أكاديمي مصري يتهم ابن خلدون بأنه "من كبار المنافقين في التاريخ"

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
6602
عدد القراءات

2018-10-25

أجرت الحوار: منى يسري


اتّهم أستاذ التاريخ، في كلية الآداب، بجامعة طنطا، الدكتور محمد فياض، مؤسس علم الاجتماع في الإسلام، المؤرّخَ ابن خلدون بأنّه "واحدٌ من كبار المنافقين في التاريخ الإنساني" وأنّهُ يجسّد العلاقة الانتهازية بين السلطة والمثقف. وفيما خص الممارسات الإرهابية لداعش، قال إنها لا تختلف كثيراً عن محطات مر بها التاريخ السياسي في حقب عديدة من الدولة الإسلامية.

ما نشاهده من عنف وظلم وإرهاب من جماعة الإخوان ليس وليد اليوم بل هو منصوص في وصاياهم السوداء

ويعيد فياض مقولة إنّ التاريخ يعيد نفسه في صور مختلفة؛ حيث يقول في حوار إشكالي مع "حفريات" بأنه "لا فرق كبير بين مفهوم الجهاد التاريخي الذي روّجت له الدولة الأموية، وبين ما يمارس اليوم على الصعيد العالمي، من إرهاب ممنهج" موضحاً أنّ "أمهات كتب التراث هي منبع هذا الفكر الذي اندثر مع الزمن".
وللدكتور فياض العديد من المؤلفات من بينها، "نشأة التشيع وإشكالية خلافة الرسول حتى مقتل الحسين" و"فرق الشيعة بين النشأة والتطور والعمل السياسي" و"حركة التشيع الإسماعيلي وأثرها على تطور المشروع الشيعي – قيام الدولة الفاطمية"، و"التشيع الشعبي في العراق "، وسواها.
هنا نص الحوار:
كيف ترى العلاقة بين الجهاد بمفهومه المعاصر لدى الإسلامويين وتاريخه القديم؟

المتأسلمون الباكون على الخلافة، تمتدّ بكائياتهم ولطمياتهم للحديث عن الجهاد، وهو السمة الملازمة لفترة الخلافة الناصعة من وجهة نظرهم. ربما لا يوجد مصطلح مفخخ في التراث يفوق مصطلح الجهاد الإسلامي، فالجهاد انتهي به الأمر، كصفة متلازمة لكلّ ما هو دموي كما في حال داعش، وما بين البلاغ المبين وداعش جرت دماء كثيرة، دماء تسبّب فيها هذا المصطلح نتيجة سوء فهمه وضحالة تأويله وصولاً لإفلاسه، يمكننا مثلاً أن نرصد المرحلة المحورية في تطور فكر الجهاد عقب مقتل الخليفة عثمان بن عفان، إبان ما عرف بالفتنة الكبرى، الذي تحولت فيه دفة الجهاد من فكرة البلاغ المبين إلى صراع إسلامي إسلامي، يتمحور حول السلطة، والذي سنجده في معارك الجمل وصفين والنهروان، وما تلا ذلك من تشويه حقيقي لمصطلح الجهاد، لتنشأ ظاهرة الجهاد (الإسلامي/ الإسلامي)، والتركيز على نمط جديد من أنماط الجهاد، وهو جهاد الداخل، الذي بلغ ذروته في العصر الأموي، ووصل حدّ التطرف في العصر العباسي.

المصادر التاريخية تمارس بشكل ممنهج عمليات تطهير الدماء التي سالت بأوامر الخلفاء، حتى وصل الأمر بأن يذبح الأخ أخاه

وربما لا يمكننا أن نتغافل عن دوافع أخرى شابت حركة الجهاد الأموي، فعلى سبيل المثال؛ فقد دفع طموح معاوية بن أبي سفيان لتولية ابنه يزيد ولاية العهد، بتسويق يزيد للعالم الإسلامي بأنّه أحد القادة المسلمين المجاهدين، أي تلميعه بالمصطلح الإعلامي، وإظهاره بمظهر التقوى الشخصية، والدعاية الخاصة له عن طريق الجهاد، ولذلك وجهه بقيادة جيش للجهاد على الجانب البيزنطي، واشترك مع يزيد في هذا الجيش؛ بل وتحت قيادته، العديد من الأسماء اللامعة، مثل: أبي أيوب الأنصاري، والحسين بن علي، قبل أن يخرج عليه، وعبد الله بن الزبير، وقد شاركوا في هذا الجيش كجنود تحت إمرة يزيد بن معاوية، وبالفعل أردف هذا الجيش فغزا حتى بلغ القسطنطينية في ظروف صعبة، كان الجيش الأول يعاني منها هناك من انتشار الحمى والجدري وغير ذلك، وكان ذلك تسويقاً من معاوية ليزيد أمام الرأي العام الإسلامي آنذاك، فأرادوه بذلك أن يحرز مكسباً أدبياً يرفع من شأنه، ويمحو ما تواتر عنه من تهاون، ومن المثير للسخرية أنّ الحسين بن علي سيُقتل بعد ذلك بأمر من يزيد بن معاوية، زميله في الجهاد ضدّ البيزنطيين، بعد أن خرج الحسين عليه، كنمط آخر من أنماط الجهاد ضدّ الخارجين، وهو المصير نفسه الذي سيلحق أيضاً زميلهم الآخر، عبد الله بن الزبير، لاحقاً.
التاريخ يكتبه المنتصرون

ابن خلدون يعبّر عن حالة خطيرة من حالات الرؤية الأحادية لكتابة التاريخ

كأستاذ ومتخصص في التاريخ الإسلامي، لماذا ظلّ كلّ هذا التدليس التاريخي ملمحاً أساسياً في كتابة التاريخ الإسلامي، رغم وجود حركات معارضة قوية استطاعت خلخلة استقرار كرسي الخلافة؟

التاريخ شأنه دائماً أن يكتبه المنتصر، وهو ما حدث أيضاً بشكل واضح في التاريخ الإسلامي؛ فتاريخ الدولة الأموية كُتب في عصر الدولة العباسية، وتاريخ الأمين كُتب في عصر المأمون إلى غير ذلك، فضلاً عما اضطلع به المؤرخون أساساً من تدليس ، ففليسوف التاريخ مثلاً، ابن خلدون، هو عندي واحد من كبار المنافقين في التاريخ الإنساني؛ فهو صاحب المقولة المشهورة "في إفريقيا وافق، أو نافق، أو غادر البلاد"، كما أنّ ابن خلدون أيضاً يعبّر عن حالة خطيرة من حالات الرؤية الأحادية لكتابة التاريخ؛ فهو فليسوف التاريخ ومؤسس علم الاجتماع، وصاحب المقدمة العظيمة لدراسة التاريخ، لكنّ اللقطة الأهم في حياته، كما عبّر عنها هو نفسه، لم تكن سوى رقص دائم على الكراسي الموسيقية لرجال السلطة، على مختلف توجهاتهم وسياساتهم، فالرجل هو المعبر بامتياز عن بشاعة علاقة المثقف بالسلطة، فلأجل المناصب لم يترك مائدة سلطان إلا وأكل عليها من مشارق العالم الإسلامي ومغربه، ولم يتورع عن ممارسة النفاق في أعلى صورة حتى مع المجرم، تيمورلنك، نفسه لأجل عين المصلحة والمصلحة فقط.
يتضح من حديثك أن التاريخ الذي بين أيدينا اليوم ليس إلّا ما أراده الحكام، وكتبه متملقو السلطة مريدو المال؟
بالطبع، الصلة بين المال والسلطة تجلت بشكل كبير في تلك الحقبة، ومن هنا نرى كيف ارتبط التأريخ ببعض الهبات والثورات في التاريخ الإسلامي؛ فالثورة تمرّ بعدة مراحل في التأريخ لها؛ ففي بدايتها تتم الكتابة عنها بشيء من الدونية والتشويه، وتعاني كثيراً من مؤرخي السلطة، فإذا انتصرت؛ فإنّ التأريخ يرفعها لعنان السماء، لتصبح هي السلطة الحاكمة، فيصير لها رجالها وأقلامها ومؤرخوها، الذين يصبحون مؤرخي سلطة؛ بل قد تمارس بدورها هي الأخرى ما مورس عليها سابقاً من حملات تشويه على النظام الذي ثارت عليه، أما إذا فشلت الثورة في النجاح؛ فإنها سوف تُسحل على صفحات التاريخ، وتتهم بالغوغائية، وبأنها البغي في أعظم صورة، وذلك من قبل مؤرخي البلاط الرسميين، وما بين تلك المنحنيات، وما بين ثورة وثورة تضيع الحقيقة التاريخية.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
إننا في التاريخ الإسلامي، على سبيل المثال، نتوقف أمام محطات كثيرة شائكة؛ منذ الفتنة الكبرى، وخلافة علي بن أبي طالب، والتحزب من شيعة وخوارج والنظرة للأمويين، وخروج الحسين، وكربلاء، ويزيد، وقيام الدولة العباسية، والصراع العباسي العلوي، إلى آخر تلك المحطات الملغومة.
القتل والمشاعر المرهفة!

المؤرخون المسلمون كانوا يمارسون تبييضاً لصفحات التاريخ من الدماء

هل ترى أنّ داعش وما تفعله من ممارسات وحشية في خلافتها المزعومة ليست سوى محاكاة لتلك "المحطات الملغومة"؟
بالطبع؛ هناك تشابه كبير جداً بين الأحداث التي مرّ بها تاريخ الخلافة الإسلامية، وبين ما تقوم به داعش، الغريب أنّ المؤرخين المسلمين كانوا دائماً ما يمارسون عمليات تبييض لصفحات التاريخ من الدماء التي أغرقته، على سبيل المثال؛ تحدثت المصادر التاريخية بشكل درامي عن المشاعر المرهفة للعديد من خلفاء المسلمين، عقب انتهائهم من التخلص من معارضيهم، ومن المثير أنّ هذه الروايات قد بالغت في وصف هذه المشاعر الفياضة، التي تنتهي بدمعة تسيل على خدّ الخليفة، وربما تجف هذه الدمعة قبل أن تجفّ دماء هؤلاء القتلى.

هناك تشابه كبير جداً بين الأحداث التي مرّ بها تاريخ الخلافة الإسلامية وبين ما تقوم به داعش

أولى هذه الإشارات؛ تأتينا للحديث عن حزن معاوية بن أبي سفيان على قتل حجر بن عدي بالكوفة، فتذكر أنّ معاوية قد ندم على قتل حجر، وبحسب هذه النصوص؛ فإنّه رغم أنّ معاوية كان على يقين تام من خطأ حجر، إلا أنّه لم يكن مستريحاً، لذلك قبل إصداره الحكم على حجر وأصحابه، كان متردداً في ذلك، وتكلم مع زياد بن أبيه في هذا الأمر، لكنّ الأخير قد أشار عليه بضرورة قتلهم، حتى أنّ المصادر قد بالغت في التأريخ الدرامي لهذا الحدث من أن معاوية أرسل رسولاً ليخلصهم في اللحظات الأخيرة، لكنّ الأمر كان قد تمّ، طبقاً للرواية، فضلاً عما ذكره معاوية للسيدة عائشة؛ من أنه قتل حجر عندما لم يحضره قوم ذوو رشد وحكمة مثل السيدة عائشة، وفي هذا المنحى؛ تذكر بعض الروايات أنّ رجلاً اسمه عبد الله بن يزيد بن أسد دخل على معاوية، وهو في مرضه الأخير الذي مات فيه، فرأى منه جزعاً، فقال: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك؟ إن متّ فإلى الجنة، وإن عشت فقد علمت حاجة الناس إليك، فقال له معاوية: رحم الله أباك، إنّه كان لنا ناصحاً، نهاني عن قتل حجر بن عدي.
قتل المخالفين
إذاً؛ كيف مارست المصادر التاريخية دورها في الترويج لعمليات القتل الممنهج؟

كانت المصادر التاريخية تمارس بشكل ممنهج عمليات تطهير الدماء التي سالت بأوامر الخلفاء، حتى وصل الأمر بأن يذبح الأخ أخاه، لكنّ دمعة ولحظة ندم كانتا كفيلتين، من وجهة نظر المؤرخين، بأن تمحوا هذه الخطايا وتبيضا الوجوه.
والحكايات كثيرة؛ منها حكاية الحلاج: الذي تمّ تكفيره واتهامه بالشرك، نتيجة أفكاره وأقواله، مثل مقولة "أنا الحقّ"، وانتهت هذه المشاهد باتخاذ الخليفة العباسي المقتدر بالله (295-320هـ/ 908-932م) قراراً بإعدامه، وفي يوم الثلاثاء 24 من ذي القعدة عام (309هـ /921م)، تم تنفيذ حكم الإعدام به بطريقة أقل ما توصف به أنها بشعة؛ حيث صُلب وقُطِّعت أطرافه، وسُملت عيناه، ثم قُطعت رأسه، وأُحرق جسده، في واحد من المشاهد المأساوية في التاريخ الإسلامي.

اقرأ أيضاً: رنا عيسى: المثقفون هم المشكلة الأساسية وليس الشارع
ذلك التدليس نفسه والتبييض التاريخي؛ ما ذُكر عندما أمر أبو العباس السفاح بقتل فلول الأمويين، وبالفعل تم التنفيذ، في مذبحة أبي فطرس، بيد عمه عبد الله بن علي، الذي أمنهم، وأمر جنوده بغلق السرادق عليهم، وتم ذبحهم عن آخرهم، ثم أمر بعد ذلك بفرش البسط عليهم، وطلب الطعام، وكان يأكل وسط تأوهات القتلى، ولما انتهى من طعامه قال: "لعمري ما أكلت أكلة أطيب، ولا أهنأ إلى نفسي من هذه الأكلة"، الغريب أنّ المصادر التاريخية قد حاولت تبييض صفحته قائلة: إنه سمّي "السفاح" لأنّه كان يسفح في الخير.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أما المأمون؛ فقد انخرط في صراع مع أخيه الأمين لأجل الخلافة، ولن أستطرد طويلاً في الحديث عن ظروف وملابسات هذا الصراع، لكنني سأذكر المشهد الأخير في حياة الأمين، كما تنقله المصادر التاريخية، وبحسب النص التالي؛ الذي يصف نهاية الأمين، والذي قال لمرافقه: "ماذا تراهم يصنعون؛ أتراهم يقتلونني أم يفون بأمانتهم؟ وقد كان هارباً يسبح في مجرى مائي، فأخرجوه من الماء، وجعل يضم على نفسه بالخرقة التي على كتفيه، وكان الجوّ شديد البرودة وهو عارٍ، فاقتحمت قوات المأمون عليه الدار الذي حُبس فيه، وبأيديهم السيوف، فلما رآهم الأمين قام قائماً وقال: "إنّا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي، أما من حيلة، أما من مغيث، وأخذ يدافع عن نفسه بالوسادة التي كانت بجانبه، ويصيح: أنا ابن عمّ الرسول، أنا ابن هارون الرشيد، أخو المأمون"، لكنّهم تكاتفوا عليه وذبحوه، ونصبوا رأسه على أحد أبراج المدينة، ودعي الناس للخروج والنظر إليه، وأخذ قائد جند المأمون يقول: "هذا رأس المخلوع"، وبعث الرأس لأخيه المأمون، "وبغضّ النظر عن هذا المشهد، الداعشي بامتياز، تستمر الرواية بالحديث عن موقف المأمون، وبكائه على أخيه المذبوح.

منابع عنف جماعة الإخوان

ممارسات داعش تستند إلى نصوص لسيد قطب وابن تيمية

هل نستطيع الجزم بأنّ الإطار الفكري لعناصر داعش، هو الإطار الفكري ذاته لجماعة الإخوان، وأن المنبع واحد رغم اختلاف المظهر والخطاب؟ ولماذا؟
إنّ ما نشاهده من عنف وظلم وإرهاب من جماعة الإخوان، ليس وليد اليوم؛ بل هو أمر منصوص عليه في وصاياهم السوداء، المستمدة من كتب التراث المفخَّخ. تجدين كتاب "الفريضة الغائبة"، لمحمد عبد السلام فرج، يعتمد على سيد قطب وابن تيمية، وتجدين سيد قطب يعتمد على ابن تيمية، وتجدين ممارسات داعش تستند إلى نصوص لسيد قطب وابن تيمية، وممارسات تراثية بشعة، هو مجرّد "كتالوج" واحد، ممتد من العصور الوسطى حتى خلافة داعش المزعومة.

اقرأ أيضاً: المثقف وجهاً لوجه أمام التحولات الكبرى
ففي كتابات سيد قطب، على سبيل المثال، شرعنة للعنف في مواجهة السلطة، فيقول في هذا الصدد: "إننا نواجه جاهلية اعتقادية تصورية، تقوم عليها أنظمة واقعية عملية، تسندها سلطات ذات قوة مادية، ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه، تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها، بل ورفض كلّ أشكال الزعامات البعيدة عن إطار الجماعة؛ حيث نادى سيد قطب أيضاً "بنزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشايخ القبائل والأمراء والحكام".

اقرأ أيضاً: عزمي بشارة: مثقف تحت الطلب لخدمة مصالح قطر
وفيما يتعلق بقدسية الحدود الجغرافية وحرمتها؛ فإنّ جماعة الإخوان المسلمين لا تعترف أصلاً بوجود مثل هذه الحدود؛ بل هي عند سيد قطب حفنة من تراب عفن، حتى إنّ حسن البنا نفسه قد قال في شأنها: "أما وجه الخلاف بيننا وبينهم؛ فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية ..."، ويستمر قائلاً: "ودعاة الوطنية لا يعنيهم إلّا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض".

اقرأ المزيد...

الوسوم: