البحث عن هشيم جاهز للحرق.. لماذا انتقل داعش إلى الفلبين؟

5604
عدد القراءات

2018-10-29

يبحث تنظيم "داعش" في خريطة العالم، عن أراضٍ رخوة وهشة يلوذ بها لتعطيه قدرة على الاستمرار في الحياة ولو بعد حين.
لم يكن التنظيم مبدعاً في الإستراتيجية تلك، فقد سبقه إليها جذره الفكري والتنظيمي، تنظيم "القاعدة"، ولم يفعل "داعش" سوى محاولة الاستيلاء على إرث القاعدة الإستراتيجي، واقتناص فروعها في مناطق النّزاع والصّراع، وإنْ لم تسفر هذه المحاولات سوى عن امتداد انشطار التنظيم "الأم" أفقياً ورأسياً، ليذهب جزء منه إلى "داعش" ويبقى الجزء الآخر تحت الولاءات القديمة للقاعدة.
بمجرد نشوب الصراع بين التنظيمين في أواخر العام 2013، توجه "البغدادي" وجوقته إلى العديد من فروع القاعدة في آسيا، لنزع البيعة من أمرائها، وما إنْ أعلن خلافته؛ حتّى كان لذلك صدى كبير في جنوب شرق آسيا، خاصّة الفلبين.

اقرأ أيضاً: الفلبين.. العقد الرابع من الإرهاب
لم يفعل "داعش" سوى محاولة الاستيلاء على إرث القاعدة الإستراتيجي

ما فعله المستعمر
انتشر الإسلام في الفلبين عبر  التُّجار العرب القادمين من شبه القارة الهندية، أوائل القرن الخامس عشر، حتىّ بات المسلمون يشكّلون غالبية السّكان في شمال البلاد وجنوبها.
غير أنّ المسيحيّة استطاعتْ احتلال مكانها بعد ذلك التاريخ بنحو قرنين من الزمان؛ إذ إنّ الاستعمار الإسباني الذي هيمنَ على البلاد، عام 1571، بعد دخول الإسلام بأكثر منْ قرنين، نجح في تحويل غالبية السّكان الشماليين من الديانة الإسلاميّة إلى المسيحيّة، بينما تمسّكَ الجنوبيّون بالإسلام، وباتت مدن الجنوب كــ "ميندانا، وباسيلان، وصولو، وطاوي، وطالي" مناطقَ تجمّعٍ لمسلميْ الفلبين، الذين أطلقَ عليهم الإسبان اسم الــ "مورو"

لم يكن التنظيم مبدعاً في الإستراتيجية تلك فقد سبقه إليها جذره الفكري والتنظيمي تنظيم "القاعدة"

عندما حلّ المستعمر الأمريكي محلّ الإسباني، بعد هزيمته عام 1898، حاولت الولايات المتحدة دمجَ سكان الجنوب في النّسيج الاجتماعي، إلا أنّ محاولاتِها باءت بالفشل.
كانت الفجوة التي عَمِلَ عليها الاستعمارُ بين الجنوب والشمال قد تعمّقتْ، وأضحى من الصّعب سدُّها؛ إذ إنّ المستعمرَ قد اتُّهم سابقاً بأنه وجّهَ عملياتِ التحديث، وزرعَ القيم الغربية والأفكار العصرية والنّمو الاقتصادي في ناحية الشّمال دون الجنوب، وخاصّة في مدينة "لوزون" التي شكّلتْ واجهةً للحملات الاستعمارية، فيما بقي الجنوب بعيداً عن عمليات النّمو والتّحديث، وظلّ متمسّكاً بأوضاعهِ وقيَمهِ الثقافية المحليّة دون تغيير كبير.
وربّما تدخّلت الطبيعةُ الجغرافية للفلبين في الحيلولة دون ذلك، بسبب اتّساع الفواصل المائية والحواجز الطبيعية التي أعاقتْ عمليةَ التفاعل الاقتصادي والاجتماعي بين الأقاليم.
جذور التطور الطبيعي لداعش
بعد استقلال البلاد، زادت أوضاع المسلمين الجنوبيين سوءاً، وبينما حاولت الحكومة القضاء على حالة تهميشهم وإقصائهم، زادت الطّين بلة، حيث عملتْ في البداية على التّمييز في المناطق الجنوبية بين مجموعات نخبويّة كانت تدعم التّعاون مع الحكومة المركزيّة في الشّمال، وتيارات أخرى رفضت ذلك التعاون، وكانت تتمتّع بحضور في الأوساط الشعبية والراديكالية.

نشبت الحربُ الأهليةُ بين المسلمين والمسيحييّن في الجنوب أوائل السبعينيات بسبب تدهور الأوضاع السّياسية والاجتماعية

في النّهاية مُني التّيار النّخبوي بالفشل، بعد أنْ قامت الحكومة الفلبينية بإجراءاتٍ وصِفتْ بالسّلبية في حلّ الأزمات الاجتماعية.
أقدمت الحكومةُ، في خمسينيات القرن الماضي، على تشجيع السّكان الشّماليين على الزّحف نحو الجنوب والتوطّن في مدينة "مينداناو"، بحجّة أنّ تلك السّياسة سوف تؤدي إلى انصهار المكوّنات الاجتماعية في بوتقة واحدة، وإزالة الفواصل الدينية والثقافية بين الجنوبييّن والشّماليّين، غير أنّها لم تحرّض على هجرات معاكسة تدعم من خلالها الجنوبيينَ في استيطان الشّمال.

اقرأ أيضاً: أشباح تنظيم داعش ما تزال تسكن مدينة ماراواي الفلبينية
كان نتاج تلك السياسة؛ زيادةُ المكوّن المجتمعي المسيحيّ الكاثوليكيّ في الجنوب، وانتهاءُ عصر الأغلبية المسلمة هناك، فتحوّل السّكانُ المسلمون إلى أقلية فقيرة قياساً بالكاثوليك الذين تمتّعوا بدعم اقتصادي، فضلاً عن توطينهم في المناطق ذات الخصوبة الزراعية العالية.
زاد التّهميش.. فظهرت الحركاتُ الجنوبيةُ ذاتُ الأيديولوجيا الوطنية للدفاع عن حقوق المواطنة والمطالبة بالمساواة الاقتصادية والسّياسية للمسلمين، والتي أطلقتْ على نفسها اسم الـ"مورو" وكانت أبرزها "الجبهة الوطنية لتحرير مورو".

اقرأ أيضاً: هكذا أنهت الفلبين النزاع المسلَّح مع مسلمي الجنوب
نشبت الحربُ الأهليةُ بين المسلمين والمسيحييّن في الجنوب، أوائل السبعينيات، بسبب تدهور الأوضاع السّياسية والاجتماعية للـ"مورو" فظهرت نسخةٌ متشددةٌ من جبهة التحرير الوطنية، أطلقت على نفسها اسم "الجبهة الإسلامية لتحرير مورو" والتي رأت أنّ القضية المحوريّة للصّراع هي قضيّة الدّين والهُويّة الإسلامية وليست الأرض، وانتهى بها الحال إلى الانفصال عن الحركة الأم، بزعامة هاشم سلامات.
"أبو سياف" والنسخة الأكثر تشدداً
ظنّت الحكومة الفلبينية أنّ بإمكانها استئصالُ شوكة الحركة الإسلامية أو الحركة الوطنية بأدوات قمعية، دون رؤية جدّية وإرادة قوية للقضاء على جذور الفرقة الاجتماعية والدينية في البلاد، فكان نتاج تلك السياسة التي اعتمدتْ على القتل والتشريد والنّفي، أنْ ظهرتْ نُسخة أكثر تشدداً من الحركة الإسلامية، تزعّمها شابٌ كنّى نفسه بـــ "أبي سياف".. وهو عبدالرزاق أبو بكر جنجلاني، المنتمي لقبيلة التاسوك، والمولود لأب مسلم وأم مسيحية العام 1959 في جزيرة باسيلان المنعزلة في جنوب جزيرة "ميندناو" تلك الجزيرة التي نالت النصيب الأكبر في ممارسات الاضطهاد والعزلة.

اقرأ أيضاً: كيف تحولت جزيرة مينداناو الفلبينية إلى مستودع للحرب؟

أبو سياف،  عبدالرزاق أبو بكر جنجلاني

ارتبط "أبو سياف" بزعماء الجهاد الأفغاني مبكراً، وهاجر إلى أفغانستان برفقةِ مجموعة من أصدقائه، تدربوا في معسكرات أفغانستان، قبل عودتهم إلى الفلبين، ليعلنوا استقلالهم عن الجبهة الإسلامية، بحجة تفريطهم في حقوق الـ"مورو" وابتعادهم عن نهج الإسلام الصّافي، فضلاً عن اتهامهم بالتقصير في الجهاد ضد الحكومة الفلبينية.

اقرأ أيضاً: داعش يتوسَّع في الفلبين وعينُه على أستراليا
عملت جماعةُ أبي سياف على قتل المسيحيين وخطفهم، واستهداف المدنيين من غير المسلمين، وازدادت شراسةً وضراوةً حتّى قتل قائدها المؤسس في قرية "زامبوانجا" عام 1998، ثم انقسمت الجماعة إلى 3 مجموعات رئيسية.
داعش ترث أبو سياف
ما إنْ أعلن أبو بكر البغدادي عن خلافته في "الموصل" حتى أتته بيعة من إحدى مجموعات جماعة أبي سياف المتشرذمة  "ماوتي" والتي دعمها داعش بعشرات المقاتلين الأجانب من ذوي الخبرة في العمل العسكري.
استطاعت تلك الجماعة عام 2017 من السيطرة على "ماروي" كاملة، وطرد الجيش الفلبيني منها، وتبعتْ ذلك معاركُ عنيفةٌ بين الجيش والمقاتلين، استمرّت عدة أشهر، حتى بدت الجماعةُ وكأنّها قد اندحرت عقب مقتل زعيمها المبايع للبغدادي "إسينيلون هابيلون".

اقرأ أيضاً: داعش يتحوّل لحركة تمرّد في ليبيا وأفغانستان والفلبين
إلا أنّ ذلك لم يكن صواباً.. حيثُ استطاعت الجماعة ضرب معاقل الجيش، وتنفيذ عمليات كبرى، كانت آخرها في منتصف العام الجاري، واضطرت الحكومة الفلبينية إلى ستخدام القوّات الجوية والبحرية لإخماد الهجوم الذي شنته الجماعة بقيادة زعيمها الجديد "أبو دار".
الحكومة الفلبينية، أدركتْ أنّ حلّ أزمة "المورو" قد تأخر كثيراً، وأنّ عليها أنْ تمرّر السّماح بالحكم الذاتي لهم في مناطقهم، علّ ذلك يساهم في القضاء على آمال داعش في إيجاد موطن قدم له هناك.
وافق البرلمان الفلبيني، مؤخراً، على قانون يُعرف بـ "بانجسامورو الأساسي" وهو قانون يمنح الحكم الذاتي لمنطقة "مينداناو" على أمل أنْ يساهم ذلك في مواجهة التطرف، إلا أنّ هذا القانون ينتظر تصديق الرئيس "رودريجو دوتيريه" ليدخل حيز التنفيذ.
يأتي القانون نتيجةً لاتّفاق السّلام الموقعِ بين الحكومة الفلبينية وجبهة "مورو" الإسلامية قبل 4 أعوام، وخلال فترة الرئيس السابق بينينو أكينو الثالث.

اقرأ المزيد...

الوسوم: