سؤال في واشنطن: هل ستطلق طهران النار على الأمريكيين في العراق؟

2010
عدد القراءات

2019-04-15

تذهب دراسات أمريكية معمّقة إلى احتمالات تصعيد قد تمضي إليها الأزمة مع إيران؛ بل تطرح سؤالاً عن الردّ الذي قد تتخذه إدارة الرئيس دونالد ترامب في حال قيام طهران، وعبر وكلائها المسلّحين، بإطلاق النار على قواعد الجيش الأمريكي في العراق؟

يأتي هذا ضمن بحث متواصل في دوائر البحوث الإستراتيجية في واشنطن، لمناقشة المدى الذي ستؤدي إليه العقوبات ضمن "حملة الضغط القصوى" التي قامت بها إدارة ترامب ضدّ إيران، لجهة أنّ العقوبات الاقتصادية تضعف فيلق الحرس الثوري وأنّ المزيد من العقوبات ستجعله أضعف.

اقرأ أيضاً: روحاني يستدرج العراق إلى ساحة المواجهة مع واشنطن

ويحذّر أحد تقييمات الاستخبارات الغربية الأخيرة، من تحوّل الإيرانيين لا ضدّ قيادة الحرس الثوري الفاسدة، بسبب العقوبات القوية فحسب؛ بل أن يكون الضغط الاقتصادي الأمريكي عوناً للحرس وحلفائه في سيطرة أكبر على الاقتصاد الإيراني.

وكان إعلان وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبيو، "الحرس الثوري كمنظمة إرهابية"، قد جاء تصعيداً جديداً مع إيران، دون أن ينسى الوزير التحذير من كون قادة الحرس الثوري؛ هم "أسياد فنّ الخداع والفساد على مستوى البلاد"، وهو ما أظهره التاريخ القريب لأولئك القادة، فهم كانوا دائماً ما "يجدون طرقاً غير قانونية للهروب من الضغوط" والمناورة حيال الأزمة الاقتصادية المتصاعدة.

أيّة إستراتيجية أمريكية؟

يتساءل الخبير بشؤون الشرق الأوسط والكاتب دافيد إغناتيوس، عن خطة حقيقية ما تتبعها إدارة ترامب في السياسة الخارجية، ويقول: "يبدو الضغط على إيران وكأنّه حملة تكتيكية تبحث عن إستراتيجية؛ هل تريد الإدارة (الأمريكية) إجراء مفاوضات؟ هل تسعى إلى تغيير السياسة الإيرانية وإضعاف قوة المتشددين؟ إذا كان الأمر كذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تعمل على تعميق الشقوق داخل النخبة الإيرانية، بدلاً من دفع الفصائل المختلفة نحو الحرس الثوري، فعندما تحاول إثارة التغيير السياسي، فأنت في حاجة إلى ضغط هدفه تحقيق الانقسامات".

إغناتيوس: الخطر الأكبر بحملة إيران المتصاعدة، وهو أنّها تخاطر بكشف نجاح أمريكا الذي تحقق بشق الأنفس بالعراق بالأعوام الأخيرة

إنّ الحظر المفروض على النفط والمعاملات المالية بعد انسحاب الرئيس الأمريكي من الاتفاق النووي قد أضرّ إيران بشدة، وهو ما يعني أموالاً أقلّ يمكن لطهران توزيعها على وكلائها في لبنان وسوريا واليمن والعراق.

وفي هذا الجانب؛ ينقل إغناتيوس عن مصدر موثوق به: "حسن نصر الله، زعيم حزب الله في لبنان، قال الشهر الماضي إنّ ميليشياه ستحتاج إلى القيام بجمع المزيد من الأموال الداخلية، فضلاً عن عمليات من "شدّ الحزام"، منها تخفيض بعض الرواتب بنسبة 40%، في سوريا أيضاً، يقلّص الإيرانيون دعمهم للميليشيات الشيعية".

مع هذا، فمن الصعب تمييز الهدف الإستراتيجي الأمريكي؛ فقد أخبر ترامب الزعماء الأجانب بشكل خاص؛ أنّه يريد الضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، والظفر بـ "صفقة نووية" أفضل وأوسع من تلك التي تفاوض عليها سلفه باراك أوباما، لكنّ جون بولتون، مستشار الأمن القومي لترامب، أشار بدلاً من ذلك إلى أنّه يريد "تهيئة الظروف لتغيير النظام، بدلاً من مجرد تجديد المفاوضات".

اقرأ أيضاً: المعارضة الإيرانية تتظاهر في واشنطن.. هذه مطالبها

تخيل الارتباك في البيت الأبيض، إذا أرسل آية الله علي خامنئي إيران رسالة إلى ترامب تقترح جولة جديدة من المفاوضات النووية والإقليمية، مع سليماني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري، بصفته كبير مفاوضيه، قد يدعي ترامب بالفوز، لكن مثل هذه المحادثات ستنتهك التسمية الإرهابية التي فرضت للتوّ.

ويشير إغناتيوس إلى ما رآه "الخطر الأكبر في حملة إيران المتصاعدة، وهو أنّها تخاطر بكشف نجاح الولايات المتحدة الذي تحقق بشق الأنفس في العراق على مدى الأعوام الخمسة الماضية؛ حيث يوجد حوالي 5000 جندي أمريكي هناك، يدربون الجيش العراقي ويراقبون قوة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وهؤلاء يمكن أن يصبحوا أهدافاً إذا كانت إيران جادة في اعتبار قوات القيادة المركزية الأمريكية إرهابية".

اقرأ أيضاً: واشنطن تصنف مليشيا "النجباء" التابعة لإيران بالعراق "إرهابية‎"‎

وحتى لو امتنعت إيران عن إطلاق النار على القوات الأمريكية؛ فإنّ "السياسيين العراقيين المدعومين من طهران قد يصدرون تشريعاً في البرلمان يحظر استمرار الوجود العسكري الأمريكي، وستكون خسارة حقيقية، بموجبها ستجذب إيران العراق إلى دائرة نفوذها وتعوّض أيّة مكاسب أمريكية في لبنان أو سوريا أو اليمن".

العقوبات عند صانعي السياسة في الولايات المتحدة تذهب إلى "سوء تقدير، فحملة العقوبات التي قادتها الولايات المتحدة ضدّ نظام صدام حسين العراقي، كان لها تأثير ضار تمثّل في تمكين زمرة صدام، ونحن حيال خطر تكرار هذا الفصل المؤسف مع إيران" ينهي إغناتيوس فكرته حول الضغط الأمريكي على إيران.

المزيد من العقوبات الإيرانية لأيّ هدف؟

ويتساءل الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، مارك فيتزباتريك، عن الهدف الأمريكي ذاته، مشيراً إلى أنّ "أولئك الذين يعرفون الجمهورية الإسلامية وشعب إيران يعرفون أنّهم لن يستسلموا من جبهة كهذه، قادة طهران قد يحسّنون حقوق الإنسان، وقد يقلصون الدعم المالي لحزب الله، لكن دعمهم لن ينقطع عن منظمة باتت جزءاً لا يتجزأ من سياستها الخارجية والدفاعية".

فيتزباتريك: قادة طهران قد يقلصون الدعم المالي لحزب الله، لكنّ دعمهم لن ينقطع عن الحرس الثوري

ويقلل فيتزباتريك من تصنيف إدارة ترامب للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية؛ فهو "لا يضيف سوى القليل من الضغوط المفروضة بالفعل على الحرس الثوري ويضع الأمريكيين الذين يعملون في الشرق الأوسط في خطر أكبر حدّ الانتقام الإيراني".

ويعتقد الباحث أنّه "سيكون لدى الإيرانيين حافز ضئيل للتخفيف من سلوكهم، مع كون الدبلوماسية أقلّ فعالية كأداة، وستظهر الخيارات العسكرية في الصدارة كوسيلة لحل القضايا مع إيران، وغني عن القول إنّ سياسة العقوبات المشددة ستزيد من حدة النزاعات الأمريكية مع الحلفاء والشركاء، سيما في أوروبا".

وينتقد فيتزباتريك دعوات ردّدتها مؤخراً شخصيات مقربة من إدارة ترامب، عبر "دفع المزيد من الإيرانيين للإضراب من خلال صندوق سري تديره وكالة الاستخبارات المركزية"، معتبراً أنّ هذا "يعطي النظام في طهران سبباً قوياً للاعتقاد بأنّ وكالة الاستخبارات المركزية تموّل بالفعل إضرابات النقابات العمالية في إيران، وربطهم بالاستخبارات الأمريكية يضع ثقلاً كبيراً على ظهورهم".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-10-22

في ظل انفجار الاحتجاجات العراقية التي عكست توترات قائمة، بين كتل اجتماعية متفاوتة، خاصة، فئة الشباب، الذين يتحملون الأثر المباشر لكلفة التداعيات السياسية والإقليمية والعسكرية، التي شهدتها بغداد، منذ العام 2003؛ فإنّ الواقع المأزوم يعري تفشياً في الفساد السياسي والحكومي، مع العجز عن توفير الوظائف والخدمات، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي ينوء بأعبائها المواطنون، والبطالة التي تلتهم أحلام قطاع كبير من العراقيين، وسيطرة الطائفية والميلشياوية، الحاكمة بالوكالة على مجمل الأوضاع، والتي تقبض بنفوذها على الحالة الأمنية والسياسية، وقد تسببت في سقوط أكثر من 105 قتلى، وأكثر من 4000 جريح، حصيلة الاحتجاجات العفوية.
أفول الواقع العراقي
المشهد الاحتجاجي، وتفاصيله، ونتائجه، يبدو مدخلاً مفتاحياً، على قرار شديد الأهمية والحساسية، في العراق، اُتخذ في نهاية الشهر الماضي، حين صوت مجلس النواب، على قانون بتدشين هيئة التصنيع الحربي، بهدف سد احتياجات القوات المسلحة والأمنية من الأسلحة والعتاد والذخائر، وهو ما يبعث ببعض المخاوف، بحسب مراقبين، بأن يتحول هذا القانون في ظل انضواء ميلشيا الحشد الشعبي، التابعة لإيران، ضمن هذه الهيئة، إلى ما يمكن توصيفه باستكمال مأسسة العسكرة الإيرانية في العراق، وفرض خياراتها الأمنية والسياسية والإقليمية عليها، ومن ثم استمرار لعناصر الأزمة، التي تغدو مرشحة للصعود.

الميليشيات المدعومة من إيران ستسعى إلى تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عن العراق، تضع في أولوياتها مصالحها الفئوية

الباحث الأمريكي، مايكل نايتس، يشير إلى أنّ العراق تحت سيطرة الميليشيات الطائفية، يبدو غير قادر على توفير الحكم الرشيد؛ حيث قامت النخبة السياسية، في الفترة التي تلت سقوط صدام حسين، بوضع مكانة متميزة للتمثيل؛ العرقي والطائفي، وترك مؤسسات الدولة تتدهور، وبالتالي، أصبحت الحكومة كياناً متصدّعاً، يضم ما يصل إلى 263 حزباً سياسيّاً مسجلاً، وتملأ الانتهاكات نظام تقاسم الإيرادات، القائم على المحسوبية.
ويضاف إلى ذلك، بحسب نايتس، في دراسته المنشورة، عبر (منصة): "ديفينس بوست"، بأنّ الميليشيات المدعومة من إيران، ستسعى إلى تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عن العراق، تضع في أولوياتها مصالحها الفئوية؛ حيث تسخر من حكومة البلاد ودستورها، وسيصبح العراقيون هم الضحايا الرئيسيون لأنشطتها؛ الأمر الذي سيؤدي إلى رفع وتيرة المخاطر الأمنية بالنسبة للعراقيين، خاصة مع تحكم الميليشيات بالأسلحة الثقيلة، ووجودها بين سكان المدن، ما يعرضهم للمخاطر بصورة مباشرة، فيتم تخبئة صواريخ إيرانية كبيرة في بلدات صغيرة مثل آمرلي.

بغداد في العقل السياسي الإيراني
ويلفت الدكتور محمد الزغلول، رئيس وحدة الدراسات الإيرانية، في مركز الإمارات للسياسات، في أبو ظبي، إلى أنّ أحد أهم الدروس الإستراتيجية التي خلصت إليها القيادة الإيرانية من الحرب مع العراق، والتي امتدت طوال ثماني سنوات، هو أنّ العراق بما يمتلكه من إمكانات، وموارد ضخمة، يعد المعادل الموضوعي الرئيس لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
كما أنّ وجود دولة عراقية قوية (مهما كان شكل الحكم الذي تتبناه) "يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها، وبالتبعية، انتهاء نفوذها الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها في الأقاليم الجغرافية الأبعد؛ مثل: سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، ولذلك ظلت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفككاً ومنقسماً على نفسه، وإبقاء سيطرة الدولة العراقية ضعيفة، على الرغم من أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق بعد عام 2003 كانت مقربة جداً من طهران، وتجمعها معها روابط وعلاقات متميزة".

اقرأ أيضاً: الغموض يلف المشهد في العراق.. تهديدات تطال ناشطين وإغلاق عدة فضائيات
وبرأي الزغلول، فإنّ هذه النقطة المحورية كانت بمثابة حجر الزاوية، في إصرار إيران على حل الجيش العراقي، وتفكيك الدولة العراقية، بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق، والإصرار على إنشاء ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة ومتناقضة ومتناحرة؛ "إذ أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية بالكامل بعد انتصار الثورة الإيرانية، وسقوط الشاه، خشية إضعاف إيران الدولة، لكنه حرص كل الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكل هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية بعد سقوط صدام حسين، وهو ما يظهر بجلاء سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية".
لا حقوق للعراقيين تحت مظلة الطائفية
ويعتقد الزغلول أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم اليوم "تكمن في دولة مدنية مستقلة وقوية، لكن بناء مثل هذه الدولة بات أمراً متعذراً أو على الأقل في غاية الصعوبة، في ظل فوضى انتشار السلاح، والميليشيات، التي تعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها. بل تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل عمليات إنتاج وتصنيع السلاح، وتصديره واستيراده، وعمليات السيطرة، والانتشار، والمراقبة. ولعل من أشد ابتلاءات العراق في هذا العصر العسير، هو أنّه تعين عليه أن يفاضل، ويختار بين الاستبداد، والإسلام السياسي فقط، ودون خيارات أخرى تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي".

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
وبحسب مخرجات التصويت الذي أقر به مجلس النواب العراقي، فإنّ لجنة التنسيق الحربي، ستتشكل من عدة كيانات عسكرية، ومؤسسات وطنية، مؤلفة من رئيس الهيئة الحربية، وممثلين عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووزارتي الدفاع والداخلية، وهيئة الحشد الشعبي، وجهازي الأمن الوطني والاستخبارات، بالإضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب، حيث تهدف جميعها إلى رسم إستراتيجية لبناء وتطوير الصناعات الحربية في العراق، ووضع أولويات احتياجات القوات المسلحة، والقوات الأمنية، من الصناعات الحربية، ومتابعة تنفيذها.
العراق تحت سيطرة الميليشيات الطائفية، يبدو غير قادر على توفير الحكم الرشيد

ماذا ستستفيد طهران؟
وعليه، اعتبر رئيس مستشاري رئيس مجلس النواب العراقي، كامل كريم الدليمي، أنّ قانون هيئة التصنيع العسكري، الذي تم إقراره في المجلس، بمثابة انعطافة كبيرة لدعم الأمن الاقتصادي الوطني، ودعم سيادة البلد، وتوفير الدعم اللوجستي للقطاعات العسكرية في الظروف الاعتيادية والطارئة.

باحث لـ"حفريات": مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، تكمن في دولة مدنية مستقلة وقوية، لكن ذلك بات أمراً متعذراً الآن

وفي بيان رسمي أصدره، قال: "لقد نجح مجلس النواب العراقي في تحقيق منجز كبير، على مستوى دعم الأمن السيادي للعراق، وذلك من خلال التصويت على هذا القانون والذي يعد خطوة استباقية للبرلمان، بغية تدعيم الأمن العسكري، والحفاظ على ديمومة الإمدادات العسكرية، تحسباً لأي طارئ، كما يعد التصويت خطوة استباقية لمواجهة أي عدوان قد يهدد العراق".
من جهته، يرى الصحفي والباحث العراقي، منتظر القبيسي، أنه باستثناء تمثيل ميلشيا الحشد الشعبي في هيئة التصنيع الحربي، لا يرى ثمة مميزات لحلفاء إيران، تحديداً في التشكيل الجديد، "لكن هذا لا يمنع أن يتحول إلى إحدى قنوات التأثير الإيراني على قرارت الدولة، فيما يتعلق بمصادر التسلح، وإعطاء إيران دور رئيسي في الدعم والتدريب، وإعادة تأهيل منشآت التصنيع العسكري التي لم يبق منها شيء يذكر، منذ سنوات بعدما طالها الإهمال، بالإضافة إلى الاستيلاء على محتوياتها وتهريبها إلى إيران".
وفي نظر القبيسي، يعد استخدام هيئة التصنيع الحربي المستحدثة، كوسيلة لاستنزاف الخزينة العامة مقابل عقود مضخمة أو حتى وهمية، "بمثابة استغلال، وواجهة لتمويل مصانع الأسلحة التابعة للفصائل الولائية، والتي تملك بالأساس ورشاً كبيرة أقرب ما تكون للمصانع، التي تصنع فيها مجموعة كبيرة من الأسلحة، وأهمها العبوات الارتجالية الطائرة (صواريخ بدائية)، ويمكن بسهولة تطويرها على أيدي الخبراء الإيرانيين، ناهيك عن الطائرات الهجومية المسيرة".

للمشاركة:

لماذا تخطط كينيا لإغلاق ثالث أكبر مخيم لجوء في العالم؟

2019-10-22

في الأعوام الأخيرة؛ أعربت الحكومة الكينية، أكثر من مرة، عن نيّتها إغلاق مخيم "داداب" للاجئين؛ حيث يوجد أكثر من 300،000 لاجئ، وطالب لجوء، معظمهم ممن فروا من الصومال عقب اندلاع الحرب الأهلية، عام 1991.
وكانت الحكومة الكينية قد أبلغت، في شباط (فبراير) من هذا العام، وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عزمها إغلاق المخيم قبل نهاية هذا العام؛ بسبب ما وصفته بـ "مخاوف تتعلق بالأمن القومي"، وطالبت الحكومة الكينية من الوكالة "الإسراع بنقل اللاجئين وطالبي اللجوء المقيمين فيه".

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتوطين 3 ملايين لاجئ سوري في المنطقة الآمنة؟
كما سبق أن أعلنت السلطات الكينية، عام 2016، عزمها إغلاق "داداب"، معلّلة بأنّ المخيم يصبح مركزاً لحركة الشباب المتمركزين في الصومال، للتخطيط لشنّ هجمات جديدة في الداخل الكيني، لكنّ المحكمة العليا الكينية منعت هذه الخطوة، عام 2017، قائلة إنّها غير دستورية وتنتهك التزامات كينيا الدولية.
ويقع مخيم "داداب" في شرق كينيا، وقد تأسس قبل 30 عاماً تقريباً، وهو ثالث أكبر مخيم لجوءٍ في العالم، وكان في السابق أكبر مخيم للاجئين في العالم؛ حيث آوى في ذروته نحو نصف مليون لاجئ من الصومال وجنوب السودان.
أوضاع مأساوية للاجئين
يضمّ المخيم، الذي يمتدّ على مساحة تزيد عن 30 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الصحراوية شبه القاحلة، عدة مدراس ومستشفيات وأسواق ومراكز للشرطة ومحطة للحافلات.
وتفرض السلطات الكينية قيوداً صارمة على سكان المخيم؛ حيث لا يمكن للاجئين مغادرة المخيم للبحث عن عملٍ في الخارج، بالتالي؛ فإنّ سكانه يمتلكون خيارات محدودة لكسب لقمة العيش؛ كتربية المواشي والأعمال اليدوية، في حين يعتمد أغلبهم على الحصص الغذائية التي يرسلها المانحون الأجانب، إضافة إلى التحويلات المالية من الذين يملكون أقارب لهم في الخارج.

أعلنت كينيا عزمها إغلاق "داداب" في عام 2016، لكنّ المحكمة العليا الكينية منعت ذلك قائلة إنّها غير دستورية

ورعم أنّ كينيا تواجه، بلا شكّ، تحديات كبيرة في استضافة اللاجئين في "داداب"؛ إلا أنّ منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية، وثّقت في تقريرها المعنون "من الرعب إلى اليأس"، الأوضاع المزرية التي أدّى إليها الازدحام الشديد في المخيم، مشيرة إلى تدهور البنية التحتية الخاصة بالمخيم، وعدم كفاية المآوي، وشحّ المياه، وتواضع الرعاية الصحية، ودعت المنظمة الأمم المتحدة وكينيا إلى توفير أراضٍ أوسع لإنشاء مخيمات جديدة.
ومن جهتها، تعمل الحكومة الكينية على إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع الصومال، "لوقف تدفق اللاجئين والأسلحة غير القانونية إلى داخل كينيا"، ونشرت كينيا ميليشيات مسلّحة بين آذار (مارس)، وأيار (مايو)، قامت بتدريبها على القتال إلى صف الحكومة الاتحادية الانتقالية الصومالية لإبعاد حركة الشباب الجهادية عن مناطق الصومال المتاخمة لكينيا، لا سيما حول بلدة دوبلي.

يمتدّ مخيم "داداب" على 30 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الصحراوية

الترحيل القسري
وفي تقرير آخر، بعنوان "مرحباً بك في كينيا: انتهاكات الشرطة بحقّ اللاجئين الصوماليين"، تبيّن "هيومن رايتس ووتش"؛ أنّه منذ عام 2010، تمّت إعادة الآلاف من اللاجئين إلى الصومال بشكل قسري، وأوضحت المنظمة الدولية؛ أنّ الإعادات الجبرية تخرق القانونَين، الكيني والدولي، الذي يمنع الإعادة القسرية للاجئين إلى حيث يواجهون الاضطهاد أو التعذيب أو العنف بشكل عام. وشكّلت الحكومة فريق تحقيق خاصاً للنظر في انتهاكات الشرطة، التي شملت الاغتصاب، وإخفاق الشرطة في منع المجرمين من مهاجمة ملتمسي اللجوء القادمين من الحدود إلى المخيمات، لكن لم يتمّ نشر نتائج التحقيق، وفق تقرير المنظمة.

ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كينيا، فتحية عبد الله: هناك أجيال كاملة ولدت في (داداب)

وبناءً على مقابلات مع أكثر من 100 لاجئ؛ يوثق تقرير المنظمة، الذي جاء في 99 صفحة، انتشار ابتزاز الشرطة لملتمسي اللجوء ممن يحاولون الوصول إلى ثلاثة مخيمات قريبة من بلدة داداب الكينية، في ظلّ أوضاع لاإنسانية ومهينة، وتهديدات بالترحيل، والمقاضاة على "التواجد غير القانوني في البلاد" من أجل ابتزاز من يصلون حديثاً من الرجال والنساء والأطفال، على حدّ سواء، للحصول منهم على مبالغ مالية، وفي بعض الحالات؛ قامت عناصر من الشرطة باغتصاب النساء، حسبما يوثقه التقرير.
وقال جيري سيمسون، الباحث في شؤون اللاجئين في "هيومن رايتس ووتش"، وكاتب التقرير الأساسي: "الناس تفرّ من الفوضى والدمار في الصومال، والغالبية العظمى منهم نساء وأطفال، ويُستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل بإجراءات تعسفية".
وتابع: "ما إن يصلوا المخيمات حتى يواجهوا العنف من الشرطة، وتدير الشرطة أعينها بعيداً عن العنف الجنسي الذي تركتبه عصابات كينية".

منذ عام 2010 تمّت إعادة الآلاف من اللاجئين إلى الصومال بشكل قسري

العودة الطوعية
وفي ظلّ التحسن الجزئي للأوضاع الأمنية في أجزاء من الصومال؛ بدأ بعض اللاجئين يختار العودة إلى بلادهم بشكل طوعي، وقد أشارت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى أنّ أكثر من 82،000 لاجئ من "داداب"، قد عادوا منذ عام 2014، ولكن انخفض عدد العائدين في العام الماضي إلى حوالي 7500 مقارنة، بنحو 35500 عام 2017، و34000 عام 2016.

اقرأ أيضاً: ألمانيا: كيف تتم حماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين؟
وقال هيوز أندرسن، المتحدث باسم لسان مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، خلال حديث له مع وسائل الإعلام: "تحرز الصومال بعض التقدم في التنمية على مدى الأعوام القليلة الماضية، إلا أنّها ما تزال دولة خارجة من عقودٍ من الحرب، وهو ما يعني غياب البنية التحتية، ومقومات الحياة الأساسية، وبالطبع؛ فإنّ أيّة عودة للاجئين بأعداد كبيرة لن تساعد في الاستقرار الذي يحاول الصومال بناءه".
وفي السياق ذاته؛ تقول ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كينيا، فتحية عبد الله، في تصريح خاص بـ"حفريات": "هناك أجيال كاملة ولدت في (داداب)، والعدد الذي يعيش في المخيم كبير، يتفق الجميع على إيجاد حلّ، ونعتقد أنّ الحلّ يكمن في إستراتيجيات مختلفة، منها العودة الطوعية إلى الصومال. أنت تعرف أنّ غالبية اللاجئين في (داداب) هم من الصومال، وبرنامج العودة الطوعية مستمر منذ أعوام."
وتتابع فتحية عبد الله بأنّهم يدرسون نقل بعض اللاجئين إلى أجزاء أخرى من كينيا، معربة عن أملها في "نقل بعض اللاجئين في داداب إلى كاكوما، ومرة أخرى هذا شيء لن نفرضه بالإجبار"، وأردفت: "سنتحدث إليهم ونرى من الذي يرغب في الانتقال إلى كاكوما؛ لأنّ لدينا مكتباً هناك، ولدينا برامج مشتركة مع الحكومة بهذا الخصوص".

تصاعدت حدّة التهديد الكيني بإغلاق المخيم في بداية العام 2019

الخلاف البحري الصومالي الكيني يؤثر على اللاجئين
منذ الهجوم الإرهابي على مجمع فندق "Dusit D2" في نيروبي، في كانون الثاني (يناير) هذا العام، تصاعدت حدّة التهديد الكيني بإغلاق المخيم، وتمّ القبض على 12 من المشتبه على أنّ لهم صلة بالهجوم من داخل المخيم.
وبالمجمل؛ تنظر الحكومة الكينية إلى "داداب" كخطر أمني، وترى أنّ حركة الشباب خطّطت من داخل المخيم لشنّ الهجمات المتكررة على مركز التسوق "ويست جيت" في نيروبي، عام 2013، وهجوم جامعة جاريسا، عام 2015، رغم أنّها لم تقدّم أدلة.
ويرجّح بعض المراقبين أنّ الحكومة الكينية تستخدم ورقة اللاجئين للضغط على الحكومة الصومالية، في خلافها المتعلق بالحدود البحرية، والتي تنظر بشأنه محكمة العدل الدولية؛ حيث من المنتظر أن تعلن القرار النهائي في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

للمشاركة:

الحركة السياسية الكردية في سوريا.. ما هي أبرز مراحلها وتحوّلاتها؟

2019-10-21

بالمقارنة مع الدول الثلاث: العراق، وإيران، وتركيا، فإنّ الوجود الكردي في سوريا يعدّ حديثاً جداً، وباستثناء الوجود التاريخي المندمج في المدن؛ ومعظمه يعود إلى حركة النزوح الكردي من مناطق الأناضول بتركيا، التي حدثت في العشرينيات من القرن الماضي، إثر قمع السلطات التركية للأكراد، وبالتحديد بعد ثورة الشيخ سعيد بيران، عام 1925.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
تركّز التواجد الكردي بسوريا في ثلاث مناطق متباعدة، هي: القامشلي في الشرق، ثم عين العرب (كوباني) في الوسط، وعفرين في الغرب، وبسبب حداثة الوجود، والتباعد الجغرافي، وقلة الكثافة السكانيّة، وتدني النسبة من إجمالي تعداد سكان البلاد، أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع وإضعاف قوة حضور القضية الكردية في سوريا، إلّا أنّ ذلك لم يمنع من انخراط سياسي واسع للأكراد، مرّ عبر مراحل وأطوار مختلفة.
في صفوف الحزب الشيوعي
مع جلاء فرنسا من سوريا، عام 1946، كانت النخب السياسة والاقتصادية الكردية قد اندمجت في إطار الكُلّ السوري، وانخرطت في إطار الأحزاب الوطنيّة الناشطة آنذاك.
وجاءت بداية التحوّل في الحراك السياسي الكردي مع تأسيس الحزب الشيوعي السوري، عام 1944، والذي كان مؤسسه وقائده الأول، الكردي خالد بكداش، وسرعان ما انتشر الحزب في أوساط الأكراد، ويعود إقبالهم الواسع عليه لما وجدوه فيه من سبيل للتعبير عن مطالبهم الطبقية، باعتبار أنّ غالبيتهم كانت من الطبقات الفقيرة، استمرّ نفوذ الحزب الشيوعي الواسع بين الأكراد حتى فترة متأخرة من الستينيات، قبل أن يبدأ الحزب ذاته بالتراجع، إثر الصدام مع حزب البعث منذ وصول الأخير للسلطة، عام 1963.

مثلت قيادة خالد بكداش للحزب الشيوعي السوري حالة اندماج النخبة الكردية في الوطن السوري

الخطوة الأولى
رغم انتشاره الواسع، إلا أنّ الحزب الشيوعي ظلّ، بحكم طابعه الأممي وتركيزه على الصراع الطبقي، بعيداً عن أيّة مطالب قومية خاصّة بالأكراد، ونتيجة لذلك اتجهت فئة من الناشطين الأكراد إلى إيجاد بديل وتشكيل حزب سياسي قومي كردي، وهو ما كان في حزيران (يونيو) عام 1957، مع تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، المعروف اختصاراً بـ "البارتي"، وتمكّن هذا الحزب في وقت قياسي من تحقيق انتشار بين قطاعات واسعة من الأكراد في سوريا.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
وشهدت تلك المرحلة حدثاً مهمّاً، سيتحول إلى مطلب دائم للأحزاب الكرديّة، وذلك حين قامت السلطات السورية قُبيل وصول حزب البعث إلى الحكم، خلال عهد الرئيس ناظم القدسي، بإحصاء العام 1962 للسكان، الذي تمّ فيه استبعاد الأكراد من الإحصاء، ما أدّى إلى تركهم من دون جنسيّة، وحرمانهم بالتالي الحقّ في الحصول على وظائف حكومية والتملّك، وباتوا يحملون بطاقات خاصّة.
الانشقاق الأول
عام 1966؛ حدث أول انشقاق في الحزب الديمقراطي الكردي، وذلك مع انشقاق الجناح اليساري المتبني للماركسية، الذي أراد التركيز بالدرجة الأولى على حقوق الطبقات بدلاً من المطالب القوميّة، وتأسس إثر ذلك الحزب اليساري الكردي.
وكان هذا الخلاف والانشقاق متأثراً بالخلاف المناظر في الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، الذي شهد تمايزاً ما بين التيار الليبرالي المحافظ، بقيادة الملا مصطفى البارزاني، وبين التيار اليساري، بقيادة جلال طالباني، وهو ما تأثر به الحزب السوري الذي كان على اتصال وتفاعل مستمر مع نظيره العراقي.
ثلاثة أحزاب
سعى الملا مصطفى البارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، إلى حلّ الخلاف بين شقيّ الحزب السوري، وفي فترة التهدئة مع الحكومة العراقية، استضاف قيادة الحزبين عام 1971، وتقرر تشكيل مجلس قيادة موحد، ولكن سرعان ما فشلت الجهود وعاد الحزب إلى الانقسام، ولم يقف الأمر عند ذلك؛ بل حدث انشقاق آخر مع بروز تيار "يمين الوسط" بقيادة عبد الحميد حاج درويش، وأنشأ هذا التيار الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي، في حين بقي الحزب الأصل يمثّل القوى العشائريّة الكرديّة التقليديّة المحافظة، وبقي الأكثر قرباً والتصاقاً من عائلة البارزاني في كردستان العراق، وبقي محتفظاً بالاسم "الحزب الديمقراطي الكردي"، وبذلك باتت هناك ثلاثة أحزاب كرديّة، حمل كلّ منها اتجاهاً مختلفاً.

عبد الحميد حاج درويش لقّب بثعلب السياسة الكردية

المزيد من أحزاب اليسار
وشهدت فترة مطلع الثمانينيات ولادة أحزاب يسارية كرديّة جديدة؛ حيث شهد الحزب اليساري الكردي انشقاقاً نتج عنه تأسيس "حزب الشغيلة الكرديّة"، وفي تشرين الأول (أكتوبر) عام 1981، إثر حدوث خلاف داخل الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي)، حول المشاركة في الانتخابات، انشقّ التيار المعارض، بقيادة محيي الدين شيخ آلي، وعام 1983؛ عقد الحزب المنشق مؤتمراً واختار فيه التسمي باسم حزب العمل الديمقراطي الكردي، وأعلن تبني الماركسيّة اللينينيّة.
حزب العمال في الساحة السوريّة
جاء التحوّل البارز على صعيد الحراك السياسي الكردي في أواسط الثمانينيات، وذلك بعدما تأسس حزب العمال الكردستاني في تركيا، عام 1978، وأطلق عملياته العسكرية ضد الدولة التركية، عام 1984، وكانت السلطات السورية قد عمدت حينها إلى احتضان عبد الله أوجلان، قائد الحزب، وسمحت له بالتحرّك بحريّة داخل أراضيها، وتدريب المقاتلين في قواعد خاصّة بالبقاع اللبناني، وذلك في إطار السعي للإمساك بورقة قوّة في مواجهة غريمتها تركيا.

تركّز التواجد الكردي بسوريا في 3 مناطق متباعدة: القامشلي في الشرق وعين العرب (كوباني) في الوسط وعفرين في الغرب

كُلّ ذلك سمح للحزب بالانتشار واكتساب القاعدة والتأييد بين أوساط الأكراد في سوريا، ولكن التحوّل المهمّ جاء على مستوى التوجّه والمضامين السياسية الجديدة التي حملها هذا الحزب وبثّها بين شريحة من الأكراد السوريين؛ فهو مختلف عن الأحزاب الكرديّة السوريّة الأخرى من جهة كونه لا يتحرك ضمن الكُلّ الوطني السوري، وإنما يحمل مطالبات ويعبّر عن حراك قومي بطموح انفصاليّ.
وبعد خروج الحزب من سوريا، نهاية التسعينيات، استمر نشاط قاعدته بأشكال أخرى، إلى أن أسس عام 2003 حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي يعدّ بمثابة الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، وقد "جذب هذا الحزب الطبقات الكرديّة الأكثر فقراً وتهميشاً من المجتمع الكردي السوري، عبر خطاب وتوجه سياسي قومي رومانسي ممزوج برؤية يسارية وبالعنف الثوري"، وفق ما يشير له الباحث رستم محمود في دراسة له بعنوان: "القواعد الاجتماعية للأحزاب الكرديّة السوريّة".
وعام 2004؛ شكّل هذا الحزب تنظيماً عسكرياً، باسم "وحدات حماية الشعب" (YPG)، ليكون بمثابة الجناح المسلّح له، والذي سيكون له الدور العسكري الأبرز بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية، عام 2011.

يعود تاريخ تأسيس وحدات حماية الشعب الكردية إلى عام 2004

مطالبات جديدة
وفي مطلع التسعينيات تنظّم عدد من أفراد الجيل الكردي الناشط الشابّ، من المنشقين عن أحزاب مختلفة، وأسسوا، عام 1993، حزب الوحدة الديمقراطي الكردي.

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
قام الحزب الجديد بتنظيم حملات جديدة من نوعها في ذكرى إحصاء العام 1962، للمطالبة بحقوق المجرّدين من الجنسيّة السوريّة، وذلك خلال الأعوام (1994 - 1996)، قبل أن يتعرض الحزب لحملة اعتقالات واسعة في صفوف أعضائه، وعلى إثرها شهد الحزب خلافاً حول الاستمرار في الحملة، ما أدّى إلى انقسام الحزب، عام 1998، إلى تيارين متباينين: الأول بقي محافظاً على اسم "حزب الوحدة"، والآخر كان بقيادة الجيل الأكثر شباباً والأكثر ميلاً لمطالب القومية وعدم المساومة، واختار اسماً كردياً له هو "يكيتي"، وهي الترجمة لكلمة "الوحدة"، اسم الحزب الأم، وتأسس هذا الحزب علنياً عام 2000.
وفي حين كانت عموم الأحزاب الكرديّة السوريّة تقف بمطالبها عند إلغاء نتائج إحصاء العام 1962، والاعتراف الثقافي، وإقرار التعليم باللغة الكرديّة، تعدّى حزب "يكيتي" تلك المطالب، واتجه للمطالبة بدمقرطة البلاد، وبأشكال من اللامركزيّة السياسية؛ حيث يتحقق للكرد إمكان تحقيق خصوصيّة قوميّة، على غرار أشقائهم الأكراد في العراق. وفي مؤتمر الحزب العام، عام 2010، طالب الحزب بشكل رسميّ بالفيدراليّة كحلّ لمسألة الكرديّة في سوريا.
ما بعد 2011
بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا، عام 2011، أصدر بشار الأسد، في نيسان (أبريل) 2011، مرسوماً رئاسياً قضى بمنح الجنسيّة السوريّة للمسجلين كأجانب في سجّلات محافظة الحسكة، وعليه تمّت تسوية أوضاع عشرات الآلاف من الأكراد السوريين.
في حين كان عدد من الأحزاب الكردية قد انخرط، في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، بتشكيل ما عُرف بـ "المجلس الوطني الكردي" الذي تأسس في أربيل بالعراق، برعاية مسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان العراق آنذاك. وتركّزت مطالبات المجلس حول المطالبة بالاعتراف الدستوريّ بالهويّة القوميّة الكرديّة، وإلغاء السياسات والقوانين التي تحرمهم من حقوقهم القوميّة، بما في ذلك حظر استخدام اللغة الكرديّة، والتعليم باللغة الكرديّة، والمطالبة بتحقيق اللامركزيّة السياسية في الحكم مع البقاء ضمن سياق وحدة الأراضي السورية.

شهد مطلع الثمانينيات ولادة أحزاب يسارية كرديّة جديدة حيث نتج عن انشقاق الحزب اليساري الكردي تأسيس "حزب الشغيلة الكرديّة"

على مستوى آخر؛ شنّت عناصر كرديّة مسلحّة، بقيادة وحدات حماية الشعب، عام 2012، حملة عسكريّة واسعة في شمال البلاد، مستغلةً حالة انشغال القوات الحكوميّة في الجبهات المتعددة، وفي نهاية عام 2014؛ دخلت وحدات حماية الشعب في مواجهة مع تنظيم داعش، الذي حاصر مدينة "عين العرب" (كوباني) الكرديّة، ومنذ تلك اللحظة بدأ الأكراد بتلقي الدعم من الولايات المتحدة، وغيرها من دول التحالف، قبل أن تتمكّن من الانتصار والتغلّب على حصار التنظيم، في كانون الثاني (يناير) 2015، ومنذ ذلك الحين حارب الأكراد بالدرجة الأولى ضدّ داعش.
وفي أواخر عام 2015، وبمشورة وتخطيط من الولايات المتحدة الأمريكية، تم تأسيس قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ودُمجت فيها مجموعات مقاتلة من العشائر العربية وأقليات أخرى، وفي أواخر عام 2016؛ انطلقت حملة الرقّة بقيادة قوات سورية الديمقراطية للسيطرة على مدينة الرقة، عاصمة تنظيم داعش، وهو ما تمّ في العام التالي، مع الدعم الذي وفّرته قوات التحالف.

من شوارع مدينة كوباني أثناء حصار داعش للمدينة

واليوم تبسط هذه القوّات سيطرتها على الأراضي الواقعة شرق الفرات. وبالإضافة إلى رفض الحكومة السوريّة الاعتراف بهذه السيطرة، يبرز موقف تركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب منظمة إرهابيّة مرتبطة بحزب العمال، وفي كانون الثاني (يناير) 2018 بدأت بحملة عسكريّة ضد مناطق تواجدهم بعفرين والمناطق الواقعة غرب الفرات، حملت اسم "غصن الزيتون"، ولا زالت الحملة مستمرة حتى هذا التاريخ. وبعد تعثر التفاهمات مع واشنطن بخصوص إيجاد "منطقة آمنة" في شمال سوريا، وفي يوم التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 2019  أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إطلاق القوّات التركيّة عملية عسكرية باسم "نبع السلام" داخل الأراضي السورية، ضد المسلحين الأكراد، موضحاً أنّ العملية تستهدف "إرهابيي وحدات حماية الشعب وداعش" وتهدف إلى إقامة "منطقة آمنة" في شمال شرق سوريا.

للمشاركة:



اعتقالات جديدة في الجيش التركي.. بهذه التهمة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أصدرت السلطات التركية، اليوم، قراراً باعتقال 60 شخصاً، بتهمة الانتماء إلى الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة، في صيف 2016.

وذكر موقع صحيفة "سي إن إن ترك"؛ أنّ المعتقلين موظفون يشغلون مناصب إدارية في أفرع قوات الجيش التركي المختلفة، في 27 ولاية.

وزعمت النيابة التركية؛ أنّ العناصر المطلوبة تواصلت مع قيادات "الخدمة" من خلال نظام الاتصال الدوري والمتسلسل عبر الهواتف العمومية التي تستخدمها الحركة بين الجنود، وما يُسمى "الأئمة السريين" الموجودين داخل الجيش.

السلطات التركية تصدر قراراً باعتقال 60 شخصاً من الجيش بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن

وفور صدور قرار التوقيف بدأت قوات الأمن شنّ عمليات أمنية متزامنة في الولايات؛ لضبط المتهمين المطلوبين.

ويزعم نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه "العدالة والتنمية"؛ أنّ غولن متهم بتدبير المحاولة الانقلابية، وهو ما ينفيه الأخير بشدة، فيما تردّ المعارضة التركية بأنّ "أحداث ليلة 15 تموز (يوليو) كانت انقلاباً مدبراً لتصفية المعارضين من الجنود وأفراد منظمات المجتمع المدني".

وتشنّ السلطات التركية بشكل منتظم حملات اعتقال طالت الآلاف منذ المحاولة الانقلابية، تحت ذريعة الاتصال بجماعة غولن.

ويوم 10 آذار (مارس) الماضي، كشف وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، توقيف 511 ألف شخص، اعتقل منهم 30 ألفاً و821، في إطار العمليات التي استهدفت جماعة غولن، وحزب العمال الكردستاني، منذ المحاولة الانقلابية المزعومة.

وبأرقام جديدة، خرج صويلو، في كانون الثاني (يناير) الماضي، معلناً أنّ عدد المعتقلين في عام 2018، بلغ 750 ألفاً و239 شخصاً، بينهم أكثر من 52 ألفاً فقط بشبهة الانتماء إلى غولن.

وتستمر المحاكمات منذ 4 أعوام تقريباً، في حقّ مئات الآلاف من المواطنين، بتهمة الانتماء لـ "غولن"؛ حيث تمّ اعتقال ما يقرب من 50 ألف شخص دون إثبات جريمتهم، فضلاً عن استمرار محاكمة الآلاف دون اعتقال.

يذكر أنّ المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات المحلية المعنية بحقوق الإنسان في تركيا، كشفت عبر تقارير موثقة انتهاكات حكومة أردوغان في مجال حقوق الإنسان.

وفي وقت سابق؛ أكّد فريق "الاحتجاز التعسفي التابع لمنظمة الأمم المتحدة"، عدم قانونية الاعتقالات التي يقوم بها نظام أردوغان، لآلاف الأشخاص، لمجرد استخدامهم تطبيق التراسل الفوري "بايلوك" للهاتف المحمول.

وحظرت تركيا التطبيق المذكور بعد مسرحية الانقلاب، مبررة ذلك بقولها: إنّ "أنصار غولن استخدموه، مساء يوم 15 تموز (يوليو) 2016 (يوم الانقلاب)، للتواصل فيما بينهم عندما حاولت مجموعة من الجنود الإطاحة بالحكومة، وقتلوا نحو 250 شخصاً".

 

للمشاركة:

داعش ينفذ هجوماً جديداً في العراق.. وتحرّك جديد له في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أعلن الجيش العراقي في بيان؛ أنّ تنظيم داعش الإرهابي هاجم، أمس، نقطتَين أمنيتَين في منطقة حقول علاس النفطية، بمحافظة صلاح الدين، شمال البلاد، ما أدّى إلى مقتل اثنين من قوات الأمن العراقية.

الجيش العراقي يعلن أنّ تنظيم داعش الإرهابي هاجم نقطتَين أمنيتَين في محافظة صلاح الدين وقتل عنصرَي أمن

وأضاف البيان: "هجمت عناصر من عصابات داعش على نقطتين أمنيتين في منطقة حقول علاس، بمحافظة صلاح الدين، كما انفجرت عبوة ناسفة بعربة تابعة للقوات الأمنية هناك، ما أدى إلى مقتل منتسبَين اثنَين"، وفق ما نقلت وكالات محلية.

كما جاء في بيان الجيش؛ أنّ "المتشددين أطلقوا النار أيضاً على قوات الأمن التي حاولت نقل الجثتَين".

وفي سياق متصل بتنظيم داعش الإرهابي؛ نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم، أنباء عن عودة قادة وعناصر لداعش إلى تل أبيض في سوريا.

وأكّد المرصد، نقلاً عن مصادر متطابقة، عودة أمير الذخيرة لدى تنظيم داعش، في تل أبيض بصحبة 150 عنصراً إلى المدينة، وسط أنباء عن عودة أبناء البللو، المعروفين بارتباطهم بتنظيم داعش.

ورغم الاتفاق الأمريكي التركي حول وقف النار في شمال سوريا، فإنّ الولايات المتحدة ما تزال تواصل مراقبتها الجوية للمنطقة.

المرصد السوري ينقل أنباء تؤكّد عودة قادة وعناصر لداعش الإرهابي إلى تل أبيض في سوريا.

وبدوره؛ أكّد مسؤول دفاعي أمريكي، طالباً عدم الكشف عن اسمه، يوم الجمعة الماضي، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز"؛ أنّ "الولايات المتحدة ستواصل عمليات المراقبة الجوية في شمال شرق سوريا، لمراقبة السجون التي يوجد بها سجناء داعش."

كما حذّرت قوات سوريا الديمقراطية، قبل أيام، من خطر عناصر داعش المسجونين، معتبرة أنّ حماية تلك السجون لم تعد ذات أولوية بالنسبة إليها.

وكانت عدة دول أوروبية، على رأسها فرنسا، قد نبّهت إلى خطر العدوان التركي لشمال سوريا على ملف الدواعش المسجونين في سجون تابعة لقوات سوريا الديمقراطية.

 

للمشاركة:

أوضاع مأساوية.. هكذا يعيش عناصر إخوان مصر في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

يعيش عناصر الإخوان المسلمين الفارون إلى تركيا أسوأ أيامهم، بعد تخلي الجماعة عنهم، وإيقاف كلّ أشكال الدعم لهم.

وكشف شاب مصري، يتواجد في مدينة إسطنبول التركية، انتحار 3 من عناصر الإخوان المسلمين الفارين إلى هناك، بسبب تخلّي الجماعة عن دعمهم مالياً، ما أدّى لسوء أوضاعهم، وتعرضهم للتشرد والجوع، وفق "العربية".

شاب مصري يعيش في إسطنبول يؤكّد انتحار 3 من الإخوان بتركيا، بسبب سوء أوضاعهم وتعرضهم للتشرّد والجوع

ونشر الشاب المصري، عمر مجدي، تدوينة على صفحته في الفيسبوك، يؤكّد فيها "انتحار 3 من شباب الإخوان، الصيف الماضي"، مضيفاً أنّ "شاباً رابعاً حاول الانتحار قبل أيام، لكن تمّ نقله إلى المستشفى وإنقاذه".

وتساءل الشاب في تدوينته عن سبب إقدام الجماعة على إنفاق 50 ألف دولار على مخيم، في آب (أغسطس) الماضي، لإحياء ذكرى فضّ اعتصام رابعة العدوية، فيما تتخلى عن الإنفاق عن عناصرها الفارين الذين هربوا من مصر بعد إدانتهم في قضايا عنف؛ بسبب مشاركتهم في تظاهرات وعمليات عنف وتخريب لحساب الجماعة.

وكتب الشاب: "أنا بس بفكر الناس إن الصيف الماضي انتحر 3 شباب خارجين من مصر لأسباب سياسية، عمرهم دون الـ 25 عاماً، في ظل غياب كامل لأي مؤسسة دعم وعلاج نفسي في إسطنبول".

وكشف الشاب في تدوينة أخرى؛ أنّ "عدد المقيمين في إسطنبول من المصريين يبلغ 20 ألفاً، ويعاني أغلبهم من أوضاع سيئة مادية ومعيشية، مما يعرضهم لأذى نفسي، وقبولهم لإهانات واحتقارات وحياة لا إنسانية، مقابل البقاء في تركيا وعدم تسليمهم لمصر" .

يأتي هذا بعد 8 شهور من ترحيل السلطات التركية، بمباركة من الإخوان، للشاب الإخواني، محمد عبد الحفيظ، المحكوم عليه بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام، والذي قدم لإسطنبول من الصومال قبل ترحيله للقاهرة.

وفي تموز (يوليو) الماضي؛ تكشفت فضائح واختلاسات مالية لقادة الإخوان المقيمين في تركيا؛ حيث بثّ شباب الجماعة تسجيلاً صوتياً منسوباً للقيادي بالجماعة والهارب لتركيا، أمير بسام، كشف فيه استيلاء القيادات على أموال الجماعة، وأموال التبرعات، وقيامهم بشراء عقارات وشققاً سكنية فخمة بأسمائهم وأسماء أبنائهم، سواء في تركيا أو في غيرها.

من جانبهم، هدّد شباب الجماعة بنشر تسجيلات أخرى تكشف فساد ومخالفات قادة الجماعة، خاصة بعد ردود الأفعال الواسعة التي توالت، عقب نشر تسجيل أمير بسام، مؤكّدين؛ أنّ قادتهم يعيشون في تركيا حياة مرفهة ويتقاضون آلاف الدولارات نظير إشرافهم على مشروعات التنظيم، تاركين عناصر الجماعة يعيشون أوضاعاً مأساوية غير آدمية، ويتقاضون رواتب متدنية لا تسدّ رمقهم.

 

للمشاركة:



لماذا لم ينزل نصر الله إلى الشارع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أمل عبد العزيز الهزاني

خرج مهدداً ومتوعداً من مكانه المجهول، وقتما كان اللبنانيون في الشوارع والميادين يهتفون بمعاناتهم، ويشكون أنهم بلا كهرباء، وبعضهم لم يستطع الاستحمام لأيام لانعدام الماء، وبطالة قضت على ما تبقَّى لهم من أمل. لم يخرج مطمئناً وداعماً للثورة السلمية التي حافظ فيها اللبنانيون على حمل علم واحد وهو العلم اللبناني، بعيداً عن تلونات أعلام الأحزاب والطوائف، في مشهد لم يكن له مثيل.
كان خوف أمين عام حزب الله أن تستقيل الحكومة ويخسر المعادلة التي مكَّنته من تحويل لبنان إلى بلد مشلول، وجسر للعبور إلى دمشق.
لأول مرة في التاريخ الحديث، يتجرَّد اللبنانيون من انتماءاتهم السياسية، ويشكِّلون وحدة واحدة بالمطالبات نفسها والصوت نفسه. فرقتهم السياسة وجمعهم الفقر.
ولأن الفساد هو المتهم الأول، كما هو حال احتجاجات العراق، فإن من الفاسدين من لا يستطيع أحد أن يحاسبهم أو يقاضيهم أو يفضح أسماءهم لأنهم تحت حماية نظام الولي الفقيه.
نصر الله لم يستطع أن يعيد سيناريو 8 مايو (أيار) 2007 وينزل لاحتلال بيروت وإخماد المعارضين، لأنه سمع بأذنيه أنه حتى من يحبونه ويناصرونه كزعيم شيعي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، على حد قوله، اتهموه علناً وعلى شاشات التلفزة بالفساد، وأن وزراءه ونوابه من الحزب وأتباعهم سرقوا قوت الناس، وأثروا على حسابهم.
وحتى لا يكون لحكومة سعد الحريري تأثير في حل جزء من أزمات لبنان، تلكأ جماعة نصر الله في الحكومة في الالتزام والإقرار بالإصلاحات التي تعهد بها رئيس الحكومة دولياً، ليتمكن من الحصول على دعم الصندوق الدولي.
المواطن اللبناني الذي اكتشف أن قوته تنبع من ذاته وليس من انتمائه، أجبر كل أعضاء الحكومة على الموافقة على ورقة الإصلاحات الاقتصادية بالأمس، ولا يزال السياسيون أصحاب النفوذ والتأثير قلقين من أن هذه الخطوة قد لا ترضي الشارع.
وإن رضي اللبنانيون بورقة الحريري الاقتصادية، وهدأ الشارع، وفتحت الطرقات، وسكن الغضب، فإن ما تغير في لبنان أكبر من الإصلاح الاقتصادي.
وأنا هنا لا أعني الثقة بالسياسيين، لأن حتى بعض أتباع نصر الله لم يكونوا راضين باحتلاله بيروت وإرعاب الناس، ويعرف الجميع أن سبب إشهاره سلاحه في وجه المواطن اللبناني كان بسبب نفوذه الطاغي الذي وصل حد التجسس على المطار الدولي والتحكم في حمولة الطائرات. أتباعه أيضاً لم يكونوا فخورين عندما خرج يناشد حلفاء أميركا بالتوسط لوقف القصف الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وهم اليوم يرونه يطلب معونات من الناس بعد الحصار الاقتصادي الأميركي على إيران. الثقة أيضاً تأرجحت في الرئيس اللبناني ميشال عون الذي وقف عاجزاً أمام كل مشكلات لبنان منذ صار رئيساً، وسلم واجهة الرئاسة وهيبتها إلى جبران باسيل وزير الخارجية بكل ما تتميز شخصيته من استعلاء. إذن هي ليست فقط الثقة التي فقدت في الفريق «المقاوم» لاستقرار لبنان، بل التحول العميق في موقف الناس وجرأتهم على التحرر والصراخ في وجه زعمائهم الذين تركوهم للعوز، واتهام من كانوا أصناماً يُعبدون بأنهم سبب كل بلاء.
ليعلم اللبنانيون أنهم سطروا مشهداً حضارياً غير مسبوق، ببسالتهم، وإصرارهم، ورفع صوتهم ضد أصحاب السلطة الظالمة، حتى إنهم بدأوا الاحتجاجات مقنعين بأقنعة لإخفاء هويتهم ثم ألقوا بها وتوجهوا للقنوات التلفزيونية لتنفيس غضبهم، وقول الحقيقة التي كانوا يعلمونها منذ عقود؛ وهي أن زعامات لبنانية انتفعت من مراكزهم لأنفسهم وأسرهم، غير عابئين بلبنان واحد يضم الجميع.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري استمرت سلسلة من الاغتيالات، التي وجهت أصابع الاتهام فيها لحزب الله ضد خصومه، رغم أنهم خصوم نافذون، فكيف بالمواطن العادي الذي وجد نفسه أسيراً لحكم ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي مرقع.
من كان يستطيع أن يحمل مكبراً للصوت ليقول: «إننا كنا معك يا حسن نصر الله، لكن نوابك ووزراءك سرقونا».
منذ 2005، كنا نسمع مظاهرات الناس واجتهادهم للدعاية لأحزابهم بكل ألوانها، وتصريحات قياداتها تهتف بالعزة والكرامة، لكن الحقيقة أن العزة والكرامة ليستا في الرايات الصفراء أو البرتقالية أو الزرقاء، بل في علم لبنان وحده. العزة والكرامة هما ما قدمه اللبنانيون خلال الأيام الماضية.
حاجز الخوف من سلاح نصر الله قفز فوقه المتظاهرون، هم لم يبدلوا مواقفهم السياسية بل اكتشفوا أخيراً أن السياسة الحزبية لا تؤكل عيشاً إلا للطبقة العليا، وأن أتباعهم والمؤمنين بهم عقدياً وسياسياً هم أرقام تنزل للشارع حينما تؤمر بذلك، أداة من أدوات التنافس ضد الخصوم.
أجزم بأن اللبنانيين يعرفون من هم الفاسدون الذين نهبوا مقدرات البلاد، رغم أن لبنان من أكثر الدول التي تتلقى دعماً خليجياً ودولياً مستمراً. هذه تجربة خاضها اللبنانيون بإرادتهم، لم يملِ عليهم أحد النزول للشارع. إن لم يكتمل عندهم الوعي بأن لهم حق المواطنة على الزعيم السياسي الذي يتبعونه فإن خسائرهم ستتضاعف، وسيكون مستقبلهم مخيفاً. المواطن اللبناني قوي رغم ما تلقنه منذ سنوات بأنه مجرد بوق ورجع صدى، لكن اليوم هو صاحب القرار. هذه لحظات لا تنسى، فليحافظ عليها اللبنانيون مهما كانت انتماءاتهم، وحتى لو عادوا لبيوتهم من الشارع ووجدوا كهرباء وماء.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"التأسيس الثالث" للإخوان.. محاولات بائسة لإحياء التنظيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

رشا عمار

فشل تنظيم الإخوان في الإفلات من أزمته التي يمر بها منذ أكثر من  6 سنوات، بعد أن لفظه الشعب المصري، حتى باتت الخيارات التاريخية التي كان يلجأ إليها للبقاء وإحياء التنظيم مستحيلة.

تلك الخيارات التي كان آخرها ما يسمى بـ"التأسيس الثالث" أو التأسيس الجديد، الذي كان بمثابة ممر آمن للجماعة في أوقات الأزمات وسنوات المحنة الكبرى، كما يسمونها، لكن هذه المرة فشل هذا الخيار بسبب حالة التناحر والانقسام داخل أبناء التنظيم، مع فشل الجناح المسلح في إعادة التنظيم للمشهد.

ومفهوم التأسيس لدى الجماعة - كما يعرفه بعض الباحثين - هو بلورة كاملة للمشروع الفكري والسياسي والفقهي والشرعي للتنظيم خلال الفترة المقبلة لضمان استمراره في العمل السياسي بتغيير جذري في الأيدولوجيا والأهداف.

وظل التأسيس الجديد مخرجاً مثالياً للأزمات الطاحنة التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار عقود، كان أبرزها أزمة اغتيال المؤسس الأول حسن البنا، وحل التنظيم للمرة الأولى عام 1954.

وبحسب مراقبين، فإنه كلما اشتدت الأزمة واحتدم الصراع داخل الإخوان خرج جيل من التنظيم معلناً خريطة جديدة تتضمن تغيرات أيدويولوجية تتوافق وطبيعة المرحلة، وتسمح ببقاء التنظيم.

عملية مستحيلة
وتأسيس الإخوان يتم وفق عاملين محوريين، كلاهما يمثل أزمة داخلية بالتنظيم في الوقت الحالي؛ حيث يتعلق الأول بشرعية القيادة، والثاني هو الاتفاق حول الفكر والأيدولوجيا، وكذلك الأهداف، وفي ظل غيابهما أصبحت إمكانية التأسيس الجديد أمراً أقرب إلى المستحيل.

وتلخصت جهود الإخوان في مجملها خلال السنوات الست الماضية في حسم الصراع المعقد بين شطري التنظيم، وهما: الكماليون من الشباب الراغبين في تحويل المسار كلياً إلى العمل المسلح، والشيوخ الراغبون في الإبقاء على مركزية القرار داخل التنظيم وحفظ سلطتهم حتى إن كانت لا تحظى بتأييد قواعدهم.

ويرى الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد المنشق عن تنظيم الإخوان، استحالة تحقيق التأسيس الثالث للجماعة لعدة أسباب؛ أبرزها عدم توافر رغبة حقيقية في تغيير الأيدولوجيا بما يتوافق مع المشروع الوطني وتقبل الآخر، مؤكداً أن الجماعة أحرقت طريق العودة بممارسة التطرف وحمل السلاح بوجه المصريين.

وقال "حبيب" لـ"العين الإخبارية" إن الصراع الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الأيدولوجيا، لكنه في حقيقته تناحر على السلطة والتمويل، فمن يملك السلطة الشرعية داخل الجماعة سيحظى بمليارات التمويلات، التي تقدمها دول وحكومات بهدف تحقيق مخططات محددة، لن ينجح في تحقيقها إلا من سيتمكن من حسم زمام الأمور لصالحه.

وتبنت الجماعة منذ التأسيس الثاني خطاباً إصلاحياً تلاشى تماماً إبان ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، التي أسقطت عباءة الإصلاح المزيفة للتنظيم، ليظهر وجهاً آخر للعبة السياسية، وهو العمل المسلح.

وشهدت مصر خلال السنوات الخمس الماضية موجة من أشرس موجات التطرف الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، وحتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وقد يعتقد البعض على خلاف الحقيقة أن هناك انشقاقاً داخل الصف الإخواني، وهذا غير صحيح - بحسب حبيب- فنحن أمام تنظيم له جناحان، أحدهما عسكري تمثله جبهة محمد كمال "حركة حسم" وآخر تنظيمي سياسي دعوي يمثله الهارب محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) الذي يمتلك أدوات التحكم في حركة التنظيم من حيث التمويل والاتصالات الخارجية بالدول وأجهزة المخابرات.

شرعنة القتل
في 2014 أعلن القيادي الإخواني محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية في تنظيم الإخوان، تأسيس وشرعنة العمل المسلح داخل التنظيم، ما أثار حالة كبيرة من الجدل داخل وخارج الجماعة، التي لم تعترف فقط بممارسة العنف، بل اضطرت أحياناً للتبرؤ من قيادتها ظاهرياً لإبعاد اتهامات العمل المسلح عنها.

فتأسيس "جبهة الكماليون" كان بمثابة زلزال مدمر داخل التنظيم، حيث اعتبره الباحثون والمراقبون بل أعضاء بالتنظيم بمثابة "التأسيس الثالث للإخوان"، خاصة بعد انضمام عشرات من شباب الجماعة للجبهة، وإعلان وثيقة العنف أو ما عرف باسم "فقه المقاومة الشعبية".

وهذة الوثيقة وضعها محمد كمال لإيجاد إطار شرعي لقتل المعارضين للتنظيم وتنفيذ عمليات ضد الدولة المصرية، بهدف إعادة الإخوان للحكم مجدداً، ما جعل الأمر يبدو أن "تأسيساً جديداً" مكتمل الأركان حدث داخل الإخوان.

وثيقة كمال اعتبرت أيضاً أن معارضي التنظيم كفار، وحرضت على استهداف الكنائس، بزعم أنها قامت بالحشد الطائفي لإسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي، وحاولت التأكيد على أن مفهوم المقاومة بالقتل واجب شرعي.

وكالنار في الهشيم انتشرت فكرة التأسيس المسلح بين شباب الجماعة في ذلك الوقت، وأعلنوا تأسيس عدد من الحركات المسلحة، أبرزها: "حسم، ولواء الثورة، والمقاومة الشعبية" وغيرها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016 نجح الأمن المصري في قتل محمد كمال، بعد اشتباكات وتبادل إطلاق النار، لكن موته لم يكن السبب الوحيد في فشل ما سمى بـ"التأسيس الثالث". إلا أن أزمة شرعية القيادة والاختلاف الأيدولوجي ظلا حاضرين بقوة، لكن مع نجاح الضربات الأمنية المصرية ضد عناصر التنظيم المسلحين، تهاوت جبهة محمد كمال وخفت نجمها وتلاشى تأثيرها، حتى إن الحركات المسلحة التي ظهرت في 2014 لم يعد لها وجود يُذكر.

محاولات فاشلة
وبعد فشل مشروع محمد كمال حاول عدد من شباب التنظيم تقديم مقترحات لم تخرج للنور، بسبب تعنت القيادة التاريخية للإخوان حول فكرة التأسيس الثالث.

وكان أبرز تلك المقترحات ما تقدم به مجموعة من شباب الإخوان في محافظتي الفيوم والمنيا بصعيد مصر، تتناول البدء فيما يسمى بـ"التأسيس الثالث" للإخوان، على غرار التأسيس الثاني في السبعينيات.

واعتمد مشروع التأسيس على ثلاثة محاور أساسية، هي: المشروع السياسي للتنظيم، والقائم على مقومات جديدة، على رأسها ضرورة دعم وصول المرأة والقبطي إلى سدة الحكم وشتى المناصب في البلاد، والاستعانة بفتاوى "راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي"، في هذا الصدد، الذين أقروا بعدم وجود أي موانع فقهية لوصول الأقباط إلى الحكم.

أما المحور الثاني فشمل ملامح المشروع الفقهي للتنظيم، بنسف جميع الفتاوى التي اعتمد عليها الإخوان في التأصيل لممارستهم السياسية، بداية من الاستدلالات القرآنية وإسقاطها على الواقع السياسي، واتهام المعارضة بالفسوق والكفر والإلحاد، بمجرد توجيه النقد إلى الحاكم أو الوزير أو العضو الإخواني.

كما تضمن المحور الثالث المشروع الفكري للتنظيم من خلال تغيير الهيكل الإداري للتنظيم بالكامل، واعتبار الجماعة مجرد مدرسة فكرية جامعة شاملة أكثر من كونها مجرد تنظيم يقيد حرية الانضمام إليه بشروط "بالية" لا سند شرعياً أو فقهياً لها.

المحور الثالث تضمن أيضاً الإجابة عن تساؤلات شائكة راجت منذ فترة عن معنى الأمة والدولة والقطرية والأممية والخلافة الإسلامية، مع التأكيد على أن مصطلح ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" أصبح غير صالح للاستخدام حالياً، وأنه كان اجتهاداً سياسياً وليس نصاً دينياً يجب على المسلمين تنفيذه من باب الفرضية والإلزام.

انهيار التنظيم الحديدي
حافظ تنظيم الإخوان على تماسكه رغم الأزمات الطاحنة التي مر بها قبل 2014، لأنه نجح في الحفاظ على فكرة التنظيم الهرمي المتماسك جداً، شديد المركزية والإحكام، بحسب المحللين، لكن هذا التنظيم الذي سماه الباحثين "التنظيم الحديدي" انهار بشكل تدريجي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر.

ويرجع المفكر الإسلامي ثروت الخرباوي أسباب ذلك إلى انهيار الثقة بين عناصر التنظيم وقياداته، وهو ما ظهر جلياً في أزمة التمويل التي مر بها التنظيم على مدار سنوات.

وأوضح الخرباوي أن أزمة التمويل كشفت للمرة الأولى عن حجم سرقات واختلاسات أبطالها قيادات كانت تسمى "روحانية" ولها قدر كبير من التقديس والثقة، حيث أبرزهم محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي تم اتهامه بسرقة ملايين من صندوق الجماعة وتهريبها لأولاده واختلاس أموال كانت تجمع لأسر المحبوسين في مصر.

ويرى الخرباوي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتاً إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقاً أمام استمرارية الجماعة أصلًا".

ويقول الخرباوي لـ"العين الإخبارية": "جماعة الإخوان فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد أن: "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلاً ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها عدة دول، وليس أمامها خيار بديل".

تاريخ التأسيسين الأول والثاني
في عام 1928 أسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، وزعم أنها فكرة تستمد استراتيجيتها وأهدافها وبلورتها من مجموعة أفكار متشابهة يضعها المشاركون في التأسيس.

وبعد اغتيال المرشد الأول للجماعة (البنا) عام 1949 تجلت أزمة الفكرة داخل التنظيم بشكل كبير وسقطت فكرة التماسك، إلا أن المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي نجح وقتها في تدارك الأزمة واستمرت الجمعية دعوية من الظاهر، ولكنها تعمل بكل قوة على الوصول للحكم.

وبعد عدة تغييرات سياسية جذرية حدثت في مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، وتوجه الجماعة للعمل المسلح علناً بمجموعة عمليات واغتيالات طالت شخصيات عامة ومسؤولين مصريين، سقطت أسهم الجماعة شعبياً، وحاول الأمن السيطرة على جرائمها.

ووفقاً للكاتب والباحث المصري بشؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، ظهر التأسيس الثاني للإخوان في مطلع السبعينيات، وكان بطل هذه المرحلة هو عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث.

وقال أبوالسعد إن التلمساني اعتمد في ذلك على مجموعة ركائز أبرزها الخطاب الجماهيري الشعبي العاطفي، الذي يعبر عن الحلم الإسلامي، فضلاً عن التركيز على شخصية محورية يلتف حولها أبناء التنظيم والحركة الإسلامية ككل، مع إيجاد وعاء تنظيمي ومرتب يضمن تمويلاً جيداً ذا طبيعة رسمية.

ويضيف "أبوالسعد" أن التلمساني عمد إلى إعادة ترتيب وتنظيم الجماعة؛ فكان بحاجة إلى هيكل إداري محكم وواضح، واختار له أن يكون هرمياً يعتمد على القاعدة الإخوانية ويتدرج بها إلى القمة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الغنوشي يستقوي بأردوغان لمواجهة ضغوط تشكيل الحكومة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

بعثت الزيارة التي قام بها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى تركيا ولقاؤه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برسائل للداخل وتحديداً للأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة، مفادها استقواء الحركة بحلفائها الإقليميين في المنطقة.

وفي حين قالت وسائل إعلام محلية إن زيارة الغنوشي إلى إسطنبول جاءت للمشاركة في مؤتمر الإذاعة والتلفزيون التركية، تحت شعار ”أزمة العولمة: المخاطر والفرص”، إلا أن مراقبين ربطوها بما تشهده البلاد من جدل بشأن تشكيل الحكومة والمخاوف المتصاعدة من هيمنة النهضة على الرئاسات الثلاث.

ورجّح هؤلاء المراقبين أن يكون الهدف الحقيقي من الزيارة هو البحث عن دعم سياسي وربما مالي لمواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة، وهو ما يثير المخاوف من تعمّق النفوذ التركي في تونس.

ولم تتوقف تركيا برئاسة أردوغان منذ العام 2011، عن توظيف دعمها لجماعات الإسلام السياسي لتوسيع مجال نفوذها في منطقة شمال أفريقيا، من ذلك تونس وبشكل أكبر ليبيا.

وتحاول الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة التصدي لمحاولة النهضة تعيين رئيس للحكومة من داخلها، في حين ينظر مراقبون للأمر على أنه مناورة تهدف إلى تحسين التفاوض، وأن النهضة مازالت مستمرة في سياسة الحكم من وراء ستار رغم ما تبديه قواعدها من رغبة في الحكم بشكل مباشر.
وفيما قرر اجتماع مجلس شورى النهضة، أعلى سلطة داخلية في الحركة، تعيين رئيس حكومة من صفوفها، بمباركة 250 عضوا أجمعت الأحزاب السياسية المعنيّة بمشاركتها في تشكيلة الحكومة الجديدة، على رفضها أن تترأس النهضة الحكومة ووصفت قرار مجلس شورى النهضة بالمناورة السياسية.

وتعارض قواعد حركة النهضة وأنصارها في الجهات، توجّهات قيادة الحزب التي دأبت خلال السنوات الماضية على الحكم من خلف ستار وتدعوها إلى المسك بزمام الأمور وتحمّل المسؤولية وهو ما يمثّل ضغطا عليها في ظل رفض الأحزاب هيمنتها على الحكم.

ومثّل موقف حزب التيار الديمقراطي أول اعتراض على مساعي النهضة إلى قيادة الفريق الحكومي القادم، وأعلن رفضه القاطع للمشاركة في ائتلاف حكومي جديد تترأسه الحركة الإسلامية، معتبرا أن مقترحها غير مطروح تماما للنقاش.

وقال الأمين العام للحزب غازي الشواشي، لـ”العرب”، إن حزبه يرفض المشاركة في حكومة تترأسها النهضة، معللا الرفض بأن النهضة “فشلت فشلا ذريعا طيلة السنوات التي أدارت فيها الحكم بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي سنة 2011”.

واقترح حزب التيار الديمقراطي تعيين شخصية مستقلّة على رأس الحكومة لضمان الحصول على الثقة في البرلمان التونسي.

وقال غازي الشواشي “مجلس شورى النهضة اختار التمسك برئاسة الحكومة، ولكن الحركة ستغيّر موقفها لاحقا عند تكليفها بصفة رسمية من رئيس الجمهورية”.

ويرى الشواشي أن الحركة لا تمتلك أغلبية برلمانية مريحة تؤهلها لاشتراط تعيين شخصية من صفوفها لمنصب رئيس الحكومة، داعيا قياداتها إلى الاستماع إلى الأحزاب المعنيّة بمشاركتها في الحكم.

واعتبر أن “تمسّك النهضة بمنصب رئاسة الحكومة هو نوع من الهروب إلى الأمام ومحاولة لفرض الأمر الواجب وهو مناورة سياسية تسعى من خلالها إلى طمأنة قواعدها الشعبية قبل الانطلاق الرسمي في المشاورات مع الأحزاب المشمولة بمشاورات تشكيل الحكومة”.

ويرى حزب التيار الديمقراطي، أن تشكيل الحكومة على قاعدة برامج يستوجب من النهضة تنازلات سياسية، وتواضعا في تفاوضها مع الأحزاب المعنيّة بالمشاركة في الحكم.

ويتماهى موقف حزب التيار الديمقراطي مع حركة الشعب ذات التوجّه القومي التي تتمسك بموقفها الرافض لتعيين شخصية من النهضة على رأس الحكومة الجديدة.

وقال الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، لـ”العرب”، إن الحركة تنفتح على الحوار السياسي من أجل تشكيل الحكومة وتتمسك في نفس الوقت برفضها التام لترؤس النهضة للفريق الحكومي الجديد.

ولاحظ المغزاوي أن التفويض الشعبي الذي تحصّلت عليه النهضة من الشعب في الانتخابات التشريعية “فوز منقوص يعادل ربع الناخبين ولا يؤهلها للتفاوض مع الأحزاب المعنية بالحكم باشتراطها تزعم الحكومة”.

وتقترح حركة الشعب تشكيل ما أسمته بـ”حكومة الرئيس”، بحيث يتولى رئيس الجمهورية المنتخب، قيس سعيّد، تكليف شخصية مستقلّة بتشكيل الحكومة لتجنيب البلاد مأزقا سياسيا.

وقال المغزاوي “حكومة ستشكّلها النهضة سيكون مآلها الفشل، من حقها تشكيل الحكومة لكن لا يمكن لها أن تترأسها باعتبارها لم تتخذ أي خطوة في مكافحة الفساد والقيام بالإصلاحات طيلة مشاركتها في الحكم في السنوات الأخيرة”.

وستعمل حركة الشعب على كسب تأييد سياسي لمقترح استغلال الشرعية الواسعة لرئيس الجمهورية التي منحها له الناخبون.

ويرى المغزاوي أن “النهضة تتمسّك برئاسة الحكومة لأنها لا تفكر أبدا في إصلاح أوضاع البلاد، وإنما تبحث عن الغنيمة وتعتبر أن الحكم ليس لخدمة البلاد وإنما فقط للتمكّن من الحكم لخدمة أغراضها وخدمة المشروع الإخواني”.

من جانب آخر، جدّدت حركة تحيا تونس برئاسة يوسف الشاهد رفضها القطعي المشاركة في الحكم والدخول في ائتلاف حاكم مع حركة النهضة. وقال القيادي بحركة تحيا تونس، كريم الهلالي، لـ”العرب”، إن الحركة غير معنيّة بتاتا بأي مفاوضات تتعلّق بتشكيل الحكومة الجديدة.

واعتبر الهلالي أن حزب تحيا تونس ينأى بنفسه عن التجاذبات المتعلّقة بتمسّك النهضة برئاسة الحكومة التونسية باعتبارها اختارت البقاء في صفّ المعارضة البرلمانية.

وحلّت حركة النهضة الإسلامية في المرتبة الأولى في نتائج الانتخابات التشريعية بفوز غير مريح ولا يمنحها أغلبية مطلقة، ويليها حزب نبيل القروي “قلب تونس” ثانيا بـ38 مقعدا، فيما حلّ التيار الديمقراطي (ديمقراطي اجتماعي) ثالثا بـ22 مقعدا، يليه ائتلاف الكرامة المحافظ (21 مقعدا) ثم الحزب الدستوري الحر (17 مقعدا) وحركة الشعب (16 مقعدا) وتحيا تونس (14 مقعدا).

وسيكون أمام حركة النهضة مهلة شهر لتشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة غالبية النواب، وهي مهمة بالغة الصعوبة في مجلس مشتت.

وأجرى رئيس الحركة راشد الغنوشي اتصالات أولية مع أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس، وائتلاف الكرامة، والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية