الليبراليون العرب على المحك!

5110
عدد القراءات

2018-11-08

من المفارقات التاريخية الصاخبة التي سيتوقف أمامها الباحثون المستقبليون طويلاً؛ أن يتّجه الليبراليون الجدد في أوروبا وأمريكا إلى التشدّد في السياسة والاقتصاد والدين، وأن يتّجه الليبراليون الجدد في الوطن العربي، إلى إهمال السياسة والاقتصاد والتشبّث بالسّجال في مربعي الدين والجنس!

اقرأ أيضاً: هل يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تنجو من سياسات الهوية؟

ومع أنّ أغلب الليبراليين العرب الجدد ليسوا حزبيين، إلا أنّ هذا لا يعفيهم من مسؤولية استقراء النتائج المريرة التي حصدها اليسار الماركسي والقومي العربي طوال عقود (1940-2000)، جرّاء تشبّثه بالسجال في مربع الدين والجنس، على حساب تطوير استيعابه ورصده وتحليله للواقع السياسي والاقتصادي، إلى الحد الذي يمكنني الزعم معه بأنّ هذا اليسار قد حكم على نفسه بالعزلة، لأنه وضع في أيدي خصومه المحافظين السلاح الأمثل، وأعني به سهولة محاصرة كل دعاة التحرر الديني أو الاجتماعي عبر اتهامهم بالإلحاد أولاً وبالإباحية ثانياً، والإجهاز عليهم بحشد من النصوص الدينية المقدسة ثالثاً، وإلى الحد الذي يسهل معه – الآن- ملاحظة المآل البراغماتي الذي انتهى إليه هذا اليسار، سواء على صعيد التحالف التكتيكي أو الإستراتيجي مع التيارات الإسلامية، أو على صعيد تقبّل واقع أنّ كثيراً من أعضائه متدينين وأن كثيراً من عضواته محجّبات!

أغلب الليبراليين العرب الجدد ليسوا حزبيين، إلا أنّ هذا لا يعفيهم من مسؤولية استقراء النتائج

لا أريد أن أقسو على الليبراليين العرب الجدد، لكنني سأغامر بالقول: إن السبب الذي أقحم اليساريين سابقاً في معمعة السجال الديني أو الجنسي، هو نفسه الذي يلقي بالليبراليين الجدد حالياً في حومة اللاهوت والجسد، والذي يمكن تلخيصه بالاستعاضة عن الانخراط في تيار الحياة العريض – وكل ما يمكن أن يقود إليه من اشتباك حقيقي مع قضايا الواقع اليومي؛ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً - عبر الانخراط في بعض القضايا النخبوية الحسّاسة التي لن تقدّم أو تؤخّر على صعيد تحسين حياة الفرد العربي المطحون من جهة، لكنها تمثل (غلطة الشاطر) التي لن يدّخر المتربّصون والمتصيّدون من المحافظين وسعاً، لتوظيفها واستثمارها وتضخيمها ونقلها إلى الشارع الشعبي المسوق بعواطفه وقناعاته التقليدية الثابتة من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً: التربية الجنسية تهيّج الصراع بين الليبراليين والمحافظين في كندا

ثمة درس عملي مفيد، سطره تلاميذ مالك بن أنس في الأندلس والمغرب لقرون عديدة، وما يزال ساري المفعول إلى حد بعيد حتى عصرنا هذا، ويتمثّل في القاعدة الذهبية التالية: (لا اجتهاد فيما ليس تحته عمل)!!! أي إنّ كل جدل لا يعود بالنفع المادي والملموس على الناس هو جدل عقيم، ولست بحاجة للتذكير بأنّ هذه القاعدة الذهبية قد آتت أُكُلَها في الأندلس والمغرب من خلال الوجهة العملية العميقة للمجتمع، ومن خلال التسامح الديني والاجتماعي الذي تمخّض عن نهضة سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وأدبية ونسويّة مثّلت بوابة التنوير والإصلاح في الغرب الأوروبي. وقد يستدرك عليّ في هذا السياق مُستدرِك فيقول: وماذا عن ابن حزم وابن رشد وغيرهما ممن حوصروا واضطهدوا، وسأكتفي بالقول: ابن حزم وابن رشد وغيرهما تسنّموا مناصب رفيعة جداً، جعلتهم أهدافاً لمكائد ودسائس وأحقاد منافسيهم وخصومهم الذين نجحوا في إلباسها لبوس الحرص على الدين، وقد اضطلع نَزَقُ كل من ابن حزم وابن رشد تحديداً بتسهيل مهام الخصوم والمنافسين إلى حد بعيد.

اقرأ أيضاً: الليبرالية إذ تنتج من نجاحها فشلها الخاص

وليس أدلّ على الاستمرارية في انفتاح الأفق الأندلسي والمغربي، من ازدهار المدرسة الفكرية لدولة (الموحدين) لقرون، جرّاء المزج الباهر بين المالكية والظاهرية والرشدية، إلى درجة أننا لن نستطيع أن نمنع أنفسنا من التساؤل الآن: لماذا تخلو أقطار المغرب العربي أو تكاد تخلو من النزاعات الدينية والطائفية فيما يصطلي المشرق العربي منذ قرون بالحروب والنزاعات الدينية والطائفية؟ ولماذا تُقْبِل أقطار المغرب العربي على الفلسفة والمهن والحرف فيما يضيق المشرق العربي منذ قرون بالفلسفة والمهن والحرف ويعلي من شأن الوظائف الحكومية؟!

مأقحم اليساريين سابقاً في معمعة السجال الديني هو نفسه الذي يلقي بالليبراليين الجدد حالياً في حومة اللاهوت والجسد

وأحسب أن ألدّ خصوم الليبرالية العربية الجديدة يتمثل في اتجاه كثير من الليبراليين إلى أدلجة الليبرالية! بدلاً من تفعيل أخص خصائصها وهي البرامجية؛ فالليبرالي الحقيقي هو النقيض التاريخي لكل ما هو شمولي ومطلق وثابت، وإذا نجح المحافظ في استدراجه وتحويله إلى أيديولوجي، فإنه يكون بذلك قد وقّع سلفاً صك إدانته؛ لأن البديل الأصيل والمطلوب هو تفعيل وإطلاق برامج في السياسة وفي الاقتصاد وفي التنمية الاجتماعية. وباختصار فإنّ الليبرالي خبير وليس منظّراً!

اقرأ أيضاً: الإنسان العربي بين الدين والليبرالية

وأما الخصم الثاني فيتمثل في اتجاه كثير من خطابات الليبراليين إلى التماهي مع خطابات خصومهم المحافظين، من حيث استسهال نفي الآخر وإلغائه على صعيد المضمون ومن حيث تصعيد العنف اللفظي بأنواعه على صعيد الشكل. ولعل الاستقطاب الناشئ على السجال بين الفريقين قد أتاح الفرصة لتسلّل كثير من العدميين والفوضويين والعبثيين إلى صفوف الليبراليين بحثاً عن إطار وهوية، ويؤسفني أن أقطع بأنّ غوغائية وبوهيمية هؤلاء المتسلّلين (الخصم الثالث) قد أساءت لليبرالية والليبراليين أكثر بكثير مما أساء لها أشد المحافظين تزمّتاً!

اقرأ المزيد...

الوسوم: