كيف انعكست إقالة بولتون على سياسات ترامب الخارجية؟

عمر الرداد's picture
كاتب وخبير أمني أردني
6240
عدد القراءات

2019-09-19

قوبلت إقالة المستشار الثالث للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، التي تمّ الإعلان عنها عبر تغريدة، كما هو الحال بالنسبة إلى سلفَيه السابقَين، بوصفها تعكس مزاجية الرئيس الأمريكي، الذي يبدو أنّه لم يستقر بعد على التشكيلة النهائية لفريقه، رغم مرور ما يقارب الثلاثة أعوام على تسلّمه موقع المسؤولية الأولى في أمريكا، وقرب دخوله بمرحلة "البطة العرجاء"، في ظلّ التفرغ للانتخابات القادمة، والتي يبدو أنّها تشكل البوصلة الأساس في قرارات الرئيس، وتطلّعه لجمع أكبر كمّ من الصور التي يمكن استخدامها في الحملة الانتخابية، وإبعاد ومهاجمة كلّ ما يمكن أن يحول دون ذلك؛ من أشخاص، أو مؤسسات إعلامية وفدرالية مختلفة.

لم يكن بولتون راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي تجاه ملفات؛ كوريا الشمالية وإيران وحركة طالبان

ضمن هذا الفهم، يمكن تفسير القرار غير المفاجئ لترامب بإقالة بولتون، المعروف بأنّه "صقوري" ويقف على يمين ترامب، والذي لم يكن راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي، تجاه ملفات "كوريا الشمالية، وإيران، وحركة طالبان"، خاصّة ما يتردّد حول دور بولتون في إفشال اجتماع قمة أمريكية مع الفرقاء الأفغانيين "الحكومة وطالبان"، كانت ستعقد في أمريكا، وما يتردّد حول لقاء مرتقب بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، التي ستعقد قريباً في نيويورك، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مرجعيات سياسات ترامب وتكتيكاته في صناعة قراراته، وفيما إذا كانت فروقات بينه وبين بولتون.

اقرأ أيضاً: من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب
لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب، منذ تولّيه السلطة ومعالجته لكافة الملفات الخارجية، وهي مصطلحات مرتبطة بخلفيّته التجارية، والقطاعات التي عمل فيها، القائمة على المفاوضات، وصولاً للصفقات، وكان ترامب وفياً لمعتقداته، التي أسقطها على السياسة، وإذا كان في اتفاقاته الاقتصادية يستخدم أرصدته المالية؛ ففي السياسة استبدلها بالقوة العسكرية "الجبارة" لأمريكا، للتلويح بها أمام الخصوم، وصولاً إلى المفاوضات، ولاحقاً الصفقات، فيما "بولتون" القادم من خلفيّة أمنية وصقورية، يؤمن باستخدام القوة، لا التلويح بها لإخضاع الخصوم، وبأنّه لا وجود لصفقات أو مفاوضات، سواء مع كوريا الشمالية، أو مع طالبان، أو مع الحرس الثوري الإيراني، وميليشياته التي قتلت أمريكيين في لبنان والعراق وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضاً: بولتون و"العمل المستحيل" مع ترامب: كوريا وإيران أم شاربه الكث؟
لعلّنا لا نبالغ إذ نقول؛ إنّ تداعيات غياب "بولتون" عن مطبخ صناعة القرار الأمريكي، لن تكون ذات تأثير يذكر على السياسات الأمريكية، ارتباطاً بأسباب إقالته، فبوجود بولتون عقد الرئيس الأمريكي قمَّتَين مع رئيس كوريا الجنوبية، وعقدت أمريكا 11 جلسة حوار مع حركة طالبان في قطر، فيما تواصلت المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، مع طهران، والتي مهّدت للقاء محتمل بين الرئيسَين، ترامب وروحاني، ترتبط احتمالات عقده من عدمه بمخرجات المبادرة الفرنسية من جهة، وتطورات الصراع بين الإصلاحيين بقيادة روحاني، والمتشدّدين بقيادة المرشد خامنئي، والخلاف حول شروط إيران بأن تكون أيّة مفاوضات بعد رفع العقوبات، وهو الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة؛ حيث تتطلع لمفاوضات على غرار مفاوضاتها مع كوريا الشمالية؛ أي مفاوضات مع استمرار العقوبات، وربط إمكانية رفعها كلياً أو جزئياً بنتائج تلك المفاوضات.

لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب منذ تولّيه السلطة ومعالجته الملفات الخارجية وهي مرتبطة بخلفيّته التجارية

بعيداً عن المبالغات والرومانسية السياسية التي تعد أحد أبرز مظاهر الخطاب السياسي والإعلامي في الشرق الأوسط، وربط السياسات بالأشخاص، وتجاوز حقيقة أنّ هناك مؤسسية ودولة "عميقة" تحكم الولايات المتحدة، فإنّ أولى تداعيات غياب بولتون؛ هي أنّنا سنكون أمام فريق أمريكي أكثر تجانساً تجاه قضايا الشرق الأوسط، ورسالة لليمين المتشدّد في إسرائيل بضبط اندفاعاته، فيما غياب بولتون سيكون "عبئاً" جديداً على إيران، التي يفترض أن تلتقط رسالة هذه الإقالة بما يشكّل دافعاً لديها لبدء مفاوضات مع أمريكا، بعيداً عن "التشدّق" بأنّ "صمودها" كان سبباً بالإطاحة ببولتون، خاصة أنّ الطامحين بضربة ساحقة لإيران، لا يترددون بالاعتراف بأنّ غياب بولتون شكّل خسارة لهم.
وفيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط الأخرى (سوريا، والعراق، وتركيا، واليمن)، إضافة إلى القضية الفلسطينية و"صفقة القرن"، وقضايا الإرهاب؛ فمن غير المرجَّح أن تشهد تغييرات مهمّة، خاصة أنّها مرتبطة بسياسات ثابتة ومستقرة، قبل تولّي بولتون مسؤولياته، وهو ما يعزز احتمالات أن تكون شخصية مستشار الأمن القومي الجديد، شخصية من خارج اليمين الأمريكي، وأن تكون أقرب للفريق الأمريكي الحالي (الخارجية والبنتاغون)، والاستخبارات، خاصّة أنّ شخصية مثل بولتون أدّت الدور المطلوب منها؛ بإثارة "الرعب" لدى الخصوم، لإيصالهم إلى التفاوض، وربما عقد الصفقات لاحقاً، وهو ما كان يطمح إليه الرئيس ترامب في مرحلة سابقة، وقد انتهت تلك الحاجة بقرب تفرغه لإدارة حملته الانتخابية، وحاجته إلى أكبر كمٍّ من الصور التي يصافحه فيها الخصوم لعرضها على الناخب الأمريكي، وإقناعه بأنّه الأقدر على تحقيق متطلبات الأمن القومي الأمريكي، داخل أمريكا، وحفظ مصالحها الإستراتيجية من وراء البحار.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات

أدونيس غزالة's picture
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-10-23

تحظى المثالية برصيدٍ كبيرٍ من الاحترام والاهتمام في جميع الثقافات على الإطلاق، وهي تشير دائماً إلى محتوى إيجابي، فيكفي أن نصف أحداً أو شيئاً بالمثالي كي ينفي الذّهن أيّةُ نقيصة عنه، وهذا ما يجعل من الكمال شرطاً لازماً لما هو مثالي، كما عبّر عنه أفلاطون حين ذهب إلى أنّ عالم المثل الذي لا تشوبه شائبةٌ هو العالم الوحيد الكامل، فما قصده أفلاطون؛ أنّ الواقع الذي نعيش مجرّد نسخة مشوّهة عنه، وعبر التاريخ تولّت التربية المسؤولية في محاكاة عالم المثل؛ حيث جعلت من المثل البوصلة التي تُرشدها وتهتدي بها، في واقع يدفع الحياة بالاتجاه المضاد.

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
تُحيل المثالية إلى إحالات مختلفة؛ تتفق فيما بينها على أنّ الأفكار تسبق الواقع، وأنّ الواقع ينتج عنها، ولكن ما أرمي إليه هنا ليس الفهم الأكاديمي للمثالية؛ إنما ما يترتب على وجودها في حياتنا، خاصةً أنّ المثالية كيفما كانت، فإنّها تشكّل حجر الأساس في بناء سلوك وعقائد الأفراد، بالتالي فإنّ التربية التي تضع المثال نصب عينها، من المفترض أنّها تطمح لخلق عالمٍ أفضل، ولكن ماذا لو أنّها أسهمت في عكس ذلك، وشكّلت عبر تاريخها عائقاً تربوياً في بناء الفرد السليم؟ ألا يعني هذا أن نرمي كلّ ما تعلمناه خلف ظهورنا؟!

إصرارنا التاريخي على المثالية أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم ممّا هو كائن

تقول والدة إحدى الإرهابيين، بعدما تفاجأت بورود اسم ابنها على لوائح المطلوبين: "أشعر بصدمة كبيرة لما اقترفت يدا ابني؛ فقد كان منذ صغره ودوداً مطيعاً متفوقاً في مدرسته، محباً للجميع، حتى إنّه لم يقدم على إيذاء نملة، كان حقاً ابناً مثالياً"، ربما هذه الأم لم تكن مخطئة في وصف ابنها بالمثالي، ولكن هذه المثالية التي تراها الأم نقطة إيجابية لصالح ابنها، هي بالتحديد ما جعلته يصل إلى ما وصل إليه، فأطفالنا الذين نعتقد أنّهم مثاليون، لا يبلغون هذه المثالية إلا بعد تعرضهم لكثير من عمليات القمع والبرمجة، من خلال تربية ترغم الطفل على ما نريده ونتوقعه منه؛ إنّها الإطار الذي يحدّد ما يجب أن يكونه الطفل، عملية قولبة تخلق صراعاً مستمراً داخله، وهذا الصراع الداخلي الذي لن يبقى حبيساً، فحين تُتاح له الفرصة سيتجسد على أرض الواقع بأكثر الأفعال تطرفاً.

اقرأ أيضاً: لا داعي للتفلسف!
فمن نعتقد أنّه طفلٌ مثالي هو ببساطة من يحاكي طموحاتنا نحن الكبار، فالطفل المثالي هو المطيع الذي يتصرف وفق ما نمليه عليه، لا يسبب إحراجاً لنا، مجتهدٌ يحفظ دروسه عن ظهر قلب، إنّه كلّ ما يجعلنا فخورين أمام الآخرين، ويقوده إلى التكيف مع تناقضاتنا، بالتالي الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال، التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية، وهنا تأخذ المثل شكل القوالب الجاهزة، لتجعل من الصواب والخطأ مطلقين، مما يجعلنا نعامل الطفل كما نعتقد، لا كما هو، وهذا سيشكّل أولى المصادرات على تجربة الطفل في فهم نفسه وفهم الواقع.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
إنّ إصرارنا التاريخي على المثالية هو أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم بكثير ممّا هو كائن، وممّا هو موجود، هذا التجنّب الكامل والمتعمّد للحاضر يجعل من الجوانب الشخصية والنفعية الجوانب الأقوى في التربية؛ فالمستقبل المثالي الذي نعدّه للطفل، هو مستقبلنا الذي يلغي حاضر أطفالنا؛ "فالمربي الذي يرغب في فهم طفله لا ينظر إليه عبر عدسة المثاليات، فإذا كان يحبّه حقاً عليه أن يراقبه ويدرسه لرؤية توجهاته وأمزجته وخصوصياته، أما عندما لا يكون المرء محباً يتمتع بالفهم والصبر، يقوم بإجبار الطفل على التقولب في نموذج للسلوك، ندعوه آنذاك بالمثالي، إنّه الحلّ السريع الذي يعطي نتائج رائعة لنا وليس للطفل"، بتعبير كريشنا مورتي، في كتابه "التعليم وقيمة الحياة".

الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية

بمجرد تذكّر ما تعلمناه في المدرسة، أو ما نعلّمه حالياً، سيفاجئنا الحضور الكثيف للمثل في مناهجنا منذ مراحل التعليم الأولى حتى النهائية، ويرافق هذه المثل جهد تلقيني كبير يتناسب طرداً مع انفصال الأفكار عن الواقع، فرغم دعوة المثل الدائمة إلى المحبة والسلام، والصدق، واحترام حقوق الغير، والعدالة، لكنّها لم تنجح حتى الآن إلّا في صناعة واقع تتهدده العداوة واللامبالاة، وهذا ما قد نلمسه في الإجابة عن سؤال: ما الذي يمكننا فعله لإنقاذ الأجيال القادمة من التلوث الذي سيدمّر الأرض؟ طفلة في عمر13 عاماً أجابت: "بالنسبة إليّ لن أكون على قيد الحياة إلى حين دمار كوكبنا، وبالنسبة إلى الأجيال القادمة لا خوف عليهم، فالدراسات على قدمٍ وساق لإيجاد كوكب آخر قابل للحياة"، ولنا أن نتساءل: ما الذي قدّمته كلّ القيم والمثاليات التي تعلمتها وتتعلمها هذه الطفلة حتى وصلت إلى هذه الإجابة؟ وهل إجابتها أقل صدمة لنا من صدمة الأم التي تحوّل طفلها المثالي إلى شاب إرهابي؟
يتلخص التناقض الذي تحمله المثل بأنّ من يروّج لها ينظر إليها على أنّها مطلقة وصالحة لكلّ زمان ومكان، بينما هي نسبية، ومتباينة تباين المجتمعات واختلافاتها؛ فكلّ مجتمع له مثله الخاصة التي يُخفي عقائده في داخلها، وهذه المثل نفسها ستنقلب عند كلّ طرفٍ على ما تدّعيه، حين تصبح سبباً في الصراع والحرب ضدّ الآخر؛ فالمثل عندما تصبح أهم ممن وضعها تجرّ الواقع إلى الهاوية، والإنسان الذي وُضعت من أجله، سيصبح وقودها الأول.
لا يوجد صراع في هذا العالم لم تغذّه المثل، فدائماً ما كانت الأفكار والمثل الذريعة الأقوى للتضحية بالبشر، وربما تكون أيديولوجيات القرن الماضي، التي أشعلت أكبر الحروب في تاريخ البشرية، الدليل الواضح على ذلك، حتى الآن؛ نحن لم نتعلّم الوجود من فهمنا لأنفسنا، ومما نحن فيه؛ لذلك كلّ الطرق التي سلكناها كانت مغلقة، أو بتعبير إدغار موران، في كتابه "تربية المستقبل": "إنّنا لا نمتلك المفاتيح التي من شأنها أن تفتح لنا أبواب مستقبلٍ أفضل؛ لأنّنا لا نعرف طريقاً مرسوماً يمكن السير فيه، لكننا نستطيع أن نكتشف الطريق من خلال السير".

للمشاركة:

إيران حين أضمرت السوء لحلفائها.. ماذا فعلت لإنهاك العراق؟

محمد الزغول's picture
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-10-23

لعلّ أحد أبرز الدروس الإستراتيجية التي خلُصت إليها قيادة "الثورة الإيرانية" من الحرب المضنية مع العراق، والتي امتدت طوال ثمانية أعوام؛ أنّ العراق، بما يمتلكه من إمكانات وموارد مادّية وبشرّية ضخمة، هو بمثابة المعادل الموضوعي الرئيس، والمكافئ الإستراتيجي الأهم لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: لماذا تستّرت لجنة التحقيق العراقية على القتلة الحقيقيين؟
وأنّ وجود دولة عراقية قوية، مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه، يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وانتهاء أحلامها بالنفوذ الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها، في المناطق الجغرافية الأبعد، مثل؛ سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؛ لذلك ظلّت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفكّكاً ومنقسماً على نفسه، وأصرَّت على إبقاء الدولة العراقية ضعيفة، رغم أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، كانت في مجملها طبقة سياسية صديقة لإيران، ومقربة جداً من النظام الإيراني، وتجمعهما روابط وعلاقات متميزة، بدا أنّها ارتقت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي، ظاهرياً على الأقل.

وجود دولة عراقية قوية مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم

هذا التقدير الإستراتيجي الإيراني الخطير، والمهم في آن واحد، يُفسّر أيضاً إصرار "إيران الثورة" على حلّ الجيش العراقي بالكامل، وتفكيك بنية الدولة العراقية بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق. هذا الإصرار الذي ترجمته على أرض الواقع آنذاك قيادات عراقية مرتبطة بإيران، ومؤتمرة بأمرها تماماً، رغم كلّ التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورته، وعواقبه الوخيمة، ليس فقط على حاضر ومستقبل العراق، بل والمنطقة كلّها؛ فليس هناك ما هو أخطر على الاستقرار من حالة الفراغ الأمني في دولة غادرت للتوّ ثلاثة صراعات وحروب كبرى، وتعاني من انقسامات عمودية وأفقية حادّة؛ طائفية، وإثنية، وسياسية، ذلك الفراغ الرهيب الذي أسّس لكلّ ما شاهدناه بعد ذلك، من ويلات الحروب الطائفية والقومية، والقتل على الهوية، وموجات الإرهاب.

اقرأ أيضاً: هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟
وفي ظلّ النفوذ الإيراني الواسع، وشبه الحصري في العراق، طوال عشرة أعوام، تلت سقوط النظام السابق، ليس هناك ما يمكن أن يفسر الإصرار الإيراني على إنشاء وتدريب وتسليح كلّ ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة، ومتناقضة ومتناحرة، إلا الإقرار بوجود نوايا مضمرة بإبقاء العراق ضعيفاً، وهذا الهدف "اللئيم" هو الذي كان يدفع النظام الإيراني إلى "دقّ" كلّ هذا العدد من "الأسافين" في جسد الدولة العراقية الهزيل، وما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ الأمر لم يكن محض خطأ تاريخي، هو حقيقة؛ أنّ لدى النظام الإيراني تجربة مغايرة تماماً، وعقلانية تماماً في بلاده؛ فقد أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية سليمة بالكامل، بعد انتصار الثورة الإيرانية، وطوال الأعوام التي تلت سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، على الرغم من الشكوك العميقة التي كانت تساور الخميني، وسائر قيادات الثورة، تجاه "ولاءات" الجيش والمؤسسات، وإمكانية نجاح "الفلول" في إعادة الحياة للنظام الملكي السابق، وبرّر هاشمي رفسنجاني ذلك فيما بعد، بأن أحداً من "الثوار" المنتصرين في إيران، لم يكن يريد إضعاف "إيران الدولة"، لكنّ هؤلاء "الثوار"، أو جلّهم على الأقل، حرصوا كلّ الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكلّ هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، ودفعوا القيادات العراقية إلى تبني هذا المطلب، والإصرار عليه كشرط أساسي للتعاون مع الولايات المتحدة، وهو ما يظهر جلياً سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
ولا شكّ في أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، اليوم وغداً، تكمن في دولة مستقلة وقوية، بغضّ النظر عن شكل الحكم الذي يمكن أن يجري التوافق عليه بين العراقيين، لكنّ بناء مثل هذه الدولة بات، للأسف، أمراً متعذراً، أو على الأقل بالغ الصعوبة، في ظلّ فوضى انتشار السلاح والميليشيات، التي تعطل الدولة، وترهب المؤسسات، وتعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها؛ بل أصبحت تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل؛ عمليات إنتاج وتصنيع السلاح واستيراده وتصديره، ناهيك عن عمليات السيطرة والانتشار والمراقبة وجمع المعلومات.

إبقاء جسد الدولة العراقية هزيلاً ليس محض خطأ تاريخي بل أضمرت إيران إضعاف هذا البلد لأهداف لئيمة يخدم مصالحها

وقد يقول قائلٌ؛ إنّ إيران أيضاً لديها ميليشيا في الداخل، هي ميليشيا الحرس الثوري، وما يتفرع عنه من قوى عسكرية، وأذرع اقتصادية وإعلامية، وإنّ ما قامت به في العراق مجرد استنساخ لهذه التجربة، جرياً على نهج كلّ قوى النفوذ والهيمنة في العالم التي تسعى بشكل طبيعي إلى استنساخ نفسها في البلدان الواقعة تحت نفوذها، لكنّ مثل هذه المقارنة تنطوي على مغالطات واضحة؛ فالثورة في إيران أبقت على الدولة والجيش والمؤسسات، لكنّها صنعت دولة موازية، وجيشاً موازياً، ومؤسسات موازية، لكن الطبقة السياسية التي حكمت عراق ما بعد 2003 لم تُبقِ على دولة أو جيش، أو مؤسسات، في البلاد؛ بل ليس من المبالغة القول إنّها حتى لم تبقِ على الشعب الذي راح جزء كبير منه، بين قتيل وجريح ومهجَّر ونازح.
لا غرابة إذاً في أن يثور العراقيون اليوم ضدّ هذه الهيمنة الإيرانية، رغم نجاح محاولات إيران في تحريك كلّ المخاوف والهواجس، الطائفية والعرقية، العميقة في وجدان المجتمع العراقي، ونجاحها تبعاً لذلك، في منع تحقق أية مصالحة وطنية شاملة، تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومستقلة، ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي.
أخيراً... شعر العراقيون بوجود نوايا السوء الإيرانية المضمرة.

للمشاركة:

ما الذي يحاول فيلم الممر أن يقوله؟ وهل نجح في ذلك؟

2019-10-22

تزامناً مع احتفالات مصر والعالم العربي بذكرى انتصار حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، عُرض في عدد من القنوات الفضائية المصرية فيلم "الممرّ"، بعد عرضه على شاشات السينما في مصر وبعض الدول العربية، في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: فيلم "الممر": رسالة لإسرائيل أم حشد للجماهير؟
يُعدُّ الفيلم أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ صناعة السينما في مصر، بميزانية تجاوزت 100 مليون جنيه مصري، وقامت شركة الإنتاج ببناء ديكورات الفيلم ومواقع التصوير بمساعدة وإشراف إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، كما تمّت الاستعانة بمتخصصين لبناء الديكورات بالكامل لمطابقتها بالمواقع الحقيقية خلال تلك الفترة، والاستعانة بفريق عمل أمريكي لتصميم مشاهد القتال والمعارك الحربية.
مقاربة درامية لا محاكاة
يحاول صنّاع فيلم "الممرّ" إيصال رسالة أمل رغم الانتكاسات والهزيمة، من خلال إضاءة منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي المتمثلة بحرب الاستنزاف التي تلت هزيمة 1967، والتأكيد أنّ الجيش المصري في حالة حرب مستمرة، داخلياً وخارجياً، سواء وهو يواجه العدو الإسرائيلي بالأمس أو الإرهاب اليوم، وأنّه هو الذي يتحمّل عبء الدفاع عن الأرض ومقدّرات الوطن، في أحلك الأزمات، وخلال التحديات والمخاطر الإقليمية والدولية المختلفة.

يضيء فيلم الممر منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي متمثلة بحرب الاستنزاف

نجح صنّاع الفيلم؛ الكاتب والمخرج شريف عرفة، وفريق الفنيين والمساعدين والأبطال، في صناعة توليفة سينمائية ليست بالطبع متسقة ومتوافقة مع الأحداث التاريخية الحقيقية في تلك الفترة، لكنّها، على أيّة حال، جاءت معبرة عن مضمون الأحداث، ولو بشكل جزئي، تحتل فيه الدراما جانباً معتبراً، فيما يتوارى التاريخ والأحداث الحقيقية، وهذا أمر طبيعي رغم اعتراض أعضاء المجموعة المصرية، المعروفة باسم "73 مؤرخين".
ليست السينما أو الأعمال الفنية عموماً مطالَبة بمحاكاة الواقع، سواء المعيش أو الماضي، محاكاة تامة، ولا حتى شبه تامة، فالسينما بالأساس عمل درامي يعالج فكرة أو (ثيمة)، أو حدَثاً ما، بطريقة فنية لا تكترث كثيراً للواقع والأحداث التاريخية؛ فالفيلم يستند إلى جانب من بطولات الكتيبة 93" قتال"، التي كان لها عدد لا يُنكَر من البطولات خلال حرب الاستنزاف، وذلك بسبب تمركزها في منطقة رأس العش في بورسعيد، وهي تلك المنطقة التي وقعت فيها اشتباكات قوية مع القوات الإسرائيلية، لكن الفيلم بالطبع لن يرصد طوال مدة عرضه تلك البطولات بالتفصيل، ولن يتناولها كما حدثت.

أهم ما نجح فيه الفيلم
نجح "الممرّ"، من وجهة نظري، في ثلاثة أمور مهمة للغاية؛ أولها أنّه رصد بطريقة غير مباشرة، في بداية أحداث الفيلم، أسباب هزيمة حزيران 1967 دون تدليس أو مواربة، رغم أنّ ذلك الأمر يقدح في نظام الرئيس عبد الناصر، لكنّ صناع الفيلم كانوا مباشرين في ذلك وعرضوا جزءاً منها، من خلال الحوار بين الأبطال، وأهم ما عُرض كان حالة الفوضى وسوء التخطيط وتقدير الموقف الذي كان يعرفه الجميع ولا يستطيعون شيئاً حياله.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
أما ثاني الأمور التي نجح صناع الفيلم في إبرازها؛ فيتمثل في بثّ روح المقاومة وإذكائها، واستعادة الأمل مهما كانت الظروف، وتذكير الشباب المصري خاصة، والعربي عامة، بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث يعرفون أنّ العدو الإسرائيلي هو الخطر رقم (1) الذي ينبغي أن نواجهه ونستعد له باستمرار؛ لأنّ أطماعه في المنطقة لن تنتهي؛ إذ هي قائمة على نزعة لاهوتية، التفت إليها كاتبا الحوار (شريف عرفة وأمير طعيمة)، فكانت الإشارة إليها عن طريق حوار حدث بين الضابط المصري، نور (أحمد عز)، قائد مجموعة الصاعقة، والضابط الإسرائيلي ديفيد (إياد نصار).

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
وثالث الأمور التي نجح "الممـرّ" فيها؛ التأكيد على دور أهالي سيناء في مقاومة المحتل، وتقديمهم الدعم الكامل لقوات الجيش المصري في تلك الفترة الحساسة، وهو أمر يُعدّ تقديمه مهماً في الوقت الحالي، مع تزايد الأعمال الإرهابية في سيناء، ومواصلة اتهام بعض أهالي سيناء بالتعاون مع الإرهابيين!
سلبيات ونقاط ضعف
لكن تبقى ثمة سلبيات ونقاط ضعف في الفيلم، لعلّ أهمّها أنّه عرَض شخصية المراسل العسكري بشكل كوميدي لا يتناسب وطبيعة الفيلم، من خلال الدور الذي أدّاه الممثل الكوميدي أحمد رزق، وهو ما أعطى الشخصية بُعداً ساخراً، وأضفى عليها تصوراً جعل المراسل العسكري طوال الفيلم شخصية ضعيفة تجبن عن مواجهة المخاطر، رغم أنّ الجيش المصري كان، ولما يزل، يتخيّر المراسلين العسكريين وفق شروط خاصة.

السينما غير مطالَبة بمحاكاة الواقع محاكاة تامة ويعتبر العمل تجربة متميزة لا بدّ من استثمارها بجزء ثانٍ يتجاوز السلبيات

كما كانت بعض مناظر الديكور والأزياء من سلبيات ونقاط ضعف الفيلم؛ فلم يستطع المخرج ومهندس الديكور التعبير بدقة عن الفترة الزمنية التي تكتنف أحداث الفيلم، خصوصاً مع المغالاة في ديكور شقة الضابط المصري، بما لا يعكس الحالة المادية والاجتماعية والذوقية في تلك الفترة، كما لم يكن المزج بين المواد الفيلمية المصورة قديماً، ومشاهد الفيلم سلساً؛ فقد كان المزج مفتَعلاً مضطرباً، بخلاف جنوح بعض عبارات الفيلم، التي جاءت على لسان الضابط نور (أحمد عز) إلى الأسلوب الخطابي المباشر، واللغة الشعاراتية المدرسيّة خاصة في كثير من حوارات المراسل مع أعضاء الكتيبة.
على كلٍّ؛ فإنّ تجربة هذا الفيلم عموماً، كانت جيدة، وذات إيجابيات كبيرة، لا بدّ من استثمارها في استكمال الجزء الثاني، وإنتاج أعمال أخرى يُراعى فيها الاعتماد على سيناريست متخصص، في هذه النوعية من الأعمال، لتلافي عيوب نص هذا الفيلم الذي أصرّ شريف عرفة على كتابته، فضلاً عن ضرورة التحرر من التأثر غير المبرر بالأفلام الأمريكية المعروفة في المشاهد الحربية التي أحسن صناع الفيلم في تنفيذها بشكل غير مسبوق في تاريخ السينما العربية.

للمشاركة:



عدد الإرهابيين الخطيرين يتضاعف 5 مرات في ألمانيا.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

ذكر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، هولجر مونش؛ أنّ عدد الإسلاميين الخطيرين أمنياً في ألمانيا تضاعف بمقدار يزيد عن 5 مرات، منذ عام 2013، ليصل اليوم إلى نحو 680 فرداً.

رئيس الشرطة الجنائية: سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد منذ 2016

وأضاف مونش، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية، الصادرة اليوم: "سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد، منذ هجوم الدهس الذي وقع قبيل الاحتفالات بعيد الميلاد (الكريسماس)، عام 2016".

وقال مونش؛ إنّ القصور الذي وقع في الإجراءات القانونية المتعلقة بشؤون الأجانب والمراقبة والملاحقة الجنائية، للتونسي أنيس العمري، الذي نفّذ بعد ذلك هجوم الدهس في برلين، لا يمكن أن يحدث بعد ذلك الآن.

ومن ناحية أخرى؛ وصف مونش التهديدات من اليمين المتطرف على الإنترنت، بأنّها "تعرض الديمقراطية للخطر"، معلناً في الوقت نفسه تأسيس "مركز مركزي لمكافحة الكراهية على الإنترنت"، وقال: "يتعين علينا التصدي لجرائم الكراهية على الإنترنت بصورة أقوى، الإنترنت يبدو أحياناً مثل معقل أخير للغرب المتوحش، وعندما تؤدي تهديدات اليمين إلى عدم منافسة ساسة محليين في الانتخابات وانسحاب المتطوعين من نشاطهم التطوعي، فإنّ هذا يعتبر أمراً مهدداً للديمقراطية".

مونش يؤكّد أنّ تهديدات اليمين المتطرف تعرّض الديمقراطية للخطر ويجب التصدي لجرائم الكراهية

يذكر أنّ العمري استولى على شاحنة، في 19 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ودهس بها جموعاً بشرية في أحد أسواق الكريسماس في برلين، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وعقب الجريمة فرّ العمري إلى إيطاليا؛ حيث لقي حتفه بعد أربعة أيام، برصاص الشرطة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يعترفون: زرعنا 2500 حقل ألغام!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أبلغت ميليشيات الحوثي الإرهابية رئيس فريق المراقبين، الجنرال الهندي أبهيجيت جوها؛ بأنّ حقول الألغام التي زرعتها تتجاوز 2500 حقل، في منطقة المنظر والمنصة جنوب غرب الحديدة، وأنّ الذين زرعوا هذه الألغام قتلوا لذلك لا يستطيعون انتزاعها.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تؤكّد لرئيس فريق المراقبين أنّ الذين زرعوا حقول الألغام قُتلوا

وكان فريق الأمم قد أقام، أمس، رابع نقطة مراقبة في منطقة منظر للإشراف على وقف إطلاق النار، وربطها بغرفة العمليات في السفينة الأممية قبالة سواحل اليمن، متهماً ميليشيا الحوثي بقصف منازل المدنيين، في مديرية التحيتا ومواقع الجيش اليمني، رغم الجهود الأممية الرامية للتهدئة، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ".

ولفتت المصادر إلى أنّ الميليشيا ارتكبت خلال الساعات الماضية 20 خرقاً، وتعرضت نقاط لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الثلاث في شرق الحديدة لاستهداف مباشر.

في غضون ذلك؛ طالب نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في اليمن، رضا قريشي، بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي، مؤكداً أنّ البرنامج قدم غداء ودواء وم