العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة

العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة
65576
عدد القراءات

2020-01-14

يجمع العلويون، أو "العلاهيون" في تركيا، مزيجاً من المعتقدات الشيعية والممارسات الدينية الصوفية، ويعود وجودهم في البلاد إلى بدايات القدوم التركي إلى الأناضول، ويشكلون قرابة ربع السكان، ومع ذلك لا تزال الدولة غير معترفة بهم كطائفة مستقلة.
وبسبب عدم الاعتراف الرسمي بالعلويين، ومنع الدولة إجراء إحصاءات على أساس الطائفة، فإنّ هناك تفاوتاً كبيراً في تقديرات تعدادهم في تركيا؛ حيث يعتبر العلويون أنّ عددهم يصل إلى 25 مليوناً، بينما تتحدث مصادر رسمية عن عدم تجاوز العدد 14 مليوناً. وبحسب مختلف التقديرات فإنّهم يشكلون، وفق ما ورد في كتاب "علويو الأناضول" لمؤلفته ايرين ساري، ما نسبته من 20 إلى 25% من مجموع السكان، وهو ما يجعل العلوية أكبر أقلية دينية في تركيا.
ويتوزع العلويون في تركيا، وفق الباحثة التركية سيرين سليمانبيكاوغلو،  على ثلاث مجموعات إثنية: تركية وكردية وعربية؛ حيث يشكل الترك حوالي الثلثين، بينما يشكل الأكراد قرابة الثلث، أما العرب فلا تتجاوز نسبتهم الـ 5% وهم يتركزون في ولاية هاتاي (لواء الإسكندرون).

أماكن انتشار علويي تركيا في الأناضول، حيث يتركز تواجدهم في المناطق الجبلية الوسطى من البلاد

الاضطهاد العثماني
أطلق العثمانيون على العلويين بدايةً اسم "القزلباشية"، وهي تسمية كانت تطلق على الطرق الصوفية الأقرب إلى التشيع، المنتشرة في مناطق الأناضول والهضبة الإيرانية، وفي فترة لاحقة عرفوا بـ "البكداشية"، وهي تسمية مستمرة حتى اليوم؛ حيث تعرف الطائفة أيضاً باسم "العلوية البكداشية"، وذلك نسبة إلى الحاجي بكداشي، الذي استقر في الأناضول عام 1688، قادماً من آسيا الوسطى؛ إذ أسس الطريقة "البكداشية"، وأصبح أبرز شيوخ الطائفة.
اتّهم العثمانيون العلويين بمساندة الصفويين في إيران في صراعهم مع الدولة العثمانية، وهو ما أدى إلى ارتكاب حملات إبادة بحقهم، الأمر الذي أثر في  تواريهم واعتزالهم في الجبال والانطواء على أنفسهم.

عمل فني يجسد معركة جالديرن (1514) إحدى أشهر المعارك بين العثمانيين والصفويين

ممارسات وطقوس خاصة
وقد دفعت بهم العزلة إلى تبنّي وتطوير نظام عقدي وسلوكي خاص بهم، الأمر الذي وصل بهم إلى طقوس دينية وتجليات ثقافية تختلف بدرجة كبيرة عن الطقوس الدينية والثقافية المعروفة تقليدياً في المجال الإسلامي.
وتختلف صلاتهم عن الصلاة المعروفة في الإسلام، فهي أقرب إلى رقصة جماعية، برفقة الآلات الموسيقية الخاصة، ولا يوجد فصل فيها بين الذكور والإناث. ويؤدّون صلاتهم في غرفة كبيرة تسمى "بيت الجمع"، وهم لا يبنون المساجد، مرجعين السبب في ذلك، وفق ما نقل عنهم، بـ"أنّه لم يكن هناك مساجد في زمن النبي، فضلاً عن أنّ علي بن أبي طالب قتل في المسجد".

يشكل العلويون قرابة ربع السكان في تركيا، ومع ذلك لا تعترف الدولة بهم كطائفة مستقلة

والعلويون الأتراك لا يصومون شهر رمضان، وفيما يتعلق بالحج، فإنّ أكثرهم يحج إلى قبر بكتاش، ويشتهر العلويون بشرب الخمر الذي كثيراً ما يصنعونه في بيوتهم. وتتميز العلوية الأناضولية (العلاهية) عن العربية  بطقوس الرقص الصوفي التي اكتسبتها من ارتباطها بالطريقة البكداشية.
ولدى العلويين الأتراك أعياد ومناسبات، اكتسبوا بعضها من الثقافات الفارسية والكردية، كاحتفالهم بعيد النيروز. ومنها ما هو إسلامي كصيام محرم، والاحتفال بعيد الأضحى، ومنها ما يحمل تأثيرات مسيحية كالاحتفال بيوم الخضر.

أداء الصلاة عند العلويين الأتراك

تأييد العلمانية وتبنّي الأتاتوركية
ومع إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، وتأسيس الزعيم التركي كمال أتاتورك للجمهورية التركية الحديثة، وإرساء أسس العلمانية في الدولة، أيد العلويون النظام العلماني الناشئ؛ حيث تم منحهم لأول مرة فرصة معاودة الاتصال بالبيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بهم، وأمسوا مواطنين كغيرهم، ولذلك يعتبرون الدولة العلمانية شكلت الضمان الأساسي لوجودهم القانوني والثقافي، كما يكنّون الكثير من الفضل لأتاتورك، وهم يرفعون صوره بشكل دائم إلى جانب رسم للإمام علي والحاجي بكتاش.

صورة أتاتورك إلى جانب رسم للإمام علي وحاجي بكتاش في أحد بيوت الجمع العلوية

صعود الإسلام السياسي وتهديد الهوية و"البيان العلوي"
ومع تزايد الصراع على الهوية في مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، اتجه كثير من الناشطين العلويين إلى الحركات اليسارية، وتبنّوا  الفكر الماركسي في مواجهة الفكر اليميني القومي المتطرف والإسلام السياسي الصاعد. وقد ألحق انقلاب كنعان افرين عام 1980 الأذى بأحزاب اليسار العلماني التي كان العلويون يشكلون القاعدة الأساسية فيها، في مقابل دعم الحركة الانقلابية للاتجاهات الإسلامية السنية، وتأكيدها على البعد الديني للهوية السياسية.

ارتكب العثمانيون حملات إبادة بحق علويين، ما أدى إلى تواري متبعيها واعتزالهم في الجبال والانطواء على أنفسهم

وقد بدأت الدولة منذ انقلاب 1980 بالاتجاه نحو تعزيز تدريس المذهب السنيّ الحنفي في المدارس، وبناء مساجد سنيّة في القرى والمناطق العلوية.
وبذلك فقد شكّل عقد الثمانينيات بداية ظهور تململ واضح من جانب العلويين مما يجري حولهم وضدهم. وكان ما سُمّي بالبيان العلوي الذي أصدره مثقفون علمانيون في آذار (مارس) عام 1989، من كل الطوائف والمذاهب والأعراق، حدثاً مهماً ومرحلة بارزة في مسيرة علويي تركيا؛ إذ طرح هذا البيان ولأول مرة المسألة العلوية في تركيا.
مجازر وانتهاكات بحق الطائفة
ومنذ صدور البيان العلوي، قام العلويون بمحاولات عديدة لإثارة أوضاعهم إلى العلن، وشجّع على تكثيف تحركهم الأحداث الدموية التي وقعت بحقهم في "سيواس" عام 1993، وفي ضاحية "غازي عثمان باشا" بإسطنبول عام 1995؛ حيث وقعت مجزرة سيواس عام 1993، التي قتل فيها 73 شخصاً جميعهم من الشعراء والكتاب والفنانين العلويين، في حادثة احتراق فندق مفتعلة، كانت تعقد فيه فعالية ثقافية.

صورة لاحتراق فندق مدماك عام 1993

حزب "العدالة والتنمية" وسياسة الدمج
ومنذ وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002، شرع بتنفيذ سياسات تهدف إلى استيعاب العلويين ودمجهم في سائر النسيج التركي، وهو ما قوبل بالمعارضة من الطائفة؛ حيث اعتبرت هذه السياسات مهددة لوجودها.
وتتمثل هذه السياسات في بناء المساجد السنية في المدن والقرى العلوية، وتدريس أبنائهم الدين على الطريقة السنية. أما بيوت الجمع التي يمارس فيها العلويون الطقوس وشعائرهم الدينية، فتسميها الحكومة مراكز ثقافية علوية ولا تعترف بها كدور عبادة. كما تخصص الحكومة ميزانية رسمية لفائدة المساجد تتراوح ما بين 5 و6 مليارات دولار، من دون وصول أي شيء منها للعلويين.

تتميز العلوية الأناضولية عن العربية بطقوس الرقص الصوفي التي اكتسبتها من ارتباطها بالطريقة البكداشية

وتهدف الحكومة من هذه السياسات إلى دمجهم ضمن الطائفة السنية. وقد طرح الحزب مشروع قانون مثيراً للجدل عام 2013، يسعى للحد من المؤسسات المدنية والدينية العلوية في محاولة لدمجهم في المجتمع التركي.

اجتماع أردوغان مع أعيان الطائفة في محاولة منه لاسترضائهم

تصاعد حركة المطالبات
كانت ردة الفعل على هذه السياسات هي تكاثر الجمعيات والمراكز الثقافية العلوية في العقدين الأخيرين، والتي اتجهت نحو إحياء ودعم الهوية العلوية؛ حيث يدفعهم إلى ذلك تنامي تهديد الأصولية الدينية السنية وضعف العلمانية ومحاباة النظام السياسي والدولة لقوى الإسلام السياسي على حسابهم.
وتتلخص المطالب حول الاعتراف ببيوت الجمع كمراكز روحية منفصلة، وإعفاء أبناء الطائفة من حضور دروس التربية الإسلامية على الطريقة السنية، إضافة إلى إلغاء الدعاية ضد العلويين في المدارس، والمطالبة بمحاسبة الواقفين خلف المجازر التي ارتكبت بحق العلويين.
وفي العام 2014، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً دانت فيه سياسة أنقرة، وأوصت بضرورة اعتراف الحكومة التركية بدور العبادة الخاصة بالطائفة أو ما يعرف بـ "بيوت الجمع".

مظاهرات علوية تطالب بتحقيق المساواة

بالنسبة للحكومة التركية فإنّ الاعتراف الرسمي ببيوت العبادة العلوية يعني وجوب الدعم المالي لهذه الدور، كما تفعل مع المساجد، إضافة إلى أنّ أي اعتراف رسمي بالطائفة يؤدي إلى فتح باب مسألة هوياتية أخرى داخل نسيج الدولة تضاف إلى المسألة الكردية، وهو ما لا تبدو الحكومة على استعداد له.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف سعت أدبيات الإخوان لتشكيل عقل المرأة؟

رباب كمال's picture
إعلامية وكاتبة مصرية
2020-02-23

في نهاية القرن التاسع عشر ظهرت تجربة صحافية إسلاموية الطابع، سعت إلى توثيق حراك المجتمع المصري المحافظ ذي الطابع الإسلامي في مواجهة خطاب الحداثة الناشئ في مطلع القرن العشرين بشكل عام، وتأثير تلك الحداثة على الخطاب الموجه للنساء المسلمات بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟
تلك التجربة كانت "مجلة المنار" التي يتم وصفها عادة بأنّها تجرية "إصلاحية"؛ أي تقع في إطار التجديد الديني، وكلمة التجديد أو الإصلاح الديني من العبارات المحيّرة في تاريخ التراث الإسلامي؛ حيث ارتبطت كلمة التجديد بالحداثة والتقدم في عقول الجماهير، إلا أنّها ارتبطت أيضاً بمحاربة البدع والتصوف ومناهضة الحراك الحقوقي أو النسوي على اعتباره من الضلالات البدعية.

هاجس حقوق المرأة
كانت قضايا المرأة وأحوالها في الإسلام من أهم المجالات التي تطرقت لها مجلة المنار، والتي تواصلت إصداراتها على مدار 37 عاماً (1898-1935) تحت إشراف وتوجهات الشيخ رشيد رضا (1865-1935)، وقد أشرف مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا على بعض إصداراتها بعد وفاة رشيد رضا العام 1935، ومن تتبع نصوص "المنار"، سنجد فيها اللبنة الأولى لأفكار حسن البنا عن دور النساء في المجتمع، خاصة مع ظهور الحركات النسوية التي بدأت في المطالبة بتعليم النساء والأدهى من ذلك "عمل المرأة"، إذ لم تكن طبيعة المجتمع ذاتها مرحبة ومنفتحة بهذه الدعوات؛ أي إنّ مجلة المنار ومن بعدها حسن البنا لم يتحديا المجتمع أو القطاع العريض من مشايخه، بل كانا يتماهيان مع المجتمع، جاءت تجربة مجلة المنار بعدما بدأت تتعالى الأصوات التي تؤصل لحقوق المرأة ومن بينها مجلة مصر الفتاة التي أشرفت عليها هند نوفل وبدأت إصداراتها العام 1892 وغيرها من المبادرات السابقة لذلك كالدعوة لتعليم الفتيات التي تبنتها أميرات السلطة ومن بينهن حشمت هانم زوجة الخديوي إسماعيل.

مجلة  مصر الفتاة أشرفت عليها هند نوفل وبدأت إصداراتها العام 1892

تماهت مجلة المنار مع مطالب تعليم المرأة فأكدت أنّ الإسلام الصحيح قد ساوى بين الرجال والنساء في طلب العلم، الذي أصبح فريضة على كل مسلم ومسلمة، لكنّ التيار الأعم في المجلة، كان يؤيد تعليم المرأة في اختصاصات علوم التربية، واعتبر رشيد رضا أنّ تعليم المرأة قد يجعلها متمردة على الإذعان للرجل، فلا تلازم المنزل، فرأى أنّ المساواة في التعليم تجوز في المراحل الأولى من التعليم، على أن تتعلم المرأة تدبير المنزل والاقتصاد وعلوم الصحة والتربية والأخلاق المستمدة من الأديان، وذهبت المنار إلى الربط بين التعليم والانحلال الخلقي بين المتعلمات، ونشرت هذه الأفكار ما بين عامي 1899 و1905؛ أي قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بحوالي ثلاثة عقود، ولا يسعنا سوى ملاحظة التطابق بين رؤية حسن البنا ورشيد رضا في مسألة تعليم المرأة، فيقول البنا: "لا حاجة للمرأة أن تدرس العلوم لأن هذا أمر عبثي، ليست المرأة في حاجة إلى التبحر في العلوم واللغات المختلفة، فستعلم عن قريب أنّ المرأة للمنزل أولاً وأخيراً، علموها ما هي بحاجة إليه وهو تدبير المنزل ورعاية الطفل".

الخوف من قوة النساء
وتوجّس الإخوان خيفة من تعليم المرأة ومن ثم عملها تماماً مثل رشيد رضا، على اعتبار أنّ العمل سيكون السبب الرئيسي في استقلالية شخصيتها، فاستقلال المرأة اقتصادياً يجعلها قادرة على عدم الارتباط برجل سواء أكان أباً أو أخاً أو زوجاً، والاستقلال الاقتصادي يفتح للمرأة باب التحرر، فتتزوج بلا ولي وتتمتع بحرية السكن وقد تعيش بعيدة عن نطاق الأسرة التي تحد من حريتها.
لذا فإنّ الآراء التي تتخيل أنّ حسن البنا جاء ليقلب الأوضاع رأساً على عقب ويؤثر في الذهنية المعتدلة الوسطية تجاه النساء قد تحتاج إلى المراجعة؛ لأنّ حسن البنا كان امتداداً لآراء شائعة مجتمعية تبنتها مجلة المنار الإصلاحية – حسب وصف القائمين عليها - من قبله، أما ما جاء به البنا يمكن وصفه بأنّه وضع تلك الأفكار في هيكل تنظيمي وكان هذا الهيكل نواة للتنظيمات الإسلامية في التاريخ الحديث والمعاصر والذي أُطلق عليه مجازاً الإسلام السياسي، وهي تنظيمات على اختلافها تستند إلى فكرة الكتائب المنظمة العقائدية.
لكن مع التغير الحداثي النسبي للمجتمعات الإسلامية تم وضع أفكار حسن البنا وغيره في الميزان، فخضع للنقد والمراجعات، كما أنّ رؤية البنا الداعية لضرورة وضع سقف لحقوق النساء هي رؤية يتبناها قطاع عريض من الجماهير اليوم، وقد تكون تلك الجماهير بلا ميول تنظيمية إخوانية، فالاختلاف التنظيمي مع الإخوان لا يعني رفض الجماهير تبني كافة أفكارهم خاصة تلك التي وضعت حدوداً إسلاموية لحقوق المرأة.

الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية
تعددت أدبيات جماعة الإخوان المسلمين التي سعت إلى تشكيل عقل المرأة المسلمة – ليس المرأة المنضمة للجماعة فحسب – وكان من أهم تلك الأدبيات كتاب "الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية" الصادر العام 1980 عن دار الدعوة التي تأسست على يد محمود شكري الرئيس الأسبق للمكتب الإداري للإخوان المسلمين بالاسكندرية، والكتاب من تأليف محمد عبد الحكيم خيال ومحمود الجوهري، الأول قيادي ومؤرخ لجماعة الإخوان المسلمين أما الجوهري فهو من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين والذي أُوكل إليه حسن البنا مهمة سكرتير فرقة الأخوات المسلمات، وحين سعى الجوهري للاستقالة، كتب له حسن البنا على ورقة الاستقالة: "الجوهري مسؤول الأخوات حتى الممات"، استهل الكتاب بإهداء: "إلى الرعيل الأول من الأخوات المسلمات أول من حملن عبء التحول الاجتماعي الإسلامي".

اعتبر رشيد رضا أنّ تعليم المرأة قد يجعلها متمردة على الإذعان للرجل فلا تلازم المنزل
ولعل هذه البداية تنم على إدراك جماعة الإخوان أنّ التحولات الاجتماعية التي يسعون إليها والتي وصفت فيما بعد بأسلمة المجتمع، هي الطريق الممهد للتمكين السياسي للإخوان المسلمين، ويلعب الزي الإسلامي للنساء دوراً هائلاً في هذه المنظومة حسب ذهنية الجماعة، وتتطابق هذه الرؤية مع ما جاء في كتابات القيادي بالجماعة محمد قطب، الشقيق الأصغر لـسيد قطب التي ظهرت من خلال كتاب "هل نحن مسلمون".

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟

ويحدد الكاتبان خيال والجوهري فحوى الهدف من كتابهما في العبارة التالية: "نحن نريد الفرد المسلم والبيت المسلم والشعب المسلم حتى نؤثر في الأوضاع ونصبغها بالصبغة الإسلامية ودون ذلك لن نصل لأي شيء"، والصبغة الإسلامية هي مربط الفرس، هنا يوجد تأكيد بليغ على الرغبة في التمكن من الشارع والثقافة بهدف الوصول للحكم و السيطرة على عقول ومشاعر الأمة، ولهذا كان من الضروري كبح جماح النساء المتحررات لأنّ مطالبهن قد تُعطل الصبغة الإسلامية التي أرادها الإخوان المسلمين للمجتمع.
الصبغة الإسلامية التي نص عليها هذا الكتاب، بدأها مؤسس جماعة الإخوان ونادى بها على صفحات مجلة المنار في فترة رئاسته لتحريرها بقوله: "لا حاجة للمرأة أن تدرس العلوم لأن هذا أمر عبثي، خير (للمرأة) أن تصرف وقتها في النافع والمفيد، ليست المرأة في حاجة إلى التبحر في العلوم واللغات المختلفة، وليست في حاجة للدراسات الفنية، وليست المرأة في حاجة للتبحر في دراسة القانون، فستعلم عن قريب أنّ المرأة للمنزل أولاً وأخيراً علمّوها ما هي بحاجة إليه وهو تدبير المنزل ورعاية الطفل".
نحو صبغة إسلاموية
واستكمالاً للصبغة الإسلامية التي أرادها الإخوان؛ شن الكتاب الهجوم الضاري على الاستقلال الاقتصادي للنساء على اعتباره السبب في استقلالية شخصيتها لتتساوى مع الرجل، فاستقلال المرأة اقتصادياً يجعلها لا تحتاج لمن يتكفل بها، كما يفتح للمرأة باب التحرر، فتتزوج بلا ولي وتتمتع بحرية السكن وقد تعيش بعيدة عن نطاق الأسرة التي تحدّ من حريتها؛ أي إنّ الإخوان المسلمين كانوا يروّجون لنزع الاستقلالية الاقتصادية عن النساء لينزعوا عنها حريتها.

كتاب "الأخوات المسلمات" كان قائماً وموجهاً إلى المرأة المسلمة التي ستعيد الصبغة الإسلامية للمجتمع بحجابها وطاعتها لزوجها ومكوثها في المنزل وعدم تبحرها في التعليم، ولأنّ المرأة هي مربية الأجيال، فكان على الكتاب التطرق لمفهوم الوطن الذي ستغرسه الأم في عقول ونفوس أولادها، ولم يكن هناك مفهوم للوطن لدى الإخوان بل كانت هناك فلسفة "لا وطن إلا الإسلام"، وهنا انتقد كتاب الأخوات المسلمات مفهوم الوطنية في العبارة التالية: "للمرة الأولى في البيئة الإسلامية نجد كلاماً عن الوطن والوطنية وحب الوطن بالمعنى المادي الوثني الذي شاع في الفكر الأوروبي الحديث والذي يقوم على التعصب لمساحة محدودة من الأرض، فالوطنية مزقت وحدة البلاد الإسلامية".

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة

وهو نفس الفكر الذي روج له رشيد رضا قبل سنوات من تأسيس الجماعة، فوصف الوطنية بالعصبية الجنسية التي تسعى لإماتة الدين، سنجد فيما بعد أنّ فلسفة "الإسلام قبل الوطن"، خرجت عن أوساط الجماعة وأصبحت فكرة رائجة مجتمعيّاً، ومن هنا كانت الخطورة الكبرى وهي أنّ فلسفة وأفكار الجماعة لم تعد حكراً على المنتمين للتنظيم، وهنا يعود الفضل لنظرية الصبغة الإسلامية للمجتمع التي انتهجتها القيادات، كما استفاض الكتاب في انتقاده لحركة تحرير المرأة في مصر بانتقاد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي لما كتبه في كتاب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، والذي لخص فيه مشاهداته في باريس أثناء البعثة الدراسية على مدار خمس سنوات، ثم انتقل الهجوم إلى القاضي والأديب قاسم أمين، الذي أطلق دعوة لإصلاح وضع المرأة في مصر من خلال كتابيه (تحرير المرأة) 1899 م و(المرأة الجديدة) 1901م، وجاء في كتاب الأخوات المسلمات أن قاسم أمين أعد مؤامرة ضد النساء المسلمات.
الطعن في الرموز
كما اتهمّ مؤلفا الكتاب، الدكتور أحمد لطفي السيد المُلقّب بأبي الليبرالية المصرية والذي وتولى رئاسة جامعة القاهرة 1925- 1941، بأنه قاد دعوة لتدمير المرأة إلى جانب قاسم أمين، ويستهجن الكتاب دعوة لطفي السيد لضرورة تعليم المرأة دون انتظار استفتاء من الرأي العام، وهنا تستنكر جماعة الإخوان المسلمين ما قاله؛ أي إنّ الجماعة اعتبرت المرأة ملكية مجتمعية يتم الاستفتاء على حقوقها الأساسية مما رسخ لخلط المفاهيم ما بين الديمقراطية بالتصويت وما بين ديكتاتورية الأغلبية، فإن صوّتت الأغلبية على قمع حق أساسي فهذا لا يُعد نموذجاً ديمقراطياً بل استقواء للغلبة العددية، وهي القيم التي حاولت الجماعة تمريرها طيلة عملها السياسي وحتى بعد حصولها على أعلى نسبة مقاعد في انتخابات 2011 البرلمانية إبان الثورة المصرية، أما النقد الموجه لهدى شعراوي مؤسسة الاتحاد النسائي المصري في الكتاب فانصب على إنشائها نادياً أدبياً وتراءى للإخوان أن شعراوي تحمل أوزار ضلالها.

درية شفيق

أما درية شفيق فقد نالت جرعة نقد لاذعة لا بأس بها، خاصة وأنّها سافرت لنيل درجة الدكتوراة من فرنسا دون محرم، فكيف تسوّل لها نفسها أن تحصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة السوربون رغم أنّ رسالة الدكتوراة الخاصة بها حملت عنوان (المرأة في الشريعة الإسلامية)، والتي سعت فيها لإثبات تكريم الشريعة للنساء؛ أي أن درية شفيق ذاتها كانت من مدرسة النسوية الإسلامية لكن بقراءة حداثية من وجهة نظرها، واشتد الهجوم عليها كونها أسست حزب النيل، والذي كان ينادي بحق المرأة في الاقتراع ودخول البرلمان وإلغاء تعدد الزوجات وتقييد الطلاق الشفهي الشائع بين الطبقات الفقيرة، ثمّ وضع الكتاب أوزار حربه ضد الداعين والداعيات لتحرر المرأة جانباً ثم عاد الكتاب ليحذر من اشتراك النساء في الحكم بأي صورة على اعتبار أن ذلك مخالف لروح الشريعة الإسلامية، حيث إنّ المساواة في الإسلام مساواة أدبية ومعنوية وليست حسية مادية في مجال الحقوق والواجبات.

الحجاب السياسي
قضية الحجاب لدى جماعة الإخوان المسلمين قضية سياسية بالمقام الأول، فمن خلالها يؤكد الإخوان على نظرية الصبغة الإسلامية وحجاب النساء بالنسبة للجماعة من المقومات الأساسية للتأكيد على إسلامية المجتمع برضاه كاملاً، الدعوة للحجاب والاحتجاب معاً بدأت منذ الرعيل الأول وحتى نشوء ظاهرة الدعاة الجدد في الألفية الثالثة والذين ارتدوا الملابس العصرية وطالبوا النساء بالزي الإسلامي الشرعي.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
وما بين الرعيل الأول والدعاة الجدد يمكننا رصد عدد من الأدبيات الداعية للحجاب، في كتاب ُيعد من أدبيات الجماعة وكتابين من خارج التنظيم لجأت إليهما الجماعة في سبيل الدعوة للحجاب السياسي لكن بأسلوب التقية الدينية؛ كتاب "هلم نخرج من ظلمات التية"، بقلم محمد قطب، وكتاب "إلى كل فتاة تؤمن بالله" للشيخ محمد سعيد البوطي وكتاب "جلباب المرأة المسلمة" للشيخ ناصر الألباني.
جاء في كتاب "هلم نخرج من ظلمات التية"، أنّ الدعوة تتعجل الصدام مع السلطة وتتعجل طلب الحكم وأن هذا لا يجوز في فترة الاستضعاف، وأنّ التركيز لا بد أن ينصب على تجنيد الناس أنفسهم لقضية لا إله إلا الله، ليتباهى الكاتب بانتشار ظاهرة حجاب النساء ما بين الفنانات التي دلت على انتشار الدعوة ورسخت للمشروع الإسلامي.

"إلى كل فتاة تؤمن بالله" هو عنوان كتاب آخر تشير إليه جماعة الإخوان بالبنان، من تأليف الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي العام 1973، والشيخ البوطي لا يُعد إخوانياً تنظيمياً بل كان أزهري الدراسة وعُين عميداً لكلية الشريعة في دمشق في وقت لاحق، وعُرف عنه تأييد الرئيس السوري بشار الأسد، حتى تعرض للاغتيال العام 2013.

التغير الحداثي النسبي للمجتمعات الإسلامية وضع أفكار البنا وغيره في مرمى النقد والمراجعات

ركز كتاب البوطي على ضرورة الحجاب والاحتجاب مع التشديد على أن الله ابتلى الرجال بالفتنة والمرأة هي المسؤولة عن فتنة الرجال. استندت جماعة الإخون المسلمين في مصر إلى هذا الكتاب في حقبة السبعينيات ليؤازرهم على نشر الدعوة بالحجاب التي اعتبرتها الجماعة مدخلاً لبسط الهيمنة على الثقافة المجتمعية أي أسلمة المجتمع، وهو الكتاب الذي تم توزيعه على طالبات كلية الطب جامعة القاهرة حسب شهادة عصام العريان، القيادي بالجماعة في ندوة مسجلة العام 2012 قال فيها، بأنّه دخل كلية الطب العام 1970 ولم تكن هناك سوى طالبة واحدة محجبة بالدفعة.
إنّ الجماعة حين بدأت تمارس نشاطها الإسلامي والدعوي انتشر الحجاب دون إكراه، وكل ما كانوا يفعلونه هو توزيع منشورات وكتيبات مثل كتيب (إلى كل فتاة تؤمن بالله) ومن بعدها بدأت الجماعة تفكر في توفير "طُرح" تصلح للحجاب، فتعاملوا مع مصانع بعينها ومع المنطقة الحرة في بورسعيد بعد العام 1973، لتوفير احتياجات تكفي الفتيات الراغبات في الحجاب حينها، حيث إنّ أزياء المحجبات لم تكن منتشرة، وتم بيع الحجاب بسعر التكلفة، وهكذا لم يمضِ سوى 5 سنوات وتحجبت ثلث زميلات الكلية وكل شيء بالإقناع، وهكذا بدأت الجماعة مسيرة الحكم مع تحجيب النساء".

اقرأ أيضاً: الأخوات المسلمات.. ما سر ترويج الجماعة للنموذج النسوي الإيراني؟
أما كتاب "جلباب المرأة المسلمة في القرآن والسنة" للشيح ناصر الألباني، عضو للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة العام 1975 فكان من أهم الدراسات التي لجأت إليها الجماعة، وهنا نلاحظ أنّ الجماعة قد تستند إلى كتابات من خارج التنظيم طالما تخدم قضية الحجاب السياسي.
الوسطية المقنّعة
كتاب الألباني "جلباب المرأة المسلمة" كان في أصله يحمل عنوان "حجاب المرأة المسلمة" في طبعته الأولى، وهنا يفسر الألباني سبب تغيير الاسم فيقول إنّ كل جلباب حجاب وليس كل حجاب جلبابا؛ ثم استشهد بالإمام ابن تيمية الذي قال "آية الجلابيب عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن"، ولهذا السبب انشرح قلب الشيخ الألباني بعد استشهاده بكلمات ابن تيمية فأسمى كتابه (جلباب المرأة المسلمة)، وهكذا أصبحت الوسطية التي يروج لها بعض الأخوات هي ارتداء الجلباب بدلاً من تغطية الوجه الذي ُيعد غلواً، وبالعودة لمتابعة الأزياء الرائجة للحجاب في مطلع الألفية الثالثة سنجد انتشار ما يعرف باسم "الزي الباكستاني "في الأسواق المصرية، وهو عبارة عن جلباب قصير ترتديه النساء على البنطال وقد تم تدويره من خلال متاجر في الضواحي الراقية، إذ ركزت دعوة الجماعة للحجاب على طبقات مجتمعية نخبوية ومتوسطة عليا، وتم توفير حجاب متأنق عصري كجزء من اقتصاديات التدين التي تديرها الجماعة.

تعددت أدبيات الإخوان التي سعت إلى تشكيل عقل المرأة المسلمة لا المنضمة للجماعة فحسب

الحجاب والجلباب أكثر من مجرد دعوى للتقوى بل فيه رمزية وواجهة للمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية الدينية التي يسعون لحكمها، وقامت الجماعة بترويج وتسويق تلك المفاهيم تمهيداً للحظة اقتناصهم عرش مصر المحجبة المجلببة.
ومن هنا لن يضطر الإخوان حال وصولهم للحكم لفرض الحجاب كما فعل الخميني في بلاده، ويصبح الحجاب اختيار مصر الإسلامية، فالحجاب كان وسيلة الإخوان لمواجهة السلطة التي لم لا تُقر الحجاب جبراً وتركته للأعراف المجتمعية، وهو ما دفع نواب الإخوان المسلمين في البرلمان المصري العام 2006 باقتراح فرض الحجاب ومنع النقاب، وكان اقتراحاً شفهياً حينها خارج أروقة مجلس النواب، وكان ذلك دليلاً على أنّ الجماعة تعرف حدودها في مناطحة السلطة، وهنا تتجلى لنا فلسفة محمد قطب المهادنة أو التي تسدد الضربات الناعمة من خلال الحشد المجتمعي، كما اعتبرتْ الجماعة الحجاب رمزاً سياسيّاً تماماً وهذا يفسر طلب الجماعة لفرض الحجاب على نساء مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر العام 1953 أثناء المفاوضات مع الضباط الأحرار على كعكة السلطة، لهذا تعتبر جماعة الإخوان ظاهرة خلع الحجاب في بعض الطبقات الاجتماعية بمثابة الحرب الضروس ضد ما تم إنجازه عبر عقود.
الكتائب النسائية وسنوات التأسيس
النسوية تقع تحت مظلة حقوق الإنسان بشكل عام وليس التصنيف الجندري فحسب، فحقوق المرأة ليست حقوقاً فئوية كما تروج بعض الجماعات الإسلامية، وقد تفتق ذهن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين أن الحراك الحقوقي النسوي في مطلع القرن العشرين لا بد أن يُواجه ليس فقط بإنكار الخطاب والهجوم عليه ولكن بتقديم نسوية مضادة، حتى وإن لم يستخدم البنا مصطلح النسوية في زمانه، فلا نسوية في الإسلام حسب الإخوان وإنما هناك حقوق شرعية غير مسموح بتجاوزها، فحقوق المرأة في فكر البنا والأخوات المسلمات يستند إلى فلسفة المرأة الجوهرة التي تقر في منزلها مكرمة في مملكتها تمارس وظيفتها الطبيعية كزوجة وأم.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
لهذا وبعد خمسة أعوام من تأسيس الجماعة؛ أي في العام 1933، شكّل حسن البنا ما أسماه فرقة الأخوات المسلمات، وإمعاناً للسيطرة على نهج الفرقة وضع لها لائحة، أهم ما جاء في اللائحة هو تعهد المسلمة بالتمسك بآداب الإسلام ونشر الفضيلة وتظل رئاسة الفرقة لمنصب مرشد الإخوان، وحرص أن يكون البنا رئيساً للفرقة ومحمود الجوهري سكرتيراً لها، وهذا بدافع ممارسة القوامة من ذكور الجماعة على نسائه.

لبيبة أحمد

وكانت أول رئيسة للقسم هي لبيبة أحمد والتي بدأت مهمتها بكتابة رسالة للأخوات ورد فيها ضرورة نشر تعاليم الإسلام، وبث آدابه ومبادئه في نفس الفتاة المسلمة والأسرة المسلمة، وهنا يتضح أنّ مهمة الجناح النسوي لم يكن حقوقياً بل كان عقائدياً.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
"نشر الفضيلة الإسلامية" هو نقطة الارتكاز في خطاب الأخوات للترهيب من الحراك النسوي على اعتبار أنّ النسوية مخطط تغريبي يهدف لهدم الإسلام من خلال المرأة، فأصبح الإسلام معلقاً في رقاب النساء المسلمات، اللاتي يهدمن الإسلام كلما ارتفعت سقف مطالبهن؛ أي إنّ الأخوات روّجن لخطاب الذنب لكبح جماح الحراك النسوي، هذا التنظيم انبثق من الجماعة كما انبثق الاتحاد النسائي من داخل حزب الوفد 1923 عملاً بمبدأ العين بالعين، لكن التنظيم النسوي الإخواني كان أشبه بكتيبة نسائية من داخل الجماعة، وإن تمعنا النظر في أسماء أعلام الأخوات المسلمات سنجدهن عدداً لا بأس به من زوجات القيادات أو كريماتهم.
على سبيل المثال: أمينة قطب، شقيقة سيد قطب، زوجة القيادي بالجماعة كمال السنانيري، حميدة قطب شقيقة سيد قطب الصغرى، نعيمة خطاب الشهيرة بنعيمة الهضيبي زوجة حسن الهضيبي المرشد العام الثاني للجماعة، والذي تولى مهمته العام 1951.

الجماعة قد تستند إلى كتابات من خارج التنظيم طالما تخدم قضية الحجاب السياسي

انصبت الأدوار الأساسية للأخوات على الدعوة والنشاطات الاجتماعية الصحية، أو بالأحرى تأسيس منظومة موازية في المناطق الجغرافية التي غاب عنها الاهتمام بالحكومي، لكن تلك الأدوار اتخذت بُعداً استراتيجياً حركياً في وقت المواجهات الصريحة مع السلطة، ونذكر مثلاً دور حميدة قطب والتي لعبت دور همزة الوصل بين واحدة من أهم أعلام الجماعة زينب الغزالي وسيد قطب في محبسه في ستينيات القرن الماضي، وقد كتبت حميدة مذكراتها من خلال مجموعة قصصية العام 1968 أهدتها إلى شقيقها سيد قطب وأسمتها "رحلة في أحراش الليل".
كان اسم زينب الغزالي كذلك من أكثر الأسماء التي يتم ترديدها على اعتبار أنّها القدوة الحسنة للمسلمات الحريصات على التمسك بدينها، خاصة وأنّها خدمت الدعوة بعدما أعلنت توبتها وانشقاقها عن الاتحاد النسائي التي أسسته هدى شعراوي، كانت هذه رواية الأخوات المسلمات اللاتي اخترقن مجتمع الطبقات الوسطى والميسورة، زينب الغزالي هي من أهم رموز جماعة الإخوان المسلمين وليس لجناحها النسائي فقط، وكتابها أيام من حياتي كتب بلغة المظلومية والتقية الإخوانية، ولم يرد في مذكراتها ما يذكر عن حقوق المرأة سوى الالتزام بالدعوة وهكذا أسست الغزالي لنسوية أصولية إسلامية. ومن بين شذرات كتابها تقول: "فنحن ملزمون بإقامة كل الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة في داخل دائرتنا الإسلامية والطاعة واجبة علينا لإمامنا المبايع على أن إقامة الحدود مؤجلة"، وفي موضع آخر تقول: "نحن نعتقد أنّ الحكم القائم حكم جاهلي يجب أن يزول لا بالحديد والنار وإنما بوجود قاعدة إسلامية عريضة لا بد أن نخرجكم أولاً من الجاهلية"، وهنا تتفق رؤية الغزالي مع رؤية محمد قطب الذي تراءى له أن هزيمة السلطة هي بناء مجتمع يطالب بتطبيق الشريعة.

هنا كانت قيمة زينب الغزالي للإخوان حيث كانت تتقمص دور الصحابيات الداعيات للجهاد في رسائلها، والتي كانت بعيدة عن تمكين نسوي حقيقي، فقضية المرأة داخل الجماعة دعوية لا حقوقية.

للمشاركة:

كورونا ينعش صناعة الأحذية في الخليل

2020-02-23

مصائب قوم عند قوم فوائد، عبارة تكاد تكفي للدلالة على انتعاش وإحياء صناعة الأحذية من جديد في محافظة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، وتعافي هذه الصناعة اقتصادياً، بعد انتشار فيروس كورونا في جمهورية الصين الشعبية، والذي أدى إلى وقف استيراد البضائع الصينية ومن بينها الأحذية، ليفتح ذلك المجال أمام قطاع صناعة الأحذية الخليلية للنهوض مجدداً، بعد حالة الكساد الكبيرة التي شهدتها الصناعة، وأثرت على نموها واستمراريتها لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: أغاني المهرجانات: هل هي "أخطر" من فيروس كورونا في مصر أم "فن" قائم بذاته؟

وتعتبر صناعة الأحذية في الخليل من أهم المحاور الاقتصادية الرئيسية الفلسطينية مقارنة ببقية الصناعات الأخرى والتي اشتهرت بها المحافظة تاريخياً، حتى أصبح الحذاء الخليلي عنواناً للجودة العالية، واستطاعت عدد من المصانع والمشاغل الصغيرة المحافظة على هذه الصناعة، بالرغم من إغراق الأسواق المحلية بالأحذية المستوردة زهيدة الثمن.

صناعة الأحذية في الخليل تساهم بـ 1% من الناتج القومي الفلسطيني

وتشير معطيات دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني، في تقريرها السنوي لعام 2016، إلى أنّ 11 ألف و60 منشأة كانت تعمل في الضفة الغربية على صناعة الأحذية، يعمل بها نحو 37 ألف و500 عامل، تقلصت اليوم لتصل إلى 120 منشأة مسجلة رسميّاً و160 غير مسجلة، ولا تزيد طاقتها الإنتاجية عن 20%، مقابل استيراد نحو 20 مليون زوج حذاء من الصين طرحت في الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية في عام 2016 فقط، في ظل غياب الحماية والدعم للمنتوجات والصناعات الوطنية.

على الجهات المختصة دعم المنتج الوطني، وفتح الأسواق الخارجية أمام قطاع صناعة الأحذية، والحد من استيراد المستوردة

وتشير أرقام الجهاز أيضاً إلى أنّ صناعة الأحذية في الخليل تساهم بـ 1% من الناتج القومي الفلسطيني، وتفرض سلطات الاحتلال قيوداً خاصة على الجلود المستوردة من غزة، اللازمة لصناعة الأحذية الخليلية.

ووفقاً لبيانات اتحاد الصناعات الجدلية الفلسطيني، تراجعت مبيعات الأحذية المصنوعة محلياً منذ العام 2000، وتقلصت حجم الاستثمارات في قطاع الأحذية والجلود من 220 مليون دولار في عام 2000 حتى وصلت إلى 60 مليون دولار بحلول عام 2016، وتسبّب ذلك في انخفاض الإنتاج من 10 ملايين زوج من الأحذية عام 2000، إلى أقل 3 ملايين زوج في 2016.

اقرأ أيضاً: ما الاسم الجديد لفيروس كورونا؟‎

وشاركت تسع شركات من الخليل خلال العام 2015، في معرض الحذاء الدّولي في مدينة "ديزلدوف" الألمانية، وقد سبق أن دخلت الأحذية الخليلية بعض الأسواق الأوروبية قبل عدة أعوام، وأثبتت جودتها بداخل هذه الدول.

وأصدرت وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية أول علامة تجارية جماعية باسم غرفة تجارة وصناعة الخليل، تحت اسم "صنع في الخليل"، وهي إحدى نتائج مشروع لتطوير صناعة الأحذية والجلود بدأ تنفيذه عام 2013، بالتعاون مع اتحاد الغرف التجارية الفلسطينية، وبتمويل من الوكالة الفرنسية، ضمن مشروع شمل خمسة قطاعات صناعية.

غالبية مصانع وورش صناعة الأحذية في محافظة الخليل أغلقت أبوابها

منافسة الأحذية الصينية والمستوردة

بدوره، يقول خليل أبو رموز أحد أصحاب مصانع الأحذية بالخليل إنّ "غالبية مصانع وورش صناعة الأحذية في محافظة الخليل أغلقت أبوابها، وقامت بتسريح العاملين فيها، والتي تجاوزت 85% من عدد المصانع الموجودة بالمحافظة، على الرغم من الجودة الكبيرة التي تتمتع بها الصناعة، والتي شهدت في وقت سابق اهتماماً كبيراً محلياً وعربياً ودولياً، قبل غزو المنتجات الصينية لها، وذلك لجودتها العالية وتصاميمها العصرية الحديثة".

اقرأ أيضاً: كيف استمرت الحياة في الصين رغم ألم "كورونا"؟

ويضيف أبو رموز ( 53 عاماً) في حديثه لـ "حفريات"  أنّ مصنعه الذي ورثه عن والده وأجداده، "كان يعمل به أكثر من 400 عامل، ومع ضعف الإنتاج ومنافسة الأحذية الصينية والمستوردة، تم تسريح 150 عاملاً، لانخفاض الطلب على الأحذية الخليلية محلياً وعالمياً"، مبيناً أنّ مصنعه "كان يقوم قبل عدة أعوام بتصدير الأحذية إلى عدة دول من بينها الولايات المتحدة وايطإلىا والعراق ومصر والأردن وعدد من دول الخليج العربي، ومع التضييقات الإسرائيلية المستمرة ومنع إدخال المواد الخام وتصدير الأحذية إلى الخارج، ومنافسة الأحذية الصينية، أدى ذلك لتقليص عدد هذه المصانع واقتصارها على البيع محلياً في داخل أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة".

إعادة الحياة لصناعة الأحذية

ولفت إلى أنّ "التجار وأصحاب المحلات يفضلون بيع الأحذية الصينية التي تتميز برخص ثمنها وسرعة تلفها مقارنة بالأحذية المصنوعة بالخليل والتي تتميز بالجودة والمتانة العالية، وذلك لتحقيق أرباح مرتفعة، موضحاً أنّ سعر الحذاء الجلدي المصنوع بالخليل يبلغ متوسط ثمنه 150 شيقل ( 40 دولاراً أمريكياً)، في حين تباع النسخة المقلدة المصنوعة في الصين بمبلغ 30 شيقل ( 9 دولارات أمريكية).

وأشار أبو رموز إلى أنّ "المصنع الذي يملكه كان ينتج قبل أكثر من 12 عاماً أكثر من 500 زوج من الأحذية المتنوعة أسبوعياً، ومع وقف التصدير للخارج اقتصر الإنتاج على صناعة 100 زوج من الأحذية، مؤكداً أنه بعد القرار الفلسطيني بوقف استيراد الأحذية الصينية، أعاد ذلك الحياة لمصانع الأحذية الفلسطينية، وأدى إلى قيام عدد من الورش والمصانع لفتح أبوابها مجدداً لتغطية متطلبات السوق المحلية".

وطالب أبو رموز وزارة الاقتصاد الفلسطينية بالحد من استيراد الأحذية الصينية، وتعزيز ثقة المستهلك بجودة الأحذية الخليلية، وزيادة صادراتها وفتح الأسواق الخارجية والإقليمية أمامها، للنهوض بهذه الحرفة العريقة وحمايتها من الانهيار.

الأراضي الفلسطينية تستورد 18 مليون حذاء سنوياً من عدة دول ومن بينها الصين

صناعة يتهددها الانهيار

بدوره، يقول الحاج خليل القواسمي ( 61 عاماً) صاحب أحد ورش صناعة الأحذية في محافظة الخليل لـ "حفريات" إنّ "صناعة الأحذية شهدت خلال العام 2000 رواجاً وعاماً ذهبياً لها، وكانت الصناعة رافدة للاقتصاد الفلسطيني، ومن أكثر الحرف تشغيلاً للعمالة الفلسطينية لزيادة الحاجة على الأحذية الخليلية محلياً ودولياً، مبيناً أنّه مع اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2001 تراجع إنتاج الأحذية الخليلية بفعل القيود الإسرائيلية، وإغراق الأسواق المحلية بالأحذية الصينية".

ولفت القواسمي، الذي يعمل في هذه الصناعة منذ أن كان طفلاً لا يتجاوز 14 عاماً، إلى أنّ "صناعة الأحذية الخليلية كانت تتم بشكل يدوي في وقت سابق، إلى أن تم إدخال المعدات التكنولوجية المتطورة لهذه الصناعة"، مؤكداً أنّ هذه الصناعة التي تضاهي الأحذية الصينية من حيث الجودة والمتانة "بات يتهددها الانهيار، بعد تراجع مبيعاتها بنسبة تجاوزت 70% بعد غزو المنتوجات المستوردة، والذي تسببت بإغلاق أكثر من ثلثي المصانع والورش في المحافظة".

وتابع أنّ "ورشته كانت تحتوى على 65 عاملاً وتنتج ما يقارب 300 زوج من الأحذية المصنوعة من الجلد الطبيعي شهرياً والتي تحمل اسم الشركة وصناعة الخليل ويتم تصديرها إلى إسرائيل وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا، أما الآن فقد تم تقليص عدد العمال إلى النصف بعد انخفاض المبيعات، وارتفاع أسعار المواد الخام، وانعدام التصدير للخارج".

اقرأ أيضاً: "كورونا" وأسلمة الفيروسات: هكذا انتشرت جنود الله انتقاماً للإيغور

وتابع أنّ "صناعة الأحذية تتطلب الدعم والمساندة من قبل الجهات المختصة للمحافظة عليها وتعزيز ثقة المستهلكين بها، وسنّ عدد من القوانين لحمايتها"، مبيناً أنّ وقف استيراد الأحذية الصينية من شأنه "إعادة الحياة مجدداً لصناعة الأحذية الخليلية والتي كانت تنتج في مطلع العام 2000 أكثر من 11 مليون حذاء سنوياً، وحققت عوائد مالية تجاوزت 200 مليون دولار سنوياً".

القدرة على المنافسة عالمياً

من جهته، يؤكد رئيس اتحاد الصناعات الجلدية في محافظة الخليل، حسام الزغل لـ "حفريات" أنّ "صناعة الأحذية الخليلية من القطاعات الفلسطينية الواعدة والتي لها مقدرة كبيرة على المنافسة في داخل الأسواق العالمية، مبيناً أنّ وقف استيراد الأحذية الصينية المستوردة من شأنه أن يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد الفلسطيني، وزيادة الأيدي العاملة، ورفع حجم الاستثمار بهذه الصناعة والذي يقدر بأكثر من 100 مليون دولار أمريكي".

وبيّن أنّ "إغراق السوق الفلسطيني بأكثر من 85% من الأحذية المستوردة أثر بشكل كبير على الصناعة المحلية، في حين أنّ نسبة الإنتاج المحلي من الأحذية لا يتعدى 15% فقط، نتيجة لانخفاض حجم المبيعات، وإغلاق بعض المصانع والورش أبوابها والتي كانت تقدر سابقاً بأكثر من 1000 منشأة يعمل فيها 35 ألف عامل، أما الآن فقد تقلصت أعدادها إلى 240 منشأة يعمل بها 4 آلاف و500 عامل فقط".

النهوض بصناعة الأحذية

ولفت الزغل إلى أنّ "الأراضي الفلسطينية تستورد 18 مليون حذاء سنوياً من عدة دول ومن بينها الصين، فيما يقتصر الإنتاج المحلي على 4 مليون و500 ألف حذاء سنوياً، وبالتإلي وقف الاستيراد من الصين وبعض الدول الأوروبية من شأنه النهوض بصناعة الأحذية والجلود في الخليل".

صناعة الأحذية الخليلية كانت تتم بشكل يدوي في وقت سابق إلى أن تم إدخال المعدات التكنولوجية المتطورة

وتابع أنّ "اتحاد الصناعات الجلدية بصدد إقامة مركز للتدريب على خياطة الأحذية في قطاع غزة، وعلى المراحل المختلفة لصناعة الأحذية ضمن خطتها للعام 2020م، وذلك لقلة الأيدي العاملة الموجودة في الخليل، ولاستغلال الأيدي العاملة في قطاع غزة لدعم قطاع صناعة الأحذية الفلسطيني".
وعن المطلوب فلسطينياً للنهوض بقطاع صناعة الأحذية في الخليل يقول الزغل إنّ "على الجهات المختصة دعم المنتج الوطني، وفتح الأسواق الخارجية أمام قطاع صناعة الأحذية، والحد من استيراد الأحذية المستوردة من الخارج، وتقليل نسب الضرائب المفروضة على المواد الخام".

للمشاركة:

10 معلومات عن القديس مار مارون مؤسس الطائفة المارونية

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2020-02-23

احتفل المسيحيون الموارنة والكنائس المارونية، في عدد من دول العالم، بعيد القديس الناسك مارون، قبل أيام؛ حيث قامت الإيبارشيات بتنظيم قداس إلهي لشفيعها الذي صودف ذكراه في التاسع من شباط (فبراير) الجاري، بينما يكون هذا اليوم عطلة رسمية في لبنان، لعدّة اعتبارات تاريخية تمتدّ لقرون طويلة، منذ ترك الموارنة سهول سوريا وانتقلوا إلى جبال لبنان، إثر الاضطهاد البيزنطي، منتصف القرن الخامس الميلادي، فتشكّلت من خلالهم الكتلة المسيحية الأكبر بلبنان، وأضحى الموارنة الطائفة المسيحية الأكبر، ومن ثم مركز الكرسي البطريركي.

في القرن السابع عشر؛ غادر الموارنة من وادي العاصي في سوريا إلى جبل لبنان نتيجة للاضطهاد البيزنطي

وفي القاهرة، تحديداً في حيّ مصر الجديدة، شمال شرق العاصمة، احتفلت إيبارشية القاهرة المارونية بقداس "مار مارون"؛ إذ ترأّس الاحتفالية المطران جورج شيحان، مطران الطائفة والرئيس الأعلى للمؤسسات المارونية في مصر، كما في شارك الاحتفال والقداس الإلهي، المنسينيور نيقولا هنري، سفير الفاتيكان في القاهرة، وعلى الحلبي، سفير لبنان في القاهرة، وجامباولو كانتيني، سفير إيطاليا بالقاهرة، والأنبا باخوم، النائب البطريركي للأقباط الكاثوليك، والأب رفيق جريش، فضلاً عن نخبة أخرى من ممثلي الدولة وهيئاتها الرسمية التشريعية والتنفيذية، وممثلين من مطارنة الطائفتين؛ الكاثوليكية والأرثوذكسية.

وإليكم عشر معلومات عن القديس مارون:
أولاً: تتبع الكنيسة المارونية الكنيسة الكاثوليكية، وتقرّ بسيادة بابا الفاتيكان، كما تنسب الكنيسة المارونية إلى دير "مار مارون"، الذي حمل اسم القديس بعد وفاته تخليداً له؛ إذ عاش، بحسب المصادر التاريخية القبطية المعتمدة، في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، في مدينة كورش، شمال حلب بسوريا، بينما يعرف المكان باسم النبي "هوري" شمال شرق عفرين السورية.

اقرأ أيضاً: علم الأديان وإعادة بناء التعليم الديني

ثانياً: يقع مقرّ الكنسية المارونية التي دشّنها البطريرك يوحنا مارون، عام 687 للميلاد، في بكركي بلبنان؛ حيث لجأ إليها يوحنا مارون مع مجموعة من رفاقه وتلامذته، واستقروا في جبل لبنان لتتشكل من خلالهم النواة الأولى والمستقبلية للكنيسة المارونية.
ثالثاً: يتجاوز عدد الموارنة نحو ثلاثة ملايين شخص في العالم؛ حيث ينتشرون في عدد من الدول، في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط وغرب أفريقيا، بينما تعدّ الجماعة المسيحية الأكبر في الشرق الأوسط من حيث العدد بعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويعيش حوالي ثلث الموارنة في لبنان، ويتوزع الباقي بين سوريا والأردن ومصر.

اقرأ أيضاً: علماء أديان وممثلو طوائف ومفكرون: الإمارات داعية السلام عالمياً
رابعاً:
تشير المصادر التاريخية القبطية إلى أنّ مار مارون تعود أصوله إلى السريانية؛ حيث كان راهباً عاش في شمال سوريا، في منتصف القرن الرابع للميلاد، بالقرب من جبال طوروس، في عهد الإمبراطورية الرومانية، التي أمست تعرف باسم كورش النبي هوري، والأخيرة تقع بين مدينتي عفرين وحلب، كما أنّ الموارنة، حسبما يفيد المؤرخ اللبناني، كامل الصليبي، نزحوا من سوريا إلى لبنان بسبب الاضطهاد البيزنطي، لا الإسلامي، ويوضح أنّ الموارنة، كجماعة من أصول عربية، كانوا بين آخر القبائل العربية المسيحية التي وصلت إلى سوريا قبل الإسلام؛ حيث كانت العربية لغتهم، منذ القرن التاسع الميلادي، مما يشير إلى أنّهم نشؤوا كمجموعة قبلية عربية.
خامساً: يعدّ بقاء السريانية كلغة لطقوس الطائفة المارونية الدينية، شيئاً بلا دلالة، كما يوضح المؤرخ اللبناني، كامل الصليبي، في كتابه "بيت بمنازل كثيرة"؛ حيث كانت السريانية، وهي الشكل الأدبي المسيحي للآرامية في الأصل، لغة الطقوس الدينية لجميع الطوائف المسيحية العربية والآرامية.

سادساً: في القرن السابع عشر، غادر الموارنة من وادي العاصي في سوريا إلى جبل لبنان نتيجة للاضطهاد البيزنطي، حسبما ورد في كتاب "تاريخ لبنان الحديث"؛ إذ إنّه بين عامَي 969 و1071، كان البيزنطيون هم من يسيطرون فعلياً على وادي العاصي، بالتالي، تعرّض الموارنة إلى ما يكفي من الاضطهاد، بغية إجبارهم على ترك المكان والانضمام إلى رفاقهم في الدين في الجبل، بيد أنّ الطائفة تمكّنت من النجاة في حلب المسلمة وهي ما تزال هناك حتى يومنا هذا.
سابعاً: شرع مار مارون، المولود عام 350 ميلادياً، شمال شرق سوريا، في حياة التنسك والزهد والعبادة عام 398 ميلادياً، عندما قرّر اعتزال الحياة العامة، واحتمى في قلعة كالوتا وجبل سمعان، شمال غرب مدينة حلب، حيث بقي أياماً منقطعاً للعبادة والصلاة والصوم فقط.

شرع مار مارون، المولود عام 350 ميلادياً، في التنسك والزهد والعبادة عام 398 ميلادياً، عندما قرّر اعتزال الحياة العامة

ثامناً: ورد في العديد من المراجع التاريخية القبطية، ومن بينها كتاب "تاريخ أصفياء الله"، للمؤرخ القبطي ثيودوريطس؛ أنّ مار مارون، والذي يعني اسمه "السيد"، وينتسب إلى الآرامية من ناحية العرق والقومية، بينما هو سرياني اللغة، قد مارس "التقشف والزهد وضروب من الإماتات، تحت جو السماء، متعبداً في الصلوات والصيام والتأمل في كمال الله، ومتى اشتدت العواصف عليه، كان يلجأ إلى خيمة نصبها من جلد الماعز، وابتنى لنفسه صومعة يلجأ إليها في ظروف نادرة".
تاسعاً: دشّن الإمبراطور البيزنطي، مرقيانوس، ديراً باسم مار مارون في معرة النعمان بسوريا؛ حيث انتسب إليه كثيرون من الرهبان وشعب الكنيسة، كما التحق بالدير عدد كبير من الراهبات، اللواتي سيصبح لهن دور وتأثير في تاريخ الكنيسة المارونية، ومن بينهن القديسة مارانا وكيرا ودومنينا.
عاشراً: كان للقديس مارون ذخائر ومقتنيات مهمة في إيطاليا، لم تعد إلى لبنان إلا عام 1999؛ إثر طلب رسمي من البطريركية المارونية اللبنانية، حيث وضعت في دير ريش موارن ودير هامة مارون.

للمشاركة:



إمام مسجد لندن المركزي يبدي تسامحاً مع الشخص الذي طعنه.. هذا ما قاله

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أبدى إمام المسجد المركزي في لندن، رأفت مجلاد (70 عاماً)، في رد الفعل الأول حول محاولة طعنه، تسامحاً تجاه المتشرد دانييل هورتون، الذي طعنه خلال أداء صلاة العصر، الخميس الماضي، قائلاً: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه".

ووجهت محكمة بريطانية، أمس، اتهاماً إلى هورتون، الذي يبلغ 29 عاماً، بالتسبب بضرر جسدي بالغ، وحيازة سكين بشكل غير شرعي، وطعن إمام ومؤذن مسجد لندن، وفق "فرانس برس".

واستبعدت شرطة لندن، على الفور، أن تكون هناك دوافع إرهابية وراء حادثة الطعن، رغم عدم إعلانها دوافع شخصية أو اجتماعية أخرى.

رأفت مجلاد متحدثاً عن الشخص الذي طعنه: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه"

وتلقى مجلاد العلاج في مستشفى في لندن، وعاد الجمعة إلى المسجد للصلاة، ويده مضمدة، قائلاً: "بالنسبة لي كمسلم لا أحمل في قلبي أيّة كراهية".

وقالت المدعي العام، تانيا دوغرا، للمحكمة: "الرجلان يعرفان بعضهما، لأنّ هورتون اعتاد أن يرتاد المسجد المركزي في ريجينت بارك، شمال غرب لندن، خلال الأعوام الماضية".

وأبقي هورتون رهن التوقيف، قبل عقد جلسة استماع ثانية، مقررة في 20 آذار (مارس) المقبل.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية، لندن، قد أعلنت، الخميس الماضي؛ أنّها اعتقلت رجلاً بعد واقعة طعن في مسجد قرب متنزه ريجنتس أسفرت عن إصابة شخص.

وقالت الشرطة البريطانية في بيان: "عثر على رجل مصاب بجروح جراء حادث طعن، وتم اعتقال المتهم في مسرح الواقعة".

وأظهرت صور نشرت على موقع تويتر أفراد الشرطة وهم يقيدون رجلاً في ساحة الصلاة بالمسجد قرب متنزه ريجنتس قبل اقتياده.

للمشاركة:

زلزال على الحدود الإيرانية التركية يخلّف قتلى

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ إنّ ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال بلغت قوته 5.7 درجة ضرب غرب إيران، في وقت مبكر من اليوم، وتأثرت به مناطق تركيا.

وتركّز الزلزال في مدينة خوي الإيرانية وتضررت قرى في محافظة فان التركية.

وقال صويلو، في مؤتمر صحفي في أنقرة؛ إنّ "ثلاثة أطفال وخمسة بالغين قتلوا في منطقة باسكولي في تركيا"، وأضاف: "خمسة مصابين نقلوا إلى المستشفى بينما بقي آخرون محاصرين تحت أنقاض مبانٍ منهارة"، وفق وكالة "الأناضول".

صويلو: ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال ضرب مدينة خوي الإيرانية وتضررت محافظة فان التركية

ووفق مركز رصد الزلازل الأوروبي المتوسطي؛ فقد كان عمق الزلزال 5 كيلومترات.

يذكر أنّ المنطقة لديها تاريخ مع الزلازل القوية؛ ففي الشهر الماضي ضرب زلازل بقوة 6.8 درجة ريختر مركزه بلدة سيفرجه بولاية ألازيغ، ما أدّى إلى انهيار بعض المباني وهروع السكان إلى الشوارع، وأسفر عن مقتل 40 شخصاً.

ويعدّ الزلازل الذي ضرب محافظة إزميت القريبة من إسطنبول، عام 1999، والذي بلغت قوته 7.6 درجة ريختر، أكثر الزلازل تدميراً؛ إذ أسفر عن مقتل 17 ألف شخص.

وفي إيران، قال مسؤول للتلفزيون الرسمي: "أُرسلت فرق الإنقاذ إلى المنطقة التي وقع فيها الزلزال، ولم تردنا، إلى الآن، أيّة أنباء عن أضرار أو خسائر في الأرواح في المنطقة، غير المأهولة بالسكان، والتي تقع في إقليم أذربيجان الغرب".

 

للمشاركة:

الصدر في مواجهة البرلمان العراقي..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

هدّد رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بتنظيم احتجاجات مليونية أمام مجلس النواب في حال رفض التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلّف، محمد علاوي، الأسبوع المقبل.

ودعم رجل الدين، الذي يحظى بشعبية كبيرة، تعيين علاوي رئيساً للوزراء، رغم رفضه من قبل حركة الاحتجاجات التي كان الصدر قد دفع مناصريه لقمعها ومواجهتها.

وظهر الصدر، الذي عاد إلى العراق، أمس، علناً، خلال زيارته ضريح الإمام علي في النجف حيث يقيم.

مقتدى الصدر يهدّد بتنظيم احتجاجات مليونية في حال رفض التصويت على حكومة علاوي

وكان الزعيم الشيعي قد أمضى الأشهر القليلة الماضية في إيران، لكنّه عاد في رحلة قصيرة إلى النجف، تفقّد خلالها المتظاهرين الذين يطالبون بإصلاحات.

وتمّ تعيين علاوي كمرشح متفق عليه بين الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، ودعا بدوره البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنح الثقة لحكومته، الإثنين.

ودعم رئيس الوزراء المستقيل طلب علاوي داعياً مجلس النواب إلى جلسة استثنائية؛ لأنّه في إجازة حالياً.

وقال نائب رئيس البرلمان، حسن كريم الكعبي، المقرب من الصدر، لوسائل إعلام محلية: "خطاب عبد المهدي كان ملزماً".

في المقابل؛ أعلن رئيس البرلمان، محمد حلبوسي؛ أنّ المجلس لم يحدّد موعد الجلسة الاستثنائية، مضيفاً في تصريح متلفز: "يجب أن يكون موقف القوى السياسية واضحاً تجاه الحكومة كما يجب تسليم المنهاج الوزاري قبل يومين من انعقاد الجلسة الاستثنائية".

 وأوضح الحلبوسي؛ أنّه "بعد وصول المنهاج الوزاري يتم تشكيل لجنة نيابية برئاسة أحد نواب رئيس البرلمان لتقييم البرنامج الوزاري".

 

 

للمشاركة:



ثوران البرلمان الإيراني الجديد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

فريد أحمد حسن
لا يهم دول المنطقة من فاز في انتخابات مجلس الشورى الإيراني التي جرت الجمعة الماضية ومن خسر فيها، ولا يهمها تفاصيل ما جرى قبل وأثناء وبعد ذلك اليوم، ولا كيف فاز الفائزون، وكيف تم تخسير الخاسرين، تماماً مثلما أنه لم يهمها قبل ذلك من تأهل لخوض تلك الانتخابات، ومن قرر النظام الإيراني شطب اسمه وحرمانه من الترشح. كل هذا لا يهم هذه الدول. ما يهمها فقط هو أن ينشغلَ الفائزون والنظام الإيراني وأربابه جميعاً بأنفسهم ويخرجوها من رؤوسهم، فبلادهم لا يمكن أن تتقدم ولا يمكن للشعب الإيراني أن يعيش كما ينبغي له أن يعيش إن تركوا مسؤولياتهم وتفرغوا للتدخل في شؤون الآخرين واستمروا في توزيع التصريحات السالبة المليئة بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة بكرة وعشياً.

يكفي دول المنطقة أن ينشغل النظام الإيراني بالداخل الإيراني لتشعر بشيء من الأمان والاستقرار، فما يهدد المنطقة ويحرمها من الاستقرار هو أن النظام الإيراني ترك منذ استيلائه على الحكم في إيران الداخل الإيراني وتفرغ للخارج، معتقداً أنه بهذه الطريقة يضمن لنفسه الاستمرار في الحكم.

إيران تعاني اليوم من مشكلات كثيرة، وحري بمسؤوليها أن يعملوا على حلها، وأول خطوات حلها هو توقفهم عن التدخل في شؤون جيرانهم الذين من الطبيعي ألا يقبلوا بالتدخل في شؤونهم الداخلية فلا يتوفر لهم بعد ذلك سوى اعتماد مبدأ الرد على كل ما يستدعي الرد عليه، وهذا يعوق نمو إيران ويتسبب في أذى كثير للمنطقة التي لا يمكن أن تتطور إن لم يتحقق الاستقرار فيها.

أمر آخر يفترض ألا يفوت المسؤولين في النظام الإيراني وأن يضعوه في اعتبارهم هو أن المنطقة لا تتألف من الدول التي تشكل جغرافيتها فقط، فهناك دول تسكن بعيداً لكن لها مصالح هنا لا يمكن التفريط فيها وهي على استعداد دائم للدفاع عنها في كل الأحوال، والأكيد أنها لا تتردد عن القيام بأي عمل كي تضمن مصالحها بما في ذلك الدخول في حرب، ولا يهمها لو اشتعلت المنطقة وتخلفت.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني لا تريد من الذين وصلوا إلى مقاعد مجلس الشورى في إيران ومن سائر مسؤولي النظام الإيراني وأربابه سوى أمر واحد وهو أن يتركوا أحلامهم التي لا يمكن منطقاً وواقعاً أن تتحقق وأن يتفرغوا لبناء الداخل الذي أوله إخراج الشعب الإيراني من حالة الفقر والفاقة التي صار فيها منذ الساعة التي اختطف فيها الملالي ثورته وأن يتركوا عنهم تصرفات المراهقين التي تأكد أنها لم تسفر بعد أربعين سنة من تحرير شبر واحد من أرض فلسطين.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني كلها تعرف أن شيئا في إيران لن يتغير لا من خلال مجلس الشورى الجديد ولا من خلال أي مجلس آخر، فأرباب النظام الإيراني مسيطرون على كل شيء في هذا البلد ولا يمكن أن يسمحوا لا لأعضاء هذا المجلس ولا لغيرهم أن يحدثوا أي تغيير في سياسة إيران ومواقفها، لكن هذا لا يعني فقدان الأمل، فهناك من الإيرانيين من يعمل في الداخل وفي الخارج على إحداث تغيير يرغم أرباب النظام على تبديل سياستهم قبل أن يفوت الفوت فلا يسمع صوتهم أحد.

ربما كان من بين الذين فازوا بمقاعد البرلمان في إيران من يدرك كل هذه الأمور ويمتلك القدرة على إحداث تغيير ما في سياسة ومواقف النظام الإيراني وأربابه تنقذه من السقوط وترمم علاقته بجيرانه، فلا سبيل لتحقيق أية مكاسب للشعب الإيراني إن استمر النظام الإيراني في استراتيجيته وفي برامجه وأنشطته العدائية، واستمر في التدخل في شؤون جيرانه وتهديدهم بمناسبة ومن غير مناسبة.

عن " الوطن البحرينية"

للمشاركة:

القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

رضوان السيد

مرَّ مشروع «صفقة القرن» الذي طرحه الرئيس ترامب، من دون رفض قاطعٍ من الجهات الدولية والدول الكبرى، وباعتراضات من جانب الجهات العربية والإسلامية، إنّ أهمَّ أسباب الرفض من جانب السلطة الفلسطينية، أنّ المشروع مخالف للقرارات الدولية، والواقع أنّ المشروع ما بقي فيه من القرارات الدولية غير أمرين: القول بالدولة المستقلة للفلسطينيين، وعدم تعريض السكان الفلسطينيين للانتقال أو التهجير، وفيما عدا ذلك، مثل الحدود والقدس والأمن واللاجئين والمستوطنات، هناك تجاهُل للقرارات الدولية، فقد تقزمت القضية لتصبح تذاكياً في تقسيم الأرض والعقارات، وما عاد الأمر أمر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ونعود هنا إلى ردود الأفعال العربية والإسلامية، جماعاتٍ ودولاً وأفراداً، كانت هناك وجهة النظر التي تقول بقبول التفاوض، لأن انقطاع التفاوض لعشر سنوات رفضاً للمستوطنات، ما أفاد الفلسطينيين شيئاً، ويمكن لهم خلال التفاوض قبول هذا التفصيل أو ذاك أو رفضه، بل والشكوى للجنة الرباعية الدولية مثَلاً، إن لم يكن مسموحاً بالشكوى لغيرها، أما وجهة النظر الأخرى فترفض التفاوض كما رفضت المشروع، وترى أنّ قبوله قبول للمشروع وخضوعٌ لشروطه، وعادت السلطة الفلسطينية للدعوة لمؤتمر دولي، لكن لم تكن لذلك استجاباتٌ ملموسة، ولا نتائج لاجتماع مجلس الأمن.
وقد دفع ذلك كله عديدين للتفكير بأنه من الأجدى والأكثر إحراجاً لإسرائيل وللإدارة الأميركية، الإقدام على حلّ السلطة الفلسطينية، لتعود مناطق السلطة مناطق محتلة من جانب إسرائيل، وتخضع لإشراف المؤسسات الدولية، والتفكير على هذا النحو، على خطورته، له عدة أسبابٍ سبقت صفة ترامب، أولها الضيق المادي الذي نزل بالحكومة الفلسطينية، نتيجة إلغاء كل الدعم الأميركي، واحتجاز أموال السلطة من جانب إسرائيل، والسبب الثاني تراجع الدعم السياسي والمادي للسلطة الفلسطينية من جانب جهات عدة دولية وإقليمية، والسبب الثالث تفاقُمُ الانقسام بين السلطة و«حماس» في غزة، وإقبال إسرائيل على اللعب مع «حماس» بتوسط قطر وتركيا، والسبب الرابع عدم قدرة السلطة على تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية أو المادية تجاه الشعب الفلسطيني، وهذا الحل أو الخيار الثالث في زمن اللا حل، يرى فيه البعض شجاعةً تأبى استمرار الخضوع للأوهام، بعد أن انتهت أوسلو من زمان، وصارت السلطة بكل أجهزتها تعمل لتصبير الفلسطينيين على الاحتلال، بينما رأى بعض في هذا الخيار جبناً وتراجُعاً، لأنّ الفلسطينيين وبمساعدات دولية وعربية كثيفة، أقاموا هياكل جيدة وجهازاً للشرطة والأمن، وكل ذلك لدولة المستقبل.
ولنلتفت إلى النقاش العربي الداخلي، الذي دار على خلفيات سياسية أو أيديولوجية، وكان بالفعل وما يزال كلام سفاهة وابتزاز ومعذرة للنفس، من خلال إهانة الآخر أو اتهامه بما ليس فيه! أولى الجهات التي افتتحت هذه الجبهة المعتمة، هي دولٌ وتنظيماتٌ بحجة أنّ الدول العربية الأخرى تهاونت أمام أميركا وإسرائيل، والواقع أنّ أهل التعيير هؤلاء هم الأحسن علاقةً بإسرائيل وأميركا، أما «حماس» التي تفيد من ذلك، فانضمّت إلى موقف أبو مازن الرافض، لكنها مقيدة تجاه داعميها في السنوات الماضية، لذلك دخلت في حملات التعيير والابتزاز، وإنْ ليس بشكلٍ مباشر، بل من خلال محسوبين عليها من الكتّاب، أو من جماعات الإسلام السياسي.
وهكذا نشبت حروب وهمية، شاركت فيها عشرات المحسوبين على اليسار والقوميين و«الإخوان».. ومعظم ما كان له نشاط معروف تجاه القضية الفلسطينية، إنّ الشتائم المقذعة لا تحرّر فلسطين، وهو شأن جماعات الإسلام السياسي والمقاومات التي قتلت في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا عشرة أضعاف من قتلتهم إسرائيل على كل الجبهات وفي كل الأزمنة: والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية