الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
14892
عدد القراءات

2018-08-05

تحقيق: أحمد قطمة


ما بين أحلام طالما سعوا لها، وواقعية سياسية فرضتها عليهم، تخلى الكُرد وشركاؤهم في "شمال سوريا" عن مطلبهم بإقامة نظام حكم فيدرالي في سوريا المستقبل، لصالح التأكيد على اللامركزية في حكم البلاد.
أعلن ذلك بشكل ضمني، من خلال المؤتمر الثالث لمجلس سوريا الديمقراطية الذي جاء تحت شعار "نحو حل سياسي وبناء سوريا لا مركزية ديمقراطية"، الذي انعقد في السادس عشر من الشهر الماضي؛ حيث يعتبر "المجلس" الواجهة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية، التي ذاع صيتها منذ تأسيسها في العام 2015، كقوة عسكرية تجمع فصائل كُردية وعربية سورية، تتلقى الدعم من (التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

تمثل إزالة الفيدرالية من قائمة المطالب السياسية للكُرد تغييراً كبيراً في الخطاب الذي انتهجوه على مدار العامين السابقين

وتمثل إزالة الفيدرالية من قائمة المطالب السياسية للكُرد تغييراً كبيراً في الخطاب الذي انتهجه "المجلس" على مدار العامين السابقين، فيوجه معها رسائل ويرسم دلالات عدة، كونها تنازلاً عن صلاحيات واسعة يتمتع بها النظام الفيدرالي، مُقارنة مع أي نظام لا مركزي مهما كان مُوسعاً، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الخارجية، الجيش، الاقتصاد، الثروات الباطنية، المعابر الحدودية، وغيرها.
الالتقاء على رفضها
يمكن الإشارة إلى مجموعة عوامل دفعت "الكُرد وشركاءهم" في شمال سوريا للتنازل عن مطلبهم ذاك، أهمها (الرفض التركي) لإقامة أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكُردي في شمال سوريا، والذي تخشى أن يكون مُحفزاً للكُرد فيها للسير نحو مطالب مُماثلة، خاصة إذا ما علمنا أنّ تعداد الكُرد في تركيا يربو عن عشرين مليون مواطن، فيما لا يتعدون ثلاثة ملايين في سوريا، (وفق تقديرات غير رسمية).

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة
وينعكس الرفض التركي على رفض مُشابه من قبل المعارضة السورية المقيمة لديها، وتُمثل بالتالي نقطة "الالتقاء" شبه الوحيدة بين أقطاب المعارضة المُقادة من قبل جماعة "الإخوان المسلمين في سوريا" من جهة، و"النظام السوري" على الجهة المُقابلة.
فرغم كل النقاط الخلافية التي تفرقهما، يجتمع الطرفان الآنفا الذكر، على التصدي لما يسميانه "التهديد الكُردي"، خاصة وأنّ النظام السوري يرى في "الفيدرالية" شكلاً من أشكال التقسيم، كونها تصطدم بمساعيه الرامية لإعادة سلطاته المركزية إلى مختلف أرجاء البلاد، والتي باتت تتجلى بصورة أبرز بعد حسم ملف الجنوب السوري لصالحه.

مناطق سيطرة "قسد" شرق الفرات "باللون الأصفر" (syriancivilwarmap.com)

واقعية سياسية
يدرك الكُرد في سوريا المعادلة السابقة، ويعلمون أنّ المعارضة المُمولة من تركيا على استعداد للتفاوض مع النظام السوري، للحصول على مناصب ووزارات ثابتة لجماعات "الإخوان المسلمين" في مستقبل سوريا بضمانات تركية-روسية، مقابل التصدي المشترك للمشروع الفيدرالي، ولا يغيب عن ذهنهم، ما تعرض له أقرانهم في إقليم كردستان العراق العام المنصرم، إبان تنظيمهم استفتاءً للاستقلال، أثار حوله الجدل وجمع عليهم الأضداد في (تركيا، إيران والعراق) بغية إجهاضه، بل وشكل سبباً رئيساً في حل خلافات تلك البلدان.
جملة العوامل السابقة، أسبابٌ رئيسية دفعت "الكُرد" للتنازل عن الفيدرالية، ليوجهوا معها رسائل عديدة، أبرزها إلى تركيا، أنهم جزء من سوريا المستقبل، ولا يسعون إلى تقسيم البلاد أو الانفصال عنها، أنما يهدفون كباقي المواطنين السوريين إلى إيجاد حل عادل لقضية وطنية تمس السوريين دون سواهم، ولن يتدخلوا في القضايا الموجودة لدى البلدان المجاورة.

بعيد اندلاع الحراك الشعبي في سوريا العام 2011 اختار الكُرد "الخط الثالث"، وسعوا عبره إلى تشكيل إدارات ذاتية

كما تعتبر رسالة مباشرة إلى النظام السوري، مفادها أنّ باب التفاوض مفتوح، والحوار كفيلٌ بحل كل القضايا حول طاولة مستديرة قد تجمعهم لاحقاً، بما فيها شكل الحكم وإدارة البلاد، والذي من المفترض أن يحدث عبر دستور جديد ينظم العلاقة بين العاصمة والأقاليم أو المناطق، وهو دستورٌ وضعت أسسه روسيا الاتحادية، بالتوافق فيما يبدو مع مجموعة الدولة المؤثرة في الواقع السوري وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية وتركيا وإيران وغيرها.
ولا يخفي الكُرد في هذا الصدد، مساعيهم للحصول على رعاية وضمانات دولية لأي عملية تفاوضية مع النظام، إضافة إلى جهودهم لتثبيت مبادئ (فوق دستورية)، كي يضمنوا عدم تهميشهم مجدداً، وألا تنفرد ملة بمصير باقي الملل.
ابتزاز روسي
يؤكد موالون للإدارة الذاتية الكردية التي كانت تقود "عفرين" في شمال سوريا قبل استيلاء تركيا على المنطقة في آذار (مارس) الماضي، أنّ المقاومة العسكرية التي أبدتها "قوات سوريا الديمقراطية" في عفرين لم تكن اختيارية، بل أجبرتهم عليها الشروط الروسية المقدمة عبر بوابة "النظام السوري"، وبالتنسيق مع تركيا.
ويشير هؤلاء إلى أنّ النظام السوري أوصل رسالة إلى الكُرد خلال اجتماعاته معهم في "قاعدة حميميم" الروسية، مفادها أنّ "السيادة السورية لا تتجزأ"، أو بمعنىً آخر (يستطيع النظام منع العمل العسكري التركي على عفرين) لكن بشروط.

تُرجح تقديرات أنّ عهد رأس النظام السوري سينتهي في 2021، لتبدأ معها "الجمهورية السورية" ولادتها المُعاصرة الثانية

أما شروطه تلك فهي ليست سهلة؛ حيث تضمنت وفقاً لتسريبات (حل الإدارة الذاتية في عفرين، إلى جانب تسليم سلاح الوحدات الكردية)، إضافة إلى (السماح لقوات النظام ومؤسساته بالدخول إلى منطقتي "عفرين" و"شرق الفرات"، وممارسة سلطاته كالسابق فيهما)، إلى جانب (قطع علاقة "الكُرد" مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية).
لم يكن من السهل على "الكُرد" قبول تلك الشروط في عفرين، وذلك بإجرائهم مُقارنة بسيطة بين الدماء التي سالت منهم على مدار ثماني سنوات من عمر الصراع السوري، وما يتم طرحه عليهم، فكيف لهم بقبوله في شرق الفرات، وهي هناك ليست مرتبطةً بقرارهم، بقدر ما هي مرتبطة بقرار أمريكي، لا قدرة للكُرد عليه، وبالتالي يتهم المؤيدون للإدارة الذاتية "روسيا" بأنها ابتزت الكُرد عبر النظام السوري، وحاولت دفعهم للمساومة والاختيار بين (خسارة عفرين) أو (حل الإدارات الذاتية في عفرين وشرق الفرات، وعودة النظام السوري إلى جميع تلك المناطق)، برضى وموافقة تركية.
تخاذل أمريكي
خلال الحرب التركية على عفرين، خاض مقاتلو "قوات سوريا الديمقراطية" حرب الدفاع عن النفس، إلى جانب ساستهم الذين كانوا يخوضون حرباً من نوع آخر في أروقة السياسة، سعياً منهم إلى تغيير الموقف، وبحثاً عما قد يبدل المزاج الدولي المُحايد حياداً سلبياً تجاههم، باستثناء الموقف الفرنسي الذي كان يبدي بعضاً الحدة بين الفترة والأخرى مُقارنة مع باقي القوى الغربية، وبالأخص "أمريكا" التي يرى الكُرد أنّها تخاذلت عن مناصرتهم، وساهمت في ترجيح كفة الميزان للجانب التركي.

اقرأ أيضاً: أزمة الأكراد: هجوم عفرين وأطماع أردوغان
وعقب سقوط عفرين، وتمكن تركيا برفقة المليشيات الإسلامية التابعة للمعارضة السورية من السيطرة على المنطقة، توجه "الكُرد" إلى خفض سقف مطالبهم والتنازل عن بعض المكاسب، مقابل السعي إلى ضمانات أخرى.
وتظهر القوى الكُردية من خلال تنازلها هذا، رغبتها في عدم المُراهنة مجدداً على موقف القوى الدولية التي خذلتهم في "عفرين"، لا سيما في ظل المساعي التركية المحمومة لعقد الصفقات، وإبرام الاتفاقات التي قد تمكنهم من تكرار تجربة عملية "غصن الزيتون" العسكرية في مناطق كُردية سورية أخرى.

الجيش التركي ومدرعاته على تخوم عفرين إبان الحرب على المنطقة (الأناضول)

التفاوض مع النظام
رفض النظام السوري منذ البداية المشروع الفيدرالي واعتبره تقسيماً للبلاد، رغم تأكيدات الكُرد وشركائهم من العرب والسريان في المنطقة، أنّ الفيدرالية تقسيم للسلطة بشكل عادل بين المركز والأقاليم، فيما يتوجه مشروع الدستور الروسي إلى إقرار إدارات محلية مُوسعة، أو ما تسمى اللامركزية الإدارية، دون أن تتضح معالمها النهائية بعد.
وفي بداية حزيران (يونيو) الماضي، توجه وفد من الجبهة الديمقراطية السورية المعارضة بقيادة كل من "ميس كريدي" و"محمود مرعي" نحو مناطق الإدارة الذاتية في "شرق الفرات"، تزامناً مع تصريحات من رأس النظام السوري، خيّر من خلالها مقاتلي "قسد" بين التفاوض أو الحرب. وقال مسؤول كُردي حينها في تصريح إلى وكالة "فرانس برس": "هذه الزيارة بالتشاور مع النظام السوري (...) لمحاولة التوصل إلى مكسب سياسي في المنطقة"، مضيفاً: "الوفد يحاول لعب دور الوسيط بين الإدارة الذاتية والأحزاب الكردية من جهة والنظام السوري من جهة ثانية".

اقرأ أيضاً: انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في عفرين.. من يرتكبها؟
وحول زيارتهم تلك إلى مناطق الإدارة الذاتية في "شرق الفرات"، قال محمود مرعي أمين عام "الجبهة الديمقراطية السورية المعارضة"، في تصريح لـ"حفريات": "احتلال عفرين كان نتيجة عدم التفاهم بين (قوات قسد) و(الجيش العربي السوري والوسيط الروسي)، حيث تم اقتراح أن يدخل الجيش السوري ومؤسسات الدولة الى عفرين كي تستلم المنطقة والحدود، وللأسف الشديد رفضت قوات قسد، وقالت بأنها تسمح بدخول الجيش السوري ومؤسسات الدولة إلى عفرين لكن مع بقاء السيطرة لقسد".
ويرفع مرعي وزر سقوط عفرين عن روسيا، ليلقي به على الجانب الأمريكي: "لقد أعطى ذلك المبرر لتركيا بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتم احتلال عفرين من قبل تركيا، بحجة محاربة الإرهاب وحزب العمال الكردستاني".

مؤتمر صحفي للجبهة الديمقراطية السورية، بالقامشلي، شمال سوريا

الوجود التركي "احتلال"
واتسمت العلاقة بين النظام السوري والكُرد في شمال سوريا قبل أحداث العام 2011، بالتوتر والاضطراب، نتيجة سياسات يصفها الكُرد بالشوفينية تجاههم، لينتفضوا العام 2004 في وجه النظام السوري، عقب مقتل العشرات منهم ضمن مباراة لكرة القدم في مدينة "القامشلي" شمال شرق البلاد، وتحولت معها تلك الأحداث إلى مظاهرات عارمة عمت جميع المدن الكردية السورية، أطلق عليها "الكُرد" مُسمى "انتفاضة قامشلو"، التي استمرت لأكثر من أسبوع، وشكلت بذلك أول حركة احتجاجية منذ تسلم "بشار الأسد" للسلطة. 
وبعيد اندلاع الحراك الشعبي في سوريا العام 2011، اختار الكُرد ما سموه "الخط الثالث"، وسعوا عبره إلى تشكيل إدارات ذاتية، بعيداً عن سلطات النظام أو تشكيلات المعارضة. ويقول مرعي في هذا الصدد: "كان لديهم إدارة ذاتية في عفرين، وكانوا يرون في تلك الإدارة الذاتية بديلاً لمؤسسات الدولة السورية، وهذا خطاً كبير ارتكبته قوات قسد".

اقرأ أيضاً: الطعم التركي والإدارة الذاتية في عفرين: نار المقاومة تنبعث من جديد
لكن ورغم خلافهم ذاك، يتفق الكُرد والنظام السوري على تسمية الوجود التركي في عفرين ومناطق سورية أخرى بـ "الاحتلال"، ويشير مرعي إلى ذلك بالقول: "الدولة السورية والجيش السوري اعتبروا قوات الجيش التركي (قوات احتلال)، ولم تقبل بدخول الجيش التركي إلى عفرين، أو إلى منبج أو اعزاز أو جرابلس أو إلى كل الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، سوريا سوف تسعى من خلال الوسيط الروسي لإعادة هذه المناطق إلى الجيش السوري وسيطرة الدولة السورية".

دبابات تركية أثناء تحركها للهجوم على عفرين (رويترز)

روسيا لا تفرض رأيها
ويفند مرعي الاتهامات التي تطال روسيا بمحاولة إفساد العلاقة بين قسد والنظام، سعياً إلى حصار أمريكا وطردها من سوريا، ويقول مرعي: "لم تمانع روسيا التوافق والتفاهم بين قوات قسد والجيش السوري والدولة السورية، بل كانت تريد أن يكون هناك توافق وحوار سياسي بين الجانبين، وليس صحيحاً أنّ روسيا تحاول فرض رأيها للخلاف وعدم قبول الحوار مع قسد في شرق الفرات، رداً على عدم رضوخ قسد للرغبة الروسية بتسليم عفرين للجيش السوري والدولة السورية".

اقرأ أيضاً: مجازر تركية في عفرين على وقع اتفاقات لشل الأكراد واحتوائهم
ويردف مرعي: "نحن في الجبهة الديمقراطية السورية المعارضة زرنا القامشلي، وطرحنا فكرة أساسية أننا نرى بأن تجربة عفرين يمكن أن تتكرر في القامشلي بعد منبج، لذلك كان لنا دور أن يتم الحوار السياسي بين قسد والدولة السورية، على أن يدخل الجيش السوري إلى هذه المنطقة ويرفع العلم السوري فيها، كيلا نعطي مبرر وذرائع لتركيا لتدخل إلى القامشلي"، مضيفاً: "استطعنا أن نصل إلى تفاهم مع مجلس سوريا الديمقراطية على ضرورة الحوار السوري السوري، مع الدول السورية، وأبدوا استعدادهم لإرسال وفد إلى دمشق دون شروط مسبقة للحوار مع الدولة السورية، وهذه كانت نقطة إيجابية.. من الممكن أن تحل كل القضايا وكل المشاكل، ولكن بالنتيجة لابد أن يكون للدولة السورية علم واحد، مصرف واحد وعملة واحدة، وسياسة خارجية واحدة، وجيش موحد يحمي الحدود، لا مليشيات وجيوش وكتائب وألوية تتبع لهذه الدولة أو تلك، وتعطي المبرر للتركي وغير التركي ليحتل الأرض السورية، لأننا ضد كل الاحتلالات التركية والأمريكية والفرنسية، ونحن مع سيادة سورية على كامل الجغرافية السورية".

الشرطة العسكرية الروسية ووحدات حماية الشعب الكردية بعفرين قبل عام من الهجوم التركي

مؤسسات الدولة و"الجيش"
ويعتقد مرعي بأنه عقب السيطرة على كامل الجنوب السوري، فإنّ قوات النظام سوف تتوجه للشمال السوري ومن ثم شرق الفرات، فـ "بعد السيطرة على درعا والقنيطرة والسويداء، سيتجه الجيش السوري باتجاه إدلب، عفرين والمنطقة الشمالية، وبعد ذلك سوف يتجه إلى المنطقة الشرقية؛ أي الرقة ودير الزور والحسكة".
ويتابع: "لدى الجيش السوري والدولة السورية خطة للسيطرة على كامل الجغرافيا السورية، نحن نريد عودة عفرين وإدلب إلى السيادة السورية، وأيضاً عودة الرقة ودير الزور والحسكة".

اقرأ أيضاً: أردوغان يُسخّر المساجد الألمانيّة للترويج لحربه في عفرين
وحول آلية الحل في "شرق الفرات" يقول "في المنطقة الشرقية الشمالية أي الجزيرة السورية، نريد أن يكون هناك تفاهم بين مجلس سوريا الديمقراطية والدولة السورية والجيش السوري، لا نريد إراقة دماء، بل التفاهم على موضوعات مؤسسات الدولة والعلم ودخول الجيش، والكثير من القضايا الإشكالية والخلافية التي يمكن أن تبحث على طاولة الحوار في دمشق".

قوات النظام السوري أثناء توجهها نحو درعا

"قسد" في مستقبل سوريا
يشكل مستقبل "قوات سوريا الديمقراطية" عاملاً مهماً ينبغي التفاهم عليه في أي حل جامع لتثبيت الاستقرار في عموم البلاد، ويتطلب ذلك وفقاً لبعض الرؤى إقراراً دستورياً بوجود هذه القوات كتشكيل عسكري وطني ضمن المؤسسة الدفاعية للبلاد، وهو أحد الحلول التي طبقت في الجارة العراق، عندما اعتبرت قوات البيشمركة الكُردية جزءاً من المنظومة الدفاعية للبلاد، وهو ما قد يكون أنسب الحلول لتجنب الصدام بين "قسد" و "قوات النظام"، وتضفي الشرعية على وجودها، لكنه سواء ما كانت سيشهده المستقبل أم لا، تحتاج إنهاء العمليات العسكرية حوارات جادة بين الجانبين.
وفي هذا السياق يؤكد مصطفى بالي، مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية في تصريح لـ"حفريات" أن "قسد قوة عسكرية لم تأت من فراغ، إنما هي جزء من مشروع سياسي وإداري متكامل"، ويؤكد أنّ مستقبل هذه القوات ستحدده الواجهة السياسية لها المتمثلة في مجلس سوريا الديمقراطية، التي من المتوقع أن تدخل في مفاوضات حاسمة لاحقاً.

لا تبدي الواجهة السياسية لقسد صرامة في دمج مقاتليها ضمن الجيش السوري مستقبلاً لكنها تربطه بالتوصل إلى تسوية شاملة

يقول: "غطاؤنا السياسي الذي يمثل إرادتنا هو مجلس سوريا الديمقراطية، وهي الجهة المخولة بعقد ترتيبات مرحلة الحل السياسي، وبالنتيجة تنحصر مهمة القوات العسكرية في حماية الحدود وتأمين الاستقرار، فيما تبقى تفاصيل وترتيبات الحل النهائي للجهة السياسية التي تمثل إرادة القوات العسكرية".
أما حول أسباب انتشار قوات عسكرية من بلدان مختلفة ضمن التحالف الدولي في مناطق "قسد"، فيؤكد بالي أنهم "شريك أساسي في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، والقوة البرية الوحيدة التي تعمل على الأرض"، وعليه يرى أنه "من الطبيعي أن يكون هناك دعم مادي ومعنوي من قبل دول هذا التحالف، بل هو واجب هذه الدول أن تقدم الدعم وكل ما من شأنه ترسيخ عوامل الاستقرار في المناطق المحررة".
ويشدد بالي على أنّ "عفرين كانت تجربة خاصة، لها سياقاتها المختلفة عن بقية مناطق سوريا، مؤكداً أنّ تركيا دولة احتلال سواء في عفرين أو باقي المناطق السورية. وبالتالي فإنّ "مقاومة المحتل حق مشروع بالوسائل كافة، ومنها العمل العسكري، وما حدث في عفرين لن يزيدنا إلا عزماً على المقاومة وليس العكس".

"الجيش" بعد التسوية

لا تبدي الواجهة السياسية لقسد صرامة في دمج مقاتليها ضمن "الجيش السوري" مستقبلاً، لكنها تربطه بالتوصل إلى تسوية شاملة تضمن حلاً عادلاً يتفق عليه السوريون، حيث يقول رياض درار رئيس (مجلس سوريا الديمقراطية)، الواجهة السياسية لقسد في تصريح لـ"حفريات" إنّ "قسد قوات سورية بامتياز، وتريد أن تكون جزءاً من الجيش السوري بعد التسوية".، مضيفاً: "هذه ورقة سياسية مهمة تعني أننا نبدأ بالتسوية التي تحمي السوريين في الرؤية الدستورية، وفي المستقبل المنشود لوطنية جامعة تحمي المكونات، هذا يجعلنا نتفاهم مع النظام على مستقبل جديد. كل السوريين مدعوون للمشاركة في هذا المستقبل والمشاركة في حماية أرضهم والدفاع عنها ضد أي مُعتدٍ سواء أكان إرهابياً أم مُعتدياً خارجياً كما يفعل التركي".

اقرأ أيضاً: "عفرين" تبعثر أوراق أردوغان وتغرق نظامه

ويضيف درار: "النظام لا يستطيع أن يحمي المناطق بدون وجود قوات قسد، التي أثبتت للعالم كله أنها تستطيع الدفاع عن المنطقة، كما حصل في البدايات منذ هجوم كوباني، وتستطيع أيضاً أن تتمدد. كما أقام حلفاً مع التحالف الدولي، واستطاع كسب تأييده، وأن يتقدم وينتصر على داعش ويطرده من عاصمته المزعومة في الرقة، ويمتد ويصل إلى الحدود العراقية في المنطقة الشرقية من دير الزور".
ويعتقد درار أنّ الوجود المستقبلي للنظام في مناطق "شرق الفرات" ينبغي أن تكون في سياق "فرض السيادة السورية على الأرض، حتى لا يكون هناك إدعاءات منه أو من الخصوم، بأن هناك فصيلاً يريد التقسيم أو الانفصال عن سوريا".
المُتخلي عن "شرق الفرات" و"عفرين"
ويُذكّر درار بأنّ "النظام تخلى عن هذه المناطق (شرق الفرات وعفرين)، وكان من الممكن أن يسيطر عليها المسلحون ممن تدعمهم تركيا"، مردفاً: "أبناء المنطقة حافظوا عليها بواجهة مميزة تستطيع أن تحقق شكلاً من اشكال الإدارة الذاتية لأبناء المنطقة، وكانت منسجمة ومتعاونة واستطاعت أن تحمي المناطق دائماً من هجمات المسلحين".
ويستحضر درار أحداث عفرين: "رغم كل التصريحات التي أدلى بها ممثلو النظام والتي قالوا فيها (سنحمي أرضنا بصواريخنا، ولن نسمح للطائرات التركية أن تعتدي على أجوائنا)، لكنهم سمحوا".
ولا يبرئ درار ذمة النظام السوري من المُساهمة في سقوط عفرين: "كان يمكن التفاهم على عفرين بغير طريقة عودة أجهزة الأمن والاستبداد، لأننا نرى ضرورة عودة النظام إلى كل المناطق، لكن بصفة وطريقة أخرى وسياسات مختلفة".
التحالف الدولي "حاجة"
يعد الموقف من التحالف الدولي أبرز النقاط الخلافية بين "قسد" و"النظام السوري"، حيث اتهم رأس النظام سابقاً مقاتلي "قسد" بأنهم خونة، لأنهم يتعاملون مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو موقف ليس ببعيد عن الموقف الروسي الساعي إلى إخراج باقي القوى الدولية من الأراضي السورية، بحجة أنها لم تأتِ بطلب من "الحكومة الشرعية"، وفقاً لتعبيرها.
ويرد درار على ذلك: "الاتهامات التي تقول إنكم عملاء أو خونة لأنكم تتعاونون مع التحالف (ضعيفة جداً)؛ لأن التعاون مع قوات التحالف كانت من أجل حماية البلاد ضد الهجمة الداعشية، في اللحظة التي تخلى فيها النظام عن هذه المناطق، لينتشر داعش في كثير من المناطق ويحتل نصف سوريا أو أكثر".

اقرأ أيضاً: تناقضات حماس: تأييد الاحتلال التركي لعفرين ومعارضة الاحتلال الإسرائيلي
ويستطرد: "كنا ندافع عن أنفسنا، وكانت وسيلتنا لتحرير وطرد هذه المنظمة الإرهابية التي لا زال النظام يعاني منها في بعض مناطقه، وأعتقد أنّ النظام أيضاً تعاون مع القوات الروسية والقوات الإيرانية للدفاع عنه، وهناك تصريحات من الروس والإيرانيين تقول بأنه لولا وجودهم لسقط النظام. إذاً هو تحالف مع القوى التي حمت وجوده، ونحن تحالفنا مع القوى التي حمت وجودنا".
ويختتم درار حديثه بالقول: "علينا أن ننتظر فرصة التفاهم بين القوى الكبرى؛ لأنها قوى ترسم سياسات هي أكبر من حجمنا ووجودنا، أكبر من النظام وأكبر من قسد، فهي تتفاهم على المنطقة ككل ونحن جزءٌ منها، لذلك يتوجب أن نوحد كلمتنا لنجعلهم يرسمون سياسات فيها مصلحتنا".

سيارات الوحدات الكردية برفقة المصفحات الأمريكية أثناء تنقلها شرق الفرات

معارك سياسية
ويشير مراقبون إلى أنّ التخلي عن النظام الفيدرالي (بادرة حُسن نية) من جانب "مجلس سوريا الديمقراطية"، تتطلب أن يتلقفها النظام السوري، ويقدم بالتالي تنازلاً مُماثلاً، سعياً نحو الحل النهائي، الذي يرسم خطوطهالعريضة كلٌ من الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الاتحادية، وتنفذه القوى المحلية.

اقرأ أيضاً: أردوغان والقدس: الطريق لا يمر من عفرين
ويؤكد بعض المُطلعين بالشأن السياسي في "شرق الفرات"، أنّ معارك شرسة بانتظار القوى السياسية هناك، خاصة خلال المفاوضات المُرتقبة للحل، وأنها لن تكون بأقل حدة مما لاقاها مقاتلو "قسد" خلال حربهم على تنظيم "داعش" المُتطرف، أو تنظيمات "القاعدة" المُتمثلة في "جبهة النصرة" وربيباتها.
وتُرجح تقديرات هؤلاء أنّ عهد رأس النظام السوري سينتهي في العام 2021 مع نهاية ولايته الرئاسية، لتبدأ معها "الجمهورية السورية" ولادتها المُعاصرة الثانية وفقاً للدستور الروسي لسوريا، ويتم معها إقصاء حقبة "الحرب"، بتوافق الأطراف السورية، ورضاء الأطراف الإقليمية، ورعاية الأطراف الدولية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: