تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال

6920
عدد القراءات

2018-09-03

أجرى الحوار: خالد بشير


قال أستاذ النقد والأدب الإنجليزي د.تيسير أبو عودة إنّه لا يمكن محاكمة صورة المثقف أو تمثيلاته إلا  من خلال علاقته الجدلية بالسلطة والحكومة والجماهير، مؤكداً أنّ "خيانة المثقف" هي خيانة للقيم العالمية التي شكلت جوهر الثورات الإنسانية الكبرى، والتي تصب دوماً في ثالوث: العدالة، والحرية، والمساواة.

مصطلح المثقف تم تسليعه كضرب من الكليشيهات المعرفية التي استهلكها المثقفون المتعاقدون مع الخطاب الرسمي

وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّه لا يمكن أن تهدأ المعركة بين المثقف والسلطة ما دامت تحاول تكميم الأفواه، وتدجين المثقف؛ بل وتغيير دوره؛ الاجتماعي والسياسي، وذهب إلى أنّ كثيراً من الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث؛ عربياً وعالمياً، تحولت في ظل موجات الرأسمالية المتلاحقة إلى حاضنات أيديولوجية، "مما يجعل دور المثقف الجماهيري يشبه دور النبيّ الأعزل أمام جرافات العولمة والخصخصة والليبرالية الجديدة".

والدكتور تيسير أبو عودة، باحث أردني متخصص في الأدب المقارن، وهو أستاذ النقد والأدب الإنجليزي في الجامعة العربية المفتوحة، وحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة إنديانا في بنسلفانيا، في تخصص "أدب ما بعد الاستعمار".

وهنا نصّ الحوار:

استنزاف المثقف

هل ترى أنّ مصطلح المثقف قد استهلك واستنزف دلالته عربياً، خصوصاً مع ظهور وصعود مصطلحات ومسميات أخرى كالكاتب، والباحث، والخبير؟

أعتقد أن مصطلح "مثقف" ليس في أصله عربياً، وإنما هو تراكم معجمي غربي له دلالاته المعرفية، والأخلاقية، والتداولية، والاجتماعية، والسياسية، وكلمة "المثقف" في جوهرها الدلاليّ والمعرفي قد مَرّت بتحولات وتمظهرات سياسية واجتماعية كثيرة، بدءاً بالسياق الفرنسي، الذي تجلّى من خلال وعي جمعي وجماهيري، وخير مثال على هذه الوعي التراكمي صورة المثقف لدى فولتير، وسارتر وفوكو وغيرهم.

يبقى دور المثقف التنويري والمنشق في غاية الأهمية لأنه يشكل ضمير الأمة وبوصلتها الأخلاقية

لقد تنبأ فوكو بأمر في غاية الخطورة وهو استبدال المثقف الخبير والمتخصص بالمثقف العالمي! ثمّة علاقة وطيدة بين المثقف الجماهيري والتنويري والثورة الفرنسية، وما تحمله من قيم محليّة وعالمية كالعدالة والمساواة والحرية. أما في السياق الانجليزي، فالمفارقة تكمن في أن كلمة المثقف أو المفكر تشي بنبرة سخرية لدى الكثيرين حتى القرن العشرين، حسب ريموند وليامز وبرتراند راسل، وربما ارتبطت كثيراً بطبقة برجوازية متواطئة مع السلطة، وتتوارى دائماً خلف برجها العاجي.

أما في السياق العربي، فأعتقد أن مصطلح "المثقف" قد تم تسليعه كضرب من الكليشيهات المعرفية التي استهلكها المثقفون المتعاقدون مع الخطاب الرسمي؛ ثمة هستيريا إعلامية وبروباجاندا يقودها خندق الكتّاب الصحفيين، والخبراء المؤدلجين، والباحثين الذين تحكمهم أيديولوجيا المؤسسات الرسمية، والذين لا يملكون موقفاً أخلاقياً نبيلاً تجاه الجماهير المهمشة، والشعوب المسحوقة والقضايا الإنسانية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: المثقفون العرب الآن: بيانان وزمنان ورهانان

أتفق هنا مع أطروحة المفكر إدوارد سعيد، التي تؤكد أن المثقف المنشق والهاوي، الذي يحمل مشروعاً أخلاقياً، وموقفاً راديكالياً تجاه السلطة بكل أشكالها، لا يمكن مقارنته بالمثقف المحترف، أو المثقف الخبير، الذي يضع خبراته ونتاجه المعرفي تحت تصرّف السلطة، وخير مثال على ذلك برنارد لويس، كبير المستشرقين في العصر الحديث! ورغم أنّ راسل لا يرى أن للمثقف دوراً جوهرياً في صناعة التاريخ وصيرورة معركته مع السلطة، لكنّني أعتقد أنّنا لا نستطيع أن نحاكم صورة المثقف أو تمثيلاته إلا  من خلال علاقته الجدلية بالسلطة والحكومة والجماهير.

رأى سعيد أنّ المثقف "المنشق" الذي يحمل مشروعاً أخلاقياً لا يمكن مقارنته بـ"الخبير"

إلى أيّ حد برأيك تسهم الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية اليوم في الحدّ من دور "المثقف" ورسالته؟

ثمة تناقض مرعب في جسد الثقافة العربية، وهو أنّ من ينتج الثقافة المهيمنة هي المؤسسات الرسمية، والإعلام المؤدلج والجامعات التابعة للسياسات الممنهجة في دول يحكمها نظام شمولي بعيد عن روح الديمقراطية التي تمنح الشعوب إرادة حرة مستوحاة من شرطها الإنساني والمدني، وللأسف فكثير من الجامعات والمعاهد الأكاديمية ومراكز الأبحاث عربياً وعالمياً قد تحولت لحاضنات أيديولوجية أو ما يسميه تشومسكي بـ"الشركات الأيديولوجية"، مما يجعل دور المثقف الجماهيري يشبه دور النبيّ الأعزل أمام جرافات العولمة والخصخصة والليبرالية الجديدة، وأجندات الحكومات العربية في تهميش المثقف المنشقّ أو المثقف المعارض، من خلال ترويج حراك ثقافي مقنع تترأسه  مجموعة من المثقفين الدُمى، والخبراء والمتخصصين الذين يمارسون "خيانة أخلاقية" تجاه شعوبهم وتجاه قضايا الفساد والبيروقراطية والفقر والبطالة وهستيريا قوانين فرض الضرائب من قبل الحكومات المتعاقبة.

أصبح الطالب في كثير من جامعاتنا أداة طيّعة في يد السلطة أو متلقياً سلبياً تحكمه يد السلطة والنظام التعليمي البنكي

ربما يكون تشومسكي محقّاً في تأكيده على أهمية أن يكون دعم الجامعات من قبل الحكومات مستقلاً، وغير خاضعٍ لاعتبارات المنظمات غير الحكومية والإملاءات الدولية، وغير مرهون برفد خزينة الدولة كمصدر بنكيّ لا مؤسسة بحثية معرفية، وللأسف فقد عَصَفَت العولمة الجديدة وموجات الرأسمالية المتلاحقة بدور الجامعات الأخلاقي كمؤسسات بحثية ومختبرات لصناعة الإنسان وتزويده بأدوات النقد والمعارضة والإبداع.

لا توجد جامعة عربية واحدة مثلاً تتبنى مشروع باولو فريري فيما يخصّ مأسسة المنهج النقدي الإبداعي في مجابهة توحش الحكومات وتدجينها للشعوب والطلبة، حتى أصبح الطالب في كثير من جامعاتنا أداة طيّعة في يد السلطة، أو متلقياً سلبياً، تحكمه يد السلطة و"النظام التعليمي البنكي"، كما يسميه فريري. ومن هذا المنطلق يبقى دور المثقف التنويري والمنشق في غاية الأهمية، لأنه يشكل ضمير الأمة، وبوصلتها الأخلاقية، ورسولها القابض على جمر السؤال وافتضاح سياسات السلطة الدوغمائية والشمولية، فهو يتمثل صورة "بروميثيوس" في قدرته على فرك أنف الثقافة في وحلّ السلطة، وقدرته اللغوية والمعرفية على اجتراح خطاب مقاومة ضد كل أشكال القهر والإمبريالية والحياد.

لا توجد جامعة عربية واحدة تتبنى مشروع باولو فريري

خيانة المثقفين

بالحديث عن "خيانة المثقف"، البعض يرفض هذا التعبير انطلاقاً من القول بالنسبية وتجاوز حالة الاستقطاب الواضحة (الأبيض-الأسود) في عالم يزداد تعقيداً.. هل هو تعبير مثالي فعلاً؟ وهل ينتقص ذلك منه؟

لا نستطيع أن نتحدث عن صيرورة المثقف وعلاقته بالعالم والسلطة دون الاصطدام بموقف المثقف الأخلاقي من العالم والسلطة، وهذا يقودنا بالضرورة لما يسميه جوليان بندا "خيانة المثقفين"؛ إنّها خيانة تاريخية وأخلاقية لضمير الشعوب وقضاياها الكبرى وشرطها الإنساني، وهي أيضاً خيانة للقيم العالمية التي شكلت جوهر الثورات الإنسانية الكبرى، والتي تصب دوماً في ثالوث: العدالة، والحرية، والمساواة.

دور المثقف الجماهيري يشبه دور النبي الأعزل أمام جرافات العولمة والخصخصة والليبرالية الجديدة

أتذكر عبارة في غاية الأهمية في هذا السياق للفيلسوف نيتشه مفادها أنّنا مطالبون أخلاقياً أن نحمي الأقوياء والعباقرة من الضعفاء والتافهين، ربما ينسحب هذا القول على محاولات اغتيال الشخصية والتشهير التي يقوم بها كثير من مثقفي السلطة ضد المثقف الجماهيري المنشق وضد الحكاية الفلسطينية التاريخية. ثمة مفارقة كبيرة هنا تكمن في أن الصراع الذي يواجهه المثقف الجماهيري والأخلاقي لا ينبثق فقط من كاميرات الرقابة وسوط السلطة، وإنما أيضاً من المثقفين المتواطئين مع السلطة، والباحثين عن لقمة العيش مقابل تغيير المواقف الأيديولوجية والسياسية تجاه مراكز السلطة وحواضنها المتعددة.

اقرأ أيضاً: المثقفون هم المشكلة الأساسية وليس الشارع

لقد كان الحلاج مثقفاً ثورياً ومنشقاً، والطريقة التي قطعت فيها أوصاله وتم حرقه من قبل الخليفة دليل على نزعة الخوف العصابي الذي تكنّه السلطة تجاه المثقفين المؤثّرين في وعي الطبقة ووعي الجماهير، وتكفير المعري من قبل الكثير من الفقهاء الإسلاميين دليل آخر على خيانة المثقفين التي تمارس ضد كل المثقف المنشق على الأنساق الأصولية في الدين والفكر والسياسة. لا ننسى أن موقف المتنبي من السلطة كان إشكالياً جداً، خصوصاً في علاقته مع سيف الدولة الحمداني، رغم علو كعبه كشاعر عظيم. لا أظن أن المتنبي كان مثقفاً منشقاً أو جماهيرياً حسب توصيف تشومسكي؛ لأنه كان مأفوناً بنرجسية السلطة، ومكانته التاريخية رغم كثرة حُسّاده وأعدائه.

ضرب غسان كنفاني وناجي العلي مثالاً عالمياً لما يسميه الطاهر لبيب بالمثقف الملحمي

لدينا أمثلة كثيرة على خيانة المثقفين في السياق العربي والأوروبي، ومنها موقف هايدغر المخزي والمتواطئ مع النازية، وموقف سعيد عقل من القضية الفلسطينية، وعلى النقيض من هذه الصورة التي تمثّلت بخيانة المثقف، فلقد ضرب غسان كنفاني وناجي العلي مثالاً عالمياً لما يسميه الطاهر لبيب بالمثقف الملحمي؛ لأن السياق التاريخي والاجتماعي والنزعة الثورية الملحمية لدى كنفاني والعلي قد أنتجت خطاباً ثقافياً ثورياً في مجابهة الحصار الثقافي الذي مارسته الصهيونية في الداخل الفلسطيني وعلى الصعيد العالمي.

يرى جوليان بندا بأن "خيانة المثقفين" هي خيانة تاريخية وأخلاقية

بلورة أدوار جديدة

في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي رافقت "الربيع العربي".. هل تزداد الحاجة لبلورة دور جديد للمثقف؟ وما شكل هذا الدور؟

ثمة صعود ملحوظ للحركات الشعبوية والهويات الفرعية على المستوى العربي، وقد بدت هذه الظاهرة الجيوسياسية والسوسيولوجية جليّةً في أعقاب الثورات العربية، وما تمخّض عن الهجرات القسرية في سوريا واليمن، وليبيا، مما جعل المشهد العربي برمّته أكثر تعقيداً من قبل، خصوصاً أن الأوروبية العالمية تقوم بتجييش ممنهج ضد ما تسميه بالإرهاب العالمي الجديد، والحركات الأصولية الإسلاموية المنبثقة من هذا المشهد التراجيدي. ثمة سُعار محلي وعالمي مرعب ضد المهاجرين الجدد، سواء كان في أوروبا أم في الدول العربية، وهذا محكّ أخلاقي للمثقف الحقيقي لو أخذنا بعين الاعتبار ما قام بعض المثقفين العرب مثلاً في دعوتهم لطرد المهاجرين، أو ترحيلهم بحجة الأوضاع الاقتصادية الهشّة التي تمر بها الدول المضيفة، وبحجة أن هؤلاء المهاجرين يشكّلون حاضنة هوياتية للفكر الأصولي الإرهابي، لقد حذّر المفكر تودوروف من الآثار الكارثية للإسلاموفوبيا ورهاب الأجانب.

لا بد للمثقف من أن يتشابك مع الواقع وعلى الباحث أن يخرج من برجه العاجي

وبما أنَّ جذور هذه التحدّيات ضاربة في التاريخ، فمن الصعب إيجاد حلول متاحة لها، لم يعد هذا العالم نتاجاً لمجتمعات متجانسة ومنعزلة عن بعضها بعضاً؛ لقد وَجد الكثير من النساء والرجال أنفسهم منبتّين عن أوطانهم الأصليَّة، ومنخرطين في بيئات أجنبيَّة وعدائيَّة لهم، حيث يتوجَّب عليهم التعايش معها جنباً إلى جنب مع بعضهم بعضاً. لقد أصبح الاحتكاك الثقافي أمراً لا بدَّ منه، وهذا ما أكده المفكر تودوروف في حديثه عن أخطار الإسلاموفوبيا وتحولات الضحية، أعتقد أنّ تودوروف على حق في دعوته كمثقف جماهيري لإغلاق السجون التي يعذب فيها الكثيرون باسم الحصانة القانونية، وأنّ المركزية الأوروبية ما تزال تمارس دورها الإمبريالي بصورة مرعبة. وبناء عليه، لا بد للمثقف من أن يتشابك مع الواقع، ولا بد للباحث من أن يخرج من برجه العاجي، كي يشهر الحق في وجه السلطان. ربما ما يحتاجه الناس هذه الأيام هو إعادة تأثيث الثقة مع المثقف الجماهيري، وذلك من خلال قدرته على اختراق أكبر عدد ممكن الناس وتوسيع دائرة التأثير والتشابك وعدم الاكتفاء بدور الواعظ أو المنظر المعرفي.

حذر تودوروف من الآثار الكارثية للإسلاموفوبيا

إلى أي حدّ برأيك ماتزال السلطة تأبه بالمثقفين اليوم؟ هل فعلاً مايزال المثقف يشكل خطراً وتهديداً حقيقياً لها؟ وما هو شكل هذه المواجهة اليوم وحدودها؟

لا أعتقد أنّ السلطة تدير ظهرها للمثقف ودوره الاجتماعي والسياسي؛ لأنّه قادر على تشكيل وعي الجماهير، ولأنّه قادر على إثارة الحماس والحسّ الثوري فيهم.. لقد كان دور المفكّر البريطاني ثوماس بين مهماً جداً، حتى أن المانفيستو الذي قام بكتابته العام 1776 كان بمثابة إنجيل سياسي للجماهير الأمريكية، وخصوصاً أنّ جوهر خطاب ثوماس بين قد تمظهر في قدرته على تبرير الثورة الأمريكية ضد الاستعمار البريطاني، وقدرته اللغوية والخطابية على تشجيع عامة الناس على الثورة، باعتبار الأمر قضية عالمية ومتعلقة بمستقبل العالم بقدر ما هي متعلقة بمستقبل الأمريكيين ورؤيتهم للدستور الجديد والديمقراطية في شكلها الراديكالي. الأمر ذاته ينسحب على مالكوم إكس، كمثقف جماهيري ثوري ومنشقّ، ولما كان يتمتع به من حس عبقري في تشكيل وعي "أفروأمريكي" جديد قادر على مجابهة الكثير من الأيديولوجيات التي تبناها الرجل الأنجلوساكسوني في عقدته التاريخية ضد الرجل الأسود في سياق "الأمة الأمريكية الإسلامية".

اقرأ أيضاً: المثقف والمأزق العربي الراهن

ما تزال دول عديدة حول العالم وفي العالم العربي تعتقل المثقفين والمفكرين الذين ينتقدون سياسات الدولة وينحازون للجمهور، وهذا دليل حاضر على أن المثقف الجماهيري ما يزال يشكل خطراً وتهديداً حقيقياً للسلطة، ولا يمكن أن تهدأ المعركة بين الطرفين ما دامت السلطة تحاول تكميم الأفواه، وتدجين المثقف، بل وتغيير دوره الاجتماعي والسياسي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جان كرم: المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة

2019-09-15

أجرت الحوار: رشا سلامة


على خلاف ما قد يخاله المتأمّل من قرب أفول الصحافة الورقية؛ فإنّ أستاذ الصحافة والإعلام اللبناني، جان كرم، يرى أنّ "هنالك أملاً في إقامة توازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على وجود الصحف ومهنيّتها، إلى حدّ ما، من جهة أخرى"، مع إقراره في الوقت نفسه بأنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة.
يقول كرم، الحائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981، إنّه "لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي سليم في ظلّ غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية، وحتى الإلكترونية".

تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد

في حواره مع "حفريات"، يقول كرم، الذي تقلّد منصب مدير مركز النهار للتدريب والبحوث، والمشرف العام على الدورات التدريبية للصحفيين اللبنانيين والعرب، بالتعاون مع مؤسستَي "إنترنيوز" و"MEPI" الأميركيتين، إضافة إلى منصبه كمشرف عام على ملاحق عدة في "النهار"؛ إنّه يضع اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"، التي جاءت خاتمة لستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرته التأليفية، في مدّة تربو على عشرة أعوام.
يُذكر أنّ جان كرم، من مواليد عام 1941، وقد مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى، أبرزها الجامعة اللبنانية، ومعهد الإعلام الأردني، إضافة إلى مناصب عدّة تقلّدها في الصحف والمطبوعات اللبنانية والعربية، كما قدّم مجموعة من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية، منها على، سبيل المثال لا الحصر، "جبران خليل جبران"، و"التوجيه في البلاغة والعروض"، و"مدخل إلى لغة الإعلام"، و"الدليل الصحفي العربي"، و"الإعلام العربي إلى القرن الحادي والعشرين"، و"التحوّلات نحو الحداثة في تحرير الأخبار".
يضع كرم اللمسات الأخيرة على مؤلَّفه "موسوعة الصحافة الميسّرة"

هنا نص الحوار:

يهجس معظم القائمين على الصحافة المكتوبة حالياً بإنقاذها من الإفلاس وإبقاء رأسها فوق مستوى الماء؛ ما الأسباب التي أفضت لكلّ هذا التدهور، وما تقييمك لمدى نجاح هذه الجهات في إحداث توازن بين معايير السوق والأرباح والخسارة من جهة، وبين المهنية الإعلامية من جهة أخرى؟

إذا كان سقوط الصحيفة المطبوعة (المكتوبة أو الورقية) سريعاً ومدوياً في الغرب؛ فهو في العالم العربي يتهادى مترنحاً بين سقوط محدود حاصل وسقوط مرتقب قابل للمعالجة، أما أسباب التدهور والسقوط فهي عديدة، منها: شيوع المواد الإخبارية والإعلامية على وسائل الإعلام والتواصل الأخرى "حالاً حالاً"، وعلى نطاق واسع وشبه مجاني، وفي صيغ جذابة وملحقة بالتحليل المتعدد الأصوات والاتجاهات، ومنها نزعة التفاعل مع البرمجيات الرقمية لدى الأجيال المخضرمة والشابة مما يدخلها لذة الاكتشاف، ومنها ذكاء أجهزة الاتصال والإعلام في دمج المرئي والمسموع بالاتصال الفوري، مما يضاعف الشعور بعجائبية التلقي، ومنها هجرة قسم كبير من الإعلانات مع مردوداتها المالية إلى المواقع والصحف الإلكترونية، ومنها أيضاً عدم تنازل أصحاب الصحف وكبار الكُتّاب والمراسلين عن أرباحهم ومرتباتهم الخيالية المستحقة مداراة للسقوط، وغير ذلك كثير.

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم في غياب ممارسة جادة وعميقة في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية

عربياً؛ لديّ اعتقاد بأنّ إمكانات النجاح في إقامة التوازن بين معايير الربح والخسارة، من جهة، والحفاظ على المهنية القائمة، من جهة أخرى، غير مستبعدة وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: طبيعة المساندة الحكومية المستترة والظاهرة، لدى معظم الأنظمة، لمعظم الصحف لقاء تناغمها الصارخ أو المعقول مع السلطة، مما يؤدي إلى ضمان توزيع سخي للأعداد على المؤسسات الرسمية والصديقة، وفي هذا ضمان الربحية كيفما اتفق.
ثانياً: عدم وصول الانتشار الإعلامي والاتصالي المتطور إلى غاياته القصوى في المناطق والكيانات العلمية والثقافية المتوسطة، مما يبقي الصحيفة الورقية المطبوعة هي الأقرب تناولاً وشراء.

ثالثاً: بناء على المعطَيين السابقين تبقى مردودات الإعلان عالية والأرباح مضمونة، ورابعاً: الاستفادة من تجارب الغرب في التحوّلات التي طرأت على صحفه، ما يخلق حذراً من محظور الإغلاق.

لذلك ستبقى الأحوال الصحفية المطبوعة تحت السيطرة.

صحافة بلا أجندة

حائز على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة السوربون الفرنسية في عام 1981
الإعلام متهم دوماً؛ ثمة من يراه مسؤولاً رئيساً عن معظم ما يحدث حالياً من احتقانات واستقطابات، فيما يرى بعض آخر أنّه يقف موقفاً سلبياً ولا يؤدي الدور المنوط به، ما هي وجهة نظرك حول الإعلام العربي عموماً، واللبناني تحديداً، في الوقت الحالي؟

الصحافة، ذات المهنية المؤكدة، لا دور لها سوى الشهادة على الواقع بلا أجندات مغلفة؛ لذلك، تتوالى فيها معالم إخفاقات واستقطابات وغيرها بشكل غير مقصود؛ بل على شكل انعكاس للواقع، وهذه هي مسؤوليتها الوحيدة، أما الصحف الخارجة عن المهنية الصحفية؛ فهي مجرد نشرات إعلانية في خدمة من يموّلها أو من ينشرها؛ لذلك لا يكون لها إلا دور سلبي في التعاطي مع الجمهور العام  يتمثل في الاختلاق والتشويه والتحامل والتحريض وإثارة النعرات من جهة، وتجميل القبح من جهة ثانية؛ هذا الوضع قائم في العالم كلّه، كما في العالم العربي ولبنان، إنّما طغيان اللا مهنية والانحدار نحو الزبائنية هو الممعن في التواجد والهيمنة على مساحة  العالم العربي ولبنان.

عملت عقوداً في الحقل الأكاديمي وفي التحرير الصحفي في كبريات المطبوعات؛ أيّ العملين كان أقرب لنفسك؟ وهل ترى أنّ السلك الأكاديمي أخذك، نوعاً ما، من الممارسة اليومية؟

لا وجود لتدريس أكاديمي صحفي جامعي سليم، في غياب ممارسة جادة وعميقة للعمل الصحفي في الصحافة المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وحتى الإلكترونية؛ فالنظريات التي يطلقها الأستاذ الجامعي تبقى زاداً فوقياً، ما لم ترفق بأمثلة واقعية عايشها وتمرّغ فيها هو شخصياً.

اقرأ أيضاً: كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟

من هنا، أنا لم أفترق يوماً عن ممارسة العمل الصحافي حتى في زمن التدريس، ولم أفصل بين مرحلة وأخرى، وإن كنت مرتاحاً إلى الزمن الأكاديمي ارتياحاً مطلقاً؛ لأنّه كان دائماً مرفقاً باستعادة التحرير ومندرجاته وتطوراته في أثناء ممارسة الأعمال التطبيقية.

تلقيت تعليمك العالي في فرنسا، وقد اختبرت الحياة الأكاديمية الغربية، والآن طلبتك ينتشرون في معظم الدول العربية بعد أن درّست في كثير من أقطار الوطن العربي؛ ما هي الفروقات التي رصدتها بين الحقلين الأكاديميين العربي والغربيّ في تعليم الصحافة والإعلام؟

جئت إلى العالم العربي، بجامعاته ومؤسساته الإعلامية، ومعي مخزون من الفكر والنظريات والرؤى في تدريس الصحافة والإعلام الحديث والتدريب عليهما، أهم ما في ذلك المخزون: المفهوم الحديث المتطوّر لمجمل الشائع عن وظائف الإعلام ومكوّنات الخبر والعلاقة بين المحرّر القائم بعملية الإرسال والمتلقي أينما كان، إضافة إلى الإيمان الواجب وجوده بضرورة الانقلاب المستمر على المفاهيم والممارسات القائمة، كلّما طرأ جديد ومثير عليها؛ فالتحوّل نحو الحداثة شأن يومي؛ بل لحظوي.

اقرأ أيضاً: كيف لا تختار دبي عاصمة للإعلام؟

لقد كان شائعاً عندنا، وعلى مساحة كبيرة من المجال الإعلامي العربي، الاسترخاء والنوم على حرير عند المفكرين الإعلاميين العرب وتطبيقاتهم، فقمت أنا وزملائي المشبعون بالتجارب الغربية على إيجاد فرق وتحوّل وبدا ذلك في النجاحات التي رافقت طلبتنا الخرّيجين والمتدرّبين حيث حطّت بهم الرحال في المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية.

مهادن أم فاقد للأمل؟

مارسَ العمل الأكاديمي والإشراف على رسائل الدراسات العليا في أقطار عربية شتى
من يقترب من جان كرم يلحظ كم هو مهادن حالياً من ناحية سياسية، ولا أخال أنّ هذه المهادنة كانت في وقت مضى؛ فهل تكفّل الزمن بالمصالحة بين جان كرم والسياسة، أم أنّ هذه المهادنة دليل على فقدان أمل في التغيير؟

اليومَ أحتفظ لنفسي بالإخفاقات والنجاحات السياسية التي اختبرتها في الأزمنة المتعاقبة، وكلّها يقود إلى فقدان الأمل بالتغيير.

كثر هم من ينعون الصحافة الورقية بشكل شبه يومي، منهم أكاديميون يُدرّسون الصحافة والإعلام في الجامعات؛ ما الذي يستشرفه جان كرم فيما يتعلق بالصحافة الورقية؟ وهل يظن أنّها إلى زوال فعلاً؟ كيف تصف مشاعرك حيال تكهنات من هذا القبيل بعد أن حفرت اسماً عريقاً في تعليم الصحافة المكتوبة؟

انتهى زمن النعي وحلّ زمن الانتقال إلى طبائع ما بعد النعي، الصحافة الورقية أو المطبوعة أو المكتوبة تتموضع اليوم في مكان متعدّد المنازل، منه منزل الموت المنتهي؛ حيث الإقفال إلى غير رجعة، لأسباب موضوعية، أهمها عدم التحسّب للحاصل والآتي، ومنزل الخاضع للمعالجة تيمناً بشفاء ممكن عن طريق خفض الانتشار والإنتاج والأرباح وإشراك العدو اللدود المتمثل بالموقع الإلكتروني بالإنتاج، ومنزل العابث اللاهي عن بكائيات الميت، فاخترع له مكاناً في العالم الرقمي القائم سعيداً، وأوجد صحافة ومواقع في الفضاء الليبرالي الممتد إلى الهواتف الذكية، سارقاً ما شاء من مكونات الصحافة التاريخية، ومضيفاً ما شاء من مخترعات تكنولوجيا الاتصال والإعلام.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟

هذا هو الواقع اليوم؛ هل أحزن لاطماً باكياً؟ لا، لأنّ منطق الوجود والحياة يقول بحتمية التحوّلات التي ستؤول إلى نهايات لا تستثني البدايات التاريخية، والبدايات الصحفية تكونت مع الصحافة المطبوعة وتحوّلاتها الداخلية.

موسوعة الصحافة الميسّرة

تعكف حالياً على موسوعة الصحافة؛ أين وصلت في كتابة هذه الموسوعة؟ وما الذي ستحمله من فرادة وخصوصية؟ هل استعرضت فيها التجربتين؛ العربية والغربية أم اكتفيت بواحدة؟ هلاّ حدثتنا عنها..

"موسوعة الصحافة الميسّرة" خاتمة ستة عشر كتاباً وعشرات الدراسات والمقالات في مسيرتي التأليفية، انتهت كتابة الموسوعة بعد عشرة أعوام من الإعداد وانتهت المرحلة الأولى من طباعتها بعد عامين من المراجعة وإعادة التحديث، تزامناً مع التطورات المتسارعة الطارئة على الصحافة والإعلام، إلى أن وصلنا للمسات الأخيرة القليلة لإطلاقها.
الموسوعة قسمان: الأول يتناول معاني المفردات والعبارات المتعلقة بالصحافة، وما يدخل في صناعتها ضمن الخصوصيات الآتية:

المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي غير المتخصص ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً ولزوم محدود الصلاحية

أولاً: العرض باللغة العربية وفقاً للترتيب الأبجدي.

ثانياً: الشرح باللغة العربية: إفرادياً، أو موسّعاً من خلال تحليل، أو مرفقاً بأمثلة.

ثالثاً: في المقابل ما يوازي المفردة أو العبارة بالفرنسية والإنجليزية.

رابعاً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الفرنسية، مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والإنجليزية.

خامساً: مسرد مستقل للمفردات والعبارات المقابلة باللغة الإنجليزية مرفقة بمعانيها المفردة بالعربية والفرنسية.

أما القسم الثاني؛ فيتناول الصحافة العربية في تفصيلين تاريخيين: الأول بداياتها في كلّ بلد عربي، والثاني أهم الروّاد والكبار فيها.

إنّها الموسوعة الأولى من نوعها في العالم العربي، وهي موائمة لمن يريد الاستزادة بالعربية، أو الفرنسية أو الإنجليزية.

ألا تجد أن تخصّص الإعلام في العالم العربي، وبالتالي القطاع المهني، بات يضمّ الغثّ والسمين، والكفؤ وغير الكفؤ، وتحديداً بعد بروز ظاهرة المواطن الصحفي واستسهال ممارسة الصحافة؟ وهل ترى أنّ المؤسسات الأكاديمية العربية تعاني خللاً في هذا السياق، أقصد عدم الغربلة؟

كان بإمكان تحوّل الصحافة والإعلام نحو الصناعة الربحية التجارية في العالم العربي أن يعزز استخدام الكوادر الصحفية والإعلامية عالية الكفاءة للتدريب، وإنتاج مستوى رفيع مدفوع الأجر، وانتشاراً واسعاً، وإعلانات سخية، لكنّ بعض التهاون والغباء جعل الأمر يمشي في اتجاه معاكس، مما راكم الطلب على الغثّ من المراسلين وشبه المراسلين؛ بل من أميّي الصحافة، اتكالاً على تصحيحات مأمولة في الغرف الداخلية، خاصة الـ "ديسك" المركزي، أضف إلى ذلك أنّ شيوع ظاهرة المواطن الصحفي، بما فيها من غياب المهنية وشروط الصحافة الأصيلة واستسهال تصيّد الأخبار الفاقعة ومجانية الاختيار، ضرب اهتمام الأكاديميين بتخريج أفواج من الإعلاميين الممتلئين ثقافة وإحاطة وافية بالمفاهيم وشروط الاختيار السليم والتقديم والتحرير.

اقرأ أيضاً: منتدى الإعلام بدبي.. إحياء الحضارات

وعلى هذا؛ فإنّ المؤسسات الإعلامية المتهاونة تكرّس الرداءة باستخدام المواطن الصحفي على علّاته، المطلوب هو أن يكون المواطن الصحفي، غير المتخصص، ذا حضور نادر في ظروف استثنائية جداً، ولزوم محدود الصلاحية، مرفقاً بكثير من التحفظ.
المطلوب من الأكاديميين الإعلاميين أن يخففوا من اندفاعهم نحو تكريس هذه الظاهرة، وما يرافقها من تخلّ تلقائي عن المبادئ والشروط القاسية لإنتاج صحافة مرموقة.

في خلاصة مبدئية، تقع مجموعة كبيرة من الكليات والمؤسسات الإعلامية العربية في خطأ الاستسهال والتهاون مع القارئ والمستمع والمشاهد، وهو أمر لن يستمرّ القبول به، وستتوالى الانقلابات عليه.

للمشاركة:

فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2019-09-10

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قال الباحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، فريد بن بلقاسم، إنّ حركة النهضة فقدت الكثير من رصيدها الانتخابي منذ العام 2011، وإنّ حظوظ مرشّحها للرئاسيات "ضعيفة"، مؤكداً أنّ تماسك قاعدتها الانتخابية، كما يزعم قادتها "صورة متوهمة".

حركة النهضة فقدت منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018 ما يقارب المليون ناخب

وأضاف بن بلقاسم، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ حركة النهضة كانت مجبرة على المشاركة في الانتخابات الرئاسية رغم تركيزها بالأساس على مجلس النواب "الذي يمكنها من التحكم في السلطة التنفيذية والمناورة في الرئاسية"، مؤكداً أنّ المراجعات التي تروج لها الحركة "مسألة فيها نظر، في ضوء الظروف المحلية والإقليمية التي تمّت فيها، مرجِّحاً أنّها مدرَجة إلى الآن في خانة "صناعة الصورة".
وأوضح، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس؛ أنّ مسألة قطيعة حركة النهضة مع الإخوان حولها "أسئلة كثيرة"، وهي داخلة في "باب الدعاية السياسية الانتخابية"، على حد تعبيره، متوقعاً ألا تفرز الانتخابات التونسية القادمة قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: إما تونس أو النهضة
وفريد بن بلقاسم باحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلاموية، له مقالات في قضايا الهوية وفي الإسلام السياسي، وصدر له، العام 2019، كتاب "الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر" عن دار الجنوب في تونس، وشارك في الكتاب الجماعي "ميراث النساء ووهم قطعية الدلالة"، ببحث عنوانه "في علم الفرائض دراسة تحليلية نقدية".
وهنا نصّ الحوار:
حظوظ حركة النهضة الانتخابية

نبدأ بالحديث عن حظوظ حركة النهضة في الانتخابات التشريعية والرئاسية، كيف تراها؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال؛ ينبغي أن نشير إلى أهمية هذا الموعد الانتخابي فيما أطلق عليه مسار الانتقال الديمقراطي في تونس؛ فهذه الانتخابات ستوضّح بنسبة كبيرة مدى النجاح في إقامة نظام حكم مبني على قواعد الديمقراطية، وخصوصاً على مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً كلّما وجدت حركاتها نفسها في أزمة

والمتابع للمواعيد الانتخابية في تونس، منذ 2011، يلاحظ التطوّرات الحاصلة؛ على مستوى المشاركة في الانتخابات، ومستوى قدرة القوى السياسية على المحافظة على رصيدها الانتخابي، وفي هذا المضمار نلاحظ أنّ حركة النهضة فقدت الكثير من قدراتها، وخسرت الكثير من خزّانها الانتخابي، ولكنّ حظوظها في هذه الانتخابات ليست مرتبطة فقط بهذا العنصر، وإنّما بعنصرين آخرين، هما: حجم المشاركة في الانتخابات القادمة، الرئاسية والتشريعية، من ناحية، وقدرة الأحزاب الأخرى على أن تكون بديلاً قوياً للطبقة الحاكمة اليوم من ناحية أخرى. وأعتقد، في ظلّ الواقع الراهن؛ أنّه من الصعب التكهّن بنتائج الانتخابات، لا سيما الانتخابات التشريعية، في ظلّ كثرة الترشّحات والضبابية، وتشتّت العائلة المحسوبة على التيار الحداثي في تونس، أمّا في الانتخابات الرئاسية فالأمر مختلف، وأعتقد أنّ حظوظ مرشّح حركة النهضة ضعيفة حتى في بلوغ الدور الثاني.
ولكنّ كثيراً من المحللين يرون أنّ "تماسك" قواعد النهضة مقابل تشتت أحزاب منافسيها قد يقوي حظوظها بالفوز؟
في رأيي؛ ينبغي أن نحدّد مَن هم قواعد النهضة؟ وهل هم يشكّلون كتلة متراصّة متماسكة كما يزعم قادة النهضة أنفسهم؟ أعتقد أنّ الأمر لا يعدو أن يكون صورة متوهّمة: هناك حزام قاعدي حول النهضة متماسك وقوي مبني على نوع من الولاء العقائدي، إضافة إلى روابط عائلية متينة، وهو حزام محدود العدد، ولا يجعل من النهضة قوّة سياسية معتبرة، وهناك حزام انتهازي يعتمد على المصالح السياسية والاقتصادية، وهذا الحزام متحرّك يبحث دوماً عمّن يحمي مصالحه، والنتيجة الماثلة بين أعيننا.

زعم قادة النهضة القطيعة مع الإخوان يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية

إنّ حركة النهضة فقدت، منذ انتخابات 2011 إلى الانتخابات المحلية في 2018، ما يقارب مليون ناخب، وهي نفسها شهدت في الأعوام الأخيرة صراعات داخلية، ظهرت بشكل بارز أثناء إعداد القائمات الانتخابية هذا العام، وهناك تململ داخل قواعدها الوسطى والصغرى، يضاف إلى ذلك مسؤوليتها في ما تشهده البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وهذا كلّه يلقي بظلاله على حظوظها في الانتخابات التشريعية القادمة، أمّا الحديث عن تشّتت القوى الحداثية واليسارية؛ فهذا أمر لا يمكن إنكاره، رغم أنّها تمثّل، في رأيي، القوّة المجتمعية الأكبر في تونس، ولها إمكانية الحكم دون حاجة إلى ما يسمّى التوافق مع حركة النهضة.
لماذا برأيك أصرّت حركة النهضة على المنافسة على انتخابات النواب والرئاسة معاً؟
أعتقد أنّ وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، رحمه الله، وتقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية، وقرب الموعدين من بعضهما (أقلّ من شهر)، جعل حركة النهضة في مأزق؛ فهي إن لم تشارك في الرئاسية ستفقد الكثير؛ أوّلاً من صورتها التي تحاول ترويجها باعتبارها الحركة السياسية الأقوى، وثانياً من الزخم الذي ستوفّره المشاركة في هذا الموعد الانتخابي، فوجدت نفسها مجبَرة على المشاركة.

اقرأ أيضاً: ساعة "الحقيقة" تقترب: "الجهاز السري لحركة النهضة" في برامج مرشحي الرئاسة
وفي رأيي؛ إنّها لم تكن تريد ذلك؛ لأنّ تركيزها الأساسي على مجلس النواب مصدر السلطة الرئيس، الذي يمكّن من التحكّم في تشكيل الحكومة والإمساك بأغلب مفاصل السلطة التنفيذية، ثمّ بعد الانتهاء من الانتخابات التشريعية يمكنها أن تناور في الرئاسية، لكنّ هذا المخطّط سقط ووجدت نفسها في وضع يفقدها المناورة وهو التكنيك السياسي الذي تتقنه جيداً.
حقيقة مراجعات "النهضة"

ماذا عن المراجعات التي تقول "النهضة" إنّها أقدمت عليها بعد الثورة؟ هل هي مراجعات جذرية برأيك؟
المراجعات في أدبيات الإسلام السياسي ليست أمراً جديداً، كلّما وجدت هذه الحركات نفسها في أزمة لجأت إلى القول إنّها بصدد إجراء مراجعات.

المساواة بين الرجل والمرأة كما هي مطروحة اليوم غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية

أعود إلى سؤالك حول حركة النهضة: أعتقد أنّه ينبغي أن نضع ما تقوله في إطار ما يمكن تسميته بصناعة الصورة، والمهمّ في هذه الصناعة ليس الحقيقة كما هي وإنّما قدرتها التأثيرية في المتلقّي؛ أمّا معرفة إن كان الأمر جدّياً أم لا؟
هناك في رأيي معطيان يجب أن يؤخذا بعين الاعتبار: معطى السياق: في أي ظروف وأحداث أعلنت حركة النهضة هذه المراجعات (تنبغي العودة إلى منتصف عام 2013 وما جرى فيه إقليمياً، بسقوط حكم الإخوان في مصر، ووطنياً باعتصام الرحيل بعد الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية ضدّ الأمن والجيش، يضاف إلى ذلك انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة)؛ فهي إذاً، معطيات ضاغطة شعرت فيها الحركة بالخطر.

اقرأ أيضاً: هل تنوي "النهضة" التغوّل في الساحة السياسية التونسية؟
والأمر الثاني؛ هو إخضاع هذه المراجعات لاختبار النزاهة والمصداقية، معرفياً وأخلاقياً، وفي هذا المضمار ثغرات كثيرة عن مدى استقامة الجمع بين الإسلام باعتباره ديناً، والديمقراطية باعتبارها نظاماً لإدارة شؤون المواطنين، وعن مدى قدرة دعاة حركة النهضة على مراجعة لأصول الإسلام السياسي من قبيل "شمولية الإسلام"، و"الإسلام دين ودولة"، و"حاكمية الشريعة"، وعن مدى قدرتهم على استيعاب القيم الحديثة، وخصوصاً قيمة المساواة وقيم حقوق الإنسان، كما تنصّ عليها المواثيق الدولية.

اقرأ أيضاً: النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة
إضافة إلى احتكام هذه المراجعات لمبدأ الحقيقة في الكشف عن الماضي والاعتراف به، إلى غير ذلك من الأسئلة العالقة التي تجعل هذه المراجعات تصبّ إلى الآن في خانة صناعة الصورة، وفي خانة التلاعب من أجل المحافظة على الموقع، وهذه الازدواجية هي التي تخلق الهواجس والشكوك في التعامل مع ما تعلنه الحركة.

من هذه المراجعات؛ ما أعلنه مورو مثلاً، بخصوص قطع علاقة حركة النهضة بالإخوان منذ أواخر السبعينيات.
ما قاله السيد مورو يدخل في باب الدعاية السياسية الانتخابية، طبعاً إذا كان يقصد العلاقة التنظيمية؛ فهذه في الحقيقة حولها أسئلة كثيرة، أمّا الروابط الفكرية والإيديولوجية؛ فهي لا تحتاج إلى جهد لإثباتها، فيكفي أن نستحضر مثلاً ما كان يقوم به الاتجاه الإسلامي سابقاً (حركة النهضة اليوم)، ومورو أحد أبرز قيادييه؛ من تلخيص ونشر لكتب سيد قطب مثلاً، والبيان الذي وقّعه مورو شخصياً ضدّ وزير التربية الأسبق، محمد الشرفي، وفيه شحنة تكفيرية ضدّ توجّهاته في الإصلاح التربوي، وغيرها من الأحداث التي تبين أنّ خزّان النهضة الأيديولوجي هو خزّان إخواني.
يلاحظ أنّ الأغلبية الساحقة في قوائم حركة النهضة من الرجال، كيف تصف موقف حركة النهضة من المرأة؟
بالنسبة إلى موقف حركة النهضة من قضية المرأة فهناك نقطتان مهمّتان؛ الأولى على المستوى السياسي، وباعتبار المرأة مواطنة، وهنا لم تعد الحركة تجد حرجاً في الدعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فتبنّيها للديمقراطية الانتخابية يحتّم عليها أن تستثمر في الصوت النسائي، وأن تحاول الاستفادة منه، ولكن دون أن تقطع مع الموقف الذكوري، الذي يرهن ذلك الصوت لصالح الدعوة والحركة التي يسيطر عليها الرجال.

اقرأ أيضاً: سطوة الغنوشي تُفاقم الخلافات داخل حركة النهضة
والنقطة الثانية على مستوى المرأة، باعتبارها امرأة لها حقوق خاصّة بها، أقرّتها العهود والمواثيق الدولية، وحرّرتها من منزلة الدونية والتبعية للرجل؛ فحركة النهضة، وحركات الإسلام السياسي عموماً، تتشبّث بموقف أصولي رافض لهذه المنظومة الحقوقية.
"مدنية" الحركة

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع
كيف تقرأ رفض "النهضة" لقانون المساواة في الميراث وأسبابه في ظل تأكيها أنّها حركة "مدنية"؟

رفض حركة النهضة لمسألة المساواة في الميراث متوقَّع؛ فهي بذلك منسجمة مع مرجعيتها الإسلامية المعلنة في نظامها الأساسي، ومع روافدها الإخوانية المعتمدة على الموروث الأصولي والفقهي، وهو موروث يرى أنّ مسألة الميراث محسومة بما يسمّيه علم الفرائض، إذاً المساواة، كما هي مطروحة اليوم، غير مفكَّر فيها في الرؤية الإسلاموية، يضاف إلى ذلك أنّ حركة النهضة خسرت كثيراً من قاعدتها الانتخابية، ولم يبقَ لها غير نواتها "الجماهيرية" الصلبة، وهي غير مستعدّة من الناحية السياسية لأن تخسر المزيد.
إذاً، ما مدى جدية الزعم بأنّ الحركة قد تحوّلت إلى حزب مدني؟
مدنية حركة النهضة تحتاج إلى أن نحدّد المقصود بالمدنية، إن كان الأمر يتعلّق بأنّ هذه الحركة غير عسكرية، فهذا أمر واضح، وإن كان غير محسوم تماماً في ظلّ الحديث عن جهاز سرّي تابع لها، وإن كان المقصود حركة غير دينية، فهي فعلاً حركة غير دينية؛ فهي حركة سياسية بمرجعية إسلامية، بحسب نظامها الأساسي، دون أن توضّح لنا المقصود بالمرجعية الإسلامية.

اقرأ أيضاً: وفاة السبسي تخلط أوراق النهضة قبل الانتخابات
أعتقد أنّ مسار تحوّل حركة النهضة في تونس إلى حركة مدنية، بمعنى حركة سياسية تؤمن بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، يحتاج إلى جهد كبير، تنظيري وعملي، وعلى مستوى القمّة والقاعدة، وهو عمل يمكن أن تكون النهضة قد شرعت فيه بضغط الأحداث والظروف، وكلّما ازدادت الضغوط ستبذل الحركة جهوداً أكبر للسير قدماً في هذا المضمار، ونحن اليوم نسمع أصواتاً منفردة، لكنّها مهمّة، في هذا الاتّجاه.
الانتخابات التونسية القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير

على ذكر الجهاز السرّي؛ هل قدمت النهضة حججاً مقنعة تثبت عدم ارتباطها به وبالاغتيالات السياسية؟
امتلاك الحركات الإسلاموية أجهزة سرّية أمر تؤكّده شواهد كثيرة من داخل هذه الحركات نفسها (راجع ما كتبه قادة النظام الخاصّ التابع لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، مثل: علي عشماوي، ومحمود الصبّاغ، وغيرهما)، وفي وقت سابق؛ امتلك الاتّجاه الإسلامي في تونس مجموعة أمنية وعسكرية تابعة له ضالعة في التخطيط لانقلاب على نظام الرئيس، الحبيب بورقيبة، عام 1987، وهو ما أكّده المنصف بن سالم، الذي أشرف على المجموعة في كتابه "سنوات الجمر".

مسار تحوّل "النهضة" إلى حركة مدنية يحتاج إلى جهد كبير تنظيري وعملي وعلى مستوى القمّة والقاعدة

أمّا اليوم؛ فقد أعادت هيئة الدفاع عن الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إثارة هذا القضية، في أيلول (سبتمبر) 2018، وأصبحت قضية رأي عام، وطرحها الرئيس الراحل، قائد السبسي، في مجلس الأمن القومي، ويبدو أنّنا في تونس في حاجة ملحّة إلى إماطة اللّثام على هذه القضية، والحسم فيها قضائياً؛ حفاظاً على سلامة المناخ السياسي، واستكمالاً لشروط الانتقال الديمقراطي؛ وليس هناك من سبيل سوى التحقيق القضائي، فالقضاء هو الكفيل، في تقديري، بأن يكشف الحقيقة.
كيف تتوقع مستقبل حركة النهضة إذا فازت بالانتخابات وتعاملها مع محيط تونس الإقليمي والدولي؟
هذا سؤال سابق لأوانه، واعتقادي أنّ الانتخابات القادمة لن تفرز قوّة سياسية متفوّقة على الآخرين بشكل كبير؛ هناك تقارب كبير بين القوى المتنافسة في هذه الانتخابات، وربّما قد لا تستطيع تشكيل حكومة مستقرّة، أمّا مستقبل حركة النهضة فتتحكّم فيه عدّة عوامل: وجود قوى سياسية قادرة على المنافسة بقوّة قد يدفعها إلى مواصلة نهج المراجعات، وربّما قد يؤدّي إلى انقسامها تنظيمياً، إضافة إلى موقف القوى الدولية الفاعلة من الإسلام السياسي.
حركة النهضة ليست في وضع مريح يسمح لها بحرّية الاختيار، وبأن تكون المتحكّم في المشهد السياسي في تونس، هناك متغيرات كثيرة والأمور لم تستقرّ بعد، وهو ما يجعل كلّ الاحتمالات واردة.

للمشاركة:

محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر

2019-09-01

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الأمين العام لـ "المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة" د.محمد البشاري إنّه من الضروري تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة في الغرب. ودعا، في حواره مع "حفريات"، إلى الالتزام بخطاب إسلامي وسطي معتدل "يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتوادّ والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم".

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
وأضاف رئيس "الفيدرالية العامة للمسلمين في فرنسا"، أنّ علينا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، و"مراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية".

وهنا نصّ الحوار:
العيش المشترك

تيارات الإسلام السياسي تشتغل على ما يسمى "الأسلمة" التي تعطي ولاءات خارج الأوطان
كيف تصف الوجود الإسلامي والمجتمعات المسلمة بأوروبا ومشكلاتها؟

المسلمون في دول أوروبية كثيرة يعيشون كأقلية بشرية أو دينية، ورغم اعتراف دول كثيرة بالإسلام رسمياً، والحضور القوي في بعض الحالات، إلّا أنّ المسلمين في حاجة إلى تشريعات قادرة على حماية الحقوق الثقافية والشعائر التعبدية هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ العمل على تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب، مقابل فتاوى الانزواء، لا سيما ما يخص قضايا العيش المشترك وأسس التواصل الحضاري؛ حيث كان من اللازم تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
وما يجري في أوروبا، على سبيل المثال، من محاولة بعض الجماعات عزل المسلمين في "جيتو"، واستخدامهم كظهير للتنظيمات، لا حلّ له سوى العمل بجدية على إعادة العقل الإسلامي من جديد، للحدّ من وتيرة الحروب الدينية والطائفية، التي لن تتم إلا من خلال إطلاق مبادرات الحوار والتنمية المستدامة والعناية بقضايا الشباب والفقر والجهل.

هل توجد تجربة ناجحة ونموذج يمكن أن نبني عليه على هذا الصعيد؟

في رأيي؛ في كلّ دولة من دول المجتمعات المسلمة تجارب مميزة، فمثلاً روسيا استطاعت أن تقدم نموذجاً يحتذى به في مجال إدارة التعددية الدينية والثقافية، وهو ما تحثّ عليه "وثيقة الإخوة الإنسانية"؛ التي وقّع عليها قداسة البابا فرانسوا، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، في أبوظبي، وهي التي بعثت أمل التعايش لأتباع الأديان والثقافات، خاصة أنّ دعوة الإسلام هي السلم بين الدول والتعايش بين الشعوب، وبرّ بالوالدين، وحسن الجوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، ودعوة عفو وصفح ومحبة، وتعاون على الخير.

الإسلام يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية

برأيكم، ما الذي يعيد العمل بالتعددية الدينية والثقافية؟
يمكن أن يتم هذا عبر التفكير والرجوع للخزانة الإسلامية المليئة بالمؤلفات، لكن لا بدّ من أن يلاحظ أنّ المدارس الفقهية، مثل المالكية، اعتنت بفقه النوازل، والنازلة هي المصيبة، نظراً إلى قرب مشايخها من الأندلس، وأما المذهب الحنفي؛ فتميز بفقه الرأي، وأما المالكية فتعاملت مع الوجود كأقلية دينية، وجاءت قضية الهجرة بعد غرناطة، فدعت بعض المدارس الفقهية المجتمعات بعدم العيش في بلاد الكفار، وهناك من أصّل فيما بعد للفقه القتالي، وهنا يأتي علينا الدور في تناول المسألة من حيث الفقه المقاصدي، وتظهر هنا مدرسة عبد الله بين بيه، التي تناولت دور الدولة الإسلامية وجيرانها، والأمن الفقهي الفكري السياسي، الأمر الذي كرّسه إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب مقابل فتاوى الانزواء خاصة فيما يخص العيش المشترك والتواصل الحضاري

والذي أعطى للمجتمعات المسلمة نفساً كبيراً مع محاوريها؛ أنّ ديننا الإسلامي يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية؛ لذا نجد أنّ العلّامة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يهتم أكثر بإعادة النظر في تراثنا الفقهي، مستنبطاً منه ما يصلح لنا في عالمنا المعاصر لتحقيق العيش السعيد والسليم، مع كلّ المكونات المجتمعية والدينية، من خلال عقده للمؤتمرات والندوات وإطلاقه مبادرة دولية باسم "حلف الفضول"، من أجل ميثاق عالمي للأديان، قادر على أن يمتصّ كلّ الأحقاد والكراهية ليحولها إلى قوة سلم وسلام.

ما الذي تقصده بالأمن الفقهي الفكري السياسي؟
أقصد أنّ المجتمعات تعيش حالة أمن وليس صداماً، من الطرفين على حدّ سواء، فهناك في المجتمعات الأوروبية متطرفون، لكنّها حالات عرضية، وعلينا هنا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، ومراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية.

فقه النوازل

الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة في الغرب ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية
هل كان الاستعمار الأوروبي للشرق سبباً في تلك الأزمات ومنها ظهور الجماعات والتنظيمات؟

طوال التاريخ؛ هناك جماعات متطرفة مثل الخوارج، ولم يكن هناك استعمار، لكن الفقه الذي كان يعمل على ما يسمى النوازل والتمكين والقتال تسبّب في ظهور الإخوان والولي الفقيه وحزب التحرير والقاعدة، وكان هذا منسجماً مع الأصول القديمة.

هل تعتقد أنّ هناك من يحرص على تأصيل هذه التناقضات في المجتمعات المسلمة؟
بكل تأكيد؛ هناك من يعمل على هذا الفقه، وهناك من يؤصّل للتناقض، ويخلق حالة من الصدامية، في ظلّ القوانين الأوروبية التي تعدّ المسلمين جزءاً من نسيج المجتمعات الأوروبية، ولاحظ كيف أنّ آلاف الشبان الأوروبيين والفتيات التحقوا بداعش، وهذا دفع بعض الدول لعدم الاعتراف بالإسلام حتى الآن؛ أي أن تموّل ما يسمى الشأن الديني.
على سبيل المثال؛ في ألمانيا ست عشرة جهة تتحدث باسم المسلمين، ورغم أنّ  الإسلام هو الديانة الثالثة في ألمانيا، لكنّه لا يحظى بالاعتراف الرسمي حتى الآن، أما السبب الأساسي الذي يشار إليه؛ فهو تعدّد الجمعيات الإسلامية واستحالة إمكانية تحدثها بصوت واحد.

الغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود

كما أنّ الاختلاف الذي قد يصل إلى التناحر داخل جماعة المسلمين، هو أمر فعلي، وله أصوله في التعددية الإثنية التي تكون الطائفة الإسلامية (أتراك، بوسنيون، إيرانيون، مغاربة)، وهي اختلافات جعلت الحكومات المتعاقبة تطالب المسلمين بتوحيد الصفوف، والتكلم بلسان واحد حتى يمكن الاعتراف بهم، وفي  فرنسا، المادة الثانية، أنّها جمهورية علمانية لا تعترف بالدين لكنها تعترف بالأديان؛ أي إنّها ليست دولة ملحدة، ورغم ذلك هناك جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين أو تحيّتهم، وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة.

أسطورة المؤامرة

ثمة جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة
ما أهم الأطروحات التي تشتغل عليها جماعات الصِدام الآن؟

أهم شيء هو ما يسمى الأسلمة، وهي المفهوم الذي يعطي ولاءات خارج الأوطان، ومالك بن نبي المفكر الجزائري، انتقد ما يسمى "أسلمة العلوم والمعرفة"؛ بل وكان يقول بعدم وجود حضارة إسلامية خاصة، بل حضارة إنسانية، من هنا كان لازماً لتأسيس الفقه الشهود الحضاري الإنساني ليقود هذه المجتمعات نحو الوئام والتعايش السلمي، عِوَضاً عن فقه الضرورة، أو فقه التمكين لهذه الجماعات.

هل تعتقد أنّ ثمة مؤامرة لتضخيم حجم هذه المشكلات، كحوادث العنف ضدّ المسلمين في أوروبا؟
لا أؤمن بنظرية المؤامرة؛ فحالنا أحسن من حال آخرين، والغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام، والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود؛ فهو يحدث لكنّه حالات نادرة فردية، وبرأيي؛ الحلّ هو في ضرورة تشكيل جبهة الأديان والفلسفات الإنسانية لمواجهة تيارات الإلحاد والإباحية التي تذهب بالبشرية إلى العدمية، التي تؤدي مع تيارات العنف إلى تفريغ الأرض والعباد من البعد الروحي والإنساني، وإلى تحرير الدين من جماعات العنف والاستخدام السياسي، وإعطائه دوره الطبيعي في التربية لتحقيق الأمن المجتمعي، وتأصيل قيم الحبّ والسلم شرعياً في زمن الاضطرابات المفاهيمية.
توسع دائرة الاجتهاد

تعدّد الجمعيات الإسلامية في أوروبا واستحالة تحدثها بصوت واحد يعيق الاعتراف بالإسلام
طالبت بتوسع دائرة الاجتهاد فيما يخصّ الأقليات، ما الذي قصدته تحديداً؟

أقصد أنّ للاجتهاد مكانة وأهمية في إطار النظر إلى مجموع الأمة، التي تعيش في ظل المجتمعات الإسلامية، التي تزخر بالعلماء والمفتين والباحثين، والحديث عن الاجتهاد في المجتمعات المسلمة التي تعيش في دول غير إسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى مسلمي أوروبا في فرنسا وإنجلترا والسويد وألمانيا وغيرها.
ثمة وقائع تستحق أن نذكرها بوصف "النوازل، ومن ثم فإنّ الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية، وهو في حقيقته "فرض كفائي"، أو "فرض تكافلي"، كما يعبر عنه بعض علماء الأصول.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
لذا فالمطلوب اليوم، تجديد واجتهاد؛ تجديد ينطلق لا من مجرد الاجتهاد في الفروع؛ بل من إعادة "تأصيل الأصول"؛ لأنّ القواعد الأصولية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي ترجع إلى عصر التدوين، العصر العباسي الأول، وكثير منها يرجع إلى ما بعده، والقواعد الأصولية التي وضعها الفقهاء القدامى، ومن جملتها القواعد الخاصة بالتعليل والقياس والدوران، وما إلى ذلك، ليست مما نصّ عليه الشرع، في الكتاب أو السنّة؛ بل هي من وضع الأصوليين، إنّها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل.

كلمة أخيرة توجهها حول المجتمعات المسلمة؟
لا بدّ من ترجيح كفّة الخير، والبدء بالاشتغال الحقيقي بالصحيح من الدين، والالتزام بخطاب وسطي معتدل يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتواد والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم، والتحذير من آفتي الغلو في الدين والتطرف العنيف، وتفعيل مراكز الطفولة والشباب لتحصينهم، وتعريفهم بمبادئ الإسلام، وزرع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، ترسيخاً للسلوك والفكر الإسلامي القويم.

للمشاركة:



قمة روسية تركية إيرانية.. هذه المواضيع التي ستبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

يعقد زعماء روسيا وإيران وتركيا لقاء قمة في أنقرة اليوم؛ لبحث أهم ملفات الأزمة السورية وسبل تسويتها، بما فيها الوضع في إدلب وشرق الفرات.

وسيكون هذا الاجتماع الثلاثي هو الخامس لرؤساء الدول الضامنة لعملية أستانا، بعد أن استضاف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ،نظيريه؛ التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني للمرة الأولى بسوتشي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وفق ما ذكرت "روسيا اليوم".

أوشاكوف: القمة ستبحث تشكيل اللجنة الدستورية والوضع الإنساني وقضايا اللاجئين وإعادة إعمار سوريا

وتعقيباً على قمة اليوم، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إنّ الزعماء الثلاثة سيبحثون في أنقرة القضايا المتعلقة بدفع العملية السياسية التي يديرها السوريون بمساعدة الأمم المتحدة"، مضيفاً أنّ الانتهاء من "عملية تشكيل اللجنة الدستورية وإطلاق أعمالها سيكون خطوة هامة" في طريق تسوية الأزمة السورية.

وذكر أوشاكوف أنّ القمة ستبحث أيضاً الوضع الإنساني، وقضايا مساعدة اللاجئين، وإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في سوريا، إضافة إلى استمرار إزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

ومن المتوقع أن يصدر عن القمة بيان مشترك، وأن يتحدث بوتين وروحاني وأردوغان لممثلي وسائل الإعلام في ختام لقائهم.

وقبل انطلاق القمة الثلاثية، سيعقد الرئيس الروسي لقاء منفصلاً مع نظيريه التركي الإيراني، يتناول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، إضافة إلى جوانب من الملف السوري، حسب أوشاكوف.

وعبرت موسكو عن أملها في أن تمهد قمة اليوم لعقد اجتماع قمة بـ "صيغة اسطنبول" التي تضم روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا.

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات قادرة على مواجهة الاضطراب المحتمل لإمدادات النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

طمأن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، أسواق الطاقة على إمدادات النفط، وذلك بعد تراجع إنتاج السعودية بنحو النصف جراء هجمات استهدفت منشآتها النفطية أول من أمس.

المزروعي: لدينا طاقة إنتاج نفط فائضة لتعويض الأسواق ومن المبكر الدعوة لاجتماع طارئ لأوبك

وقال المزروعي، في تصريح نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، اليوم إنّ بلاده تملك طاقة إنتاجية فائضة للنفط لمواجهة اضطراب محتمل للإمدادات بعد الهجمات، لكنه أكد أنّ من المبكر للغاية الدعوة لاجتماع طارئ لمنظمة "أوبك".

وأضاف وزير الطاقة الإماراتي، أنّه إذا دعت السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لاجتماع طارئ للمنظمة "سنتعامل مع الأمر".

وكان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة مع السعودية، معبراً عن استنكاره لمثل هذه الأعمال الإرهابية، ومؤكداً أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية (واس).

محمد آل نهيان: الإمارات تقف مع السعودية والمملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية قد صرح، أول من أمس، بأنّه "عند الساعة الرابعة صباحاً، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة أرامكو حريقين في معملين تابعين للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون"؛ حيث تمت السيطرة على الحريقين والحد من انتشارهما".

 

 

 

للمشاركة:

عائلات فرنسية تقدم شكاوى ضد وزير الخارجية.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

قدّمت العشرات من عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا، شكاوى ضد وزير الخارجية الفرنسي، جان-إيف لودريان، بدعوى "إغفال تقديم الإغاثة" لهم عبر رفضه إعادتهم إلى فرنسا.

وقدّم المحامون؛ ماري دوزيه وهنري لوكلير وجيرار تشولاكيان، الشكاوى في تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) من العام الجاري، إلى محكمة عدل الجمهورية، الهيئة القضائية الوحيدة المخولة بمحاكمة الوزراء أثناء ممارسة مهامهم، حسب ما نقلت وكالة "فرانس برس".

عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين تتدعي ان لودريان رفض إعادتهم من سوريا إلى فرنسا

وتتّهم العائلات وزير الخارجية الفرنسي بأنّه رفض "طوعاً وعمداً" إعادة نساء وأطفال جهاديين فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا و"معرضين للخطر" .إلى فرنسا

وتقول العائلات في الشكاوى، التي كشفت عنها أيضاً صحيفة "لوموند"، إنّه "منذ أشهر عدة، لم يكفّ الأكراد عن حضّ الدول على تحمّل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها".

لكن حتى الآن، لم توافق الحكومة الفرنسية على إعادة أطفال هذه المخيمات إلا بعد درس "كل حالة على حدة". وبعد أشهر من المماطلة وسط غضب الرأي العام، أعادت باريس في العاشر من حزيران (يونيو) الماضي 12 طفلاً معظمهم أيتام بعد إعادة خمسة أطفال في آذار (مارس) من العام ذاته.

ويشير أطراف الشكوى إلى أنّ "هذه السياسة التي أُطلقت عليها تسمية "كل حالة على حدة" تهدف، قبل كل شيء، إلى ترك أكثر من مئتي طفل وأمهاتهم معرضين إلى معاملة غير إنسانية ومهينة وإلى خطر الموت الوشيك".

وتصف العائلات الشاكية الظروف التي يعيش فيها الأطفال والأمهات والتي لا تكفّ عن التفاقم في المخيمات؛ حيث تسود "أجواء من انعدام الأمن" المتزايد مثل؛ درجات حرارة قصوى في الصيف والشتاء، نقص في المياه والمواد الغذائية، تفشّي وباء السلّ أو حتى الكوليرا، غياب الرعاية الصحية.

وحالياً ينبغي أن تعلن لجنة تلقي الشكاوى في المحكمة موقفها بشأن قبولها.

 

 

للمشاركة:



استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

غسان شربل

استهداف السعودية بندٌ ثابتٌ وقديمٌ على طاولة صاحب القرار في النظام الإيراني الحالي. إنها حقيقة أكدتها الأحداث على مدار عقود. استهداف السعودية ليس قراراً مؤقتاً أو عابراً. إنه خيار يتعلق بطبيعة النظام القائم في طهران ونظرته إلى الآخرين لا سيَّما الدول المجاورة.
حاولت السعودية على مدار عقود استكشاف أي إمكانية لتغيير هذا المسار. التقطت أي إشارة يمكن أن تعدَ بسياسة إيرانية عقلانية أو واقعية. اعتمدت سياسة اليد الممدودة حين تحدث البعض عن واقعية رفسنجاني. وحدث الأمر نفسه لدى شيوع الكلام عن مرونة محمد خاتمي. لم تتردد الرياض في اعتماد سياسة اليد الممدودة حيال أحمدي نجاد. وكانت التطورات تُظهر مرة بعد أخرى أن جوهر السياسة الخارجية موجود في مكتب المرشد لا في مكتب الرئيس. وثمة من وصل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الواقعية العابرة التي يبديها الرؤساء أحياناً هي مجرد مساحيق لإخفاء حقيقة النظرة الإيرانية إلى السعودية، وهي نظرة المرشد الذي يأتمن «الحرس الثوري» على تنفيذ السياسات الراسخة في كتابه.
تعاملت السعودية بمسؤولية عالية مع اعتداءات أمنية حصلت على أراضيها أو استهدفت دبلوماسييها ومصالحها في الخارج. سعت إلى منع التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهات علنية تضاعف المخاطر في إقليم متوتر أصلاً. وكانت الرياض تراهن على أن يستنتج أصحاب القرار في طهران أن أوهام القوة مؤذية للجميع وليس فقط للآخرين. وأن لغة العداوة تصبُّ الزيت على النار وتضاعف التوتر المذهبي والسياسي والأمني.
حاولت طهران مراراً إخفاء حقيقة سياستها المعادية للسعودية عبر التحدث عن حسن الجوار والدور المشترك في تأمين الخليج وأمن الطاقة. لكن التحركات على الأرض كانت تدلل سريعاً على أن هذه الدعوات الإيرانية إلى أفضل العلاقات بين دول المنطقة كانت جزءاً من الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي لا بدَّ من أن تواكب الحملة المفتوحة على الأرض.
ثمة مشكلة عميقة في العلاقات بين إيران والسعودية. مشكلة حاضرة أيضاً بين إيران وغالبية دول المنطقة والعالم. في عالمنا الحالي تبنى العلاقات بين الدول استناداً إلى مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة. لإرساء ذلك لا بدَّ من أن يكون مفهوم الدولة هو الغالب. المشكلة أن إيران تتوكأ على منطق الدولة حين تجد مصلحتها في ذلك لكن جوهر سياستها يبقى كامناً في منطق الثورة التي ترفض العيش ضمن خريطتها وترفض الاعتراف بالحصانة التي يعطيها القانون الدولي لخرائط الآخرين. وما كان الأمر ليشكل معضلة لو أن إيران بنت على أرضها نموذجاً سياسيا أو اقتصاديا جاذباً يمكن استلهامه طوعاً ولا تروِّج له خارج لغة الدبلوماسية والإعلام. لكن الذي حدث هو أن طهران حاولت وبذرائع مختلفة التسلل إلى أراضي الآخرين لفرض قدر من نموذجها، وبما يكفي لجعل الدول المستهدفة تدور في فلكها. هذه الاختراقات القسرية وبوسائل من خارج أصول التخاطب بين الدول المستقلة والسيدة حولت التدخلات الإيرانية نهجاً لزعزعة الاستقرار. لا نحتاج هنا إلى سوق الأمثلة. تزايد النفوذ الإيراني في هذه العاصمة أو تلك لم يؤدِ إلى إشاعة استقرار أو التمهيد لازدهار، بل أدَّى إلى إشاعة التوتر وتجويف الدول من مقوماتها الأساسية وزرع أسباب التوتر في علاقاتها بالعالم.
دول كثيرة، وبينها السعودية، حاولت فعلاً بناء علاقة طبيعية مع إيران. لكن هذه الدول اصطدمت باكتشاف أن الدولة الإيرانية ومؤسساتها ما هي إلا عباءة تتحرك تحتها سياسة الثورة التي تجيز لنفسها اختراق خرائط الآخرين والسعي إلى تبديل التوازنات على أرضهم وفي عواصمهم. والواضح هو أن إيران تتصرف كأنها ثورة تخشى التحول إلى دولة، لأن مثل هذا التحول ينسفُ مشروع الانقلاب الكبير المبني على تصدير الثورة.
في إطار سعيها لتنفيذ برنامج الانقلاب الكبير في المنطقة، اعتبرت إيران السعودية عائقاً كبيراً أمام برنامجها وطموحاتها، عائقاً خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، عائقاً لما تتصف به السعودية من ثقل إسلامي وعربي ودولي. ثقل اقتصادي وسياسي تواكبه شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية مبنية على خيار الاعتدال والتعاون والحضِّ على الحوار والتفاهمات، وهو ما تجلَّى في أدوار الوساطة التي قامت بها في دول عدة. ولهذا السبب بالذات كان تطويق السعودية بنداً ثابتاً على طاولة الصانع الحقيقي للقرار في إيران. اعتبرت طهران الحالية أن إضعاف الحلقة السعودية يشكل مدخلاً ضرورياً للإمساك بقرار المزيد من العواصم أو على الأقل امتلاك القدرة على تعطيل قدرتها على القرار. وكانت الحلقة الأبرز التي كشفت على نحو لا لبس فيه برنامج تطويق السعودية بالميليشيات والجيوش الصغيرة العابرة للحدود بأفرادها أو صواريخها وطائراتها المسيرة، حلقة الانقلاب الحوثي. وأدركت السعودية منذ اللحظة الأولى أن إيران تحاول تحويل الحوثيين وكيلاً دائماً في زعزعة الاستقرار واختراق الخرائط، ولهذا تجاوبت مع نداء الشرعية اليمنية.
واضح أن السعودية مستهدفة بسبب حاضرها واعتراضها على سياسة تحويل خرائط عربية منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة على أهداف عربية. والسعودية مستهدفة أيضاً بسبب ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها في ظل التحول الكبير الذي تعيشه.
في هذا السياق، يمكن فهم العدوان على منشأتي النفط السعوديتين التابعتين لشركة «أرامكو». إنه تصعيد واسع وخطر والبصمات على الرسالة واضحة مهما نفت طهران. يدلُّ هذا التصعيد على مدى التوتر الذي يعيشه النظام الإيراني بفعل سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية. إنه صبٌّ لمزيد من الزيت على نار المنطقة بهدف امتحان الإدارة الأميركية وتذكير واشنطن بقدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة، وجعلها رهينة إضافية في الأزمة المفتوحة. ردود الفعل العربية والدولية الداعمة للسعودية رداً على هذا العدوان تؤكد مرة أخرى حجم الهوة بين قاموس النظام الإيراني وقاموس القانون الدولي. بمضاعفة هذا النوع من الرسائل لا تترك إيران للسعودية إلا خيار توظيف ثقلها العربي والإسلامي والدولي لوضع المزيد من العوائق أمام الانقلاب الإيراني الكبير. وفي هذا السياق تملك السعودية الإرادة والقدرة، علاوة على ترسانة علاقات دولية مبنية على قاعدة دورها في إبقاء أمل الاستقرار والازدهار حياً في المنطقة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

إلى أين يأخذ الإخوان ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

أعادت تركيا الزخم لتحرك ميليشيا الاخوان المسلمين في الساحة الليبية تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج بدعم سخي ماليا وتسليحيا خاصة بالطائرات المسيرة التي تراهن عليها لقلب موازين القوى في المواجهة مع قوات الجيش الوطني الليبي التي تشن منذ أبريل/نيسان حملة عسكرية لتطهير العاصمة طرابلس من الإرهاب.

وتؤكد القوات الليبية التي كان لها الفضل في تحرير شرق ليبيا من الجماعات المتطرفة وإعادة الاستقرار لجزء مهم من الأراضي الليبية، أن عملية طرابلس تستهدف بالأساس تطهيرها من الجماعات المتشددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان وأذرعها العسكرية التي ترتهن حكومة الوفاق.

ويعتبر متابعون لتطورات الأزمة الليبية أن الحكومة المعترف بها دوليا والتي عجزت منذ توليها السلطة في غرب ليبيا في مارس/اذار 2016 والمنبثقة عن  اتفاق سياسي جرى التوصل إليه في منتجع الصخيرات  بالمغرب في ديسمبر/كانون الأول 2015، عن إعادة الاستقرار ولجم انفلات سلاح الميليشيات وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، تحولت في نهاية المطاف إلى أداة بيد جماعة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الساحة الليبية ساحة مواجهة مفتوحة لتمرير مشروعها بغض النظر عن حمام الدم الذي تسببت فيه.

وحال اخوان ليبيا دون التوصل لأي اتفاق سياسي في السابق ينهي الأزمة القائمة بين السلطة في طرابلس بقيادة السراج والسلطة في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والحكومة المؤقتة التي رفضت الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق ما لم تحصل على ثقة البرلمان.

وكان واضحا منذ البداية أن الإخوان يدفعون باتجاه التصعيد بإيعاز من الحاضنة التركية للتنظيم ليصل الوضع الراهن لما هو عليه اليوم حيث يدفع الشعب الليبي من دمه وماله وأمنه ثمن أجندة التمدد الاخوانية.

وكان لافتا في الفترة الأخيرة مع تحول الدعم التركي للميليشيات الاخوانية من السرّ إلى العلن ومع وصول شحنات من مركبات عسكرية وطائرات مسيرة لميليشيات الجماعة المهيمنة على حكومة الوفاق، توجه إخوان ليبيا إلى التصعيد العسكري باعتبار أن وجود الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أصبح تهديدا كبيرا لمشروعهم.

وحصل إسلاميو ليبيا من تركيا على نوعين من الطائرات المسيرة بما يمكنهم من شن هجمات على أهداف بشكل مباشر بمتفجرات خفيفة قادرة على قتل أشخاص.

وبالفعل قتل ثلاثة بينهم قياديان من قوات الجيش الوطني الليبي الجمعة في ضربة جوية بطائرة مسيرة يعتقد أنها تركية على مدينة ترهونة. كما نفذت طائرة تركية أخرى هجوما على القاعدة الجوية بالجفرة.

وأحبط الجيش الوطني الليبي اعتداءات متزامنة على قاعدة الجفرة من ثلاث محاور وأسقط ثلاث طائرات مسيرة تركية، في تطور سلط الضوء على مدى استعداد الإخوان للمضي قدما في ضرب الجيش الليبي دفاعا عن مشروعهم الذي يتجاوز الساحة الليبية.

والهجمات على قاعدة الجفرة التي قالت القيادة العامة للقوات الليبية العربية المسلحة إنه تم التخطيط لها في تركيا ومولتها قطر، ليست إلا فصلا من فصول معركة تبدو طويلة على ضوء استعداد الميليشيات الاخوانية لتحويل الساحة الليبية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة يؤكد قراءات سابقة كانت أشارت إلى أن اخوان ليبيا غير حريصين على الساحة الليبية وعلى دم الشعب الليبي بل هم أحرص على تمرير مشروعهم أيا كان الثمن الذي سيدفعه الليبيون.

والعودة القوية للاخوان للساحة الليبية بعد هزائم وانكسارات سياسية لا يمكن النظر لها بمعزل عمّا تمثله ليبيا من شريان مالي حيوي سواء ذلك الذي تحت إدارة حكومة الوفاق أو المنفلت منه والبعيد عن كل رقابة والمقترن  أساسا بنشاط الميليشيات المسلحة والمهربين وهي معادلة أخرى في الصراع الليبي.

ويجني إخوان ليبيا إيرادات طائلة من هذه الأنشطة إضافة إلى ما تحصل عليه من تمويلات سخية من قطر وتركيا.

وتطرح كل هذه التطورات مجتمعة أسئلة ملحة هو الدور التركي في تأجيج العنف في ليبيا وأيضا مصير ليبيا ومؤسساتها وشعبها في ظل تنامي نشاط الإخوان في غرب البلاد.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية