ألمانيا وتركيا على صفيح ساخن.. ما علاقة الإسلام السياسي؟

ترك العثمانيون إرثاً تاريخيّاً ثقيلاً، ما يزال يشغل حيزاً لا يستهان به فيما يتعلق بالوعي الجمعي الأوروبي، وهو ما يماثل ذلك الإرث الذي خلفه الأوروبيون أنفسهم في العالم الثالث، إبان الهجمة الاستعمارية في العصور الحديثة، ألا وهو إرث الغزو المطلخ بالدم، ونزعات الهيمنة والاستغلال، حتى إنّ مفردات مثل: "السلطان"، و"الغازي" و"الفاتح"، كفيلة بتأليب أوجاع التاريخ في المحيط الثقافي الغربي، رغم مرور قرن من الزمان على سقوط الخلافة العثمانية.

أكدت وكالة "دويتشه فيله" ضلوع أئمة الاتحاد الإسلامي التركي بأنشطة تتعلق بالتجسس على الرعايا الأتراك

وحالياً، تشهد العلاقات التركية/ الألمانية حالة من التوتر، في ظلّ الغموض الذي يحيط بسياسات أنقرة الداعمة لجماعات الإسلام السياسي، مع محاولات نظام الرئيس أردوغان القيام بعدة أدوار ذات طابع أيديولوجي متأسلم، لبسط نفوذ بلاده، عبر التدخل المباشر في مناطق الأزمات (سوريا، ليبيا، السودان)، من خلال دعم الحركات الإسلامية، وتوظيفها سياسيّاً، وهو الأمر الذي تزامن مع تصاعد موجات الإرهاب التي ضربت أنحاء متفرقة من القارة الأوروبية؛ حيث أبرزت تقارير متعددة، تنامي وتيرة الخطاب الديني المتشدد، الذي باتت أنقرة تصدره إلى دول الجوار الأوروبي، من خلال أئمتها التابعين لمنظمة الاتحاد الإسلامي التركي، المعروفة اختصاراً باسم "ديتيب" (DITIB)، والتي أُنشئت العام 1924، بهدف الحفاظ على الإسلام في الجمهورية العلمانية، وتعدّ المنظمة الدينيّة الأبرز للأتراك في أوروبا؛ حيث تقوم بإدارة نحو 900 مسجد وجماعة دينيّة في ألمانيا وحدها.  
 تشهد العلاقات التركية الألمانية توتراً في ظلّ الغموض الذي يحيط بسياسات أنقرة الداعمة للإسلام السياسي

بداية التوتر 
شهدت العلاقات الألمانية التركية كثيراً من التجاذبات، في أعقاب الحرب في سوريا، العام 2011، وربما كانت الحرب السورية، وما تمثله أنشطة المقاتلين الأجانب من خطورة على أمن ألمانيا، نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، وهو الأمر الذي دفع ألمانيا إلى اللجوء للتعاون الاستخباراتي مع تركيا، وتصاعدت وتيرة العلاقات الأمنية بين البلدين إبان أزمة اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، التي ضربت أوروبا بين عامي 2015 و2016.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحذّر من هؤلاء..
وفي كانون الثاني (يناير) من العام 2015؛ أبرمت ألمانيا اتفاقية تعاون استخباراتي مع تركيا، لوقف تدفق المقاتلين الألمان عبر أراضي الأخيرة، والانضمام لتنظيم داعش في سوريا، وبالعكس؛ أي منع عودتهم إلى أوروبا مجدداً، بالإضافة إلى تحسين التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بين الاستخبارات التركية، وجهاز الاستخبارات الخارجية في ألمانيا.

الأيام القادمة قد تشهد مزيداً من المواجهات في ظلّ تطلعات أردوغان واستمرار سياساته القمعية تجاه المعارضة

ويبدو أنّ حكومة أردوغان حاولت استغلال هذا التعاون الأمني، للتسلل إلى الداخل الألماني؛ حيث كشف تقرير منسوب للاستخبارات الألمانية، منتصف شهر آب (أغسطس) من العام 2016؛ أنّ "تركيا أصبحت مركزاً للجماعات الإسلامية المتشددة، وأنّ أردوغان لديه تقارب فكري مع حركة حماس في غزة، وجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، وجماعات المعارضة الإسلاموية المسلحة في سوريا"، وكان تقييم وزارة الداخلية الألمانية لهذا التقرير، أنّ تركيا أصبحت منصة عمل مركزية للإسلاميين".
وفي سياق متصل، وبحسب تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أعده جاسم محمد، ذكرت صحيفة "دي فيلت"، الصادرة يوم 28 حزيران (يونيو) من العام 2017؛ أنّ الشرطة الألمانية حذّرت أعضاء بالبرلمان، من أنّ الاستخبارات التركية ربما تجسست عليهم، وأنّهم قد يواجهون أيضاً أخطاراً أمنيّة محتملة من قبل مواطنين أتراك، كما أجرى مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية ما تسمى بـ "مناقشات أمنية" مع عدد من أعضاء البرلمان، تركّزت حول التجسس المحتمل للاستخبارات التركية، والأخطار الأمنية المرتبطة بذلك.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
وبحسب المصدر نفسه؛ فقد دعت لجنة الرقابة في البرلمان الألماني إلى الكشف عن معلومات بشأن الأنشطة التي تقوم بها الاستخبارات التركية داخل ألمانيا، ودعا "هانز كريستيان شتروبله" عضو اللجنة المعنية بمراقبة الأجهزة الاستخباراتية، بفتح تحقيق حول الأنشطة الاستخباراتية التركية في ألمانيا، مع مراجعة تعاون بلاده الأمني مع تركيا، وأكد "شتروبله"، المنتمي إلى حزب الخضر الألماني، أنّ هناك أنشطة سرية لا تصدق، تقوم بها الاستخبارات التركية، ونقلت صحيفة "بيلد" الألمانية، عن مصدر أمني لم يتم ذكر اسمه، قوله إنّ الاستخبارات التركية لديها شبكة واسعة، مكونة من ستة آلاف جاسوس على مستوى ألمانيا.

الاتحاد الإسلامي التركي وشبهات التجسس
ووفق تقارير منسوبة إلى الاستخبارات الألمانية، يؤكد جاسم محمد؛ أنّ شبهات التجسّس التركي على ألمانيا انطلقت من الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينيّة، وفرع حزب العدالة والتنمية في ألمانيا، والمعروف بـ "اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين"؛ حيث تدير تركيا شبكة جاسوسية ضخمة في ألمانيا، تضم آلاف المخبرين، الذين قال خبراء إنّهم يراقبون أشخاصاً، أكثر ممن كان جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقاً، المعروف بــ "شتازي"، يراقبهم في ألمانيا الغربية خلال الحرب الباردة.

شبهات التجسّس التركي على ألمانيا انطلقت من الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينيّة وفرع حزب العدالة والتنمية

وفي ظلّ تقارير عدة، أكد موقع "دويتشه فيله" الألماني، ضلوع الأئمة الأتراك التابعين للاتحاد الإسلامي التركي في أنشطة تتعلق بالتجسس على الرعايا الأتراك، والإبلاغ عن المنتمين منهم لحركة غولن المعارضة، وكذلك إرسال تقارير تتضمّن معلومات عن الدول التي يعملون بها، وهو ما دفع المدعي العام الاتحادي في ألمانيا إلى تقديم طلب لتوقيف ستة من الأئمة الأتراك.
إلا أنّ المحكمة الفيدرالية لم تجد أدلة قاطعة تثبت الاتهام، على الرغم من وجود معلومات مؤكدة تفيد بقيام الأئمة بإرسال تقارير بالفعل حول الأنشطة السياسية للمهاجرين الأتراك، لكنّ المحكمة رأت أنّ هذه المعلومات لم ترقَ لمستوى التكليف بالتجسّس، وفي المقابل؛ أصدر الاتحاد الإسلامي التركي بياناً أنكر فيه قيام الأئمة التابعين له بالتجسّس لصالح حزب العدالة والتنمية، مستنكراً ما وصفه بالهجمة الشرسة ضدّه.

اقرأ أيضاً: تقرير ألماني يحذر من اختراقات إخوانية مقلقة .. ما القصة؟
ورغم قرار المحكمة، اتخذت الحكومة الفيدرالية خطوات جادة للحدّ من أنشطة الاتحاد الإسلامي؛ حيث قامت، وفق تقرير نشره موقع "ذا لوكال"، بتخفيض الدعم المالي الذي كانت تقدمه له، ليصل في العام 2018 إلى 300 ألف يورو مقابل 1,5 مليون يورو في العام 2017، كما اتخذت قراراً آخر بقطع ذراع تركيا الديني، المتمثل في السيطرة على المساجد بألمانيا، بعدما أصبح الاتحاد الإسلامي مجرد أداة سياسية لتعزيز مصالح حزب العدالة والتنمية؛ ففي آذار (مارس) من العام 2019، جرى تعديل قانون الإقامة الذي يجبر الأئمة الأتراك على الإلمام باللغة الألمانية، كما طالب عدد من النواب الألمان بفرض ضرائب على المساجد، على غرار الضرائب المفروضة على الكنائس، في محاولة لمراقبة أموال هذه المساجد، وقطع الطريق على التمويل الخارجي.

الشرطة الألمانية حذّرت أعضاء بالبرلمان من أنّ الاستخبارات التركية ربما تجسست عليهم
وتبدو أهمية الدور الذي يلعبه الأئمة لصالح سياسات أردوغان شديدة الوضوح، في ظلّ تراجع تأييد القواعد الانتخابية لحزب لعدالة والتنمية في صفوف الأتراك المقيمين في أوروبا، والذي تجلى بشكل أكثر وضوحاً في رفض قطاع واسع منهم للتعديلات الدستورية، التي حولت البلاد إلى النظام الرئاسي، مع تصويت قطاعات واسعة لصالح أحزاب المعارضة في الاستحقاق الرئاسي، في حزيران (يونيو) من العام 2018.

اتخذت الحكومة الفيدرالية الألمانية خطوات جادة للحدّ من أنشطة الاتحاد الإسلامي التركي

وعلى ما يبدو؛ فإنّ الخطاب الديني المتشدّد الذي يتبناه الأئمة الأتراك، ويروّجون له داخل الأراضي الألمانية، بالإضافة إلى الأنشطة السياسية الغامضة التي يمارسها الاتحاد الإسلامي التركي، هو ما دفع المؤسسات السياسية إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، في محاولة للسيطرة على المجال الديني الإسلامي، في ظلّ الهيمنة التركية، المرتبطة بسياق آخر يتعلق بطموحات الرئيس أردوغان، وتلويحه بورقة الخلافة القائمة على الإرث العثماني بشكل مستمر.
ومن جهة أخرى، ساهم الخطاب الديني المتشدد الذي يمارسه الأئمة الأتراك في خلق عزلة تامة باتت الجالية التركية تعيش فيها، وبحسب "دويتشه فيله"، فقد أكّد معهد برلين للسكان والتنمية في تقرير له؛ أنّ المهاجرين الأتراك هم الأقل اندماجاً في المجتمع الألماني، وأنّ وجود مثل هذا المجتمع الموازي، يخدم السياسات التركية الرامية إلى تحقيق قدر من الهيمنة عليهم، وتوظيفهم انتخابياً لصالح حزب العدالة والتنمية، من خلال الأئمة والمساجد التابعة للاتحاد الإسلامي.

وعلى ما يبدو، فإنّ الأيام القادمة قد تشهد مزيداً من المواجهات، في ظلّ تطلعات أردوغان، واستمرار سياساته القمعية تجاه المعارضة التركية، مع تعاظم الشعور بالقلق على الجانب الأوروبي، وسقوط ورقة التوت الأخيرة عن الوريث العثماني، في أعقاب غزوته الأخيرة للشمال السوري.

الأقسام: