"الإسلام والجمهورية والعالم": هل تعادي فرنسا المسلمين؟

2616
عدد القراءات

2019-05-07

هل تقوم بعض الدول بممارساتٍ عنصريةٍ ضدّ الإسلام والمسلمين؟ ولماذا يكون المسلمون أساساً مفتاح معظم السجالات الدينية في بعض الدول الأوروبية؟

يتمحور الكتاب حول نقطةٍ أساسية: هل يحتاج المسلمون إلى مواجهة العالم حتى يتمكنوا من إثبات وجودهم

إنّ الإجابة عن هذين السؤالين صعبة؛ حيث ستقود إلى عوامل تاريخية وسياسية وأنثروبولوجية، وأخرى بنيوية، موجودة في تركيبة هذه المجتمعات والدول التي تمارس، غالبيتها، نهجاً عنصرياً ضدّ الإسلام أحياناً، وتبدو أكثر تسامحاً مع الإسلام من المسلمين أنفسهم أحياناً أخرى.
هذه الأفكار، وتلك الأسئلة، هي محور كتاب "الإسلام والجمهورية والعالم"، لمؤلفه الباحث والكاتب الفرنسي، آلان غريش، الذي حاول من خلاله الإجابة عن هذه التساؤلات، مستثمراً تجربة خاصة عملية، وتجربة أخرى بحثية معمقة قدر الإمكان.

الغرب ليس شرقاً
ببساطة، لا يوجد أحد تقريباً، لا يعرف جغرافياً، إن كان في الشرق أم في الغرب، في فرنسا أم في مصر، غير أنّ غريش يجعل القارئ غير متأكد من هذا الأمر، فالجغرافيا ليست مجرد بوصلة واتجاهات فقط، إنما هي سياسية كذلك، وأيديولوجية أيضاً، ومثلما كانت خريطة العالم قبل العام 1990 تنقسم بين الشيوعية وأراضيها، ومعسكر أمريكا وحلفائها، بات يحلو للبعض تقسيم الأراضي التي تتمتع بوفرةٍ دينيةٍ عالية (الوطن العربي) عن غيرها من العالم، ولذلك فإنّ تجربة غريش في هذا الكتاب، الذي يتكون من 340 صفحة، تركز على أولئك المسلمين، الموجودين خارج إطارهم الجعرافي الخاص، إن صحّ التعبير، لكن حمولتهم الدينية موجودة معهم أينما حلوا أو ولدوا؛ حيث يتولد الجدل الكبير، من كون هذه الحمولة الدينية، ربما تتعرض لمحفزاتٍ معينة، تجعلها تتحول إلى أيديولوجيا متصلبة في أحيانٍ كثيرة.

اقرأ أيضاً: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي
ولعلّ الكتاب، الصادر عن دار "الساقي" العام 2016، وترجمه للعربية المترجم جلال بدلة، يحاول تفكيك هذا التحول أو التناغم أو التبادل في حالاتٍ عديدة بين الدين والأيديولوجيا، لذلك فإنّه يقف على إجراء قراءة للدولة الفرنسية تحديداً، ومسلمي فرنسا أيضاً، فيحاول رصد قوانين الدولة وتقاليدها تاريخياً وحاضراً، ويحاول كذلك دراسة الحمولة الأيديولوجية للمسلمين من جهة، ولشرائعهم الدينية المقدسة من جهةٍ أخرى، ويرى فيما إذا كان التعامل اليومي مع الدولة الفرنسية، في المجالين العام والخاص لهؤلاء المسلمين، يمكن أن يحفزهم على ممارسة نوعٍ من التشدد، أو التمرد، إن صحّ التعبير.

الإسلام في العالم يراوح بين الإيمان والأيديولوجيا

وعلى امتداد صفحات الكتاب، يبقى غريش باحثاً موضوعياً قدر الإمكان؛ حيث إنّه لا يجيب عن أفكارٍ أو أسئلة، بقدر ما يطرحها، ويحاول كذلك، الحفاظ على أسئلته الأساسية: هل الإسلام متوافقٌ مع الديمقراطية؟ أو: هل يعد الحجاب سلاحاً ضد العلمانية؟ ثم من قال إنّ الحجاب سلاح وإنّ العلمانية عدو؟

يشرح الكاتب أنّ العالم الإسلامي ليس متجانساً ولا كتلةً واحدة ثابتة حتى يتم تشكيل نظرة محدّدة تجاهه

وفي ظلّ كلّ هذه الأسئلة المعقدة، التي لا يمكن إيجاد إجاباتٍ جمعيةٍ بشأنها، يضطر غريش للعودة إلى التاريخ الإسلامي أحياناً، وإلى تاريخ تشكّل القوانين الليبرالية في فرنسا أحياناً أخرى، ويشير بوضوح إلى أنّ فرنسا دولة "تتخذ من سياساتها" أداة منظمة، تمنع الدين ومظاهره من أيّة سيطرة في المجال العام، بينما تعرَف عن المسلمين طقوسهم الدينية الجماعية، التي تعبّر عن دينهم في أيّ فضاء مكاني ضمن المجتمع.
وأبعد من ذلك، تضمن القوانين الفرنسية، المتراكمة منذ الثورة الفرنسية، التي قامت في القرن الثامن عشر، "حق التجديف" أي نقد أي رمزٍ ديني، بينما يحقّ للمسلمين الدفاع عن رموزهم الدينية، وفق غريش، والدفاع عن حريتهم في عدم السماح للآخرين بجرح مشاعرهم الدينية وإيمانهم، ثم يذهب للقول: إنّ "حادثة شارلي إيبدو، خلطت الأوراق، لأنّ 40% من الفرنسيين على الأقل، لا يؤيدون جرح مشاعر المسلمين ولا سواهم من متدينين، لكن الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للإسلام، وما تلاها من هجومٍ أدى إلى مقتل عدد من موظفيها، ومن أشخاص مدنيين، وقام به مسلمون، أدى إلى توحيد فرنسا كلها تقريباً، ضدّ العمل الإرهابي الذي قام به أيضاً المسلمون".

اقرأ أيضاً: "الإسلاموية".. من التكيف مع الحداثة إلى أسلمتها
وهنا، يشير الباحث إلى المأزق، المتمثل في التعاطف مع المسلمين مرة، ونبذهم مرة أخرى، أو تجاهل كونهم مواطنين لهم حقوق، أو على الأقل، احترام فهمهم الخاص للحرية والديمقراطية، ثم يستحضر عوامل تاريخية وسياسيةٍ عديدة وثقافيةٍ عديدة، أسهمت في خلق هذه التركيبة العجيبة من الصراع بين المسلمين وذواتهم، وبينهم وبين العالم.

العدو الداخلي
تشكلت صورة الإسلام، بالنسبة إلى غريش، من خلال مؤثراتٍ عديدة، بعضها خاص به، والآخر عام، فهو من مواليد مصر، وولد من أب قبطي، وأمّ يهودية، ومطلعٌ على العديد من التفاصيل الخاصة بالعرب والمسلمين، مثل: تجربة تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، وكذلك على القضية الفلسطينية، ويرى بقوة، أنّ لفرنسا الكولونيالية (الاستعمارية) قبل العام 1950، وكذلك فرنسا السياسية، دوراً كبيراً في تشكيل صورةٍ عن العرب والمسلمين، سواء في أذهان الفرنسيين المتعاطفين أو المعادين للعرب والمسلمين، أو للمسلمين أنفسهم داخل او خارج فرنسا.

اقرأ أيضاً: "معركة الإسلام والرأسمالية": هكذا قدم سيد قطب حلوله الاقتصادية
ويحاول القول بوضوح: إنّ للتجربة التاريخية بين فرنسا والمسلمين تاريخياً، دوراً أساسياً في محاولة بعض الطبقات السياسية والاقتصادية الفرنسية القول في وقتنا الحالي: إنّ "المسلمين يشكّلون خطراً على هوية فرنسا".
ولا ينسى الكاتب مؤثرات عمليات الهجرة لأوروبا وفرنسا، كما لا ينسى أحد الحادي عشر من سبتمبر، ولا الربيع العربي، ولا عمليات التنظيمات الإسلاموية في أوروبا، ودورها في هذه الصورة.

يطالب مسلمو فرنسا بحقوق سياسية ودينية عديدة

وحين يتعلق الأمر بالإسلام؛ فإنّ غريش يحاول القول: إنّه يوجد "عدم تجانس" في العالم الإسلامي نفسه، من النواحي الاجتماعية والثقافية، كما أنّه يعقد مقارنةً بين تأثيرات الإنجيل على المسيحيين وتأثيرات القرآن الكريم على المسلمين، ليخرح بنتيجةٍ مفادها: أنّ هناك اختلافاً: "عندما نتحدث عن المسيحية فإننا نأخذ في الحسبان تعدد معاني المصطلح والوقائع المتغيرة والمتناقضة أحياناً التي يُحيل عليها، فألفا عام من التاريخ ساهما في تبديل معناها كلياً. وعندما يتعلق الأمر بالإسلام، غالباً ننسى هذه المقاربة".

اقرأ أيضاً: أوليفيه روا يحلل عوامل فشل "تجربة الإسلام السياسي"
لكنّ الكاتب يرى أنّ الإسلام والمسيحية يتشابهان، في عدم إقرارهما التام، بأنهما "ليسا عنفيين بالمطلق، وليسا سلميينِ بالمطلق"، وأنّ لكلّ منهما مراحله التاريخية المختلفة، التي يجب وضعها بعين الاعتبار، للإقرار بأنّ المقارنة بينهما لا تعني أنّه يجب أن يصبح أي منهما على صورة الآخر لاحقاً.
إنّ جلّ ما يركز عليه آلان غريش في هذا الكتاب، هو السلسلة الطويلة من "سوء الفهم" بين الإسلام والجمهورية الفرنسية؛ حيث لا يمكن لأيّ منهما أن يرى الآخر ككتلةٍ واحدةٍ منتهية، ولا يمكن للجمهورية التي تدّعي أنّها أم حقوق الإنسان، أن تنبذ حقّ المرء في الإيمان، مثلما لا يمكن تصور الإسلام على أنه مجرد "مشروع صحويٍ" يهدف إلى كسب العالم كلّه، أو تدميره في حال لم ينجح الأمر.

حاول غريش في كتابه تغيير النظرة المتصلبة إلى الإسلام في فرنسا
إنّ إمكانيات التعايش والتفاهم، وترك مساحات الاختلاف، هو ما يقع في خلفيةِ رؤية غريش، وهو يصرّح بأنّ ما يظنه الغرب مثلاً، من اضطهاد للمرأة، ليس سوى نتاجٍ للمجتمعاتٍ العربية وتقاليدها، وليس نتاجاً لأنّها مسلمة بالضرورة، كما أنّ العالم العربي برأيه، وهو مخزن الوفرة الدينية للمسلمين عموماً، يعاني من الفقر والتمزق وانعدام المساواة، وهو ما يراه غريش، سبباً أكبر للعنف، من أيّ سببٍ آخر ديني مثلاً.
إنّ ما يحسب لغريش، كإضافة، هو نظره لدولته وبلده فرنسا، ومحاولة مساءلتها عن علاقتها بالمسلمين، وكذلك أوروبا، مطالباً العالم بمنح المسلمين حرياتهم، وحاجاتهم، ومنحهم الفرصة ليعبروا عن وجودهم وذواتهم بطرقٍ طبيعية. مفسراً أنّ الإسلام "ليس مجرد تشددٍ وعنف وقمعٍ للمرأة".

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟

تبقى نقطةٌ أساسية لا بدّ من ذكرها، وهي ربط غريش للوعي الإسلامي العربي وتشكلاته خلال القرن الماضي، بتصرفاتٍ ما يمكن تسميته دولاً استعمارية عظمى، لقد كشف غريش، وربما عن غير قصد، أنّ المسلمين ربما لن يتغيروا، إلا بتغير نظرة العالم إليهم، وربما يكون هذا معقولاً قليلاً، لكن متى يتغير المسلمون من تلقاء أنفسهم. بمعنى آخر: متى يفهمون مصالحهم وعالمهم؟ ويثبتون أنّهم موجودون، دون الحاجة إلى مواجهة العالم.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: