أحكام أهل الذمّة.. من ابن القيم إلى برهامي

أحكام أهل الذمّة.. من ابن القيم إلى برهامي

مشاهدة

02/10/2018

من وقت إلى آخر، تجري أحداثٌ طائفيةٌ في صعيد مصر، متمثلة في اعتداء بعض المتطرفين من الإسلاميين على المسيحيين، وعلى كنائسهم وبيوتهم، وقد شهدت المنيا، الشهر الماضي، أحداثاً طائفية جديدة، ما يجعلنا نتساءل: ما هو مصدر العنف الذي يصدر من قِبَل بعض المسلمين تجاه المسيحيين؟

إنّنا، إذا ما حاولنا أن نجيب عن فحوى السؤال السابق، لا يمكن أنْ نتجاوز أنّ جوهر المحنة قائمٌ في الثقافة السائدة، التي يُروّجُ لها بعض شيوخ التطرف في مجتمعاتنا، هذه الثقافة التي تُروّجُ أنّ أهلَ الذمّة، ومنهم النصارى، هم كفار، وهو تراث موجود في الفقه الإسلامي، فيما يُعرف بـ"أحكام أهل الذمة في الدولة الإسلامية"، حيثُ روّج هذا الفقه في فترة تاريخية، لعُلوّ قدم الإسلام والجماعة المسلمة على أهل الذمة؛ لذا فلا بدّ لهم أنْ يدفعوا الجِزية عن يد، وهم صاغرون، ضريبةً عن الأمن الممنوح لهم، أو ضريبةً عن استمرارهم في الكفر على أرض الإسلام. وفي هذا الأمر، دوّنَ فقهاء الإسلام عن أحكام أهل الذمّة الكثير من الكُتب والمؤلفات؛ التي ما تزال حاضرة وفاعلة في واقعنا الراهن.

ابن القيم و"فقه الكراهية"

 كان ابن القيّم الجوزية من هؤلاء الفقهاء؛ حيث دوّن الكثير من ذلك في كتابه "أحكام أهل الذمّة"؛ الذي يؤكّد ما جاء في العهدة العمرية، من عدم ضربهم النّاقوس، وعدم رفع الصلبان، وألّا يرتفع بناؤُهم عن بناء المسلمين، وضرورة أنْ يرتدوا زيّاً معيّناً ليتميزوا به عن المسلمين، ويمنعوا من ركوب الخيل، وأنْ يمشوا في طرف الطريق، لا في وسطه، وألّا يفتِنوا مسلماً في دينه، وألّا يقدحوا في كتاب الله، ولا ينبغي أن يوظَّفوا في إدارة الدولة الإسلامية، ولا يلبسوا العمامة البيضاء؛ لأنّها لباس المسلمين، وأنّ من زنا منهم بامرأة مسلمة قُتِل.

برز هذا الفقه من قبل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في لحظة تاريخية فارقة تحللت فيها الدولة الإسلامية

وقد أفتى ابن القيّم بأحكام كثيرة في كتابه، والتي قد تكون من الأسباب المسؤولة عن تدهور العلاقة بين المسلمين والنصارى في عصرنا الراهن، مثل: لا حقّ في شفاعة لذمّي على مسلم، ولا حقّ لأهل الذمّة في أنْ يكون لهم وقفٌ لأماكن عباداتهم، لأنّ ذلك يُعين الكفار ويقوّيهم، وللإمام أنْ يستولي على كلّ وقف، سواء كان كنيسةً أو بيتَ نار أو بيعة.

ويرى ابن القيم؛ أنّه لا تجوز تهنئتُهم بأعيادهم، حيث أنّ في التهنئة احترامٌ الباطلة؛ بل ذهب أستاذه ابن تيمية إلى أنّه تجب إهانة مقدسات الآخرين، سواء كانت أمكنة، كالكنائس والمعابد، أو صلباناً، أو مجسمات وآثار، أو أعياداً كعيد الميلاد أو رأس السنة الميلادية، وذلك من منطَلَق استعلاء الجماعة المسلمة على أهل الذمّة الكفار.

اقرأ أيضاً: ابن تيمية: شيخ الإسلام المتنازع عليه

وقد برز هذا الفقه من قبل ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم الجوزية، في لحظة تاريخية فارقة، تحللت فيها الدولة الإسلامية، واستولى الصليبيون والتتار على أجزاء من أرجاء العالم الإسلامي.

إعادة استدعاء "فقه الإقصاء"

رغم الجهود التي قامت بها الأسرة العَلَوية، منذ عهد سعيد باشا، وإسماعيل؛ لتكريس المساواة، ورفع الجزية عن الأقباط، ودخولهم الجيش المصري كمواطنين، وإرساء مفهوم المواطنة في الدولة المصرية الحديثة؛ فإنّنا ـ للأسف ـ نعود إلى الخلف على يد بعض الحركات السلفية المعاصرة، التي عادت كي تروّج لكلّ ما قاله ابن القيم وأستاذه ابن تيمية عن أهل الذمة؛ فيأتي الشيخ، ياسر برهامي، في القرن الواحد والعشرين، ليردّد الكلام نفسَه الذي كان يردّده ابن القيم الجوزية، وكأنّ الزمن لا يتغير وواقع المسلمين ثابت، فيُحرّم ياسر برهامي تهنئة النّصارى بأعيادهم، ويقول: "لو تضمن ذلك بصحة اعتقاداتهم الباطلة في الأعياد؛ كاعتقاد النصارى في موت المسيح وصلبه، وهو عندهم الربّ، وهو يهنئهم معتقداً صواب ذلك، فلا شكّ في كفره، ولو شاركهم من باب المجاراة، أو من باب حسن العشرة؛ ففي هذا الرجل جهل عظيم وضلال مبين".

اقرأ أيضاً: "داعش" إذ يحرض على قتل الآباء والأقربين..هل المسؤول ابن تيمية؟

ويستمرّ برهامي في انتقاداته، فيقول: "كثير من الاتجاهات المنحرفة المنتسبة للعمل الإسلامي، تبادر إلى مشاركة الكفار في أعيادهم، وتشهد ما يسمّونه "قداساً" – وهو ليس تطهيراً- فأيّ دنس ونجس أعظم من الشرك بالله، والاحتفال بموته، وقيامه من الأموات، ويسمونه قداساً، والقداس هو الطهر، هل يكون ذلك تطهيراً أم تنجيساً؟ فلا شكّ في أنّ كلّ من حضر قد تنجّس، ولا يجوز إرسال الوفود لتهنئة الكفار بذلك، أو بمظاهر الشرك التي يفعلونها".

علينا تجفيف منابع العنف في بنية الثقافة السائدة التي تحض على الكراهية والتطرف

ويرى برهامي ضرورة التبرّؤ من هؤلاء، وأنّ البراء هو البغض والخذلان والمخالفة والمعاداة، وترك التشبه بهم، ونحو ذلك، ويرى أنّه "لا يجوز لمسلم أنْ يتّخذ صديقاً كافراً، ولا خليلاً كافراً، ولا فاسقاً، فإنّ مصاحبتهم أعظم أسباب الشرّ"، ما يعني عدم جواز صداقة المسيحيين.

إذا كانت هذه هي التعاليم التي يبثُّها التيار السلفي، وغيرُهُ من حركات العنف في القرن الواحد والعشرين، فإنّه من الطبيعي أنْ تحدثَ مشكلات طائفية في مناطق تجمّع النصارى في مصر، وأنْ تُستهدف مقدساتهم وشعائرُهم، ولا يأمَنوا على أعراضهم وممتلكاتهم، ومن ثمّ؛ فإننا إذا لم نجتثّ ما يكرسُ للإرهاب والعنف في بنية ثقافتنا الإسلامية، فسوف يستمرّ الوطن في مواجهة أحداث قلق وتوتر وعنف طائفي على فترات، كما أنّ الدولة ستظلّ مسؤولة عن عدم ترسيخ قيم المواطنة واحترام القانون فيها، بصرف النظر عن انتماء المواطن؛ الديني أو الأيديولوجي، وإن لم نواجه تلك الثقافة، التي تحضُّ على العنف والكراهية وإقصاء الآخر، فلن يستقر حال الوطن، وكلّ ما علينا هو تجفيف منابع العنف في بنية الثقافة السائدة التي تحض على الكراهية والتطرف، وعدم التعايش مع الآخر.

اقرأ أيضاً: الهجوم على منازل للأقباط في مصر.. هذه هي الدوافع

الصفحة الرئيسية