الغنوشي يناقش في الدوحة عدم استقرار حركة النهضة

5300
عدد القراءات

2019-02-04

الجمعي قاسمي

كشفت مصادر سياسية أن رئيس حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي، بدأ زيارة إلى العاصمة القطرية الدوحة، وُصفت بأنها مُريبة في دوافعها واستهدافاتها التي تبدو شديدة الارتباط بمأزق الحركة، وبالأزمة السياسية في البلاد، التي دخلت مرحلة خطيرة من التجاذبات باقتراب الملفات الغامضة لحركة النهضة من دائرة الضوء.

وقالت لـ”العرب” إن الغنوشي وصل إلى الدوحة مساء الجمعة، وذلك مباشرة بعد انتهاء اجتماع للمكتب السياسي لحركته، تخللته نقاشات صاخبة حول جملة من القضايا المُرتبطة بسياقات الأزمة السياسية المُتفاقمة في البلاد، وخاصة منها تلك التي أججت الجدل حول الملفات التي تؤرق الحركة.

وأكد مُقربون من حركة النهضة هذه الزيارة، لكنهم سعوا إلى تعويم أهدافها ومُبرراتها، من خلال الإشارة إلى أن الغنوشي سيُشارك أثناء تواجده في الدوحة، في ندوة فكرية، كما ستكون له لقاءات مع المسؤولين القطريين تندرج في سياق التشاور وتبادل الآراء حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

غير أن مثل هذه التبريرات التي اعتاد  قياديو حركة النهضة إطلاقها على هامش كل زيارة من زيارات الغنوشي إلى الدوحة التي تكررت كثيرا في الفترة الماضية، لم تُقنع المُراقبين، ولم تُبدد الهواجس المرافقة لها، بالنظر إلى ما تحمله من رسائل سياسية تنطوي على سلسلة لا تنتهي من الافتراضات الموازية، والمُتناقضة، في علاقة بخارطة أولويات هذه الحركة.

ويُنتظر أن يناقش الغنوشي في لقاءاته بالدوحة، إستراتيجية حركته في علاقة بالانتخابات القادمة، وسبل تمويل حملاتها، إلى جانب كيفية التعامل مع فتح ملفها المالي المُثير للجدل، في أعقاب قرار البنك المركزي المُتعلق بإخضاع حسابات حركته وقادتها للتدقيق المالي.

وفي محاولة لاحتواء الجدل بشأن إخضاع حساباتها للتدقيق المالي، استنكرت حركة النهضة، في بيان وزعته الأحد، تسريب مراسلات متعلقة بها، موجهة من دائرة المحاسبات إلى البنك المركزي، واعتبرت أن التركيز عليها دون غيرها يُعد “توظيفا له تداعيات سلبية وخطيرة ” و”تسميما للحياة السياسية” و”فتحا عريضا لباب التأويلات”.

ويعكس هذا الاستنكار حجم المأزق الذي بدأ يُحيط بهذه الحركة، ما دفع المُحامي والناشط السياسي التونسي، عماد بن حليمة إلى القول إن توقيت هذه الزيارة لا يمكن فصله عن سياق التطورات السياسية في البلاد، والخلافات الداخلية في صلب حركة النهضة التي وصفها بأنها “أحد أهم فروع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين”.

واعتبر في تصريحات لـ”العرب” أن الجميع “يُدرك أن الخلافات داخل حركة النهضة احتدمت خلال الأسابيع الماضية بسبب الموقف من الرئيس الباجي قائد السبسي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، وهي خلافات تعمقت أكثر فأكثر باقتراب دائرة الضوء من الجوانب المُظلمة لبعض الملفات التي تؤرق هذه الحركة الإخوانية، وخاصة منها تلك المُرتبطة بملفي “الجهاز السري” و”التمويلات الخارجية”.

ولفت إلى أن تلك الخلافات تسببت في انقسام واضح بين شقين، الأول يتمسك بالحفاظ على علاقة وطيدة مع الرئيس قائد السبسي، ويُدافع عن مُخرجات لقاء باريس 2013 بين قائد السبسي والغنوشي الذي أسس للتوافق بينهما خلال السنوات الماضية، قبل إعلان الرئيس قائد السبسي عن فك الارتباط مع حركة النهضة الإسلامية في نهاية شهر سبتمبر الماضي.

ويرى هذا الشق بحسب المحامي عماد بن حليمة، أن إنهاء التوافق بين الشيخين، كان من نتائجه المباشرة تسليط الضوء على الملفات الحارقة التي تخشاها حركة النهضة، وخاصة منها ملف “الجهاز السري” الذي باتت تداعياته تُهدد مُستقبل حركة النهضة، في صورة واصل مجراه القانوني بعيدا عن الضغوط.

أما الشق الثاني فيراهن، وفقا لعماد بن حليمة، على رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، ويعتقد أن الرئيس قائد السبسي “انتهى سياسيا”، ولا بد للحركة أن تجد حليفا جديدا قادرا على ضمان عدم فتح تلك الملفات الخطيرة.

وتابع قائلا إن “الخلافات داخل هذه الحركة الإخوانية لا تقتصر على ذلك، وإنما أخذت مُنعرجا جديدا في علاقة بخليفة راشد الغنوشي، حيث بدأ الحديث يتصاعد حول هذا الموضوع باعتبار أن الغنوشي لن يكون بمقدوره الترشح لرئاسة الحركة خلال مؤتمرها العام القادم”.

ولفت في هذا السياق إلى تصريحات سابقة للقيادي البارز في حركة النهضة، عبدالحميد الجلاصي، التي دعا فيها إلى “ضرورة الخروج من ثقافة التحفظ، والتردد السياسي، وخلق نوع من التدافع للترشح لمنصب رئيس الحركة” خلفا للغنوشي.

وعلى ضوء هذه المستجدات، اعتبر عماد بين حليمة أن زيارة الغنوشي الحالية إلى الدوحة “تندرج في إطار التشاور مع قادة التنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين حول جملة هذه المسائل المُعقدة والخطيرة”.

وتكاد القراءات السياسية المُرافقة لهذه الزيارة، تُجمع على أن توقيتها فرض الكثير من الأسئلة لاعتبارات لا تتصل بالمكان فقط، بقدر ما ترتبط بمبررات دوافعها التي تقاطعت على سطح المعادلات السياسية المُتغيرة، بسبب التطورات غير المحسومة في خارطة الأولويات التي تحكم المشهد العام في البلاد من جوانبه المختلفة.

ولا تُخفي الأوساط السياسية التونسية اهتمامها بما ستُسفر عنه هذه الزيارة من نتائج، لاسيما منها تلك المُرتبطة بإمكانية ضبط الاندفاعات نحو الرهان على يوسف الشاهد، أو تلك المُتعلقة بالتخفيف من العراقيل التي تحول دون الاستجابة لشروط الرئيس قائد السبسي، على أمل غلق الملفات الحارقة. ومع ذلك، تبقى هذه الزيارة تنطوي على رسائل مُرتبكة في علاقة بحسابات الغنوشي، ومُقاربته للخروج من المأزق السياسي الذي تسبب فيه بمناوراته.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: