القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

21282
عدد القراءات

2017-11-16

تمثل التحولات الفكرية في جماعات الإسلام السياسي حالة ذات دلالات مهمة، وخصوصية إشكالية تفرض على الباحث الاشتباك معها، للتعرف على معطياتها ومآلاتها، فالانشقاق الناتج عن تحول فكري يختلف عن نظيره الناتج عن خلاف سياسي حول البرامج وآليات العمل، فالأول يبدو وكأنه حدث استثنائي يكسر أطر الأيديولوجيا المطلقة، ويتجاوز أسيجتها المحكمة، وبشكل يجعل عودة المتحول إلى التنظيم أمراً مستحيلاً؛ لأنه انفصل شعورياً وفكرياً عن العقل الجمعي للتنظيم، في حين يبقى الباب موارباً عند الثاني حال الوصول إلى اتفاق حول الأمور المختلف عليها. وبالتالى يصبح التحول الفكري أخطر ما يهدد جماعات الإسلام والسياسي ويقوض مرتكزاتها العقدية والأيديولوجية، وهو ما يفسر حالة العداء الشديد الذي تواجه به تلك الجماعات المتحولين عن أفكارها.

من هذا المنطلق جاء الحوار، للتعرف على الطريقة التي تعمل بها وتسير عملية التحول الفكري داخل جماعة الإخوان المسلمين، مع واحد من أبرز المنشقين، وهو القيادى السابق في الجماعة الأستاذ طارق أبو السعد، الذي قضي نحو ثلاثة عقود في التنظيم، وهو باحث في الحركات الإسلامية، وكاتب صحفي في جريدة "المقال" القاهرية.

*كنتَ عضواً وقياديّاً في جماعة الإخوان المسلمين لسنواتٍ طويلةً، عاصرت فيها منحنيات الصّعود والهبوط، وتبدّل الخطاب، وتغيّر المواقف، سواء على مستوى التنظيم من الدّاخل، أو على مستوى الحراك السياسيّ، في رأيك؛ أيّهما ساعد على بقاء الجماعة واستمرارها لنحو تسعة عقودٍ من الزّمان؛ الكيان التنظيميّ أم الأيديولوجيا؟
- جماعة الإخوان المسلمين ليست مجرّد فكرةٍ أيديولوجيّةٍ، ولا مجرّد تنظيمٍ سريّ، الإخوان المسلمون كيانٌ تنظيميّ تتحكّم فيه الأيديولوجيا؛ سواء في عرض توجّهاته الفقهيّة والسياسيّة والاجتماعيّة على المجتمع، أو في تربية أفراده داخل التّنظيم، أو في أسلوب ضمّ الأفراد وتجنيدهم، وتؤثّر الأفكار التنظيميّة السريّة، بدرجةٍ ما، في تطوّر الأيديولوجيا الإخوانيّة؛ لهذا تأتي الأيديولوجيا أوّلاً، فلا يعدّ الفرد إخوانيّاً، ولا يُسمح له بدخول التّنظيم، إلّا إذا آمن أولا بأفكار الإخوان (الإسلامويّة) الرّئيسة، وهنا تظهر معضلة التّنظيم؛ فحتّى هؤلاء الذين يؤمنون بأفكار الإخوان لا يمكن أن يُقرّ لهم الإخوان بعضويّة الجماعة، ويظلّ الفرد غير إخوانيّ حتّى لو آمن بأفكار الإخوان، وشاركهم فاعلياتهم كلّها، وخرج في مظاهراتهم كلّها، أو حتّى إن سُجن معهم، أو قُتل في اشتباكاتهم، يبقى غير إخوانيّ طالما لم تسمح له الإجراءات التنظيميّة بالدّخول إلى أوّل درجة في العضويّة، ومع الدّخول إلى التّنظيم تهيمن القواعد والإجراءات التنظيميّة على الأيديولوجيا وأصحابها، وتتحكّم فيما يُقال، وما لا يُقال، وكيف يُقال، بالتّالي، يصبح الفرد إخوانيّاً باعتراف الإخوان، ويظلّ يتدرّج في التّنظيم بدرجاته المعتمدة.

*وهل يكون الالتحاق بالتّنظيم أمراً نهائيّاً؟ بمعنى آخر؛ هل يمرّ العضو باختباراتٍ لقياس درجة الولاء والثّبات على مبادئ الجماعة بعد الانضمام إليها؟ أم يكون قد اجتازها جميعاً قبل التحاقه وقبول عضويّته؟
-أثناء مسيرة الفرد داخل التّنظيم يكون معرّضاً بصورةٍ دائمةٍ للخروج من التّنظيم الإخوانيّ؛ سواء بإرادته، كأن يستثقل التّعليمات الإسلاميّة، فلا بدّ للفرد الإخوانيّ أن يكون إسلاميّاً في سلوكه؛ أي يغضّ البصر، وألّا يشاهد الأفلام، ولا يستمع إلى الأغاني، ولا يشجّع فريقاً بعينه، ولا يقرأ إلّا كتب الإخوان، ويرتاد المساجد في مواعيد الصّلاة بشكلٍ دوريّ وغير منقطع، ونظراً للتّكاليف الشرعيّة الصّعبة، كثيراً ما تتمّ ملاحقة الفرد الإخوانيّ في بداية انضمامه للجماعة، فإذا استثقلها وتكاسل عنها قد يترك التّنظيم من البداية لهذا السّبب، أمّا إذا كانت أفكاره وسلوكيّاته إسلاميّةً فقهيّةً، يدخل حينها في اختبارات الأفكار التنظيميّة، للإجابة عن تساؤلات بعينها: هل يجيد السّمع والطّاعة؟ هل يؤمن بأنّ الجماعة أفضل منه؟ هل لدية القدرة على التّنازل عن رأيه أمام قرار التّنظيم؟ هل يقبل أن يكون المسؤول عنه أقلّ منه تعليماً؟ إذا لم يجتز كلّ هذا؛ فالجماعة، بمعنى التنظيم، يكون لها رأي فيه؛ فإمّا ألا تسمح له بالتّصعيد في درجات عضويّة الجماعة السريّة، أو تقرّر فصله التامّ من التّنظيم.

يتعرض الخارج من "الإخوان" إلى تشويه الشخصيّة عبر اتّهامه بأحطّ اتّهامٍ ممكن وهو أنّه عميلٌ  للأمن

بالنّسبة إلى الذين تمّ انضمامهم واجتازوا اختبارات الجماعة الدّينية والسلوكيّة، وكذلك اجتازوا اختبارات التّنظيم الفكريّة والسلوكيّة، فهم، أيضاً، معرّضون بدرجات أقلّ للخروج من التّنظيم، وفي هذه الحالة؛ يكون خروجهم لأسباب تنظيميّة، بمعنى وقوع ظلمٍ تنظيميّ عليهم، بأن يتم عزلهم من درجة عضويّة، أو مناصرة شخصٍ في التّنظيم عليهم، أو الاصطدام بأشخاص غير مريحين في التّنظيم، أو تحت المخاوف الأمنيّة والملاحقات البوليسيّة.
*هل يمكن عدّ هؤلاء خارج التّنظيم فعليّاً؟
- هؤلاء الذين تركوا التّنظيم، وكلّ الذين لم يلتحقوا به رغم إيمانهم بأفكاره، لا يمكن أن نعدّهم غادروا الإخوان، هم- فقط- رصيدٌ للعودة مرّة أخرى إلى التّنظيم، فكلّ من ترك التّنظيم لأجل شخصٍ يمكنه العودة إليه لو اختفى هذا الشّخص، سواء بالموت أو بمغادرة التّنظيم، وكلّ من غادر الإخوان بسبب وقوع ظلمٍ تنظيميّ عليه، يمكن أن يعود لو تمّت التّرضية المناسبة له، وكلّ من ترك التّنظيم في ظلّ الضّربات الأمنيّة، سيعود فور توقّف الضّربات، أو عند شعوره بالأمان، وبأنّه لن يتعرّض للأذى.
*بعد الالتحاق بالتّنظيم والانخراط في ممارسة العضويّة؛ كيف يحدث التحوّل الفكريّ، ثمّ الانتقال من ذهنيّة العقل المنفعل بكلّ ما حوله داخل جماعة مغلقة هي بمثابة الوطن إلى ذهنيّة العقل الفاعل الذي يمارس نوعاً من التّفكير والتّحليل والنّقد؟ وهل يحدث التحوّل نتيجة تراكماتٍ أم يكون موقفاً لحظيّاً حادّاً؟
- المتحوّلون فكريّاً؛ هم كلّ من تعرّض بالانتقاد للأفكار الرّئيسة للإخوان المسلمين، سواء كانت الفقهيّة الإسلامويّة، أو التنظيميّة، وكلّ من اعترض عليها، وفنّدها، وفنّد أخطارها، لا يمكن له أن يعود مرّةً أخرى إلى التّنظيم؛ فأيّ مصالحة أو ترضية تقدّم له ليس لها تأثير، فالخلاف أساس، والاشتباك يكون مع الأفكار، لا مع الأشخاص، أو الأحداث، أو بسبب الإجراءات التنظيميّة.

للخروج من "الإخوان" نوعان؛ الأوّل الخروج من التّنظيم، وهو الخروج المؤقّت. والثاني هو الأشد: الخروج من الفكرة

هؤلاء الذين تحوّلوا فكريّاً لم تتمّ عمليّة التحوّل فجأة بالنّسبة إليهم؛ بل هي نتاج تراكم تساؤلات غير مجابٍ عنها، أو مواقف ليس لها تبريرٌ، أو أفكار تمّ الاعتراض عليها، ومع ارتفاع منسوب هذا التّراكم تتمّ عمليّة التحوّل الفكريّ، وهي تختلف من شخص إلى آخر؛ بعض الأشخاص يكفيهم أن يكون منسوب التّساؤلات غير المجاب عنها كبيراً، أو تكون مظاهر السريّة الشّديدة التي تصل إلى درجة الغموض المبهم دافعاً لهم لترك الفكرة، وآخرون يظلّ المنسوب يرتفع عندهم، لكنّه لا يحرّك فيهم القدرة على إعادة التّفكير والاشتباك مع أفكار الإخوان بشقّيها؛ لهذا يخرج البعض ويعرض أسبابه على التّنظيم، إلّا أنّ الكثير منهم لم يخرج ولم يغادر التّنظيم، كما أنّها لم تحرّك فيهم أيّة رغبةٍ في مناقشة الأفكار، ليس لتبلّد الذّهن؛ بل إنّ ذلك يرجع إلى قدرتهم على احتواء هذا المنسوب في مستوى الأمان الفكريّ.
في كلّ الأحوال؛ يظلّ العامل المشترك بين المتحوّلين فكريّاً: أنّهم تركوا التّنظيم أوّلاً، فخفّف هذا من ضغوط الجماعة عليهم، ومن ملاحقتهم، ومن ابتزاز مشاعرهم بدفعهم إلى التّراجع عن ترك التّنظيم، كما يلاحظ أنّ الفرد المتحوّل فكريّاً لديه مسار فكريّ واطلاع ثقافيّ، مختلفان تماماً عمّا كانت تلقّنه الجماعة لكلّ من كانت له قراءة أو كتابة خارج ثقافة التّنظيم، فهو معرّض دائماً للخروج من الجماعة.
ولعلّ ما كان يعانيه أفراد (اللّجنة السياسيّة) من مشكلاتٍ مع الإخوان ناتجٌ عن هذا المنحى؛ فهم- لطبيعة عملهم في التّنظيم- لا بدّ من أن يطّلعوا على تحليلات الآخرين، وعلى كلّ جديد في الحياة السياسيّة، وأن يبنوا آراءهم في ضوء هذه المستجدّات، فيصطدموا بالتّنظيميّين الذين يرون أنّهم يحملون دماً غير نقيّ، يعرّضهم للوقوع في فتنة الخروج وعدم الاقتناع بأفكار الإخوان.
*هل ينطلق التحوّل الفكريّ من معطيات العمل التنظيميّ نفسه؟ وهل يحمل مفهوم الجماعة المغلقة في بنيته عوامل هذا التحوّل وأسبابه رغم الحرص الشّديد على عدم حصول ذلك؟
- التحوّل الفكريّ سببه الرّئيس؛ هو تشكيك الفرد في جدوى العمل التنظيميّ وصلاحية الأفكار الإسلامويّة لتقديم الحلّ للمجتمع؛ لهذا يظلّ التنظيميّون يروّجون لصلاح فكرتهم، باعتبارها امتداداً لفكرة الرّسول محمّد عليه السلام، وأنّها ذات الفكرة، وأنّ قدسيّتها من قدسيّة الإسلام نفسه، فيتسرّب للفرد اليقين في فكرة الإخوان كما هو اليقين في الإسلام ذاته، ومع التّرويج المكثّف والتّربية التنظيميّة وأحاديّة التوجّه، يظلّ الفرد أسير الفكرة والتّنظيم، ولحظة الانعتاق من هذا الأسر هي لحظة التّفكير الحرّ المستقلّ، غير المنضبط بأفكار التنظيم، أو بالأفكار الإسلاميّة الكلاسيكيّة، لهذا؛ فالبنية التنظيميّة في الجماعة لا تساعد على تحوّل الفكر أبداً، إنّما كلّ من استطاع أن ينتصر على هذا السياج سيتحوّل، بلا شكّ.
*ما هي الأبعاد النفسيّة المترتّبة على التحوّل الفكريّ والخروج من الجماعة؟ وكيف يواجه المنشقّ العالم بعد أن تجرّد طواعيةً من الغطاء الاجتماعيّ الذي كان يعيش في كنفه؟ وبعد أن جرّدته الجماعة- في المقابل- من الرّوابط الاجتماعيّة والأنشطة الحياتيّة المتعدّدة التي انخرط فيها لسنوات طويلة؟
يتعرّض الفرد الإخوانيّ الخارج من التّنظيم (المتحوّلون فكريّاً، وبالتّحديد الذين أعلنوا هذا التحوّل) للكثير من الضّغوط؛ فالخروج أثناء قوّة الإخوان يختلف عن الخروج أثناء ضعف الإخوان، والخروج أثناء وجود الإخوان في الحكم يختلف عن الخروج والإخوان في السّجون. المتحوّل فكريّاً؛ هو فردٌ إخوانيّ في الأساس، والفرد الإخوانيّ يعيش فترةً طويلةً داخل تنظيم سريّ، ويشعر بتميّزه الدّيني عن باقي النّاس، فأعضاء التّنظيم يساندون بعضهم، ويحمون بعضهم، ويدافعون عن بعضهم، وعندما يعيش الفرد في ظلّ جماعة؛ فإنّها تقدّم له الحماية أوّلاً والتّقدير، والشّعور بالذّات وبالنّجاح، وبتحقيق ذاته، شريطة أن يتماهى معها في كلّ متطلباتها، وتتكوّن الصّداقات وتتمّ المصاهرة في ظلّ هذه الجماعة، وكذلك الشّراكة الاقتصاديّة، والشّراء، والبيع، وتأجير الشّقق، والسّكن، ...إلخ، وفي ظلّ هذه العلاقة التنظيميّة يتعرّض المنشقّ للآتي:
أوّلاً: رفع حماية الجماعة عنه: فور إعلان رفع حمايتها عن فرد منها لأيّ سبب، يجد المنشقّ نفسه وسط الفراغ؛ فلا صديقاً يكلّمه، ولا زميلاً يرافقه، ولا جاراً يزوره، ولا أقارب أو أنسباء يتودّدون إليه، فلا يرى إلّا نظرة الغضب والعتاب والحسرة إلى من نقض عهده بينه وبين الله! ولو كان يرتبط بعلاقات اقتصاديّة في شبكة اقتصاديّات الجماعة ذاتها (مدارس أو شركات أو أيّ مسارٍ اقتصاديّ) يُفصل منه فوراً، بحجّة أنّه لم يعد أميناً على الجماعة كما كان سابقاً، ولو كانت العلاقة الاقتصاديّة مع بعض أفراد الجماعة، فالتخلّي عنه يخضع لحسابات أخرى، منها؛ قوّة العلاقة الشخصيّة بينهم، أو مدى مهارته في عملهما يجعل التخلّي عنه صعباً، أو بحسب سبب رفع الحماية.
ثانياً: تشويه الشخصيّة لدى الرّأي العامّ الإخوانيّ: عبر اتّهامه بأحطّ اتّهامٍ يمكن أن يتَّهم به أيّ أخٍ من الإخوان المسلمين؛ وهو أنّه عميلٌ  للأمن، وأنّ علاقته بالأمن هي التي تحرّكه، وأنّه جاسوس على الإخوان، ثمّ يُتَّهم بأنّ موقفه هذا ليس أصيلاً؛ بل هو لغرض في نفس يعقوب، وأنّه يحقد على الإخوان لسببٍ ما، ومع كلّ شخصٍ يُفتعل سبب مناسب له.
ثالثاً: نشر الإشاعات: هدف الإشاعة أن يتمّ التّشكيك في ما وصل إليه من أفكارٍ وتحليلاتٍ ومعلوماتٍ، عبر ملاحقته في الأماكن العامّة بأسئلةٍ عن حقيقة الخروج، والتّشكيك في حقيقة الخروج، وأنّه كاذب، وأنّه مازال على علاقة بالإخوان، وأنّ هذه لعبة من الإخوان على المجتمع، فيتوقّف المجتمع عن الاستماع إلى ما يقوله وإلى نصائحه.
رابعاً: الاتّهام بالتّمويل: يتمّ اتّهامه بأنّه تلقّى أموالاً من جهة خارجيّة ما تعادي الإخوان، وأنّه انجرف إلى هذا المنحى بسبب حاجته إلى المال.

أحداث يناير سرّعت وتيرة التّفكير الذاتي والجماعي في حقيقة فكر الإخوان، فحراكهم السياسيّ حمل كثيراً من التّناقضات

خامساً: الاتّهام بالجبن: من الأشياء التي يُتَّهم بها الخارج من الإخوان أيضاً؛ أنّ هذا الخروج ما هو إلّا خوف من الأمن، وأنّ ما يقوله إنّما هو طلب السّلامة، وأنّه يريد أن يركن إلى الحياة الدّنيا، ولم يكن مثل أقرانه الصّابرين، ويتمّ استخدامه كنموذجٍ للمتساقط في طريق الدّعوة، ويتمّ التّحذير من السّير في الطّريق الذي سار فيه.
ويقع المتحوّل الفكريّ فريسة لهذه الاتّهامات؛ فهو بين أن يستهلك طاقته في الدّفاع عن سمعته، أو يستهلك طاقته في عرض أفكاره، إلى أن يتعب ويتوقّف عن إعلان مواقفه ضدّ الإخوان، وينتهي دوره، ولا يقوى على التحدّث في الشّأن الإخوانيّ مرّةً ثانيةً. وطبعاً هذه الاتّهامات كلّها تؤثّر في نفسيّة الفرد الإخوانيّ المتحوّل؛ فكلّ هؤلاء الذين يتّهمونه كانوا، في يوم من الأيام، إخوانه في الله، وهم من كان يقوم بمساعدته ومؤازرته، وقد يمرّ المتحوّل بلحظاتٍ من عدم التّوازن الفكريّ والنفسيّ؛ فإمّا أن يشتطّ في الهجوم على الجماعة بمبرّرٍ أو بغير مبرّرٍ، أو يتقوقع على نفسه ولا يتعرّض لهم طلباً للأمان الاجتماعيّ.
*وهل للخروج درجات؟ بمعنى؛ هل هناك خروج كليّ وآخر يحدث بشكلٍ جزئيّ مثلاً؟
- للخروج نوعان؛ الأوّل: الخروج من التّنظيم، وله أسبابه (أشخاص – أحداث – إجراءات وقواعد تنظيميّة – ضغوط أمنيّة)، وهذا يمكن أن نسمّيه الخروج المؤقّت.
الخروج الثاني: هو الخروج من الفكرة، وهو الأهمّ والأخطر، وأكثر ما يخشاه الإخوان، وهو ما يمكن أن نسمّيه الخروج الكلّي.
*يمكن القول: إنّ التغيّر الذي تحدثه عمليّة التحوّل الفكريّ ينعكس- بالضّرورة- على نسق المفاهيم الثّابتة عند الفرد، وهو ما يعني الخروج عن الأطر النّمطية التي اعتادها سواء في التفكير أو في الممارسة، يحدث هذا من عقلٍ قلقٍ قرّر فجأةً أن يثور، كيف نفهم هذا المعنى أو نصنع مقاربةً له داخل جماعة الإخوان في ضوء التّأصيل المعرفيّ للتحوّل الفكريّ؟
- يحدث الانضمام للجماعة عبر الإيمان العاطفيّ بأفكار الإخوان، وهي متّصلة- إلى حدٍّما- بجذرٍ فكريّ إسلاميّ كلاسيكيّ، أمّا التحوّل؛ فهو عمليّة ديناميكيّة عبر التّفكير في حقيقة الفكرة الإخوانيّة، ومدى جدواها ومآلاتها النهائيّة، عبر رفض الانسحاق مع التّنظيم إلى مالا نهاية وممانعته، ولحظة الخروج تختلف عن لحظة إعلان الخروج؛ فكثير من الأفراد قد خرجوا وراجعوا أفكارهم الإسلامويّة والتنظيميّة، إلّا أنّهم لم يجرؤوا على إعلان هذا الخروج، واكتفوا به موقفاً ذاتيّاً، ولم يسمحوا إلّا للدّائرة القريبة منهم فقط بمعرفة تحوّلهم، لكنّ لحظة الإعلان عن التحوّل الفكريّ تكون لحظة اتّخاذ قرارٍ أقرب إلى محاولة التبرّؤ والتطهّر من الفكر، وليس من التّنظيم، هاتان اللّحظتان تختلفان كليّاً عن لحظة مواجهة الفكر الإخوانيّ.
*بعد ثورة يناير، وفي ظلّ الصّعود السياسيّ للجماعة، تزايدت عمليّات الانشقاق والتحوّل؛ فهل أحدث زلزال يناير هذا الفوران داخل التّنظيم؟ وماهي عوامل الخروج؟ ولماذا فشلت محنة الجماعة في 30 يونيو في رأب الصّدع؟
- لا شكّ في أنّ أحداث يناير سرّعت وتيرة عمليات التّفكير الذاتيّ والجماعيّ في حقيقة فكر الإخوان، خاصّة أنّ الحراك السياسيّ يحمل كمّاً كبيراً من التّناقضات التي لم يحملها الكثيرون، فكانت سبباً في ارتفاع منسوب الأخطاء التي لا يمكن تبريرها، والتي تدفع إلى التوقّف عن تعاطي أفكار الإخوان، ثمّ النّظر إلى فكرهم بشكلٍ أكثر وضوحاً، إضافةً إلى ممارساتهم المجتمعيّة التي كانت أكثر من غليظة مع النّاس على اختلافهم، ما كشف عن وجهٍ قبيحٍ، فتسارعت وتيرة الخروج.
أمّا أحداث 30 يونيو؛ فقد جمعت الذين خرجوا لأسباب تنظيميّة، ولم تنجح في استعادة المتحوّلين فكريّاً.

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم:



إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال

أعدمت مجموعة من رجال الأمن الصومالي أمس 9 مدنيين في مدينة جالكعي وسط الصومال.

وصرح أحد أعيان المدينة محمد يوسف بأن " رجال الأمن اعتقلوا 9 أشخاص في المدينة واقتادوهم إلى خارجها، قبل أن يتم إعدامهم بشكل جماعي ما أثار غضب الأهالي"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، فيما أكدت مصادر صحفية أن القتلى ينتمون لقبيلة دغل ومرفيلي القاطنة في إقليم جنوب غرب البلاد.

رجال الأمن الصومالي يقدمون على إعدام جماعي لـ 9 مدنيين من مدينة جالكعي وسط البلاد

بدورها نددت الحكومة الصومالية بحادثة القتل الجماعي، كما وعدت بفتح تحقيق حوله وتقديم المتهمين للعدالة.

من جهتهم، حذر شيوخ وأعيان قبيلة دغل ومرفيلي السلطات المحلية، من المساس بأبنائهم العاملين وسط الصومال، بعد تعرضهم "لمضايقات من قبل رجال الأمن" هناك، واتهامهم بـ "التستر على عناصر حركة الشباب التي تنفذ عمليات ضد رجال الأمن والمصالح الحكومية".

هذا ونقلت وكالة سبوتنيك أن انفجارين وقعا  في العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، ما أسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل.

انفجار قنبلتين في العاصمة الصومالية مقديشو بعد توقيف سيارة محملة بالمتفجرات

ونقل موقع "جوب جوج" الصومالي أن "الانفجار الأول ضرب منطقة سيادكا، القريبة من مجلس النواب، والثاني كان بالقرب من حاجز أمني". ونقل الموقع عن شاهد عيان أن "الانفجار الثاني وقع بعد أن أوقفت قوات الأمن سيارة محملة بالمتفجرات، وأسفر الانفجار عن إصابة السائق، الذي تم توقيفه لاحقا".

كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

تحيي كاتدرائية نوتردام بباريس اليوم أول قداس بعد الحريق الذي تعرضت له قبل نحو شهرين ودمر قسماً كبيراً منها.

ويترأس أسقف باريس ميشال أوبوتي القداس في نوتردام الذي سيحضره نحو ثلاثين شخصاً فقط نصفهم من رجال الدين.

وقالت أبرشية باريس في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إن القداس لن يحضره مصلون "لأسباب أمنية واضحة"، لكن ستقوم قناة "كي تي أو" الكاثوليكية بنقل وقائعه مباشرة "ليتمكن المسيحيون من المشاركة فيه".

أبرشية باريس: القداس في نوتردام لن يحضره مصلون لأسباب أمنية واضحة وسيحضره نحو 30 شخصاً

وإلى جانب المونسنيور أوبوتي، سيحضر القداس خادم رعية الكاتدرائية المونسنيور باتريك شوفيه وعدد من الكهنة ومتطوعون وأشخاص يعملون في الورشة وعاملون في أبرشية باريس. ولن تشارك جوقة معهد نوتردام في القداس، لكن قائداً لجوقة الترتيل سيكون حاضراً.

وسيطلب من الكهنة بالتأكيد ارتداء خوذ لكنهم سيحضرون بلباسهم الكهنوتي.

وتضرر جزء كبير من الكاتدرائية التي تمثّل رمزاً في قلب العاصمة الفرنسية، في حريق أثار حملة تضامن واسعة في العالم لإنقاذ وترميم هذا الموقع الذي يرتدي طابعاً رمزياً كبيراً في قلب العاصمة الفرنسية.

ودمر الحريق مسلة الكاتدرائية وسقفها وجزءاً من قبتها.

واختير موعد هذا القداس في ذكرى تكريس مذبح الكاتدرائية. وقال حول الموضوع المونسنيور شوفيه، إنه "تاريخ يرتدي طابعاً مهماً روحياٌ"، معبراً عن ارتياحه لتمكنه من إثبات أن "نوتردام حية بالتأكيد".

منذ الحريق، يعمل بين 60 و150 عاملاً في الورشة مواصلين نقل الركام وتعزيز البنية. وما زالت المنشأة في طور تعزيزها. أما أعمال تأمينها بالكامل فيمكن أن تستغرق أسابيع قبل إطلاق الأشغال الطويلة والمعقدة لترميمها.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات.

وحتى الآن، لم يتم دفع سوى تسعة بالمئة من المساهمات الموعودة والبالغة قيمتها 850 مليون يورو.

ويفسر ذلك بأن التبرعات الصغيرة للأفراد يمكن تقديمها بدون أي شروط، لكن الشركات الكبرى والمجموعات عليها صياغة عقود حول تخصيص مساهماتها.

في عام 2017 زار نحو 12 مليون سائح كاتدرائية نوتردام التي تعد تحفة معمارية للفن القوطي وتجري فيها أشغال منذ سنوات.

والكاتدرائية مدرجة على لائحة التراث العالمي منذ 1991. وقد اكتسبت شهرة كبيرة بفضل رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" التي تم اقتباسها عدة مرات في السينما والعروض المسرحية الغنائية.

مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان..

أكد مسؤول أمريكي كبير على أنّ هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية بعد فض الاعتصام، محذراً من الفوضى. بينما طالبت الشفافية الدولية بوضع حد للفساد، داعية إلى مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان هناك.

وطالب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، بإجراء تحقيق "مستقل وذي مصداقية" في عملية القمع، التي شهدها السودان بدايات الشهر الجاري وأدت إلى مقتل العشرات، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

مسؤول أمريكي يؤكد أن هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية

وفي سياق آخر، أصدرت منظمة الشفافية الدولية بياناً، أمس، دعت فيه إلى "وضع حد للفساد لحماية حقوق الإنسان في السودان".

وأضافت المنظمة في بيانها "في الأسابيع الأخيرة وردت تقارير عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وفظائع ارتكبها الجيش السوداني. تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان".

وقالت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الشفافية الدولية، كندة حتر: "الوضع في السودان ينطوي على طاقة كامنة تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والعنف، الأمر الذي سيحصن فقط مستويات الفساد العالية بالفعل هناك."

وأضافت حتر: "تحتاج البلاد إلى فترة من الاستقرار لبناء مؤسسات ديمقراطية وأنظمة الحكم الرشيد واستعادة ثقة الشعب في الحكومة".

وكان قد أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان، أول من أمس، بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت في مقتل العشرات.

منظمة الشفافية الدولية تدعو إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان في السودان ووضع حد للفساد

واعتصم المتظاهرون لأسابيع أمام قيادة الجيش في الخرطوم للمطالبة بداية برحيل الزعيم عمر البشير، ولاحقا للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لكن في 3 حزيران (يونيو) وبعد ايام على انهيار المحادثات بين قادة الاحتجاجات والجيش، اقتحم مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مخيم الاعتصام في عملية قالت لجنة الاطباء انها خلفت 120 قتيلاً. الا ان وزارة الصحة اعتبرت أن الحصيلة في ذلك اليوم بلغت 61 قتيلاً فقط.

هل يُسجن صحفيان لنشرهما مقالاً عن الاقتصاد التركي؟

حملت حكومة العدالة والتنمية التركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة عبر الاستناد على نظرية  المؤامرة، التي تحاول الحكومة الإسلامية الاختباء خلفها في تبرير فشلها في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حكومة العدالة والتنمية تحمل وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة

وفي أحدث فصول هذه المعارك بين أنقرة والإعلام العالمي، برزت قضية وكالة بلومبيرغ الدولية التي اتهمها الادعاء العام التركي بنشر تقارير عن الاقتصاد التركي "تناقض الواقع"، وتبالغ في تصوير أزمة العملة التركية، وفق ما نقل موقع "أحوال تركية".

وقالت وكالة بلومبيرغ، إنّ المدعين العامين الأتراك يسعون إلى فرض عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات على اثنين من مراسليها في تركيا، بسبب تقريرهما حول أزمة الليرة التركية العام الماضي.

وأوضحت "بلومبيرغ" أن كريم كاراكايا وفيركان يالينكيتش قد اتُهما بمحاولة تقويض الاستقرار الاقتصادي لتركيا بسبب قصة إخبارية كتباها في آب (أغسطس) 2018.

وبحسب تقرير "أحوال تركية"، فإن هذه الاتهامات تأتي بعد أن اشتكت هيئة تنظيم البنوك في تركيا، من تقرير بلومبيرغ حول أزمة العملة.

ودان رئيس تحرير بلومبيرغ، جون مكلثويت، لائحة الاتهام، مشدداً على أنّ مراسلي وكالته قدّما تقارير عادلة ودقيقة عن الاقتصاد التركي.

وكانت تقارير لبلومبيرغ وغيرها قد تناولت أزمة العملة التركية، كما تحدثت عن أن بعض فروع البنوك في تركيا تعاني من انخفاض في العملة الأجنبية، وهو ما ركزت عليه بلومبيرغ التي كشفت، في تقرير لها، أنّ أحد فروع البنوك لم يستطع على الفور، تلبية طلب من أحد العملاء لسحب 5000 دولار.

المدعون العامون الأتراك يطالبون بسجن مراسلين "بلومبيرغ" لخمسة أعوام بسبب تقرير حول الليرة التركية

واستندت بلومبيرغ في تقريرها، على أنّ العميل زار فروع ثلاثة بنوك كبيرة، لكن لم تتم تلبية طلبه، إذ استنتج أن البنوك تكافح لمواكبة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

وهبطت الليرة التركية إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، وزادت من سوء الوضع الاقتصادي الملفاتُ السياسية الداخلية، وكذلك التوترات بين أنقرة وواشنطن في أكثر من ملف إقليمي ودولي.

كان الرئيس التركي رجب إردوغان، انتقد بشدة في نيسان (أبريل) 2019، وسائل الإعلام الغربية التي اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية لتركيا، مشيراً خصوصاً إلى مقال نشرته "فايننشال تايمز" حول البنك المركزي التركي.

وتندد منظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، بانتظام بحملات الاعتقال التي تطال الصحافيين، وبإقفال وسائل إعلام منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018، الذي وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية.

إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟

تأتي العملية الأخيرة، التي استهدفت ناقلات نفط على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من السواحل الإيرانية المقابلة لسواحل سلطنة عمان، في إطار تناقض أصبح مكشوفاً في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة معركة عض الأصابع بين الجانبين، في إطار رهانات أمريكية على تنازلات إيرانية، وانصياع طهران للمطالب الأمريكية بالتفاوض، مقابل رهانات إيرانية بإمكانية صمودها أمام الضغوط الأمريكية، وضعف احتمالات قيام أمريكا بشن هجوم على إيران؛ لأسباب مرتبطة بالانتخابات الأمريكية القادمة، والخلافات الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

استهداف ناقلات النفط، جاء متزامناً مع تطورين بارزين وهما: زيارة رئيس الوزراء الياباني "صديق الرئيس الأمريكي ترامب" إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وإطلاق صاروخ كروز من قبل الحوثيين على مطار أبها المدني جنوب المملكة العربية السعودية، بعد ضربات ضد أهداف مدنية وعسكرية ومنشآت اقتصادية تم تنفيذها من خلال طائرات إيرانية مسيّرة، إضافة إلى العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أكثر من شهر.

خلافاً لعملية الفجيرة أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء تفجير ناقلات النفط في خليج عُمان

وخلافاً لعملية الفجيرة، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء العملية الأخيرة، وبأدلّة تشير إلى قيام عناصر من الحرس الثوري الإيراني باستعادة لغم لم ينفجر بمحاذاة إحدى ناقلات النفط خلال تفجيرها، فيما جاء إطلاق الحوثيين صاروخ كروز ليؤكد مسؤولية الحرس الثوري، ارتباطاً بالقدرات المحدودة للحوثيين على التعامل مع هكذا صواريخ.

رغم انشغالات المحللين والرأي العام بسؤال الحرب في المنطقة، من حيث توقيتها ومدياتها وأطرافها، وفيما إذا كانت ضربة محدودة ستوجهها أمريكا لأهداف إيرانية أم ستكون حرباً شاملة مفتوحة؟، إلا أنّ ردود الفعل الأمريكية المتناقضة ترسل رسائل واضحة أنّها متمسكة بخيار الضغط على إيران لأبعد حد ممكن لإجبارها على التفاوض، وأنّها ليست بصدد الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّ القيادة الإيرانية، وفي ظل تقدير عميق لرد الفعل الأمريكي المحتمل وأنّه لن يصل لمستوى شنّ حرب ضدها، تمارس تنفيذ سياسة استفزاز لأمريكا، وحلفائها في المنطقة، وإحراجها بتنفيذ عمليات نوعية ضد ناقلات النفط في الخليج، وقد أرسل رد الفعل الأمريكي السلبي على عمليات تفجير ناقلات الفجيرة رسالة لطهران بأنّ بإمكانها مواصلة الاستفزاز وتعطيل الملاحة البحرية "النفطية" في الخليج، وهو ما يعزز قناعات واسعة في المنطقة بأنّ إيران ستنفذ المزيد من العمليات ضد أهداف متعددة في الخليج، دون رد فعل أمريكي خارج أطر التنديد والوعيد، خاصة وأنّ تلك العمليات لا يتوقع أن تشمل أهدافاً أمريكية، بما في ذلك بوارجها في الخليج العربي، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وخاصة في البحرين؛ حيث قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر؛ حيث القواعد العسكرية في السيلية والعديد، وقاذفات بي 52 الرابضة فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط بالقرب من السواحل الإيرانية، تزامنت مع تصريحات ذات دلالة أصدرها المرشد الأعلى خامنئي، حول موقف طهران من الملف النووي الإيراني، وأنّ إيران تؤكد بشكل قاطع أنّها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية؛ لأنّها "محرمة دينياً"، وهو ما يعني تنازلاً إيرانياً واستعداداً لإغلاق الملف النووي، وتقديم ورقة للرئيس الأمريكي، باعتبار أنّ القضية النووية تشكل السبب الجوهري لانسحابه من الاتفاق الموقّع مع إدارة الرئيس الأمريك السابق باراك أوباما، وهو ما يكشف ملامح الإستراتيجية الإيرانية بإبداء استعداد للتفاوض مع أمريكا وتقديم تنازلات في ملفات محددة كالملف النووي، وشن عمليات تثبت استمرار توفر بدائل لدى القيادة الإيرانية، في حال قررت أمريكا مواصلة الضغط على طهران، في العقوبات الاقتصادية التي أصبح واضحاً أنّها تنتهك إيران من الداخل، وهو ما تخشى معه القيادة الإيرانية، من اندلاع انتفاضة شاملة، تضعف موقفها التفاوضي وقدراتها على مواصلة حرب عض الأصابع مع أمريكا وخصومها في الخليج والسعودية.

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب خياراً غير واقعي

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران، محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب شاملة، خياراً غير واقعي، رغم الانضباط الإيراني العالي والدقيق في التخطيط لتنفيذ العمليات واختيار الأهداف والتوقيت، كما أنّ الرهانات على عامل الوقت، الذي يشكل قاسماً مشتركاً في رهانات القيادتين؛ الأمريكية والإيرانية، لم يعد مضموناً في ظل احتمالات وقوع أخطاء عسكرية، أو تنفيذ عمليات من قبل قوى أخرى بما فيها "داعش" و"القاعدة"، التي تحفل سجلاتها بتنفيذ عمليات بحرية ضد حاملات طائرات في خليج عدن"كول".

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

العملية الأخيرة وردّ الفعل الأمريكي عليها المتضمن تقديرات استخبارية بإمكانية تنفيذ عمليات جديدة ضد ناقلات النفط في الخليج، وضد أهداف في دول الخليج، بما يعنيه أنّ أمريكا ليست بوارد الرد على إيران، يطرحان تساؤلات حول قدرة المنطقة وخاصة المملكة السعودية والإمارات، ودول أخرى تعاني أزمات اقتصادية خانقة، على الصبر على التجاوزات الإيرانية، في ظل شكوك "رسمية وشعبية"، عميقة تتصاعد في المنطقة بأنّ هناك توافقات أمريكية إيرانية على السيناريوهات التي يتم تنفيذها، تتزامن مع توجهات أوساط أمريكية لتقييد تصدير الأسلحة الأمريكية للإمارات والسعودية، على خلفية دورهما في حرب اليمن.