الأضحى في فلسطين: إصرار على الفرح ولكن..!

رغم الأوضاع السياسية والاقتصادية الحرجة، يسعى الفلسطينيون لأن يكون عيد الأضحى فرصة أخرى للخروج من هذه الهموم ومحاولة نسيانها، والبحث عن فسحة للسعادة والفرح الذي طالما افتقدوه، فجميع هذه الظروف الصعبة، والتي تحلّ على أكثر من 6 ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم تستطع سرقة جوّ الفرح بقدوم عيد الأضحى المبارك لديهم، والذي يتميز بطابع خاص لدى الفلسطينيين، بعاداته وطقوسه وأجوائه، خاصّة لدى الأطفال منهم.
يتمّ تقسيم العمل فيما بينهنّ لعمل حلوى بأبهى شكل وبالمذاق المعهود

لهفة التغيير
قبيل قدوم عيد الأضحى بأيام قليلة؛ تتزين الشوارع بالأعلام الفلسطينية والأضواء الزاهية، وتمتلئ الأسواق الفلسطينية بالملابس الجديدة والحلويات والألعاب الترفيهية، ويتهافت المواطنون بالتوافد عليها لشراء احتياجاتهم حتى ساعات متأخرة من الليل، كما وتحرص السيدات على القيام بحملات التنظيف الشاملة لمنازلهن لاستقبال العيد، وتجتمع النسوة في الحيّ الواحد للتفنن في تحضير كعك ومعمول العيد، والذي يعدّ من أبرز معالم عيد الأضحى المبارك في فلسطين؛ حيث يتمّ تقسيم العمل فيما بينهنّ لعمل حلوى بأبهى شكل، وبالمذاق المعهود.

اقرأ أيضاً: الأضحى في غزة: لا مشترين للمواشي ولا شحذ للسكاكين
ومع الساعات الأولى من أول أيام عيد الأضحى؛ تصدح المساجد والساحات الكبيرة بتكبيرات العيد، ويحاول عدد كبير من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة أداء صلاة العيد في المسجد الأقصى المبارك، وعقب انتهاء الصلاة يتبادل المواطنون التهاني ومنهم من يمضي لنحر الهدي، وتبدأ الزيارات بين الأهل والأقارب، ويرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة، ويستعدون لتسلّم العيدية، وللتوجه إلى الحدائق وركوب الألعاب المتنوعة.

تصدح المساجد والساحات الكبيرة بتكبيرات العيد

فرحة منقوصة
نيفين النجار (38 عاماً)، من مدينة غزة، تقول: "العيد يأتي على الناس من أجل الفرح والسرور والتمتع بطقوسه وشعائره، إلا أنّ الفرحة لديّ منقوصة، مع بقاء زوجي للعام التاسع على التوالي داخل المعتقلات الإسرائيلية، والذي طالما كان يحرص على قضاء العيد بجانبنا، وبين أطفاله، يعيش الفرحة معهم، ليترك مكاناً خالياً في بيته لحين خروجه من سجون الاحتلال".

اقرأ أيضاً: الأضحى في تونس: طقس للتواصل والمتعة وطرد الجن والشياطين
وتضيف في حديثها لـ"حفريات": "رغم السؤال المتكرر لأطفالي الأربعة عن والدهم، والذين يفتقدونه بشدة، خاصة في الأعياد والمناسبات، إلا أنني أحاول رسم البسمة على شفاههم، وجعلهم يعيشون فرحة العيد كبقية الأطفال، والقيام بالعادات والطقوس التي كان يقوم بها والدهم قبل اعتقاله، ومنحهم العيدية، والتي ينتظرونها بشغف، وزيارة الأهل والأقارب، ومع ساعات المساء الأولى يتمّ اصطحابهم إلى إحدى الحدائق العامة، والملاهي للترفيه عن أنفسهم".

يرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة ويستعدون لتسلّم العيدية

ترقب طعم مختلف

من جهته، يقول أحمد اشتية (36 عاماً) من بلدة كوبر، قضاء رام الله، والذي يعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية: "رغم الضائقة المالية التي أمرّ بها، والتي لم أشهد لها مثيلاً منذ عدة أعوام، إلا أنّ العيد لديّ له طعم مختلف أنتظر قدومه والاستمتاع بعاداته ومظاهره مع عائلتي، والتي أداوم كلّ عام على اصطحابهم لأداء صلاة العيد في المسجد، ومن ثم الذهاب لمنزل العائلة، لتهنئتهم بالعيد، ثم نعود إلى المنزل لتناول طعام الفطور، وتوزيع العيدية على أبنائي الثلاثة".
ويتابع حديثه لـ "حفريات": "منذ أعوام وأنا أواظب على شراء الأضحية، ورغم الأزمة المالية التي عصفت بي، إلا أنّني ما أزال ألتزم بأدائها كسنّة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يتم ذبح الأضحية، وأخذ قسط من الراحة، أذهب لزيارة الأقارب والأرحام، ومن ثم اصطحب العائلة للذهاب إلى أحد المتنزهات، كي يمرح الأطفال ويلهون مع أقرانهم".

مناسبة تحيي الحزن
حال يونس الشرافي (47 عاماً)، من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تبدو أصعب هذا العام بعد فقدانه أحد أبنائه قبل عدة أشهر في مسيرات العودة، على حدود قطاع غزة؛ يقول: "إنه العيد الأول لي ولعائلتي، الذي تنقصنا فيه الفرحة، بعد استشهاد أحد أبنائي، والذي أثقل علينا الشعور بالفرح والسعادة، كحال بعض المواطنين الذين فقدوا أبناءهم وذويهم، وقد غلف الحزن الشديد قلوبنا على فقدانه"، مضيفاً لـ "حفريات"، وهو يغالب دموعه، "ما أزال أتخيل تواجده في كل وقت وحين، وكأنّه على قيد الحياة ويتجوّل في جميع أركان المنزل".
ويتابع الشرافي "بعد الانتهاء من أداء صلاة العيد يتم الذهاب إلى المقبرة التي يرقد فيها جثمان ولدي لقراءة الفاتحة على قبره، وتوزيع بعض النقود والحلويات على الأطفال، ومن ثم نقيم بيت عزاء في اليوم الأول للعيد كما هو متعارف عليه في فلسطين، في أول عيد يأتي على الفقيد أو الشهيد".

الجيوسي: العيد لا يحلو دون إعداد وتجهيز كعك العيد

كعك العيد
من جهتها، تؤكد يسرى الجيوسي (41 عاماً) من بلدة اسكاكا، غرب نابلس، على عيش هذه المناسبة بكل تفاصيلها رغم ما يعانيه المجتمع الفلسطيني: "من أجمل مظاهر العيد الذهاب إلى الأسواق، التي عادة ما تزدحم بالمواطنين لشراء الملابس للأطفال وبعض الحلويات والمستلزمات، بعد أن يتم تنظيم المنزل وتنظيفه قبل العيد بعدة أيام، كي يكون جاهزاً لاستقبال المهنئين والضيوف".

يسعى الفلسطينيون لأن يكون عيد الأضحى فرصة للسعادة والفرح الذي طالما افتقدوه

وتتابع حديثها لـ"حفريات": "العيد لا يحلو دون إعداد وتجهيز كعك العيد، والذي يعتبر مظهراً وطقساً جميلاً من طقوس عيد الأضحى المبارك، وتشترك في إعداده عدد من النسوة مع بعضهن البعض، ويتم تحضير الكعك والمعمول قبل قدوم العيد بأيام، لحاجته لمجهود كبير؛ حيث تقوم بعض النسوة بتجهيز العجينة، والتي تتكون من الدقيق والسميد، والبعض الآخر يعمل على تجهيز العجوة المصنوعة من التمر، ومن ثم وضعها داخل القوالب، والتي تأخذ أشكالاً متعددة، وتبقى المرحلة الأخيرة، وهي وضع الكعك والمعمول داخل الفرن، حتى يصبح جاهزاً، لتقديمه للأقارب والمهنئين بالعيد".

يتم تحضير الكعك والمعمول قبل قدوم العيد بأيام

إقبال ضعيف على الأضاحي

وكما هو متوقع في كل عام أثرت الظروف الاقتصادية على إقبال الفلسطينيين على الأضاحي، وهو ما أكده صاحب إحدى مزارع المواشي في غزة، سلامة ماضي: "هناك إقبال ضعيف من قبل المواطنين على شراء الأضاحي لهذا العام، رغم انخفاض أسعارها مقارنة بالأعوام الأخرى، وذلك نظراً لتردي الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، والتي تزداد عاماً بعد عام"، مستدركاً؛ "لقد توقفت شريحة كبيرة من المواطنين، والذين اعتادوا على شراء الأضاحي سنوياً، عن شرائها هذا العام، واقتصرت مبيعات المواشي على عدد قليل منهم، وعلى بعض الجمعيات الخيرية".

النجار: الفرحة لديّ بالعيد منقوصة مع بقاء زوجي للعام التاسع على التوالي داخل المعتقلات الإسرائيلية

ويضيف ماضي، في حديثه لـ"حفريات": "رغم اقتراب موعد العيد فإنّ مزرعتي تتكدس فيها العجول والأبقار والخراف، وهذا من شأنه تكبيدنا خسائر فادحة مع ارتفاع درجات الحرارة المستمر، وانتشار بعض الأمراض السارية والتي تهدّد حياة المواشي وتؤدّي إلى نفوقها"، مبيناً أنّه "طالما بقيت الأوضاع الاقتصادية السيئة تراوح مكانها ستبقى المشكلة قائمة، وبالتالي إلحاق الأذى الخطير بأصحاب مزارع المواشي والذين ينتظرون هذا الموسم بشغف كبير".
وتابع "قطاع غزة يستهلك أكثر من 12 ألف رأس من العجول والأبقار، وما يزيد على 30 ألف رأس من الأغنام والخراف، ومن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم لدرجة كبيرة هذا العام، رغم انخفاض أسعار العجول المستوردة، والتي يتراوح سعر الكيلو القائم ما بين 16 إلى 19 شيكلاً (ما يقارب 6 دولارات أمريكية)، وسعر كيلو الخراف القائم ما بين 4 إلى 6 دنانير أردنية".

اقتصاد في مرحلة الانهيار
من جهته، أوضح المحلل الاقتصادي، أحمد عوض الله، أنّ "الحركة الشرائية في الأسواق الفلسطينية بشكل عام تشهد تراجعاً كبيراً هذا العام، بفعل الأوضاع الاقتصادية السيئة والتي أدت إلى تقليص نسب رواتب الموظفين العموميين، بعد خصم السلطات الإسرائيلية لأموال المقاصة، وبالتالي ارتفاع معدلات الفقر في الأراضي الفلسطينية إلى مستويات مرتفعة".
ولفت عوض الله لـ "حفريات" إلى أنّ "الاقتصاد الفلسطيني دخل في مرحلة الانهيار بعد تزايد معدلات البطالة والفقر المدقع لمستويات كبيرة، واستمرار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 13 عاماً، والذي أدى إلى شحّ السيولة المالية، وضعف القوة الشرائية، والذي أثّر بشكل سلبي على جميع القطاعات الإنتاجية في قطاع غزة".
وتابع عوض الله: "الأوضاع الاقتصادية السيئة ساهمت في إغلاق العديد من المنشآت الصناعية في القطاع، وبالتالي تسريح المئات من العمال والذين انضموا إلى قوائم العاطلين عن العمل، في ظلّ انعدام الأفق والخطط اللازمة للخروج من هذه الأزمة من قبل الجهات الرسمية".

الأقسام: