القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

10057
عدد القراءات

2017-11-16

تمثل التحولات الفكرية في جماعات الإسلام السياسي حالة ذات دلالات مهمة، وخصوصية إشكالية تفرض على الباحث الاشتباك معها، للتعرف على معطياتها ومآلاتها، فالانشقاق الناتج عن تحول فكري يختلف عن نظيره الناتج عن خلاف سياسي حول البرامج وآليات العمل، فالأول يبدو وكأنه حدث استثنائي يكسر أطر الأيديولوجيا المطلقة، ويتجاوز أسيجتها المحكمة، وبشكل يجعل عودة المتحول إلى التنظيم أمراً مستحيلاً؛ لأنه انفصل شعورياً وفكرياً عن العقل الجمعي للتنظيم، في حين يبقى الباب موارباً عند الثاني حال الوصول إلى اتفاق حول الأمور المختلف عليها. وبالتالى يصبح التحول الفكري أخطر ما يهدد جماعات الإسلام والسياسي ويقوض مرتكزاتها العقدية والأيديولوجية، وهو ما يفسر حالة العداء الشديد الذي تواجه به تلك الجماعات المتحولين عن أفكارها.

من هذا المنطلق جاء الحوار، للتعرف على الطريقة التي تعمل بها وتسير عملية التحول الفكري داخل جماعة الإخوان المسلمين، مع واحد من أبرز المنشقين، وهو القيادى السابق في الجماعة الأستاذ طارق أبو السعد، الذي قضي نحو ثلاثة عقود في التنظيم، وهو باحث في الحركات الإسلامية، وكاتب صحفي في جريدة "المقال" القاهرية.

*كنتَ عضواً وقياديّاً في جماعة الإخوان المسلمين لسنواتٍ طويلةً، عاصرت فيها منحنيات الصّعود والهبوط، وتبدّل الخطاب، وتغيّر المواقف، سواء على مستوى التنظيم من الدّاخل، أو على مستوى الحراك السياسيّ، في رأيك؛ أيّهما ساعد على بقاء الجماعة واستمرارها لنحو تسعة عقودٍ من الزّمان؛ الكيان التنظيميّ أم الأيديولوجيا؟
- جماعة الإخوان المسلمين ليست مجرّد فكرةٍ أيديولوجيّةٍ، ولا مجرّد تنظيمٍ سريّ، الإخوان المسلمون كيانٌ تنظيميّ تتحكّم فيه الأيديولوجيا؛ سواء في عرض توجّهاته الفقهيّة والسياسيّة والاجتماعيّة على المجتمع، أو في تربية أفراده داخل التّنظيم، أو في أسلوب ضمّ الأفراد وتجنيدهم، وتؤثّر الأفكار التنظيميّة السريّة، بدرجةٍ ما، في تطوّر الأيديولوجيا الإخوانيّة؛ لهذا تأتي الأيديولوجيا أوّلاً، فلا يعدّ الفرد إخوانيّاً، ولا يُسمح له بدخول التّنظيم، إلّا إذا آمن أولا بأفكار الإخوان (الإسلامويّة) الرّئيسة، وهنا تظهر معضلة التّنظيم؛ فحتّى هؤلاء الذين يؤمنون بأفكار الإخوان لا يمكن أن يُقرّ لهم الإخوان بعضويّة الجماعة، ويظلّ الفرد غير إخوانيّ حتّى لو آمن بأفكار الإخوان، وشاركهم فاعلياتهم كلّها، وخرج في مظاهراتهم كلّها، أو حتّى إن سُجن معهم، أو قُتل في اشتباكاتهم، يبقى غير إخوانيّ طالما لم تسمح له الإجراءات التنظيميّة بالدّخول إلى أوّل درجة في العضويّة، ومع الدّخول إلى التّنظيم تهيمن القواعد والإجراءات التنظيميّة على الأيديولوجيا وأصحابها، وتتحكّم فيما يُقال، وما لا يُقال، وكيف يُقال، بالتّالي، يصبح الفرد إخوانيّاً باعتراف الإخوان، ويظلّ يتدرّج في التّنظيم بدرجاته المعتمدة.

*وهل يكون الالتحاق بالتّنظيم أمراً نهائيّاً؟ بمعنى آخر؛ هل يمرّ العضو باختباراتٍ لقياس درجة الولاء والثّبات على مبادئ الجماعة بعد الانضمام إليها؟ أم يكون قد اجتازها جميعاً قبل التحاقه وقبول عضويّته؟
-أثناء مسيرة الفرد داخل التّنظيم يكون معرّضاً بصورةٍ دائمةٍ للخروج من التّنظيم الإخوانيّ؛ سواء بإرادته، كأن يستثقل التّعليمات الإسلاميّة، فلا بدّ للفرد الإخوانيّ أن يكون إسلاميّاً في سلوكه؛ أي يغضّ البصر، وألّا يشاهد الأفلام، ولا يستمع إلى الأغاني، ولا يشجّع فريقاً بعينه، ولا يقرأ إلّا كتب الإخوان، ويرتاد المساجد في مواعيد الصّلاة بشكلٍ دوريّ وغير منقطع، ونظراً للتّكاليف الشرعيّة الصّعبة، كثيراً ما تتمّ ملاحقة الفرد الإخوانيّ في بداية انضمامه للجماعة، فإذا استثقلها وتكاسل عنها قد يترك التّنظيم من البداية لهذا السّبب، أمّا إذا كانت أفكاره وسلوكيّاته إسلاميّةً فقهيّةً، يدخل حينها في اختبارات الأفكار التنظيميّة، للإجابة عن تساؤلات بعينها: هل يجيد السّمع والطّاعة؟ هل يؤمن بأنّ الجماعة أفضل منه؟ هل لدية القدرة على التّنازل عن رأيه أمام قرار التّنظيم؟ هل يقبل أن يكون المسؤول عنه أقلّ منه تعليماً؟ إذا لم يجتز كلّ هذا؛ فالجماعة، بمعنى التنظيم، يكون لها رأي فيه؛ فإمّا ألا تسمح له بالتّصعيد في درجات عضويّة الجماعة السريّة، أو تقرّر فصله التامّ من التّنظيم.

يتعرض الخارج من "الإخوان" إلى تشويه الشخصيّة عبر اتّهامه بأحطّ اتّهامٍ ممكن وهو أنّه عميلٌ  للأمن

بالنّسبة إلى الذين تمّ انضمامهم واجتازوا اختبارات الجماعة الدّينية والسلوكيّة، وكذلك اجتازوا اختبارات التّنظيم الفكريّة والسلوكيّة، فهم، أيضاً، معرّضون بدرجات أقلّ للخروج من التّنظيم، وفي هذه الحالة؛ يكون خروجهم لأسباب تنظيميّة، بمعنى وقوع ظلمٍ تنظيميّ عليهم، بأن يتم عزلهم من درجة عضويّة، أو مناصرة شخصٍ في التّنظيم عليهم، أو الاصطدام بأشخاص غير مريحين في التّنظيم، أو تحت المخاوف الأمنيّة والملاحقات البوليسيّة.
*هل يمكن عدّ هؤلاء خارج التّنظيم فعليّاً؟
- هؤلاء الذين تركوا التّنظيم، وكلّ الذين لم يلتحقوا به رغم إيمانهم بأفكاره، لا يمكن أن نعدّهم غادروا الإخوان، هم- فقط- رصيدٌ للعودة مرّة أخرى إلى التّنظيم، فكلّ من ترك التّنظيم لأجل شخصٍ يمكنه العودة إليه لو اختفى هذا الشّخص، سواء بالموت أو بمغادرة التّنظيم، وكلّ من غادر الإخوان بسبب وقوع ظلمٍ تنظيميّ عليه، يمكن أن يعود لو تمّت التّرضية المناسبة له، وكلّ من ترك التّنظيم في ظلّ الضّربات الأمنيّة، سيعود فور توقّف الضّربات، أو عند شعوره بالأمان، وبأنّه لن يتعرّض للأذى.
*بعد الالتحاق بالتّنظيم والانخراط في ممارسة العضويّة؛ كيف يحدث التحوّل الفكريّ، ثمّ الانتقال من ذهنيّة العقل المنفعل بكلّ ما حوله داخل جماعة مغلقة هي بمثابة الوطن إلى ذهنيّة العقل الفاعل الذي يمارس نوعاً من التّفكير والتّحليل والنّقد؟ وهل يحدث التحوّل نتيجة تراكماتٍ أم يكون موقفاً لحظيّاً حادّاً؟
- المتحوّلون فكريّاً؛ هم كلّ من تعرّض بالانتقاد للأفكار الرّئيسة للإخوان المسلمين، سواء كانت الفقهيّة الإسلامويّة، أو التنظيميّة، وكلّ من اعترض عليها، وفنّدها، وفنّد أخطارها، لا يمكن له أن يعود مرّةً أخرى إلى التّنظيم؛ فأيّ مصالحة أو ترضية تقدّم له ليس لها تأثير، فالخلاف أساس، والاشتباك يكون مع الأفكار، لا مع الأشخاص، أو الأحداث، أو بسبب الإجراءات التنظيميّة.

للخروج من "الإخوان" نوعان؛ الأوّل الخروج من التّنظيم، وهو الخروج المؤقّت. والثاني هو الأشد: الخروج من الفكرة

هؤلاء الذين تحوّلوا فكريّاً لم تتمّ عمليّة التحوّل فجأة بالنّسبة إليهم؛ بل هي نتاج تراكم تساؤلات غير مجابٍ عنها، أو مواقف ليس لها تبريرٌ، أو أفكار تمّ الاعتراض عليها، ومع ارتفاع منسوب هذا التّراكم تتمّ عمليّة التحوّل الفكريّ، وهي تختلف من شخص إلى آخر؛ بعض الأشخاص يكفيهم أن يكون منسوب التّساؤلات غير المجاب عنها كبيراً، أو تكون مظاهر السريّة الشّديدة التي تصل إلى درجة الغموض المبهم دافعاً لهم لترك الفكرة، وآخرون يظلّ المنسوب يرتفع عندهم، لكنّه لا يحرّك فيهم القدرة على إعادة التّفكير والاشتباك مع أفكار الإخوان بشقّيها؛ لهذا يخرج البعض ويعرض أسبابه على التّنظيم، إلّا أنّ الكثير منهم لم يخرج ولم يغادر التّنظيم، كما أنّها لم تحرّك فيهم أيّة رغبةٍ في مناقشة الأفكار، ليس لتبلّد الذّهن؛ بل إنّ ذلك يرجع إلى قدرتهم على احتواء هذا المنسوب في مستوى الأمان الفكريّ.
في كلّ الأحوال؛ يظلّ العامل المشترك بين المتحوّلين فكريّاً: أنّهم تركوا التّنظيم أوّلاً، فخفّف هذا من ضغوط الجماعة عليهم، ومن ملاحقتهم، ومن ابتزاز مشاعرهم بدفعهم إلى التّراجع عن ترك التّنظيم، كما يلاحظ أنّ الفرد المتحوّل فكريّاً لديه مسار فكريّ واطلاع ثقافيّ، مختلفان تماماً عمّا كانت تلقّنه الجماعة لكلّ من كانت له قراءة أو كتابة خارج ثقافة التّنظيم، فهو معرّض دائماً للخروج من الجماعة.
ولعلّ ما كان يعانيه أفراد (اللّجنة السياسيّة) من مشكلاتٍ مع الإخوان ناتجٌ عن هذا المنحى؛ فهم- لطبيعة عملهم في التّنظيم- لا بدّ من أن يطّلعوا على تحليلات الآخرين، وعلى كلّ جديد في الحياة السياسيّة، وأن يبنوا آراءهم في ضوء هذه المستجدّات، فيصطدموا بالتّنظيميّين الذين يرون أنّهم يحملون دماً غير نقيّ، يعرّضهم للوقوع في فتنة الخروج وعدم الاقتناع بأفكار الإخوان.
*هل ينطلق التحوّل الفكريّ من معطيات العمل التنظيميّ نفسه؟ وهل يحمل مفهوم الجماعة المغلقة في بنيته عوامل هذا التحوّل وأسبابه رغم الحرص الشّديد على عدم حصول ذلك؟
- التحوّل الفكريّ سببه الرّئيس؛ هو تشكيك الفرد في جدوى العمل التنظيميّ وصلاحية الأفكار الإسلامويّة لتقديم الحلّ للمجتمع؛ لهذا يظلّ التنظيميّون يروّجون لصلاح فكرتهم، باعتبارها امتداداً لفكرة الرّسول محمّد عليه السلام، وأنّها ذات الفكرة، وأنّ قدسيّتها من قدسيّة الإسلام نفسه، فيتسرّب للفرد اليقين في فكرة الإخوان كما هو اليقين في الإسلام ذاته، ومع التّرويج المكثّف والتّربية التنظيميّة وأحاديّة التوجّه، يظلّ الفرد أسير الفكرة والتّنظيم، ولحظة الانعتاق من هذا الأسر هي لحظة التّفكير الحرّ المستقلّ، غير المنضبط بأفكار التنظيم، أو بالأفكار الإسلاميّة الكلاسيكيّة، لهذا؛ فالبنية التنظيميّة في الجماعة لا تساعد على تحوّل الفكر أبداً، إنّما كلّ من استطاع أن ينتصر على هذا السياج سيتحوّل، بلا شكّ.
*ما هي الأبعاد النفسيّة المترتّبة على التحوّل الفكريّ والخروج من الجماعة؟ وكيف يواجه المنشقّ العالم بعد أن تجرّد طواعيةً من الغطاء الاجتماعيّ الذي كان يعيش في كنفه؟ وبعد أن جرّدته الجماعة- في المقابل- من الرّوابط الاجتماعيّة والأنشطة الحياتيّة المتعدّدة التي انخرط فيها لسنوات طويلة؟
يتعرّض الفرد الإخوانيّ الخارج من التّنظيم (المتحوّلون فكريّاً، وبالتّحديد الذين أعلنوا هذا التحوّل) للكثير من الضّغوط؛ فالخروج أثناء قوّة الإخوان يختلف عن الخروج أثناء ضعف الإخوان، والخروج أثناء وجود الإخوان في الحكم يختلف عن الخروج والإخوان في السّجون. المتحوّل فكريّاً؛ هو فردٌ إخوانيّ في الأساس، والفرد الإخوانيّ يعيش فترةً طويلةً داخل تنظيم سريّ، ويشعر بتميّزه الدّيني عن باقي النّاس، فأعضاء التّنظيم يساندون بعضهم، ويحمون بعضهم، ويدافعون عن بعضهم، وعندما يعيش الفرد في ظلّ جماعة؛ فإنّها تقدّم له الحماية أوّلاً والتّقدير، والشّعور بالذّات وبالنّجاح، وبتحقيق ذاته، شريطة أن يتماهى معها في كلّ متطلباتها، وتتكوّن الصّداقات وتتمّ المصاهرة في ظلّ هذه الجماعة، وكذلك الشّراكة الاقتصاديّة، والشّراء، والبيع، وتأجير الشّقق، والسّكن، ...إلخ، وفي ظلّ هذه العلاقة التنظيميّة يتعرّض المنشقّ للآتي:
أوّلاً: رفع حماية الجماعة عنه: فور إعلان رفع حمايتها عن فرد منها لأيّ سبب، يجد المنشقّ نفسه وسط الفراغ؛ فلا صديقاً يكلّمه، ولا زميلاً يرافقه، ولا جاراً يزوره، ولا أقارب أو أنسباء يتودّدون إليه، فلا يرى إلّا نظرة الغضب والعتاب والحسرة إلى من نقض عهده بينه وبين الله! ولو كان يرتبط بعلاقات اقتصاديّة في شبكة اقتصاديّات الجماعة ذاتها (مدارس أو شركات أو أيّ مسارٍ اقتصاديّ) يُفصل منه فوراً، بحجّة أنّه لم يعد أميناً على الجماعة كما كان سابقاً، ولو كانت العلاقة الاقتصاديّة مع بعض أفراد الجماعة، فالتخلّي عنه يخضع لحسابات أخرى، منها؛ قوّة العلاقة الشخصيّة بينهم، أو مدى مهارته في عملهما يجعل التخلّي عنه صعباً، أو بحسب سبب رفع الحماية.
ثانياً: تشويه الشخصيّة لدى الرّأي العامّ الإخوانيّ: عبر اتّهامه بأحطّ اتّهامٍ يمكن أن يتَّهم به أيّ أخٍ من الإخوان المسلمين؛ وهو أنّه عميلٌ  للأمن، وأنّ علاقته بالأمن هي التي تحرّكه، وأنّه جاسوس على الإخوان، ثمّ يُتَّهم بأنّ موقفه هذا ليس أصيلاً؛ بل هو لغرض في نفس يعقوب، وأنّه يحقد على الإخوان لسببٍ ما، ومع كلّ شخصٍ يُفتعل سبب مناسب له.
ثالثاً: نشر الإشاعات: هدف الإشاعة أن يتمّ التّشكيك في ما وصل إليه من أفكارٍ وتحليلاتٍ ومعلوماتٍ، عبر ملاحقته في الأماكن العامّة بأسئلةٍ عن حقيقة الخروج، والتّشكيك في حقيقة الخروج، وأنّه كاذب، وأنّه مازال على علاقة بالإخوان، وأنّ هذه لعبة من الإخوان على المجتمع، فيتوقّف المجتمع عن الاستماع إلى ما يقوله وإلى نصائحه.
رابعاً: الاتّهام بالتّمويل: يتمّ اتّهامه بأنّه تلقّى أموالاً من جهة خارجيّة ما تعادي الإخوان، وأنّه انجرف إلى هذا المنحى بسبب حاجته إلى المال.

أحداث يناير سرّعت وتيرة التّفكير الذاتي والجماعي في حقيقة فكر الإخوان، فحراكهم السياسيّ حمل كثيراً من التّناقضات

خامساً: الاتّهام بالجبن: من الأشياء التي يُتَّهم بها الخارج من الإخوان أيضاً؛ أنّ هذا الخروج ما هو إلّا خوف من الأمن، وأنّ ما يقوله إنّما هو طلب السّلامة، وأنّه يريد أن يركن إلى الحياة الدّنيا، ولم يكن مثل أقرانه الصّابرين، ويتمّ استخدامه كنموذجٍ للمتساقط في طريق الدّعوة، ويتمّ التّحذير من السّير في الطّريق الذي سار فيه.
ويقع المتحوّل الفكريّ فريسة لهذه الاتّهامات؛ فهو بين أن يستهلك طاقته في الدّفاع عن سمعته، أو يستهلك طاقته في عرض أفكاره، إلى أن يتعب ويتوقّف عن إعلان مواقفه ضدّ الإخوان، وينتهي دوره، ولا يقوى على التحدّث في الشّأن الإخوانيّ مرّةً ثانيةً. وطبعاً هذه الاتّهامات كلّها تؤثّر في نفسيّة الفرد الإخوانيّ المتحوّل؛ فكلّ هؤلاء الذين يتّهمونه كانوا، في يوم من الأيام، إخوانه في الله، وهم من كان يقوم بمساعدته ومؤازرته، وقد يمرّ المتحوّل بلحظاتٍ من عدم التّوازن الفكريّ والنفسيّ؛ فإمّا أن يشتطّ في الهجوم على الجماعة بمبرّرٍ أو بغير مبرّرٍ، أو يتقوقع على نفسه ولا يتعرّض لهم طلباً للأمان الاجتماعيّ.
*وهل للخروج درجات؟ بمعنى؛ هل هناك خروج كليّ وآخر يحدث بشكلٍ جزئيّ مثلاً؟
- للخروج نوعان؛ الأوّل: الخروج من التّنظيم، وله أسبابه (أشخاص – أحداث – إجراءات وقواعد تنظيميّة – ضغوط أمنيّة)، وهذا يمكن أن نسمّيه الخروج المؤقّت.
الخروج الثاني: هو الخروج من الفكرة، وهو الأهمّ والأخطر، وأكثر ما يخشاه الإخوان، وهو ما يمكن أن نسمّيه الخروج الكلّي.
*يمكن القول: إنّ التغيّر الذي تحدثه عمليّة التحوّل الفكريّ ينعكس- بالضّرورة- على نسق المفاهيم الثّابتة عند الفرد، وهو ما يعني الخروج عن الأطر النّمطية التي اعتادها سواء في التفكير أو في الممارسة، يحدث هذا من عقلٍ قلقٍ قرّر فجأةً أن يثور، كيف نفهم هذا المعنى أو نصنع مقاربةً له داخل جماعة الإخوان في ضوء التّأصيل المعرفيّ للتحوّل الفكريّ؟
- يحدث الانضمام للجماعة عبر الإيمان العاطفيّ بأفكار الإخوان، وهي متّصلة- إلى حدٍّما- بجذرٍ فكريّ إسلاميّ كلاسيكيّ، أمّا التحوّل؛ فهو عمليّة ديناميكيّة عبر التّفكير في حقيقة الفكرة الإخوانيّة، ومدى جدواها ومآلاتها النهائيّة، عبر رفض الانسحاق مع التّنظيم إلى مالا نهاية وممانعته، ولحظة الخروج تختلف عن لحظة إعلان الخروج؛ فكثير من الأفراد قد خرجوا وراجعوا أفكارهم الإسلامويّة والتنظيميّة، إلّا أنّهم لم يجرؤوا على إعلان هذا الخروج، واكتفوا به موقفاً ذاتيّاً، ولم يسمحوا إلّا للدّائرة القريبة منهم فقط بمعرفة تحوّلهم، لكنّ لحظة الإعلان عن التحوّل الفكريّ تكون لحظة اتّخاذ قرارٍ أقرب إلى محاولة التبرّؤ والتطهّر من الفكر، وليس من التّنظيم، هاتان اللّحظتان تختلفان كليّاً عن لحظة مواجهة الفكر الإخوانيّ.
*بعد ثورة يناير، وفي ظلّ الصّعود السياسيّ للجماعة، تزايدت عمليّات الانشقاق والتحوّل؛ فهل أحدث زلزال يناير هذا الفوران داخل التّنظيم؟ وماهي عوامل الخروج؟ ولماذا فشلت محنة الجماعة في 30 يونيو في رأب الصّدع؟
- لا شكّ في أنّ أحداث يناير سرّعت وتيرة عمليات التّفكير الذاتيّ والجماعيّ في حقيقة فكر الإخوان، خاصّة أنّ الحراك السياسيّ يحمل كمّاً كبيراً من التّناقضات التي لم يحملها الكثيرون، فكانت سبباً في ارتفاع منسوب الأخطاء التي لا يمكن تبريرها، والتي تدفع إلى التوقّف عن تعاطي أفكار الإخوان، ثمّ النّظر إلى فكرهم بشكلٍ أكثر وضوحاً، إضافةً إلى ممارساتهم المجتمعيّة التي كانت أكثر من غليظة مع النّاس على اختلافهم، ما كشف عن وجهٍ قبيحٍ، فتسارعت وتيرة الخروج.
أمّا أحداث 30 يونيو؛ فقد جمعت الذين خرجوا لأسباب تنظيميّة، ولم تنجح في استعادة المتحوّلين فكريّاً.

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: