المرجعية السلفية العلمية، الداعية إلى القطيعة المعرفية مع الغرب العدو، الذي يرونه معرفياً وسياسياً وحدة واحِدة لا تتجزأ، فيتطابق في عقليتهم، المشبعة بفكرة المؤامرة، المعرفي بالسياسي، غير أنّ عبد الرحمن تأثّر بالفكر السلفي في التركيز على خصوصية العقل المسلم، وخصوصية المعرفة التي يُنتجها، فلا يتعامل مع العقل المعرفي بالمعنى الإنساني العام.

اقرأ أيضاً: إذا كان التطرف ينام بين جنبات التراث فمن يوقظه؟!

لقد أسّس طه عبد الرحمن قراءته للتراث، كسائر مشروعه الفكري، على ثنائيات؛ فمن منظوره تقوم الأخلاق على ثنائية بين الهيئات والأفعال الروحية والظاهر والباطن، والحداثة على ثنائية بين واقع متمثل في تطبيقاتها وروح متمثلة في قيمها ومبادئها، والتراث كذلك يقوم على ثنائية بين ذاكرة معرفية وروح أنتجت تلك المعرفة، فإعادة الماضي على مقتضاه القديم تستحيل عقلياً وتاريخياً، لكن ما يمكن أن يُعاد من الماضي؛ هو رُوح التراث الإسلامي متمثلة في استلهام القيم الإنسانية والأحكام الشرعية القطعية التي تخدم الإنسانية، التي لا يمكن نهائياً أن تموت مع مرور الزمن، فالتراث يبقى في الذاكرة التي فيها الميت والحيّ، فهناك قيم داخل التراث لم يعد من الممكن اليوم الدخول بواسطتها إلى الحداثة.

اقرأ أيضاً: عبد الباسط هيكل: لا يمكن إحداث قطيعة معرفية مع التراث

نجح الفيلسوف في خلق علاقة تفاعلية بين التراث والحداثة، داعياً إلى الأخذ بروح الحداثة التي تكمن في مجموعة القيم والمبادئ التي علينا أن نبحث عنها، دون أن نتوقف أمام واقعها الذي ينقله البعض نقلاً حرفياً، فهم تقليديون، وإن ادّعوا الحداثة، ولا أن نرفضها ونراها كفراً؛ فالحداثة أن يكون الإنسان حاضراً مبدعاً في عصره لا في زمان غيره، فنستعيد من أسلافنا قدرتهم الإبداعية في الأخذ من اليونان واللاتين حتى نكون حداثيين.

اقرأ أيضاً: عنف الإرهاب وتركة التراث الفقهي
ووضع الدكتور طه عبد الرحمن لروح الحداثة في ثلاثة مبادئ، الأول: ألا تقبل بوصاية أحد على تفكيرك، وقد رأى هنا أنّه ليس حداثياً فحسب؛ بل تراثياً، يتفق مع التصور التداولي الإسلامي "لا رشد مع تقليد"، أما المبدأ الثاني فهو: الفكر النقدي؛ أن تكون لك القدرة على الاعتراض على ذاتك وغيرك، وعلى الأشياء من حولك، فالاعتراض ليس محدوداً؛ بل هو شامل واسع. والمبدأ الثالث: الشمول؛ فالحداثة تنتشر في المجتمعات والمجالات كلها، ولا يمكن حصرها في مجتمع مخصوص، ولا مجال مخصوص، فلا قطيعة بين الحداثة والدين أو الأخلاق؛ فهي الروح التي ينبغي أن نأخذ بها اليوم، ونتوسّل بها في تحقيق نهضتنا، كغيرنا من الأمم.

اقرأ أيضاً: صورة التراث في المناهج.. ومواجهة التطرف
نحن في حاجة اليوم، كما يرى عبد الرحمن، إذا أردنا أن نصل التراث الإسلامي بالحداثة أو بالمعاصرة، إلى الاستفادة من الصفات خاصة، والمبادئ المميزة التي يقوم عليها التراث؛ وهو ما أسماه "مبدأ التداول"، ويقصد به أنّ التراث الإسلامي أو الحضارة الإسلامية، كانت دائماً تستوعب الوافد عليها أو المنقول إليها استيعاباً يُخضعه للقيم المعرفية والقيم اللغوية والقيم العقدية الخاصة به، فالتراث العربي لديه قدرة متميزة على تحويل المنقول من ثقافة أخرى إلى مضمون يوافق مقتضيات وقيم الإسلام، فكلّما ورد علينا مضمون حداثيّ أو عصري، أو مفهوم، أو حكم، تعيّن علينا أن نخضعه لهذه المقتضيات التداولية التي اختص بها التراث الإسلامي من قيم عقدية ولغوية ومعرفية.

قراءة تحتمل التناقضات

ولا تخلو منهجية عبد الرحمن في قراءة التراث من جوانب نتفق معها ونُؤسّس عليها، وجوانب أخرى نختلف معها ونُعيد التفكير فيها؛ فمن إشكاليات منهجيّته في قراءة التراث: التعالي به عن النقد، بزعم خصوصية الأدوات التي أنتجت مضمونه، فلا يستقيم إخضاع مضامين التراث لأدوات تمّ إنتاجها في غير بيئته، ورأيه في اعتماد العقل الحداثي على آلية نقد النصوص، لا يعدو عن كونه تقليداً للدراسات الغربية، في محاولتها ردّ النصوص إلى سياقاتها التاريخية المنتجة لها، فهو يعتقد اعتقاداً جازماً بأنّه لا بدّ من أن يقوّم التراث، ويُنقد بحسب الأدوات التي استخدمت في إنتاجه، حتى يُعرف؛ هل استوفى شرائط هذه الأدوات أم لم يستوفها؟ وأنّه لا يجوز الاعتماد على أدوات أخرى لم تُنتج مضمونه إلا على سبيل المقارنة لا على سبيل التحقيق، فشكّك في جدوى قراءات الحداثيين للتراث، ووصفها بمحاولات تنقية، أو استصلاح، أو عقلنة، للتراث، باعتبار أنّ قسماً قليلاً منه فقط ينسجم، في رأيه، مع روح العصر؛ فقراءات الحداثيين للتراث قراءات مقلدة، وليس لها من الحداثة شيء؛ لأنّها تنقل وسائل وأدوات تخصّ الغرب وحضارته وتاريخه، وإن كان عبد الرحمن يتفق معهم في حاجتنا إلى تجديد قراءة التراث، لكنّه تجديد ينبغي أن نبدع فيه، فنأتي من عندنا بأدوات وآليات يحدّدها تاريخنا وتراثنا؛ أي مجالنا التداولي الخاصّ بنا، فيتناقض عبد الرحمن مع نفسه حين يتحدث عن الإبداع، ثمّ يُلزم المبدع بأن يستولد من التراث وسائله في تحديث هذا التراث، ويجعل القراءة الحداثية مقيدة بما يجب وحيث يجب.

اقرأ أيضاً: تراثُ قتل وذبح وفتن أم تراث حب؟
ومن منظور طه عبد الرحمن؛ فإنّ الدرس اللغوي الحديث، مثلاً، ليس نتاج فكر إنساني عام، يصلح لدراسة النصوص العربية، فيستعلي بنصوص وخطابات التراث عن الخضوع لتلك النظريات اللغوية الحديثة، ويرى أنّ أدوات ووسائل القدامى هي الأجدى في التحليل والفهم، ليس لشيء سوى لتراثيتها.
ومن ناحية ثانية؛ تتمحور مركزية التراث في مشروع طه عبد الرحمن، في كونه وسيلة لتثبيت الهوية، وأداة لدعم الإبداع، ويُعلل ذلك بأنّ الإنسان بطبعه كائن متصل، واتصاله يكون بالزمان والمكان، وهذا ما يجعله يربط الماضي بالحاضر والمستقبل معاً؛ فلا بدّ لكلّ إنسان، كيفما كان حاله، من أن يكون له امتداد فيما سبق، وامتداد فيما سيأتي؛ فعنده حاجة ميتافيزيقية أو روحية إلى أن تكون ذاته موصولة، ووجوب هذه "الموصولية" هو الذي يدفعه إلى الاهتمام بالتراث، فالاتصال بالماضي مقوّم من مقوّمات الذات الإنسانية التي تمدّه بالهوية، فهذا الاتصال يقدّم للفرد البعد الثقافي الذي يجعله يحدّد ذاته، مدركاً تميّزه، من منظور عبد الرحمن، عن باقي أفراد الإنسانية.
ومما نتفق به مع عبد الرحمن؛ أنّ الماضي، وإن انقطعت صيرورته ولم يعد فاعلاً، إلا أنّه ما يزال يتحرّك من خلالنا، في وعينا به، وتفاعله -إيجاباً أو سلباً- مع سعينا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، لكنّ التراث لا يُؤثر في الحاضر على نحو أحادي الاتجاه فحسب؛ بل الحاضر أيضاً يُؤثّر في التراث بالقدر نفسه؛ لأنه ليس كياناً منفصلاً عنّا، بل نحن مركز ذاك التراث؛ نعيد تشكيله وفق الحاضر منه في عقولنا؛ لذا تتعدّد صور التراث بتعدد العقول المستدعية للتراث، فكل قراءة للتراث ليست سوى محاولة في إعادة تفسيره من خلال الحاضر، ولا تبدأ تلك القراءة من فراغ؛ بل من طرح أسئلة الحاضر التي تبحث لها عن إجابات داخل بنية التراث؛ ففي حالة الأسئلة المعلنة الصريحة الواضحة تكون آلية إنتاج المعرفة من التراث واضحة، وتكون القراءة  قادرة على إنتاج وعي علمي بالتراث، وفي حالة السؤال المضمر تكون آليات القراءة مضمرة، وتكون القراءة للتراث مزيّفة للوعي متحيزة لموقف أيديولوجي وإن تظاهرت بالموضوعية.
التراث والهوية
سرعان ما تتحول فكرة عبد الرحمن في التعامل مع التراث على أنّه جزء من الهويّة، إلى الهوية كلّها في التداول الإسلامي، ومثل هذا الاختصار لهوية الإنسان في بُعد واحد، وإن كان "الدين"؛ فهو إشكالية كبيرة؛ لأن تلك الخصوصية المُغلقة تجعل الإنسان يحصر المعرفة في الدين، ويزعم امتلاكها، ومن تجليات تلك المشكلة؛ وجود جماعات تحتكر الإسلام، وتنسب نفسها وحدها إليه، والأدهى أنّها لا تحتكر جانب المعنى الديني فحسب؛ بل المعنى الاجتماعي والثقافي والسياسي، إضافة إلى المعاني الأخلاقية والروحية، ونصبّت كلّ جماعة نفسها سلطة حامية لفهمها الذي جعلته ديناً.

تأثّر طه عد الرحمن بالفكر السلفي في التركيز على خصوصية العقل المسلم، وخصوصية المعرفة التي يُنتجها

ومن جانب آخر؛ يصبح الماضي نقطة استقرار وجمود، فالاستغراق في الماضي إحدى الأمراض الفكرية المزمنة للعقل المسلم، فلا يتّبع مسار التطور الإنساني التقدمي إلى الأمام؛ بل يقف عند نقطة من الماضي يُريد الارتداد بالزمن إليها؛ بغية تطهير الحاضر بإعادته إلى الماضي، ويضيع الأفق المستقبلي بالارتداد إلى حلم الماضي، فنسعى إلى المستقبل، ليس في نقطة زمنٍ آتيةٍ؛ بل في نقطة زمنية ماضية، ويُقتل الإبداع بالتقليد، وتتحوّل الحداثة إلى عمليات طلاء مستمرة لتقديم الموروث التراثي في صورة الحداثي.
أخيراً؛ إذا كان التراث الذي بين أيدينا تشكّل في مصنفات، من خلال اللغة التي هي ظاهرة اجتماعية ثقافية وموجّهة إلى متلقٍ اجتماعي تاريخي، فلماذا لا نقرأه من خلال المناهج التي انتهى إليها الإنسان حديثاً في تحليل النصوص اللغوية؟ لماذا نتعامل مع تراثنا ولغتنا كاستثناء؟ لماذا لا نفتح الباب للاختلاف في الفهم والقراءة والتفسير؟ فالجهل لا يحارب بالجهل؛ بل بالمعرفة العلمية التي تهدف إلى إطلاق حيوية البحث والتفكير وإعلاء شأن العلم في هذه الأمة، إنّ وقوع بعض الدراسات في التعسّف على مستوى النتائج، لا يقتضي رفض المناهج العلمية المتبعة في تلك الدراسات، وإنّما حصر الرفض في التطبيقات الخاطئة أو المتعسفة في استخدام الأدوات المعرفية، وتظلّ جميعُ نصوص التراث نصوصاً لغوية موصولة بالسياقات الاجتماعية والثقافية التي تشكّلت فيها، لا تكتفي القراءة العلمية الدقيقة باكتشاف دلالاتها في سياقها التاريخي الثقافي الفكري؛ بل تتعدّى ذلك إلى ضرورة الوصول إلى "المغزى" المعاصر للنص التراثي في أيّ مجال معرفي، وإذا كنا في حالة خوف من ضياع الهوية والقلق من حالة التبعية الثقافية الكاملة للآخر؛ فإنّ الوعي العلمي بحقيقة التراث، وكيفية تكوّنه، والعوامل التي ساهمت في حركته وتطوّره حتى وصل إلينا، سيُساعدنا على  الصمود والتصدّي والمقاومة؛ بل والتجاوز والتأسيس والمضي في البناء المعرفي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: