الألتراس.. مدرجات الملاعب إذ تصدح بصوت المقهورين

المغرب

الألتراس.. مدرجات الملاعب إذ تصدح بصوت المقهورين

مشاهدة

15/07/2019

"في المدرجات نُغني ما نعيشه، نصرخ بأعلى صوت، لأننا نُحسّ بتلك الكلمات، فالمدرجات برلماننا وحكومتنا، ولا أحد سيقمعنا، أو يطلب منا أن نصمت، أو يعتقلنا بسبب انتقادنا لرجال السلطة" يقول هشام من ألتراس "غرين بويز"، وهي مجموعة مساندة لفريق الرجاء الرياضي المغربي.

اقرأ أيضاً: المغرب: إلقاء القبض على إرهابي من نوع جديد
ويردّد الشاب المغربي، ورفاقه، كلمات أغنية "في بلادي ظلموني"، التي ألّفها في آذار (مارس) 2017، ألتراس النسور، عُشاق نادي الرجاء البيضاوي لكرة القدم، وتُسلط الضوء على غياب دعم الدولة للأحياء الهامشية بالمغرب.
المتطرفون في الحبّ
لا ينتمي هشام، البالغ من العمر 23 عاماً، ورفاقه، إلى أيّ حزب سياسي أو جمعية، ويقول في هذا الصدد، لـ "حفريات": "لا نثق في السياسيين والجمعيات والإعلام، كلّهم يُتاجرون بقضايا الشعب".
ويعدّ الألتراس اللاعب رقم (12) في لعبة كرة القدم؛ بسبب قدرتهم التأثيرية على سير المباراة، وحرصهم على تشجيع فريقهم، والتنقل معه أينما حلّ وارتحل، عن طريق الشعارات والأغاني، وتعني كلمة الألتراس (Ultras) اللاتينية: "المتطرفون في الحبّ".

يقدّر عدد جماهير الألتراس بأكثر من مليون مشجّع
ويقدّر المهتمون بالشأن الرياضي المغربي عدد جماهير الألتراس بأكثر من مليون مشجّع، وعلى مدار أعوام، كانت جماهير الألتراس المغربية تُردد الشعارات والأغاني لتشجيع فريقها، أو الهجوم على الفريق المنافس، لكن مع بداية العام الماضي؛ نقلت جماهير المستديرة غضبها الاجتماعي إلى المدرجات، وأصبحت أغانيها صوت المقهورين والمحتجين.

الباحث المغربي سعيد بنيس: هل تستمر شعارات شباب الألتراس خلف أسوار المدرجات أم تنتقل إلى الخارج؟

ظاهرة "الألتراس" ليست جديدة بالمغرب، وكانت قد ظهرت على مدرجات ملاعب، منذ عام 2005، وتُصنّف فرق مغربية بالدار البيضاء، مثل "الوداد" و"الرجاء"، ضمن الألتراس العشر الأوائل في العالم، من حيث التنظيم والعدد، وفي الأعوام الأخيرة؛ انتقلت ظاهرة الألتراس إلى باقي ربوع المملكة.
ويُشير خالد باكي، أحد مناصري فريق الوداد البيضاوي، إلى أنّ "الشباب فقدوا ثقتهم في المؤسسات والمسؤولين"، معتبراً أنّ ذلك راجع إلى أنّ لا أحدَ يهتم بحال الشباب أو يسمع صوتهم.
"نعبّر عن وضعنا بصوت مرتفع"
ويُضيف خالد، البالغ من العمر 23 عاماً، لـ "حفريات": "المدرّجات هي المكان الوحيد الذي ينسينا قسوة الواقع، هناك لا نخاف شيئاً، ونعبّر عن وضعنا بصوت مرتفع، في المدرجات نجتمع من مختلف أحياء الدار البيضاء، المثقف والطالب والعاطل عن العمل، وأيضاً المجرم، لنصرخ بنبرة واحدة وبصوت واحد".

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟
يرى خالد أنّ أغاني الألتراس ساهمت في ارتفاع وعي الشباب المغربي، مشيراً إلى أنّ "الشباب الذين كانوا مستقلين عن واقعهم، أصبحوا اليوم ينتقدون الحكومة والمسؤولين، ويُعبّرون عن قضاياهم؛ لقد أصبحنا نشعر بأنّنا يجب أن نتحدث ونعبّر عن رأينا، وألّا نخشى أحداً".
70 بالمائة من الشباب لا يثقون في الأحزاب السياسية

"الملاعب ذريعة للاحتجاج"
ويرى سعيد بنيس، الباحث في علم الاجتماع؛ أنّ "ظاهرة الشعارات السياسية في الملاعب، تشكّل تحولاً مجتمعياً"، معتبراً أنّ "التنافس الرياضي في ملاعب كرة القدم أصبح "ذريعة" لخلق موقع جديد ونوعي للفاعلية (Agency) الاحتجاجية الشعبية".
ويُضيف بنيس لـ "حفريات": "هذا التحول يسائل طبيعة ونوعية الاحتجاج الذي يظهر في الملاعب، وكيفية مقاربة هوية المحتجين الجدد (الألتراس)، مع الأخذ بعين الاعتبار الدينامية السياسية في المغرب، والمحددات الاجتماعية والثقافية التي أدّت إلى هذه الفاعلية الجديدة".

أحد جماهير الألتراس: المدرّجات هي المكان الوحيد الذي ينسينا قسوة الواقع هناك لا نخاف شيئاً

وأنجز سعيد بنيس، الباحث في علم الاجتماع المغربي، دراسة تتناول ظاهرة الألتراس في المغرب، وكيف تحوّلت إلى شكل من أشكال الحركات الاحتجاجية.
ويُشير بنيس إلى أنّ "كلمات الأغاني التي تبدعها جماهير الألتراس، تتوزع افتراضياً تحت مسؤولية وتأطير مسيّري المجموعات (الأدمنز)، ويتلقاها أعضاء الألتراس لـ "تمثيلها" وإخراجها كعمل مسرحي، لمفاجأة "الخصم المفترض"، وكذلك كمتنفَّس للتعبير عن احتقان الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية".
وتتناول الدراسة التنظيم الداخلي للألتراس، معتبرة أنّه "يتمّ لعب الأدوار في احترام تامّ للآخر والبيئة المحيطة، من خلال ميثاق أخلاقي متفق عليه"؛ (شجع فريقك دون استعمال كلمات نابية، شجّع فريقك ونظّف مكانك)".
شعارات الألتراس
ويقول الباحث والأكاديمي المغربي إنّ "الشعارات السياسية المتداولة من الألتراس في السابق، كانت غالبيتها ذات صبغة سيميائية؛ من خلال التلويح ببعض الرموز، من قبيل: العلم الفلسطيني أو الأمازيغي، أو صور بعض الشخصيات الثورية".

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟
ويرى بنيس؛ أنّ شهر آذار (مارس) 2018 شكّل منعطفاً مهماً في تاريخ الألتراس بالمغرب، مشيراً إلى أنّ "الشعارات الخطابية المغناة والمكتوبة بدأت منذ هذا التاريخ، تتضمن منسوباً عالياً من الاحتجاج على الوضع الاجتماعي والسياسي، والمطالبة بتحسين أوضاع الشباب المغربي".
وتُشير الدراسة إلى أنّ "الكلمات الموظفة في شعارات وأغاني الألتراس، تكشف إحساسهم بالانتماء إلى المجموعة، وهذا ما تبرزه عبارات من قبيل: "ما بغيتونا نقراو، ما بغيتونا نخدمو، مابغيتونا نوعاو"، "ومغنمشيوش لعسكر"، "الحرية لي بغينا يا ربي"، "فهاد لبلاد عايشين فغمامة"، "خلاونا كليتامى"، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل ينجح المغرب في محاربة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؟
وتعني كلمات الأغنية: "إنّكم لا ترغبون في أن نتعلم، لا تريدوننا أن نعمل، ولا تريدوننا أن نصبح واعين، ولن نلتحق بالتجنيد العسكري، الحرية هي ما نريد، نحن نعيش الضياع، لقد تركتمونا كاليتامى".
وأيضاً شعارات بصيغة المفرد: "فبلادي ظلموني لمن نشكي حالي"، "الهدرة طلعت ف راسي وغير فهموني"، "جاي نكلاشي الحكومة".
وتعني العبارات: "ظُلمت في بلادي، ليس لدي من أشكي له وضعي، مللت الحديث فقط افهموني، جئت لانتقاد الحكومة".
ويُضيف بنيس "هذا التعبير الاحتجاجي الجديد يعكس التداخل بين الشعور بالانتماء إلى المجتمع المغربي، وسلوك الفاعلية والرغبة في الانخراط في الدينامية المجتمعية والـتأثير في السياسة العامة للبلاد".
الملاعب ذريعة للاحتجاج

"تراجع الوساطة المدنية والسياسية"
الخصم لم يعد الفريق المقابل أو السياسة الرياضية أو الجامعة، أو المدرب فلان مثلاً، كما يوضح الباحث في علم الاجتماع، بل "السياسات الحكومية؛ فالمواجهة تتم بتفويض الرياضة كجسر للاحتجاج وتحقيق الفاعلية والانخراط في المجتمع."
ويُشير بنيس إلى أنّ الجماهير الرياضية كانت ترفع لافتات ضدّ المؤسسات الرياضية، واليوم أصبحت المضامين ذات حمولة سياسية، هي الطاغية على الشعارات داخل الملاعب.
وعزا الباحث المغربي ذلك إلى تراجع الوساطة المدنية والسياسية، معتبراً أنّ الملاعب أضحت تشكل تعويضاً لمواقع الاحتجاج الكلاسيكية (أمام ساحات المؤسسات الحكومية أو في مدينتي الرباط والدار البيضاء.

اقرأ أيضاً: المغرب: بن كيران يغازل قواعد "العدالة والتنمية" قبل الانتخابات
وكان نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، قد كشف أنّ "نسبة مشاركة الشباب في الانتخابات الماضية في المدن الكبرى لم تتجاوز 20%"، موضحاً أنّ "آخر الأرقام تؤكد أنّ 70% من الشباب لا يثقون في الأحزاب السياسية".
ودعا بركة النخب السياسية إلى تجديد ممارسة الفعل السياسي، لإعادة الثقة في الأحزاب، مشدداً على ضرورة تغيير "الممارسة التقليدية للعمل السياسي، التي نعيشها اليوم، حتى نكون على مستوى تطلعات المواطنين، ونشجعهم من جديد على الانخراط في السياسة."
فقدان الشباب في المغرب الثقة في السياسة، جعل من المدرجات ملاذهم الوحيد للتعبير عن آرائهم بصوت مرتفع، والمطالبة بحقوقهم؛ ما دفع الباحث المغربي سعيد بنيس للسؤال: "هل تستمر شعارات شباب الألتراس خلف أسوار المدرجات، أم تنتقل إلى الخارج؟".

الصفحة الرئيسية