الأرقام تكشف زيف مزاعم قطر ضد الإمارات

8932
عدد القراءات

2019-05-04

أحمد نصير

رغم مرور نحو عامين على مقاطعة الدول الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، قطر لدعمها التطرف، تصر الدوحة على إساءة استخدام الآليات الدولية لترويج ادعاءاتها ومزاعمها عبر شكاوى "كيدية"، سرعان ما يتم إبطالها وكشف زيفها.

اللجنة الأممية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بجنيف كانت على موعد الجمعة، للنظر في أحدث شكويين كيديتين قدمتهما قطر ضد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بمزاعم أن التدابير التي اتخذتها الدولتان في يونيو/حزيران 2017 رداً على الممارسات القطرية في دعم التطرف تشكل، وفقاً لادعاء قطر، "تمييزًا عنصريًا" بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري "اتفاقية CERD".

وانطلاقاً من ثقتها بإجراءاتها واحترامها للآليات الدولية ويقينها من الأكاذيب القطرية، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة حاضرة في الموعد، لتفند الادعاءات القطرية الكيدية، بالحقائق والبراهين.

وسبق أن دحضت الإمارات مزاعم مماثلة أمام محكمة العدل الدولية في يونيو/حزيران الماضي، وأثبتت بالأرقام بشكل تفصيلي أن إجراءاتها موجهة ضد الحكومة القطرية وليست تجاه الشعب القطري، مشيرة إلى أنها تحتضن 2194 قطرياً وأن مجموع تنقلات القطريين من وإلى دولة الإمارات تجاوزت 8 آلاف حالة خلال النصف الأول من 2018.

تفاصيل وإجراءات شكاوى قطر

وكانت دولة قطر قد تقدمت في 8 مارس/آذار 2018، بشكويين ضد السعودية والإمارات أمام لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في جنيف، وفي 7 أغسطس/آب الماضي، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة مذكرة إلى لجنة القضاء على التمييز العنصري تؤكد التزامها بالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وترفض أي شكل من أشكال التمييز العنصري.

وترد المذكرة التي قدمتها دولة الإمارات على المزاعم والمعلومات غير الصحيحة التي قدمتها قطر في مذكرتها إلى اللجنة بتاريخ 8 مارس 2018 وادعائها بأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد انتهكت الاتفاقية بالأمر بترحيل جماعي للمواطنين القطريين من دولة الإمارات بعد قطع العلاقات مع قطر في 5 يونيو 2017.

والشهر الماضي، قررت لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في جنيف النظر في تلك الشكاوى الجمعة.

وبعد أن تستمع اللجنة، التي تضم 18 عضواً من مختلف أنحاء العالم، لمزاعم قطر وردود الإمارات والسعودية، ستحدد بعدها إمكانية النظر في الشكوى القطرية من عدمه.

وفي إساءة لاستخدام الآليات الدولية، وقبل أن تنظر اللجنة في المزاعم القطرية، قدمت قطر دعوى مماثلة إلى محكمة العدل الدولية في يونيو/حزيران الماضي، مع استمرارها في الإجراءين بشكل متزامن، ويعد هذا النهج مزدوج المسار يمثل إساءة لاستخدام نظام الإجراءات من قبل قطر، بينما يقتضي النهج الصحيح أن تبت اللجنة في المسألة قبل أن تنتهج قطر خيار "تصعيد" النزاع إلى محكمة العدل الدولية من جانب واحد.

انتصار إماراتي بالأرقام

وفندت دولة الإمارات العربية المتحدة ادعاءات قطر أمام محكمة العدل الدولية وأكدت أنها لا أساس لها من الصحة، وشددت على أن قطر ادعت زوراً أن التدابير التي اتخذتها الإمارات ضدها اعتبارا من 5 يونيو 2017 قد مثلت انتهاكا لالتزامات الإمارات بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

وأكدت الإمارات أن الادعاءات القطرية في هذا الشأن تعد جزءاً من محاولاتها المستمرة لصرف الانتباه عن دعمها الإرهاب والتحريض على الكراهية والعنف وتدخلها في شؤون دول أخرى ذات سيادة.

وأضافت أنه حين اتخذت (الإمارات) تدابيرها ضد الحكومة القطرية والتي كانت ضرورية لحماية أمنها القومي اتخذت في الوقت نفسه إجراءات استثنائية لضمان عدم إلحاق ضرر بالمواطنين القطريين العاديين أو أفراد العائلات الإماراتية القطرية المختلطة.

وتضمنت الدلائل التي قدمتها دولة الإمارات للمحكمة الدولية العليا حقائق موثقة بالأرقام من أبرزها:

- إنه اعتباراً من منتصف يونيو 2018 كان هناك 2194 مقيماً قطرياً في دولة الإمارات العربية المتحدة وهو رقم لا يختلف كثيراً عما كان عليه الحال في 5 يونيو 2017 ولا يزال القطريون المقيمون في الإمارات العربية المتحدة يتمتعون بالحقوق الكاملة التي تمنح لجميع الزوار والمقيمين على قدم المساواة.

- أثبتت الإحصائيات الرسمية أن المواطنين القطريين مستمرون في تحويل الأموال من وإلى الدولة بحرية كاملة.

- الدلائل التي قدمتها الإمارات تتضمن ملخصاً لجميع الحوالات البنكية بين الإمارات وقطر والتي تظهر أن الحوالات البنكية الواردة بلغت نحو 26 ملياراً و463 مليون درهم، فيما بلغت التحويلات الخارجية حوالي 15 ملياراً و747 مليون درهم في الفترة من يونيو 2017 إلى أبريل 2018.

- كما قدمت دولة الإمارات دلائل بأن المواطنين القطريين ما زالوا يتمتعون بحرية التصرف في أصول أموالهم واستثماراتهم داخل الدولة وأرفقت نسخا لرخص تجارية تم إصدارها من هيئات الدولة المعنية لشركات قطرية منذ بدء الأزمة.

- وفيما يخص الخدمات الصحية قدمت دولة الإمارات دلائل رسمية تظهر أن المواطنين القطريين ما زالوا يتمتعون بخدمات الرعاية الصحية، حيث ما زال المواطنون القطريون مشمولين بنظام التأمين الصحي للشركة الحكومية للضمان الصحي "ضمان".

أيضا أظهرت لغة الأرقام التي لا تقبل التكذيب أن من بين 2194 مواطناً قطرياً تحتضنهم الإمارات يمثل منهم عدد الطلاب المنتظمين في الدراسة منذ بداية الأزمة 694 طالبا، فيما يمتلك أكثر من 618 مواطناً قطرياً استثمارات وأعمالاً مسجلة داخل الدولة، أما مجموع تنقلات المواطنين القطريين من وإلى دولة الإمارات فقد تجاوزت 8 آلاف حالة، وخلال الأشهر الستة الأولى من عام 2018 دخل الإمارات 1370 قطرياً من أصل 1390 تقدموا بطلب لدخول الإمارات.

وأمام تلك الحقائق الموثقة بالأرقام، رفضت محكمة العدل الدولية في 23 يوليو 2018 منح جميع طلبات قطر للتدابير المؤقتة وبدلاً من ذلك وبأغلبية ضئيلة، لم تستجب سوى إلى 3 مطالب من ضمن 11 مطلباً من التدابير المؤقتة التي تقدمت بها قطر، وكانت الإمارات ملتزمة أصلاً بالتدابير الثلاثة الواردة في قرار المحكمة.

وأصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة بياناً رحبت فيه بقرار محكمة العدل الدولية.

ثقة كاملة  
والجمعة، ألقت الإمارات بيانها أمام لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في جنيف، معززة بقوة الحق وانتصارها القانوني أمام محكمة العدل الدولية، وبالحق والحقيقة.

واستمعت اللجنة، التي تضم 18 عضوا من مختلف أنحاء العالم، إلى بيان الإمارات التي قدمت فيه الحجج القانونية والأدلة الواقعية والاثباتات أن شكوى قطر لا تستند إلى أي أساس قانوني.

وبينت أن هذا هو الأسلوب القطري المعتاد في تلفيق الادعاءات أمام المنظمات الدولية إذ تشكل شكوى قطر أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري جزءًا من حملة العلاقات العامة القطرية المليئة بالمعلومات الملفقة والمغلوطة والتي ترمي إلى صرف الانتباه عن العواقب الوخيمة التي تعاني منها المنطقة بسبب سياسات قطر الداعمة للإرهاب والجماعات المتطرفة، والتي يعاني العالم من نتائجها اليوم في الحوادث الإرهابية.

وأوضحت دولة الإمارات، في كلمتها، الإجراءات التي اتخذتها لتسهيل دخول المواطنين القطريين المرحب بهم في دولة الإمارات على الرغم من السياسات السلبية لحكومتهم التي تدعم الجماعات المتطرفة والإرهابية في جميع أرجاء المنطقة.

وأكدت الدولة أنه عندما تم قطع العلاقات مع قطر في صيف 2017، اعتمدت دولة الإمارات سلسلة من التدابير التي تتوافق مع القانون الدولي في مواجهة تعنت الدوحة في الوفاء بالتزاماتها، وأن هذه الإجراءات لم تستهدف الشعب القطري.

وأوضحت الدولة في موقفها أنه كجزء من هذه التدابير، عدلت الإمارات العربية المتحدة الإجراء الممنوح للمواطنين القطريين بدخول أراضيها بدون تأشيرة، واستبدلت ذلك بنظام مجاني للتصريح بالدخول، والذي يتطلب بشكل أساسي من المواطنين القطريين التقدم بطلب للحصول على موافقة قبل دخول الإمارات، ويجوز تقديم ذلك الإجراء إلكترونيا عبر الإنترنت أو من خلال خط هاتفي مباشر ساخن والذي تم الإعلان عنه في يونيو 2017.

علاوة على ذلك، فإن وضع شرط دخول لمواطني أي دولة، هو أمر اعتيادي في جميع أنحاء العالم، ولا يمكن تصنيفه تحت مسمى "التمييز العنصري" ولا يمثل انتهاكًا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

وأشار عبدالله حمدان النقبي، مدير إدارة القانون الدولي في وزارة الخارجية والتعاون الدولي، ممثل الدولة أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري، إلى أن "هذه القضية لم يكن ينبغي لها من الأساس أن تُعرض على لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة فهذه الشكوى لا تتعلق بالتمييز العنصري، إنها مجرد محاولة من قطر لإساءة استخدام لجنة القضاء على التمييز العنصري وتطويعها لأغراض سياسية".

وأضاف: "أن التدابير المعقولة والمتناسبة والمتفقة مع القانون الدولي التي اتخذتها الإمارات العربية المتحدة والتي تخص المواطنين القطريين لا تندرج في إطار التمييز العنصري الذي تحظره الاتفاقية، حيث إن الغرض من الاتفاقية هو القضاء على المعاملة التمييزية على أساس الصفات الثابتة مثل العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، وعليه لم تقم الدولة بأي انتهاك للاتفاقية".

وأوضح أن قطر اختارت أسلوب رفع الشكاوى اعتقاداً منها بأنه ومن خلال هذا التوجه الكيدي ستسبب الضرر للدول المقاطعة، والحقيقة أنه كان من الأجدر أن تقوم قطر بمراجعة سياساتها في دعم التطرف والإرهاب.

نصيحة لطالما رددتها الإمارات والدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، نصيحة لو استمعت لها قطر لانتهت أزمتها، فهل تستمع الدوحة للنصيحة الإماراتية وتقوم بمراجعة سياساتها في دعم التطرف والإرهاب.. الجميع يأمل ذلك.

عن "العين" الإخبارية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

مختار الدبابي

لم يمض على النشاط العلني لحركة النهضة أكثر من ثماني سنوات حتى طالتها تغيرات نوعية، وهو أمر كان متوقعا، فالإسلاميون تقويهم المظلومية والمطاردة الأمنية، لكن العلنية تربكهم، وها هي الآن تقودهم إلى انقسامات وحرب مواقع تخرج ولأول مرة إلى العلن.

والسبب أنهم وجدوا أنفسهم حزبا يصارع على السلطة، ويقاتل أفراده ليحصلوا على مواقع متقدمة في البرلمان ومؤسسات الدولة، تمكنهم من استعادة الوجاهة والنفوذ. انتهى الحزب الرباني الذي يصدع الرؤوس بشعار الإسلام هو الحل، وتطبيق الشريعة، وإشاعة القيم الإسلامية في المجتمع، إلى حزب مدني يصارع داخله لأجل السلطة.

وإذا كانت الجماعة قد نجحت في تطويق عاصفة المؤتمر العاشر بسبب التطورات السياسية التي كانت تضع حركة النهضة على صفيح ساخن بعد موجة الاغتيالات، فإن الخلافات في زمن السلم والدعة والمقار الفخمة لم تستطع أن تخنقها لا باسم الدين ولا باسم الإخوة، وخرجت إلى العلن تصريحات قوية لقيادات مهمة ونوعية مثل عبداللطيف المكي الذي يوصف بأنه قائد تيار المعارضة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وكذلك عبدالحميد الجلاصي، وهو أحد مهندسي عودة النهضة إلى النشاط السري في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأيضا سمير ديلو، الوزير السابق في الترويكا، الذي قال إنه يشعر بالاختناق ويفكر جديا في الاعتزال.

وقصة هذه الثورة العاصفة أن الحركة أجرت انتخابات داخلية لتصعيد مرشحيها في الانتخابات التشريعية بشكل ديمقراطي وحر، لكن جاء المكتب التنفيذي، أي ذراع الغنوشي الذي اختاره بنفسه بعد أن تحدى رغبة مجلس الشورى في أن يتم تصعيده بالانتخاب، وهدد بالاستقالة في حادثة مشهورة، ورمى بنتائج الانتخابات عرض الحائط وأعاد تشكيلها، ووضع رؤساء قوائم تتماشى مع توجه الغنوشي في الانفتاح على كفاءات من خارج التنظيم، وخاصة من الكفاءات النسوية والحرص على أن يكنّ غير محجبات.

وبعد أن صعد الجلاصي والمكي في مواقع متقدمة بقوائم الحركة بتونس العاصمة، جاء التنفيذي وأرسل الأول إلى محافظة نابل، والثاني إلى محافظة الكاف ليترأسا قوائم هناك، في تحد لإرادة الناخبين بالعاصمة والكاف ونابل، وهو ما رفضه الجلاصي والمكي معلنين أنهما لن يترشحا للانتخابات، والأمر نفسه لأسماء أخرى غير معروفة إعلاميا تم انتخابها ثم جاء التنفيذي وأزاحها تماما مثل النائبة الحالية عن سيدي بوزيد حياة عمري، وهي شخصية ذات وزن في محافظتها خاصة بسبب درجتها العلمية وإشعاعها الخارجي في المؤتمرات ذات الاختصاص.

وأيا كانت التفاصيل وردود الفعل الغاضبة، فإن أهم ما يمكن استنتاجه أن الحركة التي باتت بمثابة الغول في المشهد السياسي، ويكافح الجميع لاسترضائها والتحالف معها، ستتحول بالتدريج إلى حزب شبيه بنداء تونس، وستخرج عنه استقالات قد تكون في البداية محتشمة ويلجأ أصحابها إلى التكتم، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة خاصة بسبب الحضور الطاغي للإسلاميين على مواقع التواصل، حيث تشتعل التسريبات والردود وأنباء الاستقالات.

وما يجري كان متوقعا، لأن حركة النهضة منذ بدايتها تكونت كتنظيم براغماتي يراوح بين هويات مختلفة ومتناقضة، محلية زيتونية، وخارجية إخوانية، وسرعان ما يتم التبرؤ من تلك الهويات مع أول ضغط.

والمعركة الحالية ستكون فاصلة، فهي معركة بين المتمسكين بالجماعة، وبين الغنوشي الذي يحفر بعمق وبسرعة لتقويض الهوية القديمة، والتخلص من رموزها بأشكال مختلفة، مثل إحالة “أمراء” سابقين للحركة كالصادق شورو والحبيب اللوز إلى الدعوي، وقد وضعهم بشكل فعلي في الثلاجة، ولم يعد لهم ظهور إعلامي أو حركي فما بالك بالتأثير، ما يفتح الطريق أمام سيطرة تامة للرجل الأول الذي قرر أخيرا الترشح للبرلمان، ولا يعرف إن كانت مناورة داخلية أم أن الرجل يريد أن يخرج إلى الأضواء بشكل أكبر، إذ قد يحصل على رئاسة البرلمان في سياق توافقات مستقبلية مع حزب الشاهد، أو مجموعة أحزاب أخرى.

وما يلاحظ بشكل جلي أن ماكنة الغنوشي تريد أن تتخلص من الوجوه القديمة، وأن تجلب وجوها بلا ماض ولا سوابق، وقادرة على اختراق المجتمع والتموقع في المسؤوليات دون شكوك حولها، ولذلك تقول تسريبات إن رهان رئيس حركة النهضة منصب بدرجة أولى على ضم شخصيات عامة إلى قوائم الحركة، بينها رياضيون وفنانون، وتكنوقراط من أبناء شخصيات ذات وزن كرجال الأعمال ورؤساء الجمعيات الرياضية، مثل مرشحة النهضة لقيادة بلدية باردو في قلب العاصمة، وهي ابنة رئيس جمعية رياضية ذات شعبية في المنطقة، ما سهل لمرشحة النهضة الفوز وفتح أمامها الطريق لرئاسة البلدية، تماما مثل سابقتها التي كانت عضوا في اللجنة المركزية للتجمع المنحل ثم التحقت بالنهضة.

ولا يخفي مقربون من “النهضة الجديدة”، التي يركبها الغنوشي، تأكيدهم أن استعادة خطاب المظلومية والتغني بالماضي لم يعودا يقنعان أحدا في الشارع التونسي، الذي يحتاج إلى اختراق عبر استقطاب عناصر اجتماعية ناجحة وتقريبها من الحركة ثم ترشيحها ودعمها بقوة للفوز، ما يسمح بكسب جمهور جديد مغاير للجمهور القديم الذي فات وقته، وبدأت رموزه تلوح بانتفاضة علنية في وجه “الشيخ” الغنوشي.

يراهن رئيس حركة النهضة على أن موجة الاحتجاج ستنتهي حين يغلق ملف النقاش حول المرشحين، وتصبح القائمات أمرا واقعا، ومثلما حصل بعد المؤتمر العاشر، فإن الضجة مرت سريعا، ثم تحولت إلى نقاشات لتبرئة الذمة على مواقع التواصل، إلى أن سكتت تماما.

لكن هل ستنتهي انتفاضة الديمقراطية الداخلية إلى القبول بالمربع الأول، مربع الشورى الذي يستمع فيه إلى “الكوادر” من باب النصيحة والمقترح ويأخذ ما يريد، أما العامة (المنخرطون والأعضاء والقيادات المحلية والوسطى) فتكفيهم الديمقراطية الشكلية يرشّحون ويترشحون ويتنافسون، ليأتي الشيخ ويعيد تشكيل القوائم حسب حساباته وعلاقاته وتعهداته لرجال أعمال ونافذين بوضع أبنائهم على قوائم النهضة، مقابل دعم معنوي داخل الدولة العميقة لتقبل بالحركة التي ما تزال صورتها مثيرة للريبة والتوجس برغم كل التنازلات.

أعتقد أن انتفاضة القوائم الانتخابية لن يخرج منها الغنوشي قويا مثلما دأب على ذلك في السابق، هذه المرة الصدمة كانت أقوى لأنه سلب خيار المنتخبين واستهان بالديمقراطية المحلية التي يتغنى بها النهضاويون ويزايدون بها، خاصة أن المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.

فهل يرضخ جمهور النهضة للعبة، وهل ينجح الغنوشي في إقناع أوساط الدولة العميقة بأنه تغير شخصيا وفي طريقه لبناء “نهضة” جديدة تكون تحت الطلب لإرضاء رجال الأعمال المحليين والشخصيات النافذة، وخاصة إرسال رسائل للغرب أن النهضة تتغير ومستعدة لتنازلات أكبر، المهم القبول بها.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

العراق.. "عاصوف" الصحوة الدينية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

رشيد الخيّون

عرضت فضائية (إم. بي. سي)، مسلسل «العاصوف»، بجزئين، الأول ما يخص الحياة قُبيل الصَّحوة الدِّينية بالمملكة العربية السعودية، والثّاني ما يخص زمن «الصَّحوة الدِّينية»، التي محت العلاقات الاجتماعية الطَّبيعية النَّامية آنذاك، لتحولها إلى تشدد أخذ يطغى على أجواء المدرسة والشَّارع، عبر الوعد بنظام ديني والوعيد بعذاب الآخرة.
كان الممثل ناصر القصبي، يُفكر منذ فترة بمثل هذا العمل، الذي يُسجل لتلك الحقبة، حتى سنح الظَّرف بتحقيق عمله، ولشدة أثر الصَّحوة سمَّي العمل بـ«العاصوف»، ومعناه الرِّيح الشَّديدة. فكانت الأفكار الصَّحوية تعصف في العقول، «عاصوف» شمل المنطقة ككلِّ، اعتمد على حوادث كبرى في(1979): الثَّورة الإيرانية التي بثت الرُّوح في الإسلام السِّياسي صاحب الصَّحوة، وحادثة جهيمان العتيبي(أعدم 1980)، بتلفيق مهدي منتظر تمت مبايعته داخل الحرم، ثم ختمت تلك السَّنة بالحرب الدِّينية الأفغانية، التي منها تفرعت الجماعات المتطرفة شرقاً وغرباً.
كان شيوخ وشباب الصَّحوة يُحددون نوع الملابس، ويفرضون ما يُسمع في الكاسيت والرَّاديو وما يُشاهد في التلفزيون، والثّقل الأكبر وقع على المرأة. مَن يُشاهد المسلسل المذكور بجزئيه خلال رمضان(2018) و(2019)، يدرك شدة انفلات القوى الدِّينية على المجتمع. كانت الظَّروف لا تسمح بالمجابهة، ومَن واجهه الصَّحوة عرض نفسه للمخاطر، فالزَّمن زمنهم، وهذا ما عبر عنه المتصدي ضدهم آنذاك غازي القُصيبي(ت2010) في بيت أسمعه لأحد أزلامها: «يا أَيُّها الرَجُلُ المُرخي عِمامَتَهُ/هَذا زَمانُكَ إِنّي قَد مَضى زَمَني»(البيت لجرير)، وهو أبلغ تعبير عن المرحلة واحتكارها مِن قِبل الصَّحويين.
كان الوضع بالمنطقة، يسير لصالح ثقافة الإسلام السِّياسي، فحدث تغيير كبير على أفكار وممارسات النَّاس. أخذت الثّقة تنعدم داخل الأسر، والعلاقات بين الأخوات والإخوان تُحدد بالفتاوى والوصايا. هذا ما بدأ يدب بالعراق من أواسط السبعينيات، حتى توج بالحملة الإيمانية في السنوات الأولى مِن عَقد التسعينيات، فحصل «الصَّحويون» عبرها على شرعيتهم، وأخذ رموزهم يشتمون الفلسفة والفلاسفة ورجال التَّنوير علانية مِن على المنابر، ويفتون بجواز الغش في الامتحانات المدرسية غير الدينية، ويهاجمون غير المحجبات مِن النِّساء، بعد أن بدأ «الإخوان» ومعممو الدَّعوة بالإفتاء لحجاب طالبات الجامعة، كأبرز مظهر مِن مظاهر الصَّحوة.
بدأت الصحوة الدينية داخل العراق، بنشاط «الإخوان المسلمين» (تأسسوا بالأربعينيات) و«الدعوة الإسلامية» (تأسست1959)، في الجامعات والمدارس والمحلات العامة، بشكل سري حينها، فما أن يُكسب «إخواني» أو دعوي مِن داخل الأُسرة إلا ويضع شروطه على أسرته، معتبراً التدين المعتاد جاهلية، على هدي سيد قطب (أعدم1966)، الذي تثقف بكتبه الشِّيعة والسُّنة مِن الأحزاب الدِّينية. مع الإلحاح في فرض الحِجاب على الزَّوجات والأخوات وبنات العم، وزواجهنَّ مِن «صحويين»، إلى منع جهاز التلفزيون في الدَّار، كذلك لا يُسمع في السيارة غير المواعظ وأدبيات عاشوراء.
أخذ النَّاس يضطربون في علاقاتهم، حتى أخذ التدين «الصَّحوي» يغرس الكراهية عبر الطَّعام والمعاشرة، مثل القول بـ«نجاسة» الإنسان، وعدم الترحيب بغير المسلم، والنَّظر إلى بناء الكنيسة بأنه ضد الإسلام. أخذ النَّاس يلتفتون إلى التمييز طائفياً بينهم البين. ظهر في بدايات الصَّحوة التعامل بالبنك الإسلامي، فشاع كتاب «البنك اللاربوي»، الذي مجرد تغيير في أسماء الفائدة لتصبح حلالاً، على اعتبار أن البنوك الرَّسمية ربوية.
أخذت تطغى الأسماء والكُنى الدِّينية على الآباء والمواليد. تحولت الأعراس، بين أُسر القوى الدِّينية، إلى جلسات صامتة، لا فرق فيها بين تقاليد العرس والمآتم. جاء التفكير بالمواكب الحُسينية الجامعية، كدعوة مظهرها تنقية طقوس عاشوراء، وباطنها أجواء لممارسة العمل الحزبي. كذلك نشطت الزيارات المشتركة إلى الأضرحة، خارج المعتاد، والسَّفرات الدينية، على شكل معسكرات، مع إعفاء اللحُى للشباب والحِجاب للشابات. كانت السُّلطة السَّابقة توجت تلك الصَّحوة بحملتها الإيمانية، وأما اللاحقة فجعلتها رسمية، وصار للفساد في ظلها ألف وجه.
كانت القوى الدِّينية تضغط اجتماعياً، ويُكلف كلّ منتمٍ القيام بدوره في أسرته، وبين أصدقائه، والبداية بالدَّعوة إلى التَّدين، ثم التوجه إلى الكسب الحزبي. انتقاد كلّ شيء اجتماعي ليس على أسلوبهم. أخذ المجتمع يُصبغ بصبغة العسكرة الدِّينية، كنوع الحِجاب الواحد، غير الحجاب التقليدي مثل العباءة العراقية المعروفة، والتَّركيز على عبارة التَّحية، ومنها يميزون بين المتدين وغير المتدين.
أما أهم ما وصلت القوى الدِّينية بصحوتها، فهو رخص الحياة، «في سبيل الله والدِّين»، والحقيقة كانت في سبيل الجماعة، بعد إغراء الشَّباب بنيل «الشَّهادة». كم مِن ضحية صحوتهم وضحية النِّظام سمي بـ«الشَّهيد السّعيد»!
للجواهري(ت1997)، ما يُغني عن التصريح بالأماني، في الخلاص مِن عبث هذه الصَّحوة على الدِّين والوطن: «لنا فِيك يا نشء العراق رغائبُ/ أيسعفُ فيها دهرُنا أم يمانعُ»(الثورة العراقية). غير أن النشء الذي نخاطبه تبدأ معه ثقافة الصَّحوة أو تشويه العقل مِن الطُّفولة، فأي رغائب لنَّا فيه؟!
أقول مَن مِن الفنانين سيُبادر إلى عمل لـ«عاصوف» عراقي، فإذا كانت الصَّحوة التي كشف عنها «عاصوف» الفنان السعودي القصبي بدأت بالزَّوال، إلا أن «عاصوف» الصَّحوة الدِّينية ببلاد الرافدين، جنوباً وشمالاً، مازال يهب بشدة، بقوة شرسة لديها المال والسلاح والسلطة أيضاً، يصعبُ ترقيع فتوقها في الثَّقافة الدِّينية والدُّنيوية، وكل جماعة تنفث سمومها، عبر فضائيات وصحف وأمكنة عبادة!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

حزب الله يبحث عن المال في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

تعيد أجهزة الاستخبارات الأوروبية تركيز جهودها لمكافحة انتشار حضور حزب الله داخل بلدان الاتحاد الأوروبي. يأتي ذلك على خلفية التصعيد بين إيران والولايات المتحدة من جهة وعلى خلفية الجدل الداخلي في أوروبا حول تباين مستويات التعامل مع حزب الله بين الدول الأعضاء من جهة أخرى.

وتقول مصادر أوروبية إن المزاج الأوروبي عامة تقوده رؤية ألمانيا التي ما زالت تدعو إلى التمييز بين الجناحين السياسي والعسكري في مقاربة العلاقة الأوروبية مع حزب الله. غير أن تقارير أمنية في ألمانيا نفسها بدأت تدق ناقوس الخطر محذرة من الأنشطة المقلقة التي يقوم بها حزب الله على الأراضي الألمانية.

ونقلت مصادر متخصصة عن وكالة الاستخبارات في مدينة هامبورغ في ألمانيا عن أن معلوماتها تفيد بأن لـ30 مسجدا ومركزا ثقافيا في ألمانيا صلات ما بتنظيم حزب الله.

تطرح هذه المعطيات أسئلة حول مسألة تعاطي الاتحاد الأوروبي وألمانيا خصوصا مع حزب الله. وفيما يضع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2013 الجناح العسكري للحزب على قوائم الإرهاب، فإن بريطانيا وهولندا هما الدولتان الوحيدتان في الاتحاد اللتان تضعان حزب الله بجناحيه السياسي والعسكري على هذه القوائم.

وانضمت لندن في قرارها مؤخرا إلى واشنطن في عدم التفريق بين الجناحين السياسي والعسكري. وقال وزير الداخلية البريطانية، ساجد جاويد، في فبراير الماضي إن “حزب الله يواصل محاولاته لزعزعة استقرار الوضع الهش في الشرق الأوسط، وإننا لم نعد قادرين على التمييز بين جناحه العسكري المحظور بالفعل والحزب السياسي”. وأضاف “بسبب ذلك، اتخذت القرار بحظر الحزب بأكمله“.

والظاهر أن بريطانيا مارست صبرا طويلا قبل أن تتخذ قرارها الجديد حيال حزب الله لاسيما أن لندن كانت على علم بالأنشطة الخطيرة التي يمارسها الحزب في بريطانيا. وكانت صحيفة “الديلي تلغراف” كشفت في يونيو الماضي أن بريطانيا أحبطت محاولات حزب الله تخزين متفجرات في لندن عام 2015.

واستنادا على معلومات حصلت عليها من وكالة استخبارات أجنبية، داهمت قوات تابعة لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) وشرطة العاصمة لندن أربعة عقارات في شمال غرب لندن، وعثرت على الآلاف من أكياس الثلج التي احتوت على مادة نترات الأمونيا التي تُستخدم في صنع القنابل، بحسب تقرير الصحيفة.

كان المخطط جزءا من خطة أوسع لحزب الله لوضع الأساس لهجمات، وأشار التقرير إلى عمليات تم إحباطها لحزب الله في تايلاند وقبرص ونيويورك. 

وأفاد التقرير أن الاعتقال جاء بعد أشهر من انضمام بريطانيا إلى الولايات المتحدة وبقية الدول الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران، وقدّرت الصحيفة أن السبب في عدم الكشف عن المخطط الإيراني هو محاولة تجنب إفشال الاتفاق مع طهران.

وبالعودة إلى تقرير أمني ألماني كشف مؤخرا، فقد أعلنت وكالة الاستخبارات في هامبورغ عن رصدها لحوالي 30 مسجدا وجمعية ثقافية يجتمع داخلها أعضاء تابعون لحزب الله أو أنصار متأثرون بعقائد الحزب وأيديولوجياته في ألمانيا.

وتكشف وثيقة صادرة عن الوكالة مؤلفة من 282 صفحة، أن “جمع التبرعات هو إحدى أهم مهام الجمعيات” حيث يجتمع عملاء حزب الله. وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله اعترف بالضائقة المالية التي يعاني منها الحزب، مناشدا مناصريه للتبرع للحزب في لبنان والعالم.

وعلى الرغم من أن عمليات التبرع كانت ناشطة لصالح الحزب في العالم، إلا أن لاستمرارها في هذه الآونة التي يتعرض فيها الحزب لعقوبات أميركية مشددة وتتعرض فيها إيران لعقوبات تاريخية، وفق تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعتبر تورطا في المشاركة بالجهد الحربي المعتبر إرهابيا لدى الكثير من دول العالم.

ويعمل حزب الله في ألمانيا من خلال جمعيات لاحتضان الجاليات اللبنانية لاسيما تلك المناصرة للحزب لدى الطائفة الشيعية. وتشتغل هذه الجمعيات على تنظيم العلاقة ما بين “جمهور حزب الله” في الخارج وشبكاته الداخلية والأوروبية.

وتثير وثيقة الاستخبارات مسألة حجم المبالغ المالية التي يرسلها أنصار حزب الله في ألمانيا إلى لبنان. وتتحدث مصادر ألمانية عن أن أموالا مصدرها ألمانيا تشارك في تمويل أنشطة الحزب العسكرية وعملياته الأمنية في لبنان وسوريا ومناطق أخرى في العالم، ما يعزز القلق حول علاقة الاقتصاد الألماني بتوفير جانب من الوفورات المالية التي قلّصتها العقوبات الأميركية وحاصرت شبكاتها في العالم.

وكانت مصادر صحافية كشفت عن وجود مراكز ثقافية يسيطر عليها حزب الله في مدينتي بريمن ومونستر إلى جانب أماكن أخرى في ولاية ساكسونيا السفلى. ويُظهر تقرير الاستخبارات في هامبورغ حضورا أكبر وأوسع لحزب الله من ذلك الذي سبق للسلطات الألمانية أن رصدته.

ويكشف التقرير عن أنشطة لحوالي 30 مناصرا يعملون لصالح حزب الله في هامبورغ فيما يعمل 1050 مناصرا للحزب في جميع أنحاء ألمانيا. ويقول التقرير إن هذه الأرقام موثقة أيضا من قبل وكالات استخبارات أخرى في ألمانيا.

وأكد تقرير أصدرته وكالة الاستخبارات في ولاية ساكسونيا السفلى أن عدد أعضاء حزب الله وأنصاره ارتفع من 950 في عام 2017 إلى 1050 في عام 2018. وأشار تقرير الاستخبارات، المكون من 192 صفحة، والذي أعده عملاء المخابرات من جهاز أمن الدولة، إلى وجود 150 من عناصر حزب الله في ولاية سكسونيا السفلى وحدها.

وقال التقرير “في ألمانيا، يحافظ أتباع حزب الله على تنظيمهم وأيديولوجيتهم وتماسكهم في جمعيات مرتبطة بالمساجد المحلية التي يتم تمويلها بشكل أساسي من خلال التبرعات”، مشيرا إلى أن أنصار حزب الله ينشطون في عدد من المدن والبلدات في ولاية سكسونيا السفلى، من بينها هانوفر وأوسنابروك وأولزين.

وبحسب تقرير لوكالة الاستخبارات ولاية شمال الراين-وستفاليا، الأكثر اكتظاظا بالسكان، فإن عدد عناصر الحزب ارتفع في العام 2017 من 105 إلى 110 عناصر في 2018 في الولاية المذكورة. وجاء في التقرير الاستخباراتي الألماني، أن مركز الإمام المهدي في مدينة مونستر مثّل منصة ومكانا للتلاقي بالنسبة إلى مؤيدي الحزب في الولاية، إلى جانب مدن بوتروب ودورتموند وباد أوينهاوزن. ولفت إلى أن حزب الله يمتلك مراكز في هامبورغ وبرلين ومونستر.

وتتحدث مصادر أوروبية عن أن سوء التفاهم المتنامي بين إدارة ترامب في واشنطن والاتحاد الأوروبي ما زال عائقا لتوحيد معايير الطرفين في التعامل مع حزب الله. ففيما عدا بريطانيا وهولندا فإنه، ووفق ما ينقل عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، فإن تغيير الموقف من حزب الله يحتاج إلى إجماع أوروبي.

ولطالما تذرّع موقف أوروبا بأن مهادنة حزب الله تتعلق بسلامة الجنود الأوروبيين المشاركين بالقوات التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى رغبة أوروبية في اختراق الأسواق الإيرانية لاسيما بعد إبرام الصفقة النووية، وبالتالي فمهادنة حزب الله هدفها مهادنة إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:



لماذا حظرت البرتغال دخول الإيرانيين إلى أراضيها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

حظرت دولة البرتغال دخول الإيرانيين، بشكل مؤقّت، إلى أراضيها منذ أيام، لأسباب أمنية لم يُكشف النقاب عنها.

وقال وزير خارجية البرتغال، أوجوستو سانتوس سيلفا، أمس، في تصريح نقلته وكالة "رويترز": إنّ بلاده علقت إصدار تأشيرات دخول للمواطنين الإيرانيين "لأسباب أمنية"، مضيفاً أنّ "هذه الخطوة ليس لها صلة بالعلاقات بين البلدين".

وردّاً على سؤال من عضو في البرلمان، قال سانتوس سيلفا، في الاجتماع الذي بثّه التلفزيون: "نعم، علّقنا ذلك لأسباب أمنية، سأقدّم توضيحاً لاحقاً، لكن ليس علانية".

وزير خارجية البرتغال يعلن أنّ بلاده علّقت إصدار تأشيرات دخول للمواطنين الإيرانيين لأسباب أمنية

وأضاف: "البرتغال لا تتهاون في مسألة الدخول إلى أراضيها"، دون أن يذكر متى تمّ اتخاذ القرار.

وقال عضو البرلمان، جواو جونكالفيس بيريرا: "تلقينا معلومات بأنّ إصدار التأشيرات للإيرانيين معلّق منذ أسبوعين أو ثلاثة، وأردنا فقط تأكيد ذلك".

ولم يذكر مصدر تلك المعلومات، أو ما إذا كان مواطنون إيرانيون قد شكّوا في الوضع.

وقال الوزير سانتوس سيلفا، في ردّ على أسئلة الصحفيين بعد الاجتماع: إنّ "هذه الخطوة ليس لها صلة بطبيعة علاقات البرتغال الثنائية مع طهران".

ونقلت وكالة الأنباء البرتغالية، عن الوزير قوله: إنّه "تعليق مؤقّت، ونأمل استئناف إصدار التأشيرات قريباً جداً".

وعام 2018؛ شهدت العلاقات بين طهران وعواصم أوروبية كبرى توتراً على خلفية التمويل والتخطيط لهجمات إرهابية ضدّ معارضين في داخل تلك البلدان.

وأعلنت فرنسا، في نهاية حزيران (يونيو)، إحباط مخطط لتفجير مؤتمر سنوي حاشد يقام في العاصمة باريس، ويضم الآلاف من المعارضين الرافضين لسياسات طهران، إقليمياً ودولياً، فضلاً عن شخصيات دولية بارزة.

واتّهمت باريس، في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتورط في تنفيذ المخطط الذي جرى إحباطه، في الوقت الذي جمّدت فيه لاحقاً أصول إدارة الأمن الداخلي في دائرة الاستخبارات بالسفارة الإيرانية.

وفي منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2018؛ أعلنت الدنمارك استدعاء سفيرها في إيران، كما توعّدت طهران بفرض عقوبات، نتيجة التخطيط لهجوم إرهابي ضدّ معارض إيراني يقيم على أراضيها، متهمة وزارة الاستخبارات الإيرانية بالتورّط في المخطط الإرهابي.

 

للمشاركة:

ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:



حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

مختار الدبابي

لم يمض على النشاط العلني لحركة النهضة أكثر من ثماني سنوات حتى طالتها تغيرات نوعية، وهو أمر كان متوقعا، فالإسلاميون تقويهم المظلومية والمطاردة الأمنية، لكن العلنية تربكهم، وها هي الآن تقودهم إلى انقسامات وحرب مواقع تخرج ولأول مرة إلى العلن.

والسبب أنهم وجدوا أنفسهم حزبا يصارع على السلطة، ويقاتل أفراده ليحصلوا على مواقع متقدمة في البرلمان ومؤسسات الدولة، تمكنهم من استعادة الوجاهة والنفوذ. انتهى الحزب الرباني الذي يصدع الرؤوس بشعار الإسلام هو الحل، وتطبيق الشريعة، وإشاعة القيم الإسلامية في المجتمع، إلى حزب مدني يصارع داخله لأجل السلطة.

وإذا كانت الجماعة قد نجحت في تطويق عاصفة المؤتمر العاشر بسبب التطورات السياسية التي كانت تضع حركة النهضة على صفيح ساخن بعد موجة الاغتيالات، فإن الخلافات في زمن السلم والدعة والمقار الفخمة لم تستطع أن تخنقها لا باسم الدين ولا باسم الإخوة، وخرجت إلى العلن تصريحات قوية لقيادات مهمة ونوعية مثل عبداللطيف المكي الذي يوصف بأنه قائد تيار المعارضة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وكذلك عبدالحميد الجلاصي، وهو أحد مهندسي عودة النهضة إلى النشاط السري في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأيضا سمير ديلو، الوزير السابق في الترويكا، الذي قال إنه يشعر بالاختناق ويفكر جديا في الاعتزال.

وقصة هذه الثورة العاصفة أن الحركة أجرت انتخابات داخلية لتصعيد مرشحيها في الانتخابات التشريعية بشكل ديمقراطي وحر، لكن جاء المكتب التنفيذي، أي ذراع الغنوشي الذي اختاره بنفسه بعد أن تحدى رغبة مجلس الشورى في أن يتم تصعيده بالانتخاب، وهدد بالاستقالة في حادثة مشهورة، ورمى بنتائج الانتخابات عرض الحائط وأعاد تشكيلها، ووضع رؤساء قوائم تتماشى مع توجه الغنوشي في الانفتاح على كفاءات من خارج التنظيم، وخاصة من الكفاءات النسوية والحرص على أن يكنّ غير محجبات.

وبعد أن صعد الجلاصي والمكي في مواقع متقدمة بقوائم الحركة بتونس العاصمة، جاء التنفيذي وأرسل الأول إلى محافظة نابل، والثاني إلى محافظة الكاف ليترأسا قوائم هناك، في تحد لإرادة الناخبين بالعاصمة والكاف ونابل، وهو ما رفضه الجلاصي والمكي معلنين أنهما لن يترشحا للانتخابات، والأمر نفسه لأسماء أخرى غير معروفة إعلاميا تم انتخابها ثم جاء التنفيذي وأزاحها تماما مثل النائبة الحالية عن سيدي بوزيد حياة عمري، وهي شخصية ذات وزن في محافظتها خاصة بسبب درجتها العلمية وإشعاعها الخارجي في المؤتمرات ذات الاختصاص.

وأيا كانت التفاصيل وردود الفعل الغاضبة، فإن أهم ما يمكن استنتاجه أن الحركة التي باتت بمثابة الغول في المشهد السياسي، ويكافح الجميع لاسترضائها والتحالف معها، ستتحول بالتدريج إلى حزب شبيه بنداء تونس، وستخرج عنه استقالات قد تكون في البداية محتشمة ويلجأ أصحابها إلى التكتم، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة خاصة بسبب الحضور الطاغي للإسلاميين على مواقع التواصل، حيث تشتعل التسريبات والردود وأنباء الاستقالات.

وما يجري كان متوقعا، لأن حركة النهضة منذ بدايتها تكونت كتنظيم براغماتي يراوح بين هويات مختلفة ومتناقضة، محلية زيتونية، وخارجية إخوانية، وسرعان ما يتم التبرؤ من تلك الهويات مع أول ضغط.

والمعركة الحالية ستكون فاصلة، فهي معركة بين المتمسكين بالجماعة، وبين الغنوشي الذي يحفر بعمق وبسرعة لتقويض الهوية القديمة، والتخلص من رموزها بأشكال مختلفة، مثل إحالة “أمراء” سابقين للحركة كالصادق شورو والحبيب اللوز إلى الدعوي، وقد وضعهم بشكل فعلي في الثلاجة، ولم يعد لهم ظهور إعلامي أو حركي فما بالك بالتأثير، ما يفتح الطريق أمام سيطرة تامة للرجل الأول الذي قرر أخيرا الترشح للبرلمان، ولا يعرف إن كانت مناورة داخلية أم أن الرجل يريد أن يخرج إلى الأضواء بشكل أكبر، إذ قد يحصل على رئاسة البرلمان في سياق توافقات مستقبلية مع حزب الشاهد، أو مجموعة أحزاب أخرى.

وما يلاحظ بشكل جلي أن ماكنة الغنوشي تريد أن تتخلص من الوجوه القديمة، وأن تجلب وجوها بلا ماض ولا سوابق، وقادرة على اختراق المجتمع والتموقع في المسؤوليات دون شكوك حولها، ولذلك تقول تسريبات إن رهان رئيس حركة النهضة منصب بدرجة أولى على ضم شخصيات عامة إلى قوائم الحركة، بينها رياضيون وفنانون، وتكنوقراط من أبناء شخصيات ذات وزن كرجال الأعمال ورؤساء الجمعيات الرياضية، مثل مرشحة النهضة لقيادة بلدية باردو في قلب العاصمة، وهي ابنة رئيس جمعية رياضية ذات شعبية في المنطقة، ما سهل لمرشحة النهضة الفوز وفتح أمامها الطريق لرئاسة البلدية، تماما مثل سابقتها التي كانت عضوا في اللجنة المركزية للتجمع المنحل ثم التحقت بالنهضة.

ولا يخفي مقربون من “النهضة الجديدة”، التي يركبها الغنوشي، تأكيدهم أن استعادة خطاب المظلومية والتغني بالماضي لم يعودا يقنعان أحدا في الشارع التونسي، الذي يحتاج إلى اختراق عبر استقطاب عناصر اجتماعية ناجحة وتقريبها من الحركة ثم ترشيحها ودعمها بقوة للفوز، ما يسمح بكسب جمهور جديد مغاير للجمهور القديم الذي فات وقته، وبدأت رموزه تلوح بانتفاضة علنية في وجه “الشيخ” الغنوشي.

يراهن رئيس حركة النهضة على أن موجة الاحتجاج ستنتهي حين يغلق ملف النقاش حول المرشحين، وتصبح القائمات أمرا واقعا، ومثلما حصل بعد المؤتمر العاشر، فإن الضجة مرت سريعا، ثم تحولت إلى نقاشات لتبرئة الذمة على مواقع التواصل، إلى أن سكتت تماما.

لكن هل ستنتهي انتفاضة الديمقراطية الداخلية إلى القبول بالمربع الأول، مربع الشورى الذي يستمع فيه إلى “الكوادر” من باب النصيحة والمقترح ويأخذ ما يريد، أما العامة (المنخرطون والأعضاء والقيادات المحلية والوسطى) فتكفيهم الديمقراطية الشكلية يرشّحون ويترشحون ويتنافسون، ليأتي الشيخ ويعيد تشكيل القوائم حسب حساباته وعلاقاته وتعهداته لرجال أعمال ونافذين بوضع أبنائهم على قوائم النهضة، مقابل دعم معنوي داخل الدولة العميقة لتقبل بالحركة التي ما تزال صورتها مثيرة للريبة والتوجس برغم كل التنازلات.

أعتقد أن انتفاضة القوائم الانتخابية لن يخرج منها الغنوشي قويا مثلما دأب على ذلك في السابق، هذه المرة الصدمة كانت أقوى لأنه سلب خيار المنتخبين واستهان بالديمقراطية المحلية التي يتغنى بها النهضاويون ويزايدون بها، خاصة أن المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.

فهل يرضخ جمهور النهضة للعبة، وهل ينجح الغنوشي في إقناع أوساط الدولة العميقة بأنه تغير شخصيا وفي طريقه لبناء “نهضة” جديدة تكون تحت الطلب لإرضاء رجال الأعمال المحليين والشخصيات النافذة، وخاصة إرسال رسائل للغرب أن النهضة تتغير ومستعدة لتنازلات أكبر، المهم القبول بها.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

العراق.. "عاصوف" الصحوة الدينية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

رشيد الخيّون

عرضت فضائية (إم. بي. سي)، مسلسل «العاصوف»، بجزئين، الأول ما يخص الحياة قُبيل الصَّحوة الدِّينية بالمملكة العربية السعودية، والثّاني ما يخص زمن «الصَّحوة الدِّينية»، التي محت العلاقات الاجتماعية الطَّبيعية النَّامية آنذاك، لتحولها إلى تشدد أخذ يطغى على أجواء المدرسة والشَّارع، عبر الوعد بنظام ديني والوعيد بعذاب الآخرة.
كان الممثل ناصر القصبي، يُفكر منذ فترة بمثل هذا العمل، الذي يُسجل لتلك الحقبة، حتى سنح الظَّرف بتحقيق عمله، ولشدة أثر الصَّحوة سمَّي العمل بـ«العاصوف»، ومعناه الرِّيح الشَّديدة. فكانت الأفكار الصَّحوية تعصف في العقول، «عاصوف» شمل المنطقة ككلِّ، اعتمد على حوادث كبرى في(1979): الثَّورة الإيرانية التي بثت الرُّوح في الإسلام السِّياسي صاحب الصَّحوة، وحادثة جهيمان العتيبي(أعدم 1980)، بتلفيق مهدي منتظر تمت مبايعته داخل الحرم، ثم ختمت تلك السَّنة بالحرب الدِّينية الأفغانية، التي منها تفرعت الجماعات المتطرفة شرقاً وغرباً.
كان شيوخ وشباب الصَّحوة يُحددون نوع الملابس، ويفرضون ما يُسمع في الكاسيت والرَّاديو وما يُشاهد في التلفزيون، والثّقل الأكبر وقع على المرأة. مَن يُشاهد المسلسل المذكور بجزئيه خلال رمضان(2018) و(2019)، يدرك شدة انفلات القوى الدِّينية على المجتمع. كانت الظَّروف لا تسمح بالمجابهة، ومَن واجهه الصَّحوة عرض نفسه للمخاطر، فالزَّمن زمنهم، وهذا ما عبر عنه المتصدي ضدهم آنذاك غازي القُصيبي(ت2010) في بيت أسمعه لأحد أزلامها: «يا أَيُّها الرَجُلُ المُرخي عِمامَتَهُ/هَذا زَمانُكَ إِنّي قَد مَضى زَمَني»(البيت لجرير)، وهو أبلغ تعبير عن المرحلة واحتكارها مِن قِبل الصَّحويين.
كان الوضع بالمنطقة، يسير لصالح ثقافة الإسلام السِّياسي، فحدث تغيير كبير على أفكار وممارسات النَّاس. أخذت الثّقة تنعدم داخل الأسر، والعلاقات بين الأخوات والإخوان تُحدد بالفتاوى والوصايا. هذا ما بدأ يدب بالعراق من أواسط السبعينيات، حتى توج بالحملة الإيمانية في السنوات الأولى مِن عَقد التسعينيات، فحصل «الصَّحويون» عبرها على شرعيتهم، وأخذ رموزهم يشتمون الفلسفة والفلاسفة ورجال التَّنوير علانية مِن على المنابر، ويفتون بجواز الغش في الامتحانات المدرسية غير الدينية، ويهاجمون غير المحجبات مِن النِّساء، بعد أن بدأ «الإخوان» ومعممو الدَّعوة بالإفتاء لحجاب طالبات الجامعة، كأبرز مظهر مِن مظاهر الصَّحوة.
بدأت الصحوة الدينية داخل العراق، بنشاط «الإخوان المسلمين» (تأسسوا بالأربعينيات) و«الدعوة الإسلامية» (تأسست1959)، في الجامعات والمدارس والمحلات العامة، بشكل سري حينها، فما أن يُكسب «إخواني» أو دعوي مِن داخل الأُسرة إلا ويضع شروطه على أسرته، معتبراً التدين المعتاد جاهلية، على هدي سيد قطب (أعدم1966)، الذي تثقف بكتبه الشِّيعة والسُّنة مِن الأحزاب الدِّينية. مع الإلحاح في فرض الحِجاب على الزَّوجات والأخوات وبنات العم، وزواجهنَّ مِن «صحويين»، إلى منع جهاز التلفزيون في الدَّار، كذلك لا يُسمع في السيارة غير المواعظ وأدبيات عاشوراء.
أخذ النَّاس يضطربون في علاقاتهم، حتى أخذ التدين «الصَّحوي» يغرس الكراهية عبر الطَّعام والمعاشرة، مثل القول بـ«نجاسة» الإنسان، وعدم الترحيب بغير المسلم، والنَّظر إلى بناء الكنيسة بأنه ضد الإسلام. أخذ النَّاس يلتفتون إلى التمييز طائفياً بينهم البين. ظهر في بدايات الصَّحوة التعامل بالبنك الإسلامي، فشاع كتاب «البنك اللاربوي»، الذي مجرد تغيير في أسماء الفائدة لتصبح حلالاً، على اعتبار أن البنوك الرَّسمية ربوية.
أخذت تطغى الأسماء والكُنى الدِّينية على الآباء والمواليد. تحولت الأعراس، بين أُسر القوى الدِّينية، إلى جلسات صامتة، لا فرق فيها بين تقاليد العرس والمآتم. جاء التفكير بالمواكب الحُسينية الجامعية، كدعوة مظهرها تنقية طقوس عاشوراء، وباطنها أجواء لممارسة العمل الحزبي. كذلك نشطت الزيارات المشتركة إلى الأضرحة، خارج المعتاد، والسَّفرات الدينية، على شكل معسكرات، مع إعفاء اللحُى للشباب والحِجاب للشابات. كانت السُّلطة السَّابقة توجت تلك الصَّحوة بحملتها الإيمانية، وأما اللاحقة فجعلتها رسمية، وصار للفساد في ظلها ألف وجه.
كانت القوى الدِّينية تضغط اجتماعياً، ويُكلف كلّ منتمٍ القيام بدوره في أسرته، وبين أصدقائه، والبداية بالدَّعوة إلى التَّدين، ثم التوجه إلى الكسب الحزبي. انتقاد كلّ شيء اجتماعي ليس على أسلوبهم. أخذ المجتمع يُصبغ بصبغة العسكرة الدِّينية، كنوع الحِجاب الواحد، غير الحجاب التقليدي مثل العباءة العراقية المعروفة، والتَّركيز على عبارة التَّحية، ومنها يميزون بين المتدين وغير المتدين.
أما أهم ما وصلت القوى الدِّينية بصحوتها، فهو رخص الحياة، «في سبيل الله والدِّين»، والحقيقة كانت في سبيل الجماعة، بعد إغراء الشَّباب بنيل «الشَّهادة». كم مِن ضحية صحوتهم وضحية النِّظام سمي بـ«الشَّهيد السّعيد»!
للجواهري(ت1997)، ما يُغني عن التصريح بالأماني، في الخلاص مِن عبث هذه الصَّحوة على الدِّين والوطن: «لنا فِيك يا نشء العراق رغائبُ/ أيسعفُ فيها دهرُنا أم يمانعُ»(الثورة العراقية). غير أن النشء الذي نخاطبه تبدأ معه ثقافة الصَّحوة أو تشويه العقل مِن الطُّفولة، فأي رغائب لنَّا فيه؟!
أقول مَن مِن الفنانين سيُبادر إلى عمل لـ«عاصوف» عراقي، فإذا كانت الصَّحوة التي كشف عنها «عاصوف» الفنان السعودي القصبي بدأت بالزَّوال، إلا أن «عاصوف» الصَّحوة الدِّينية ببلاد الرافدين، جنوباً وشمالاً، مازال يهب بشدة، بقوة شرسة لديها المال والسلاح والسلطة أيضاً، يصعبُ ترقيع فتوقها في الثَّقافة الدِّينية والدُّنيوية، وكل جماعة تنفث سمومها، عبر فضائيات وصحف وأمكنة عبادة!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية