"أكاشا" يعيد السينما السودانية إلى المنافسة العالمية

10292
عدد القراءات

2018-12-12

لم تحظَ السينما السودانية بمثل ما حظيت به من اهتمامٍ وتقدير من قبل، كما حدث لها بعد إطلاق الفيلم التراجيكوميدي الطويل (أكاشا) للمخرج الشاب هشام حجوج كوكا، والذي أعاد السينما السودانية إلى الوجود بعد غياب استمر نحو ثلاثين عاماً؛ عبر يوميات الحرب الأهلية السودانية في (جبال النوبة) والتي تناولها العمل بأسلوب شديد السخرية والتهكم، وبطريقة ضربت  تكنيكات النصوص النمطية في مقتل واقترحت لنفسها أسلوب معالجة سينمائي أذهل النقاد والجمهور على حدٍ سواء، ولفت الانتباه بقوة إلى هذه الجغرافية المنسية من العالم. 

اقرأ أيضاً: هل يدافع فيلم "الآباء والأبناء" عن التطرف؟

(أَكاشا)؛ مفردة مُحوَّرة عن مفردة (الكشة)، وتعني (الحملة) التي تنظمها الحكومة بدعم من القوات الأمنية للقبض على الشباب وتجنيدهم في الجيش، أو لتفريغ الأسواق من الباعة الجوالين والمشردين والمتسولين، ولا تقتصر هذه الحملات (الكشات) على الحكومة فقط؛ بل على الحركات المسلحة المتمردة أيضاً؛ حيث تنظمها من حين لآخر من أجل تجنيد الشباب والأطفال في صفوفها.

اللغة العربية الثالثة

"في بلدي ستجد فجأة أنّ عليك أن تركض من أجل حياتك"، هذا ما قاله مخرج "أكاشا"، حجوج كوكا، في حوار سابق مع "ذا غارديان" البريطانية، وهذا بالضبط ما اختار أن يظهره في بداية فيلمه المشهور؛ إيقاعات طبول، ورقصات عنيفة، وغناء جماعي بلغات مختلفة، ثم أزيز طائرات "الأنتينوف"، ورشقات الرشاشات، وهدير المدافع، بينما يردد بطل الفيلم، في هذه الأثناء، عبارة: "الهُب بدا، الهُب بدا" المحوَّرة من العربية "الحبّ بدأ"، في حين أنّ الحرب هي التي بدأت!

حجوج كوكا مخرج فيلم "أكاشا"

ربما لذلك، قال حجوج كوكا إنّ اللغة العربية في منطقة جبال النوبة السودانية، هي "لغة ثالثة"؛ لأنها مشتقة من المحكية العربية السودانية، المشتقة بدورها من العربية الفصحى، فحتى عنوان الفيلم كان بالعربية الثالثة.

فيلم المقهورين

"أكاشا" فيلم المقهورين؛ إذ يقول مخرجه: إنّه "حكاية المعاناة والمقاومة، والقدرة على الحياة في ظلّ الحرب"؛ ومن أجل ذلك غادر كوكا جبال النوبة؛ حيث سافر إلى القاهرة، عام 2016، ليحضر دورة تدريبية مكثفة في (مسرح المقهورين)، من أجل صناعة هذا الفيلم بالذات. 

حتى المفوضية السامية للاجئين في أوغندا لم تنجح في منح الممثلين وثائق مؤقتة يسافران بها ليشهدا تكريمهما

بتسلسل الأحداث الساخرة، يكشف "أكاشا" خفايا حياة اجتماعية وثقافية وروحية مخفيّة عن الأنظار، وأيديولوجيا الحرب والتمرّد؛ عبر جدلية (المركز والهامش)، وإن كان الفيلم اجتماعياً كوميدياً، فلا تُرى السياسية إلّا في هامشه.

لا يضاهي حبّ بطل الفيلم عدنان (كمال رمضان) للكلاشنكوف والقتال، وهو أحد المتمردين الثوريين، إلا حبّه لرفيقته لينا (إكرام ماركوس) وهي امرأة مقاتلة قوِّية ومستقلة؛ حيث عاشا قصّة حبّ استثنائية، انفعلا معها، وتفاعلت معهما ومع محيطهما، بشكل كوميدي وساخر حتى من الموت والرصاص والدم والدمار.

يجبر فصل الأمطار الحرب على التوقف؛ ففي الخريف يضطر الجيش الحكومي والحركة المتمردة على إسكات سيمفونية الرصاص، وتعود الحياة والحبّ والرقص والغناء والتناسل، وكأنما لا حرب هنا أبداً.

اقرأ أيضاً: فيلم "تراب الماس".. حين يكون القتل أثراً جانبياً

ومع بداية هذا الفصل؛ ينال عدنان استراحة محارب حيث يحصل على إجازة قصيرة، على أن يعود مع توقف الأمطار إلى ميدان القتال، وإلى محبوبته الأخرى (الكلاشينكوف).

لكن في هذه المرة؛ انتهى فصل الأمطار، ولم يعد عدنان وآخرون إلى القتال، فأمر (الكوماندر) الثوري بتنظيم "أكاشا/ كشة"؛ لاستعادة المقاتلين المتغيبين أو المتأخرين، ليجد عدنان نفسه في موقف لا يحسد عليه، ويضطر إلى الهرب.

الملصق الإعلاني للفيلم السوداني "أكاشا"

ومع هروب عدنان، بدأت كوميديا جديدة، لتتناسل أحداث ساخرة، ومفاجآت صاعقة؛ واختلطت المشاهد الساخرة بالكوميديا المكتوبة بذكاء، لتخلق لحظات مكثفة تشبه (مناجاة نادرة) بين (الموت والحبّ)، فعمليات مطاردة الجيش (الثوري) للمجنّدين الذين لم يلتحقوا مجدداً بوحداتهم، بعد انقضاء إجازاتهم، عبر حملات الــ "أكاشا"، تمثل لحظات محتشدة بالاضطراب والرعب. 

كوكا: لا يمكن تحقيق التغيير عبر الثورة المسلحة أو الانتخابات فقط؛ نحتاج أن يكون الصراع مبدعاً ومتفائلاً لا عدميّاَ

يتنّكر بطلا الفيلم، عدنان وعبسي، الذي يؤدّي دوره الممثل محمد شاكادو، بأزياء نسائية، هرباً من مطاردة الـ "أكاشا"، التي يقوم بها الجيش الثوري، ويخلق دعم عشيقات عدنان السابقات، وإحالة أمره برمّته إلى حكم شيوخ القبائل، مشهدية استثنائية، تبدو وكأنّها تستأنف فليماً آخر، تدمجه في "أكاشا"، فيصيرا واحداً. 

علاقة الحب المجنونة وتداعياتها المثيرة، بين المقاتل المتمرد عدنان، والمقاتلة لينا من جهة، والعلاقة التي يمكن أن نسمّيها علاقة قدرية، التي نشأت بين عدنان وصديقه المعارض السياسي عبسي من جهة أخرى، ثمّ تسلسل الأحداث وتناسلها واتساقها، وتنافرها وتشابكاتها وانفراجاتها، واللغة المُغرِقة في المحلية؛ بل التي تقع على (هامش) المحلية، جعلت من فيلم "أكاشا" محلّ احتفاء عالمي ودولي، فكتب عنه موقعا "هوليوود" و"فاريتي"، وتناولته صحف ومجلات وفضائيات وإذاعات عالمية كثيرة؛ منها برنامج "سينما بديلة" على شاشة "بي بي سي" العربية. 

لقطة من الفيلم

الأبطال البدون

يقول حجوج، الذي يعيش حالياً بين نيروبي وجبال النوبة: "لا يمكن تحقيق التغيير عبر الثورة المسلحة أو الانتخابات فقط؛ نحن نحتاج إلى أن يكون الصراع مبدعاً، وأن يكون متفائلاً، وليس عدميّاَ". 

اقرأ أيضاً: "أبدا لن يشيخوا".. انتصار لمجد الفيلم التسجيلي وللإنسان

ربما هذه الرؤية هي التي جعلته يُقدّم فليماً يطرح أسئلة عميقة، ويناقش أسئلة إنسانية عامة: لماذا نتحارب؟ أي مجتمع نحاول بناءه؟ هل ستجعلنا الحرب أحراراً أكثر؟ هل ستتحسن حياتنا لأننا نقاتل؟ 

رغم أنّ "أكاشا" يطرح هذه الأسئلة الوجودية البعيدة عن السياسية، داخله وخارجه؛ لكنّ بطليه: محمد شاكادو، وكمال رمضان، لم يتمكنا من تلبية الدعوات المقدمة إليهما من منظمي مهرجانات "فينسيا"، و"تورنتو"، و"مراكش"، وغيرها؛ لأنهما لا يملكان، مثل غيرهما من سكان مناطق الحروب والنزاعات في السودان، أية وثائق إثبات شخصية؛ بطاقات هوية، أو جوزات سفر، أو حتى شهادات ميلاد؛ فهم (بدون) بمعنى الكلمة.

نافس "أكاشا" على جائزة "النجمة الذهبية" للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش

وليس ذلك فحسب؛ بل حتى المفوضية السامية للاجئين في أوغندا، التي وصلا إليها عن طريق التهريب، لم تنجح في منحهما وثائق مؤقتة يسافران بها، ولو لمرة واحدة، ليشهدا تكريمهما! فهما ليسا مواطنين، أو حتى لاجئين! 

عن حجوج كوكا

ولد هشام حجوج كوكا، وهو مصور ومؤلف ومخرج، في شمال السودان، ودرس في لبنان والولايات المتحدة، ويعيش حالياً بين نيروبي و"جبال النوبة" السودانية، وعمل مراسلاً حربياً ومخرجاً للأفلام الوثائقية.

بتسلسل الأحداث الساخرة، يكشف الفيلم خفايا حياة اجتماعية وثقافية وروحية مخفيِّة وأيديولوجيا الحرب والتمرّد

وقد حاز فيلمه الوثائقي الطويل "إيقاعات الانتنوف" على جائزة الجمهور لأفضل فيلم وثائقي، في الدورة الأخيرة من مهرجان "تورنتو" السينمائي، عام 2014، وكذلك في مهرجان "البندقية" السينمائي.

ويُعدّ فيلمه "أكاشا"؛ الذي ينافس الآن على جائزة "النجمة الذهبية" للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، في دورته الـ (17)، ثاني أفلامه الطويلة، وقد حاز على جائزة أفضل فيلم في طور الإنتاج في مهرجان "فينسيا" (البندقية)، ويشارك أيضاً في مهرجان "لندن" السينمائي، الذي ينتظم هذه الأيام.

اقرأ المزيد...

الوسوم: