إيران.. الطائفية المؤدلجة والاعتدال الزائف

5012
عدد القراءات

2017-11-29

وصلتْ إيران إلى حالة من الاشتباك مع كل المحيط الإقليمي والعالمي، بالقدر الذي لم يدع لها أي فرصة لترميم شخصيتها وعلاقاتها إلا من خلال اللعب على وتر الديمقراطية والاعتدال، وكيفما كان حسن روحاني، فإنّه لن يكون مختلفاً بالقدر الذي يخرجه من العباءة المقدسة للولي الفقيه، وطاعة المرشد، لقد وصلت إيران إلى تحقيق أعلى مستوى للكراهية والعداء مع العرب جراء سياساتها الخارجية التي برعت في توظيف مذهبيتها وطائفيتها في مواجهة خصوماتها المختلفة وعلى أكثر من جبهة.

إيران دولة عميقة أيديولوجياً أكثر من كونها عميقة سياسياً، والحديث عن التحول السريع في هذه الإيديولوجية من المحافظة إلى الاعتدال، محض زعم، لسبب بسيط متعلق بأساس تكوينها الديني الطائفي، وليس سهلاً أن يتحول نظام الحكم فيها من حكم ديني مطلق إلى ديني - سياسي، فقط لأن الشارع الشعبي الإيراني يحاول أن يختار هذا التحول بطرق شتى.

الكتلة الحرجة من الطائفية المؤدلجة، التي نمت على شكل دولة، باسم إيران لم يسبق لها أن رضخت لرغبة شعبية مهما كانت بسيطة

إلا أنّ هذه الكتلة الحرجة من الطائفية المؤدلجة، التي نمت على شكل دولة، باسم إيران لم يسبق لها أن رضخت لرغبة شعبية مهما كانت بسيطة، فكيف هو الحال إزاء رغبة كبيرة بحجم تحول سياسي، وإذا كانت إيران بهذه المرونة السياسية لماذا اختارت أن تزور الانتخابات الرئاسية في العام 2009، إلى جانب استخدام مفرط للقوة ضد المطالبات الشعبية بديمقراطية حقيقية تسمح بوصول معتدلين إلى السلطة، ولماذا وصف روحاني فوزه الأخير بـ (الملحمة العظيمة)..؟ كيف لنا أن نصدق هذا، ونقتنع بهذا الإيمان المفاجئ بالديمقراطية الداخلية المشفوعة باليقين الديني، في ظل تطويق اليقين السياسي وكبح جماح دعاته..؟.

وبالنظر إلى الشخصية الاعتبارية لحسن روحاني، فإنّه قد شغل منصب سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي لمدة 16 عاماً، وتولى في ظروف خطيرة وحالة إقليمية مربكة منصب كبير المفاوضين النوويين في إيران في الفترة (2003-2005)، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس البرلمان وممثل آية الله خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، ورئيس مركز الأبحاث الاستراتيجية في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو أحد الأجهزة الاستشارية العليا للمرشد الأعلى.

أخذها تعاطيها مع الملف السوري بهذه الذهنية الطائفية إلى تخوم كراهية وعداء إقليمي

كيف إذن لهذه الشخصية المعممة أن تخرج من عباءة الولائية المطلقة للدولة الدينية ودولة الفقيه..؟، وكيف لنا أن نثق بهذا الاعتدال الرئاسي الإيراني، في ضوء استمرار الإعلان عن النهج نفسه إزاء أكبر ملفين شائكين يجب أن يواجههما، وهما؛ الملف النووي والملف السوري، ومما رشح من تصريحات أولية له، فإنّه أبقى على نفس النهج وبنفس اللغة أيضاً، حين أعلن أنّه لا تراجع أمام الضغوط الغربية عن تخصيب اليورانيوم، وأن الحل السوري يجب أن يأتي من داخل سوريا فقط، وحين باغته أحد الصحفيين بسؤال حول فك الإقامة الجبرية عن المرشح الرئاسي السابق مير حسين موسوي، قطع المؤتمر الصحفي واختار أن يصمت.

لقد وجدت إيران نفسها في سياق عزلة دولية، وقد أخذها تعاطيها مع الملف السوري بهذه الذهنية الطائفية إلى تخوم كراهية وعداء إقليمي ستخسر أكثر مما ستربح إذا ما استمرت في السير بهذا الطريق إلى آخر الشوط، في حين أنّ الداخل الإيراني تعتمل فيه محركات رفض متنامية تجاه السياسات الاقتصادية على أقل تقدير، لأجل كل ذلك كان لا بد للمؤسسة الدينية الحاكمة في إيران أن تتخلى – ولو شكلياً – عن نهجها المتشدد، وأن تترك لنفسها فرصة لالتقاط الأنفاس في ماراثون المواجهات متعددة الجبهات.

الإيمان بالاعتدال الإيراني يشبه ما قاله الكاتب الأمريكي صاحب قاموس الشيطان أمبروس بيرس حين عرف الإيمان بأنّه تصديق بلا دليل لما قاله شخص بلا علم عن أشياء لا مثيل لها. هذا هو إذن شكل الاعتدال الإيراني المزعوم والمزور.

الاسترضاء الحمساوي لإيران، جنوح نحو خراب قيم الوحدة والأمة

لا أعرف حقاً كيف أقيم توازناً موضوعياً بين ما خلص إليه التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية بأنّ إيران "أكبر دولة داعمة للإرهاب" وأن تنظيم "داعش" التهديد الأكبر للأمن الدولي، وبين ما صدح به القيادي البارز في حركة حماس محمود الزهار، بأنّ "الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدولة الوحيدة التي سعت لتوحيد صفوف الأمة الإسلامية". الفكرة مرعبة، بوصفها أكثر من مجرد مبالغة في الاسترضاء الحمساوي لإيران، إنّها جنوح نحو خراب قيم الوحدة والأمة التي تمثل إيران شعاراتها بحسب الزهار الجريء والمغامر.

إيران توسع دوائر الدم والخوف والصراع، وتنزع إلى تفكيك المنظومات التقليدية للعلاقات الدولية في هذا الإقليم الملتهب، ولا أرى إلا أنّها بسياسة تثوير الأزمات وخلقها وزعزعة الاستقرار، إلا أنّها توقد تحت قدرها حتى ينضج أوانها لتكون وليمة لحرب قادمة أو أزمة منتظرة أو صراع آتٍ ستخرج منه خاسرة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-10-23

تحظى المثالية برصيدٍ كبيرٍ من الاحترام والاهتمام في جميع الثقافات على الإطلاق، وهي تشير دائماً إلى محتوى إيجابي، فيكفي أن نصف أحداً أو شيئاً بالمثالي كي ينفي الذّهن أيّةُ نقيصة عنه، وهذا ما يجعل من الكمال شرطاً لازماً لما هو مثالي، كما عبّر عنه أفلاطون حين ذهب إلى أنّ عالم المثل الذي لا تشوبه شائبةٌ هو العالم الوحيد الكامل، فما قصده أفلاطون؛ أنّ الواقع الذي نعيش مجرّد نسخة مشوّهة عنه، وعبر التاريخ تولّت التربية المسؤولية في محاكاة عالم المثل؛ حيث جعلت من المثل البوصلة التي تُرشدها وتهتدي بها، في واقع يدفع الحياة بالاتجاه المضاد.

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
تُحيل المثالية إلى إحالات مختلفة؛ تتفق فيما بينها على أنّ الأفكار تسبق الواقع، وأنّ الواقع ينتج عنها، ولكن ما أرمي إليه هنا ليس الفهم الأكاديمي للمثالية؛ إنما ما يترتب على وجودها في حياتنا، خاصةً أنّ المثالية كيفما كانت، فإنّها تشكّل حجر الأساس في بناء سلوك وعقائد الأفراد، بالتالي فإنّ التربية التي تضع المثال نصب عينها، من المفترض أنّها تطمح لخلق عالمٍ أفضل، ولكن ماذا لو أنّها أسهمت في عكس ذلك، وشكّلت عبر تاريخها عائقاً تربوياً في بناء الفرد السليم؟ ألا يعني هذا أن نرمي كلّ ما تعلمناه خلف ظهورنا؟!

إصرارنا التاريخي على المثالية أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم ممّا هو كائن

تقول والدة إحدى الإرهابيين، بعدما تفاجأت بورود اسم ابنها على لوائح المطلوبين: "أشعر بصدمة كبيرة لما اقترفت يدا ابني؛ فقد كان منذ صغره ودوداً مطيعاً متفوقاً في مدرسته، محباً للجميع، حتى إنّه لم يقدم على إيذاء نملة، كان حقاً ابناً مثالياً"، ربما هذه الأم لم تكن مخطئة في وصف ابنها بالمثالي، ولكن هذه المثالية التي تراها الأم نقطة إيجابية لصالح ابنها، هي بالتحديد ما جعلته يصل إلى ما وصل إليه، فأطفالنا الذين نعتقد أنّهم مثاليون، لا يبلغون هذه المثالية إلا بعد تعرضهم لكثير من عمليات القمع والبرمجة، من خلال تربية ترغم الطفل على ما نريده ونتوقعه منه؛ إنّها الإطار الذي يحدّد ما يجب أن يكونه الطفل، عملية قولبة تخلق صراعاً مستمراً داخله، وهذا الصراع الداخلي الذي لن يبقى حبيساً، فحين تُتاح له الفرصة سيتجسد على أرض الواقع بأكثر الأفعال تطرفاً.

اقرأ أيضاً: لا داعي للتفلسف!
فمن نعتقد أنّه طفلٌ مثالي هو ببساطة من يحاكي طموحاتنا نحن الكبار، فالطفل المثالي هو المطيع الذي يتصرف وفق ما نمليه عليه، لا يسبب إحراجاً لنا، مجتهدٌ يحفظ دروسه عن ظهر قلب، إنّه كلّ ما يجعلنا فخورين أمام الآخرين، ويقوده إلى التكيف مع تناقضاتنا، بالتالي الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال، التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية، وهنا تأخذ المثل شكل القوالب الجاهزة، لتجعل من الصواب والخطأ مطلقين، مما يجعلنا نعامل الطفل كما نعتقد، لا كما هو، وهذا سيشكّل أولى المصادرات على تجربة الطفل في فهم نفسه وفهم الواقع.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
إنّ إصرارنا التاريخي على المثالية هو أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم بكثير ممّا هو كائن، وممّا هو موجود، هذا التجنّب الكامل والمتعمّد للحاضر يجعل من الجوانب الشخصية والنفعية الجوانب الأقوى في التربية؛ فالمستقبل المثالي الذي نعدّه للطفل، هو مستقبلنا الذي يلغي حاضر أطفالنا؛ "فالمربي الذي يرغب في فهم طفله لا ينظر إليه عبر عدسة المثاليات، فإذا كان يحبّه حقاً عليه أن يراقبه ويدرسه لرؤية توجهاته وأمزجته وخصوصياته، أما عندما لا يكون المرء محباً يتمتع بالفهم والصبر، يقوم بإجبار الطفل على التقولب في نموذج للسلوك، ندعوه آنذاك بالمثالي، إنّه الحلّ السريع الذي يعطي نتائج رائعة لنا وليس للطفل"، بتعبير كريشنا مورتي، في كتابه "التعليم وقيمة الحياة".

الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية

بمجرد تذكّر ما تعلمناه في المدرسة، أو ما نعلّمه حالياً، سيفاجئنا الحضور الكثيف للمثل في مناهجنا منذ مراحل التعليم الأولى حتى النهائية، ويرافق هذه المثل جهد تلقيني كبير يتناسب طرداً مع انفصال الأفكار عن الواقع، فرغم دعوة المثل الدائمة إلى المحبة والسلام، والصدق، واحترام حقوق الغير، والعدالة، لكنّها لم تنجح حتى الآن إلّا في صناعة واقع تتهدده العداوة واللامبالاة، وهذا ما قد نلمسه في الإجابة عن سؤال: ما الذي يمكننا فعله لإنقاذ الأجيال القادمة من التلوث الذي سيدمّر الأرض؟ طفلة في عمر13 عاماً أجابت: "بالنسبة إليّ لن أكون على قيد الحياة إلى حين دمار كوكبنا، وبالنسبة إلى الأجيال القادمة لا خوف عليهم، فالدراسات على قدمٍ وساق لإيجاد كوكب آخر قابل للحياة"، ولنا أن نتساءل: ما الذي قدّمته كلّ القيم والمثاليات التي تعلمتها وتتعلمها هذه الطفلة حتى وصلت إلى هذه الإجابة؟ وهل إجابتها أقل صدمة لنا من صدمة الأم التي تحوّل طفلها المثالي إلى شاب إرهابي؟
يتلخص التناقض الذي تحمله المثل بأنّ من يروّج لها ينظر إليها على أنّها مطلقة وصالحة لكلّ زمان ومكان، بينما هي نسبية، ومتباينة تباين المجتمعات واختلافاتها؛ فكلّ مجتمع له مثله الخاصة التي يُخفي عقائده في داخلها، وهذه المثل نفسها ستنقلب عند كلّ طرفٍ على ما تدّعيه، حين تصبح سبباً في الصراع والحرب ضدّ الآخر؛ فالمثل عندما تصبح أهم ممن وضعها تجرّ الواقع إلى الهاوية، والإنسان الذي وُضعت من أجله، سيصبح وقودها الأول.
لا يوجد صراع في هذا العالم لم تغذّه المثل، فدائماً ما كانت الأفكار والمثل الذريعة الأقوى للتضحية بالبشر، وربما تكون أيديولوجيات القرن الماضي، التي أشعلت أكبر الحروب في تاريخ البشرية، الدليل الواضح على ذلك، حتى الآن؛ نحن لم نتعلّم الوجود من فهمنا لأنفسنا، ومما نحن فيه؛ لذلك كلّ الطرق التي سلكناها كانت مغلقة، أو بتعبير إدغار موران، في كتابه "تربية المستقبل": "إنّنا لا نمتلك المفاتيح التي من شأنها أن تفتح لنا أبواب مستقبلٍ أفضل؛ لأنّنا لا نعرف طريقاً مرسوماً يمكن السير فيه، لكننا نستطيع أن نكتشف الطريق من خلال السير".

للمشاركة:

إيران حين أضمرت السوء لحلفائها.. ماذا فعلت لإنهاك العراق؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-10-23

لعلّ أحد أبرز الدروس الإستراتيجية التي خلُصت إليها قيادة "الثورة الإيرانية" من الحرب المضنية مع العراق، والتي امتدت طوال ثمانية أعوام؛ أنّ العراق، بما يمتلكه من إمكانات وموارد مادّية وبشرّية ضخمة، هو بمثابة المعادل الموضوعي الرئيس، والمكافئ الإستراتيجي الأهم لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: لماذا تستّرت لجنة التحقيق العراقية على القتلة الحقيقيين؟
وأنّ وجود دولة عراقية قوية، مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه، يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وانتهاء أحلامها بالنفوذ الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها، في المناطق الجغرافية الأبعد، مثل؛ سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؛ لذلك ظلّت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفكّكاً ومنقسماً على نفسه، وأصرَّت على إبقاء الدولة العراقية ضعيفة، رغم أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، كانت في مجملها طبقة سياسية صديقة لإيران، ومقربة جداً من النظام الإيراني، وتجمعهما روابط وعلاقات متميزة، بدا أنّها ارتقت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي، ظاهرياً على الأقل.

وجود دولة عراقية قوية مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم

هذا التقدير الإستراتيجي الإيراني الخطير، والمهم في آن واحد، يُفسّر أيضاً إصرار "إيران الثورة" على حلّ الجيش العراقي بالكامل، وتفكيك بنية الدولة العراقية بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق. هذا الإصرار الذي ترجمته على أرض الواقع آنذاك قيادات عراقية مرتبطة بإيران، ومؤتمرة بأمرها تماماً، رغم كلّ التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورته، وعواقبه الوخيمة، ليس فقط على حاضر ومستقبل العراق، بل والمنطقة كلّها؛ فليس هناك ما هو أخطر على الاستقرار من حالة الفراغ الأمني في دولة غادرت للتوّ ثلاثة صراعات وحروب كبرى، وتعاني من انقسامات عمودية وأفقية حادّة؛ طائفية، وإثنية، وسياسية، ذلك الفراغ الرهيب الذي أسّس لكلّ ما شاهدناه بعد ذلك، من ويلات الحروب الطائفية والقومية، والقتل على الهوية، وموجات الإرهاب.

اقرأ أيضاً: هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟
وفي ظلّ النفوذ الإيراني الواسع، وشبه الحصري في العراق، طوال عشرة أعوام، تلت سقوط النظام السابق، ليس هناك ما يمكن أن يفسر الإصرار الإيراني على إنشاء وتدريب وتسليح كلّ ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة، ومتناقضة ومتناحرة، إلا الإقرار بوجود نوايا مضمرة بإبقاء العراق ضعيفاً، وهذا الهدف "اللئيم" هو الذي كان يدفع النظام الإيراني إلى "دقّ" كلّ هذا العدد من "الأسافين" في جسد الدولة العراقية الهزيل، وما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ الأمر لم يكن محض خطأ تاريخي، هو حقيقة؛ أنّ لدى النظام الإيراني تجربة مغايرة تماماً، وعقلانية تماماً في بلاده؛ فقد أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية سليمة بالكامل، بعد انتصار الثورة الإيرانية، وطوال الأعوام التي تلت سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، على الرغم من الشكوك العميقة التي كانت تساور الخميني، وسائر قيادات الثورة، تجاه "ولاءات" الجيش والمؤسسات، وإمكانية نجاح "الفلول" في إعادة الحياة للنظام الملكي السابق، وبرّر هاشمي رفسنجاني ذلك فيما بعد، بأن أحداً من "الثوار" المنتصرين في إيران، لم يكن يريد إضعاف "إيران الدولة"، لكنّ هؤلاء "الثوار"، أو جلّهم على الأقل، حرصوا كلّ الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكلّ هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، ودفعوا القيادات العراقية إلى تبني هذا المطلب، والإصرار عليه كشرط أساسي للتعاون مع الولايات المتحدة، وهو ما يظهر جلياً سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
ولا شكّ في أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، اليوم وغداً، تكمن في دولة مستقلة وقوية، بغضّ النظر عن شكل الحكم الذي يمكن أن يجري التوافق عليه بين العراقيين، لكنّ بناء مثل هذه الدولة بات، للأسف، أمراً متعذراً، أو على الأقل بالغ الصعوبة، في ظلّ فوضى انتشار السلاح والميليشيات، التي تعطل الدولة، وترهب المؤسسات، وتعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها؛ بل أصبحت تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل؛ عمليات إنتاج وتصنيع السلاح واستيراده وتصديره، ناهيك عن عمليات السيطرة والانتشار والمراقبة وجمع المعلومات.

إبقاء جسد الدولة العراقية هزيلاً ليس محض خطأ تاريخي بل أضمرت إيران إضعاف هذا البلد لأهداف لئيمة يخدم مصالحها

وقد يقول قائلٌ؛ إنّ إيران أيضاً لديها ميليشيا في الداخل، هي ميليشيا الحرس الثوري، وما يتفرع عنه من قوى عسكرية، وأذرع اقتصادية وإعلامية، وإنّ ما قامت به في العراق مجرد استنساخ لهذه التجربة، جرياً على نهج كلّ قوى النفوذ والهيمنة في العالم التي تسعى بشكل طبيعي إلى استنساخ نفسها في البلدان الواقعة تحت نفوذها، لكنّ مثل هذه المقارنة تنطوي على مغالطات واضحة؛ فالثورة في إيران أبقت على الدولة والجيش والمؤسسات، لكنّها صنعت دولة موازية، وجيشاً موازياً، ومؤسسات موازية، لكن الطبقة السياسية التي حكمت عراق ما بعد 2003 لم تُبقِ على دولة أو جيش، أو مؤسسات، في البلاد؛ بل ليس من المبالغة القول إنّها حتى لم تبقِ على الشعب الذي راح جزء كبير منه، بين قتيل وجريح ومهجَّر ونازح.
لا غرابة إذاً في أن يثور العراقيون اليوم ضدّ هذه الهيمنة الإيرانية، رغم نجاح محاولات إيران في تحريك كلّ المخاوف والهواجس، الطائفية والعرقية، العميقة في وجدان المجتمع العراقي، ونجاحها تبعاً لذلك، في منع تحقق أية مصالحة وطنية شاملة، تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومستقلة، ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي.
أخيراً... شعر العراقيون بوجود نوايا السوء الإيرانية المضمرة.

للمشاركة:

ما الذي يحاول فيلم الممر أن يقوله؟ وهل نجح في ذلك؟

2019-10-22

تزامناً مع احتفالات مصر والعالم العربي بذكرى انتصار حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، عُرض في عدد من القنوات الفضائية المصرية فيلم "الممرّ"، بعد عرضه على شاشات السينما في مصر وبعض الدول العربية، في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: فيلم "الممر": رسالة لإسرائيل أم حشد للجماهير؟
يُعدُّ الفيلم أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ صناعة السينما في مصر، بميزانية تجاوزت 100 مليون جنيه مصري، وقامت شركة الإنتاج ببناء ديكورات الفيلم ومواقع التصوير بمساعدة وإشراف إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، كما تمّت الاستعانة بمتخصصين لبناء الديكورات بالكامل لمطابقتها بالمواقع الحقيقية خلال تلك الفترة، والاستعانة بفريق عمل أمريكي لتصميم مشاهد القتال والمعارك الحربية.
مقاربة درامية لا محاكاة
يحاول صنّاع فيلم "الممرّ" إيصال رسالة أمل رغم الانتكاسات والهزيمة، من خلال إضاءة منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي المتمثلة بحرب الاستنزاف التي تلت هزيمة 1967، والتأكيد أنّ الجيش المصري في حالة حرب مستمرة، داخلياً وخارجياً، سواء وهو يواجه العدو الإسرائيلي بالأمس أو الإرهاب اليوم، وأنّه هو الذي يتحمّل عبء الدفاع عن الأرض ومقدّرات الوطن، في أحلك الأزمات، وخلال التحديات والمخاطر الإقليمية والدولية المختلفة.

يضيء فيلم الممر منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي متمثلة بحرب الاستنزاف

نجح صنّاع الفيلم؛ الكاتب والمخرج شريف عرفة، وفريق الفنيين والمساعدين والأبطال، في صناعة توليفة سينمائية ليست بالطبع متسقة ومتوافقة مع الأحداث التاريخية الحقيقية في تلك الفترة، لكنّها، على أيّة حال، جاءت معبرة عن مضمون الأحداث، ولو بشكل جزئي، تحتل فيه الدراما جانباً معتبراً، فيما يتوارى التاريخ والأحداث الحقيقية، وهذا أمر طبيعي رغم اعتراض أعضاء المجموعة المصرية، المعروفة باسم "73 مؤرخين".
ليست السينما أو الأعمال الفنية عموماً مطالَبة بمحاكاة الواقع، سواء المعيش أو الماضي، محاكاة تامة، ولا حتى شبه تامة، فالسينما بالأساس عمل درامي يعالج فكرة أو (ثيمة)، أو حدَثاً ما، بطريقة فنية لا تكترث كثيراً للواقع والأحداث التاريخية؛ فالفيلم يستند إلى جانب من بطولات الكتيبة 93" قتال"، التي كان لها عدد لا يُنكَر من البطولات خلال حرب الاستنزاف، وذلك بسبب تمركزها في منطقة رأس العش في بورسعيد، وهي تلك المنطقة التي وقعت فيها اشتباكات قوية مع القوات الإسرائيلية، لكن الفيلم بالطبع لن يرصد طوال مدة عرضه تلك البطولات بالتفصيل، ولن يتناولها كما حدثت.

أهم ما نجح فيه الفيلم
نجح "الممرّ"، من وجهة نظري، في ثلاثة أمور مهمة للغاية؛ أولها أنّه رصد بطريقة غير مباشرة، في بداية أحداث الفيلم، أسباب هزيمة حزيران 1967 دون تدليس أو مواربة، رغم أنّ ذلك الأمر يقدح في نظام الرئيس عبد الناصر، لكنّ صناع الفيلم كانوا مباشرين في ذلك وعرضوا جزءاً منها، من خلال الحوار بين الأبطال، وأهم ما عُرض كان حالة الفوضى وسوء التخطيط وتقدير الموقف الذي كان يعرفه الجميع ولا يستطيعون شيئاً حياله.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
أما ثاني الأمور التي نجح صناع الفيلم في إبرازها؛ فيتمثل في بثّ روح المقاومة وإذكائها، واستعادة الأمل مهما كانت الظروف، وتذكير الشباب المصري خاصة، والعربي عامة، بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث يعرفون أنّ العدو الإسرائيلي هو الخطر رقم (1) الذي ينبغي أن نواجهه ونستعد له باستمرار؛ لأنّ أطماعه في المنطقة لن تنتهي؛ إذ هي قائمة على نزعة لاهوتية، التفت إليها كاتبا الحوار (شريف عرفة وأمير طعيمة)، فكانت الإشارة إليها عن طريق حوار حدث بين الضابط المصري، نور (أحمد عز)، قائد مجموعة الصاعقة، والضابط الإسرائيلي ديفيد (إياد نصار).

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
وثالث الأمور التي نجح "الممـرّ" فيها؛ التأكيد على دور أهالي سيناء في مقاومة المحتل، وتقديمهم الدعم الكامل لقوات الجيش المصري في تلك الفترة الحساسة، وهو أمر يُعدّ تقديمه مهماً في الوقت الحالي، مع تزايد الأعمال الإرهابية في سيناء، ومواصلة اتهام بعض أهالي سيناء بالتعاون مع الإرهابيين!
سلبيات ونقاط ضعف
لكن تبقى ثمة سلبيات ونقاط ضعف في الفيلم، لعلّ أهمّها أنّه عرَض شخصية المراسل العسكري بشكل كوميدي لا يتناسب وطبيعة الفيلم، من خلال الدور الذي أدّاه الممثل الكوميدي أحمد رزق، وهو ما أعطى الشخصية بُعداً ساخراً، وأضفى عليها تصوراً جعل المراسل العسكري طوال الفيلم شخصية ضعيفة تجبن عن مواجهة المخاطر، رغم أنّ الجيش المصري كان، ولما يزل، يتخيّر المراسلين العسكريين وفق شروط خاصة.

السينما غير مطالَبة بمحاكاة الواقع محاكاة تامة ويعتبر العمل تجربة متميزة لا بدّ من استثمارها بجزء ثانٍ يتجاوز السلبيات

كما كانت بعض مناظر الديكور والأزياء من سلبيات ونقاط ضعف الفيلم؛ فلم يستطع المخرج ومهندس الديكور التعبير بدقة عن الفترة الزمنية التي تكتنف أحداث الفيلم، خصوصاً مع المغالاة في ديكور شقة الضابط المصري، بما لا يعكس الحالة المادية والاجتماعية والذوقية في تلك الفترة، كما لم يكن المزج بين المواد الفيلمية المصورة قديماً، ومشاهد الفيلم سلساً؛ فقد كان المزج مفتَعلاً مضطرباً، بخلاف جنوح بعض عبارات الفيلم، التي جاءت على لسان الضابط نور (أحمد عز) إلى الأسلوب الخطابي المباشر، واللغة الشعاراتية المدرسيّة خاصة في كثير من حوارات المراسل مع أعضاء الكتيبة.
على كلٍّ؛ فإنّ تجربة هذا الفيلم عموماً، كانت جيدة، وذات إيجابيات كبيرة، لا بدّ من استثمارها في استكمال الجزء الثاني، وإنتاج أعمال أخرى يُراعى فيها الاعتماد على سيناريست متخصص، في هذه النوعية من الأعمال، لتلافي عيوب نص هذا الفيلم الذي أصرّ شريف عرفة على كتابته، فضلاً عن ضرورة التحرر من التأثر غير المبرر بالأفلام الأمريكية المعروفة في المشاهد الحربية التي أحسن صناع الفيلم في تنفيذها بشكل غير مسبوق في تاريخ السينما العربية.

للمشاركة:



عدد الإرهابيين الخطيرين يتضاعف 5 مرات في ألمانيا.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

ذكر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، هولجر مونش؛ أنّ عدد الإسلاميين الخطيرين أمنياً في ألمانيا تضاعف بمقدار يزيد عن 5 مرات، منذ عام 2013، ليصل اليوم إلى نحو 680 فرداً.

رئيس الشرطة الجنائية: سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد منذ 2016

وأضاف مونش، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية، الصادرة اليوم: "سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد، منذ هجوم الدهس الذي وقع قبيل الاحتفالات بعيد الميلاد (الكريسماس)، عام 2016".

وقال مونش؛ إنّ القصور الذي وقع في الإجراءات القانونية المتعلقة بشؤون الأجانب والمراقبة والملاحقة الجنائية، للتونسي أنيس العمري، الذي نفّذ بعد ذلك هجوم الدهس في برلين، لا يمكن أن يحدث بعد ذلك الآن.

ومن ناحية أخرى؛ وصف مونش التهديدات من اليمين المتطرف على الإنترنت، بأنّها "تعرض الديمقراطية للخطر"، معلناً في الوقت نفسه تأسيس "مركز مركزي لمكافحة الكراهية على الإنترنت"، وقال: "يتعين علينا التصدي لجرائم الكراهية على الإنترنت بصورة أقوى، الإنترنت يبدو أحياناً مثل معقل أخير للغرب المتوحش، وعندما تؤدي تهديدات اليمين إلى عدم منافسة ساسة محليين في الانتخابات وانسحاب المتطوعين من نشاطهم التطوعي، فإنّ هذا يعتبر أمراً مهدداً للديمقراطية".

مونش يؤكّد أنّ تهديدات اليمين المتطرف تعرّض الديمقراطية للخطر ويجب التصدي لجرائم الكراهية

يذكر أنّ العمري استولى على شاحنة، في 19 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ودهس بها جموعاً بشرية في أحد أسواق الكريسماس في برلين، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وعقب الجريمة فرّ العمري إلى إيطاليا؛ حيث لقي حتفه بعد أربعة أيام، برصاص الشرطة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يعترفون: زرعنا 2500 حقل ألغام!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أبلغت ميليشيات الحوثي الإرهابية رئيس فريق المراقبين، الجنرال الهندي أبهيجيت جوها؛ بأنّ حقول الألغام التي زرعتها تتجاوز 2500 حقل، في منطقة المنظر والمنصة جنوب غرب الحديدة، وأنّ الذين زرعوا هذه الألغام قتلوا لذلك لا يستطيعون انتزاعها.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تؤكّد لرئيس فريق المراقبين أنّ الذين زرعوا حقول الألغام قُتلوا

وكان فريق الأمم قد أقام، أمس، رابع نقطة مراقبة في منطقة منظر للإشراف على وقف إطلاق النار، وربطها بغرفة العمليات في السفينة الأممية قبالة سواحل اليمن، متهماً ميليشيا الحوثي بقصف منازل المدنيين، في مديرية التحيتا ومواقع الجيش اليمني، رغم الجهود الأممية الرامية للتهدئة، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ".

ولفتت المصادر إلى أنّ الميليشيا ارتكبت خلال الساعات الماضية 20 خرقاً، وتعرضت نقاط لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الثلاث في شرق الحديدة لاستهداف مباشر.

في غضون ذلك؛ طالب نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في اليمن، رضا قريشي، بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي، مؤكداً أنّ البرنامج قدم غداء ودواء وماء تكفي لـ 3 أشهر.

وأوضح في بيان له أمس؛ أنّ 200 شخص ما يزالون معرضين للخطر في المدينة، وسط تفاقم معاناتهم وتوقف المراكز الصحية والمحلات التجارية.

برنامج الغذاء العالمي في اليمن يطالب بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي

وتتخذ المليشيا من المدنيين في الدريهمي دروعاً بشرية، وتمنع خروجهم إلى أماكن آمنة بعد أن زرعت حزام ألغام حول المدينة.

ونجح برنامج الغذاء العالمي، الأسبوع الماضي، بعد أن تمكنت قوات التحالف العربي وآليات كاسحات الألغام من تنظيف الطرق المؤدية إلى المدينة من الألغام الحوثية، في تأمين دخولهم عبر طرق ريفية وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين.

 

للمشاركة:

لليوم السابع.. احتجاجات لبنان تستمرّ ولا بوادر للانفراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

تتواصل الاحتجاجات في لبنان، لليوم السابع على التوالي، وتشهد البلاد شللاً جزئياً، بفعل قطع المحتجين لمعظم الطرقات الرئيسة في مختلف الأراضي اللبنانية، وإغلاق المدارس والمعاهد والجامعات والبنوك.

وبدأ المحتجون، منذ ساعات صباح اليوم، بالتوافد إلى ساحة رياض الصلح وسط بيروت، إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"، كما يسمّيها المحتجون، وسط رفض تام للورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة اللبنانية، في محاولة لرأب الصدع الاقتصادي والمعيشي الذي أدّى إلى انفجار الشارع، وفق "روسيا اليوم".

المحتجون منذ ساعات الصباح يتوافدون إلى وسط بيروت إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"

إلى ذلك، يصرّ المحتجون على إقفال الطرقات المؤدية إلى العاصمة مع بداية كلّ يوم؛ حيث تعمل القوى الأمنية بالتفاوض مع المحتجين إلى فتحها ولو جزئياً في ساعات المساء.

كما يعمد المحتجون إلى قطع الطرقات التي تصل جنوب لبنان ببيروت، وبيروت بجبل لبنان والبقاع والجنوب، تأكيداً على عدم مركزية الاحتجاجات وانتشارها في كلّ أرجاء البلاد.

وبينما أصدر وزير التربية والتعليم العالي، أكرم شهيب، قراراً بإعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات اليوم، ولا يبدو أنّ قراره لقي آذاناً صاغية؛ حيث أقفلت اليوم أيضاً غالبية المدارس في كلّ لبنان، فيما تركت معظم المؤسسات الخاصة الكبيرة تقدير إمكانية الحضور للموظفين وفق ظروف مناطقهم.

وأفادت صحف محلية؛ بأنّه "تمّ تشكيل قيادة من مدنيين وعسكريين متقاعدين، لإدارة حركة الاحتجاجات، ويجري التكتم على إعلان أسمائهم لتجنب الخلافات".

سياسياً؛ أفادت صحيفة "الجمهورية" بأنّ اتصالاً جرى ليلاً بين رئيس البرلمان، نبيه بري، ورئيس الحكومة، سعد الحريري، أكّد خلاله الأخير؛ أنّ "الحديث عن استقالة الحكومة ليس وارداً، وليس مطروحاً على الإطلاق، وبالتالي لا توجد استقالات أو تعديل للحكومة، والأولوية للتنفيذ السريع للمقررات التي انتهى إليها مجلس الوزراء".

وكانت معلومات قد تحدثت، أمس، عن احتمال إجراء تعديل وزاري يطيح بالوزراء "الاستفزازيين" في الحكومة، بهدف امتصاص نقمة الشارع، إلا أنّ هذه الاقتراحات لم تلقَ قبولاً من المحتجين.

ومع اقتراب نهاية الشهر، برزت علامات استفهام في شأن مصير الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، في ظلّ استمرار المصارف في إقفال أبوابها اليوم أيضاً.

الحريري وبري: لا توجد استقالات أو تعديل حكومي، والأولوية للتنفيذ السريع لقررات مجلس الوزراء

وفي هذا السياق؛ طمأنت وزارة المالية بأنّ "دوائرها المختصة تتابع العمل على إنجاز معاملات دفع الرواتب كالمعتاد في مثل هذا التوقيت من كلّ شهر، والتي ستحوَّل إلى المصرف المركزي في مواعيدها العادية والطبيعية".

وكانت مجموعة "لـ حقي" أعلنت في بيانها رقم 8، مساء الثلاثاء، استمرار التظاهرات في كافة المدن اللبنانية، حتى "استقالة الحكومة الفورية، وتشكيل حكومة إنقاذ مصغرة مؤلفة من اختصاصيين مستقلين لا ينتمون للمنظومة الحاكمة، فضلاً عن إدارة الأزمة الاقتصادية وإقرار نظام ضريبي عادل".

كما طالبت بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانوني انتخابي عادل، وتحصين القضاء وتجريم تدخل القوى السياسية فيه.

 

للمشاركة:



اللاعبون الأتراك في أوروبا: جدل الكروي والسياسي

2019-10-23

ترجمة: محمد الدخاخني


بُعيد ركضه للاحتفال بهدف التّعادل المتأخّر لصالح تركيا ضدّ فرنسا مساء الأحد 13 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، اضطُّر الّلاعب، كان آيهان، في النّهاية إلى الانسحاب بعيداً عن زملائه الّذين أخذتهم النّشوة. فقد بدأ هؤلاء في أداء التّحيّة العسكريّة، لكن الّلاعب، البالغ من العمر 24 عاماً، وزميله في فريق "فورتونا دوسلدورف"، كينان كارامان، امتنعا عن المشاركة في ذلك.

أثار المنتخب الوطنيّ التّركيّ غضب الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم بسبب تصرّفاته الداعمة لهجوم أنقرة العسكري على سوريا

بل بدا وكأنّ آيهان يخضع للّوم على يد أحد زملائه في الفريق لرفضه المشاركة في أداء التّحيّة العسكريّة.
ومؤخراً، قام كلّ من آيهان وكارمان بأداء التّحيّة العسكريّة في صورة للفريق أُخذت بُعيد المباراة، بعد فوزهم 1-0 على ألبانيا. وقد تصدّرت أفعالهم هذه عناوين الأخبار في ألمانيا بشكل سلبيّ وأثارت ردود فعل انتقاديّة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ؛ حيث اعتُبرت الإيماءة داعمةً للهجوم العسكريّ التّركيّ في شمال سوريا ضدّ الميليشيات الكرديّة.
وأدّت المشاركة غير المباشرة للّاعبين الألمانيّين الدّوليّين إيمري كان وإيلكاي غوندوغان إلى أخذ النّقاش نحو مساحة أبعد.
وكانت العمليّة العسكريّة لأنقرة قد أثارت انتقادات دوليّة، وأثار المنتخب الوطنيّ التّركيّ غضب الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم بسبب تصرّفاته، وقال الاتّحاد إنّه سيحقّق في الحادث. وتحظر قواعد هذه الهيئة الكرويّة التّصريحات السّياسيّة.

أدار أيهان ظهره في احتفالات التحية العسكرية لزملائه

القوميّة تعكّر المياه

يقول عالم السّياسة، ماهر توكاتلي، إنّ علاقة تركيا بالقوميّة كانت دائماً مصدراً للمشكلات.

قال الاتّحاد الأوروبي إنّه سيحقّق في الحادث وتحظر قواعد هذه الهيئة الكرويّة التّصريحات السّياسيّة

ويضيف: "تلعب القوميّة دوراً بارزاً ومهمّاً جدّاً في تركيا. ودور الجيش يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوميّة. ولهذا السّبب لا يجب أن تُفهم التّحيّة على أنّها تعاطف مع الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان ولكن بوصفها تعبيراً عن نمطٍ قوميّ تركيّ غير صحّيّ للغاية، نمط قوميّ دنيء يتجاهل حرباً تنتهك القانون الدّوليّ".
ووقف فريق فورتونا إلى جانب لاعبيه المولودين في ألمانيا بعد أن قاما بالتّحيّة العسكريّة الأولى؛ حيث تحدّث المدير الرّياضيّ، لوتز بفانينستيل، إلى الّلاعبين وأكّد أنّهما أرادا فقط التّعبير عن التّضامن مع الجنود الأتراك ومع أحبّائهم.
وصرّح بفانينستيل قائلاً: "إنّنا على قناعة بأنّه لم يكن لديهما خيار آخر سوى التّعبير عن موقف سياسيّ. ويدافع الّلاعبان عن القِيَم الّتي يعيشها نادينا".
ويبدو أنّ آيهان وكارامان قد أقرّا كلمات بفانينستيل. لكن آيهان على وجه الخصوص تلقّى انتقادات من عشّاق تركيا على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، الّذين وصفوه بأنّه "غير محترم".

ممزّقٌ بين ثقافتين

قد يكون من الصّعب بالتّأكيد استرضاء مجتمعين مختلفين. وفي هذه الحالة، يدور الحديث حول قواعد المعجبين في كلّ من تركيا وألمانيا. يعتقد توكاتلي أنّ بيان فورتونا قدّم "من الالتباس أكثر ممّا قدّم من الوضوح" وأنّ كلا الّلاعبين يتعرّض للضّغط.
ويضيف: "ليس من السّهل على المرء أن يخدم كلتا الثّقافتين. وهذا التّعقيد يمكن رؤيته في قضيّة مسعود أوزيل. ففي البداية أُشِيدَ بقراره الّلعب مع ألمانيا... بينما أشار إليه الجمهور التّركيّ باعتباره خائناً. وبُعيد الصّورة الّتي التقطها مع أردوغان، انقلب الوضع: في ألمانيا لم يعد يعتبر نموذجاً للشّخص الّذي اندمج في مجتمعه الجديد، بينما في تركيا أشاد به النّاس باعتباره (تركيّاً حقيقيّاً)".

شعبيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ فاقمت من احتمال تفجير مثل هذه القضايا الملحّة عبر الإنترنت

مُقلِّدون من درجة أقلّ
اتّخذ نادي الدّرجة الثّانية "سانت باولي" موقفاً مختلفاً عن ذاك الّذي اتّخذه "فورتونا" عند التّعامل مع لاعب الفريق سينك شاهين. فقد كتب الّلاعب التّركيّ البالغ من العمر 25 عاماً في منشورٍ - حُذِف الآن - على إنستغرام: "نقف إلى جانب جيشنا البطل، ونصلّي من أجله". وعلى الفور، أُخبِر شاهين أنّه لم يعد بإمكانه التّدرّب أو الّلعب في النّادي.

توكاتلي: تُفهم تّحيّة اللاعبين بوصفها تعبيراً عن نمطٍ قوميّ تركيّ غير صحّيّ، نمط دنيء يتجاهل حرباً تنتهك القانون الدّوليّ

وقال بيان صادر عن سانت باولي: "العامل الأساسيّ في التّوصّل إلى القرارات كان تجاهله المتكرّر لقِيَم النّادي وضرورة حماية الّلاعب".
وسافر شاهين الآن للخضوع للتّدريبات مع فريق باشاك شهير التّركيّ، الّذي يتمتّع بدعم ماليّ من مديرين تربطهم صلات بالرّئيس التّركيّ أردوغان.
وقد أصبح لاعبو كرة القدم الهواة في ألمانيا منخرطين أيضاً في الجدل بعد أن قام فريق يتكوّن من لاعبين تحت سنّ الـ 19 عاماً من تركسبور/كاغريسبور بمحاكاة التّحيّة العسكريّة بُعيد الاحتفال بالفوز في نورمبرغ.
وتحرّك الاتّحاد البافاريّ لكرة القدم على الفور لإدانة الإجراءات في بيان جاء فيه: "الّلاعبون الّذين يسيئون لكرة القدم عبر القيام بحركات استفزازيّة ذات دوافع سياسيّة قد يُتّهموا بالتّمييز بموجب المادة 47-أ من قانون الإجراءات القانونيّة ويكون عليهم في النّهاية مواجهة عقوبات صارمة".
وقال مدير الاتّحاد جوزيف يانكر: "كرة القدم تعني الّلعب النّظيف والاحترام والّلاعنف والتّسامح والتّقدير. وبالتّالي، فإنّنا لن ننحرف مطلقاً عن سياسة عدم التّسامح في حوادث العنف أو التّمييز".

خطوط مشوّشة
في خضمّ هذا النّقاش المعقّد، من الواضح أنّ سرعة وشعبيّة وسائل التّواصل الاجتماعيّ قد فاقمت من احتمال تفجير مثل هذه القضايا الملحّة عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإنّ توكاتلي يصرّ على أنّه يتعيّن على لاعبي كرة القدم اعتماد نهجٍ أكثر استنارة واعتباراً في عمليّة اتّخاذهم للقرار.
يقول: "ليست هذه من المواقف الّتي يتحتّم فيها الخسارة. فهناك دائماً إمكانيّة لتجنّب المواقف الشّائكة".


يانيك سبيت، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/salute-or-silence-german-turkish-footballers-face-...

للمشاركة:

هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية