الانسحاب من سوريا.. أردوغان بين الفيل الأمريكي والدبّ الروسي

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2918
عدد القراءات

2019-01-10

تتواصل المؤشرات التي تدل على أنّ العلاقات الأمريكية التركية ربما عادت إلى مربعاتها الأولى، التي كانت قائمة قبل الإفراج عن القسّ الأمريكي، أندرو برونسون، المتهم بدعم الإرهاب، والاستثمار التركي اللاحق لقضية مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية بإسطنبول، وهو ما مهّد لإمكانية إعادة العلاقات بين الجانبين، على الأقل في إطار مفهوم قانون الوحدة والصراع؛ أي التحالف على متطلبات التحالف الإستراتيجي بين الجانبين، مع ممارسة براغماتية لانتزاع مكاسب من داخله.

اقرأ أيضاً: انسحاب أمريكا من سوريا: لمن تترك الساحة يا ترامب؟

القضية السورية وتداعياتها وتفاعلاتها، وكلّ ما يتعلق بها، هي عنوان الخلاف الجديد القديم بين تركيا وأمريكا، وتحديداً بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب القوات العسكرية الأمريكية (2000 جندي أمريكي) من سوريا، وسط استعدادات تركية لشنّ هجوم واسع على "أعدائهم"، المقاتلين الأكراد، حلفاء أمريكا الموثوقين، في الحرب على داعش، شرق الفرات السوري، وتأجيل هذا الهجوم على ضوء قرار الانسحاب الأمريكي.

من المرجح أنّ الردّ التركي على أمريكا، سيذهب بعيداً، باتجاه تعزيز تحالف أنقرة مع موسكو وطهران

يبدو أنّ هناك ارتباكاً أمريكياً تجاه الكيفية التي سيتم فيها تنفيذ قرار الانسحاب، تكفلت الدائرة المحيطة بترامب، ممثلة بمستشار الأمن القومي، بولتون، ووزير الخارجية، بومبيو، بمعالجته، من خلال زيارتهما الحالية للمنطقة، خاصة زيارة بولتون إلى إسرائيل وتركيا، التي أكدت عنوانَين؛ محاصرة إيران، خاصة تهديدها لأمن إسرائيل، من خلال تواجدها في سوريا، والتزام تركيا بعدم التعرض للأكراد، حلفاء أمريكا، شرق الفرات.

الردّ التركي على زيارة بولتون لم يتأخر، وجاء انفعالياً مباشراً، على خلفية تصريحاته في إسرائيل، وقبيل وصوله الى أنقرة؛ حيث أعلن أردوغان؛ "أنّ بولتون ارتكب خطأً فادحاً بتصريحاته حول سوريا، التي طلب فيها من أنقرة الموافقة على حماية حلفاء واشنطن، وأنّ ما قاله بولتون بخصوص استهداف تركيا للأكراد افتراء دنيء"، فيما رفض أردوغان استقبال بولتون.

الانسحاب الأمريكي من سوريا

ومن المرجح أنّ الردّ التركي على أمريكا، سيذهب بعيداً، باتجاه تعزيز تحالف أنقرة مع موسكو وطهران؛ إذ أعلن وزير الخارجية التركي، جاويش أوغلو، انعقاد قمة تركية إيرانية روسية، خلال الشهر الحالي، في روسيا، أكّدها نائب وزير الخارجية الروسي، بوغدانوف، ستخصص لمناقشة خطط الدول الثلاث المشتركة لما بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا، وبالتزامن سيتم عقد لقاء قمة ثنائي بين الرئيسين بوتين وأردوغان.

يبدو أنّ هناك ارتباكاً أمريكياً تجاه الكيفية التي سيتم فيها تنفيذ قرار الانسحاب تكفلت الدائرة المحيطة بترامب بمعالجته

تفاقم الخلافات بين أمريكا وتركيا يشكّل إحدى أوراق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الرابحة في علاقاته مع تركيا، وبما يتجاوز القضية السورية، في إطار صفقات اقتصادية وعسكرية ضخمة مع تركيا، تشمل: "منظومة صواريخ "إس 400"، واتفاقات النفط والغاز والمياه، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين"، كما تتيح هذه المعطيات فرصة لروسيا لتقريب وجهات النظر بين "النظام السوري" مع أردوغان، وهو ما أكدته تسريبات ذات دلالة، حول تنسيق أمني بين سوريا وتركيا، بوساطة روسية، للتعامل مع شرق الفرات والأكراد، بعد الانسحاب الأمريكي من المنطقة، خاصة أنّ أكراد سوريا يتعاملون بـ "واقعية" في خياراتهم لما بعد الانسحاب الأمريكي، بالتفاهم مع "النظام السوري"، لإدراكهم أنّ ما يمكن أن يقدّمه لهم، سيكون أفضل بكثير من وقوعهم تحت رحمة قبضة الجيش التركي، في حال اجتياحه لشرق الفرات.

أردوغان وروحاني

اقرأ أيضاً: هل تنسحب فرنسا من سوريا أيضاً؟

المقاربة التركية، بإعادة توثيق وتعزيز التحالف مع روسيا وإيران، ردّاً على المواقف الأمريكية تجاه تركيا، واشتراطاتها التي لا تلبّي المطالب التركية بالحدّ الأدنى، خاصة المطلب الأمريكي بعدم التعرض للأكراد، والإصرار على احتفاظ الأكراد بأسلحتهم الأمريكية، تطرح تساؤلات حول مدى أخذ روسيا وإيران "الالتفاف" التركي بجدية، في ظلّ محدِّدين، هما:

الأول: إدراك القيادتين الروسية والإيرانية "البراغماتية العميقة" للرئيس التركي، وانقلابه على مواقفه، وبزمن قياسي؛ أي إنّ أية إشارات جديدة من أمريكا بالاستجابة للحدّ الأدنى من مطالبه، تعني أنّه سيضرب عرض الحائط بكلّ اتفاقاته مع روسيا وإيران.

والثاني: أنّ مفاوضاته مع أمريكا بخصوص استعداداته لشنّ هجوم على شرق الفرات، تمّت بمعزل عن "الحلفين" الإيراني والروسي، وهو ما دعا الرئيس الإيراني روحاني، للقيام بزيارة عاجلة إلى أنقرة، لاستطلاع ما تمّ الاتفاق عليه بين أردوغان وترامب، حول الانسحاب الأمريكي.

من الواضح اليوم؛ أنّ سياسات أردوغان أمام امتحان جديد، لكنّه أكثر صعوبة من الامتحانات السابقة، في ظلّ مطالبات الحليفين؛ الأمريكي "التاريخي"، والروسي "الجديد"، بالإجابة عن تساؤلات كبرى، مؤكّد أنّ أيّة إجابة، مهما كانت، لن ترضي أحد الحليفين، رغم أنّ قوى عديدة في المنطقة (مصر، السعودية، الإمارات، والأردن) نجحت في صياغة علاقات اقتصادية وعسكرية متوازنة مع أمريكا وروسيا، بما فيها شراء أسلحة روسية متطورة، وهو ما لم تستطع تركيا القيام به؛ في ظلّ سياسات أردوغان "إمّا معي أو ضدّي"، التي لم يأخذ بها حتى ترامب، الذي يعدّ الأكثر تشدداً بين الرؤساء الأمريكيين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: