تنوير ديني تقوده المجتمعات للحيلولة دون تدنيس المقدّس

تنوير ديني تقوده المجتمعات للحيلولة دون تدنيس المقدّس
2488
عدد القراءات

2018-12-19

يتضح يوماً بعد يوم أنّ التنوير الفاعل الذي يكبح التطرف هو التنوير الذي تقوده المجتمعات. إنه إستراتيجية طويلة المدى، وهو ما يفتقر إليه العرب والمسلمون، حتى الآن.

والواقع أنّ تنوير المجتمعات لا يشتغل إلاّ بشرطين يتعلقان في معالجة عائقي الثقافة والسياسة. فالحوكمة تنزِعُ الطاقة الاحتجاجية السالبة التي تنطوي عليها الأيديولوجيا الدينية. وحكمُ القانون والمؤسسات واحترامُ الحريات، ينزعُ من الخطاب الديني مبرراته للتسييس والتعبئة وقدرته على الهدم. بمعنى آخر، إنّ التطرف الديني هو أن يكون للخطاب الديني المتشدد وللمعرفة الدينية المغلقة القدرة والسلطة على مصادرة حقوق الآخرين وحرياتهم، وامتلاك القدرة على الإضرار بالمخالفين وإيقاع الأذى بهم، أفراداً أو حكومات، وإذا فعل ذلك صار إرهاباً.

اقرأ أيضاً: الإعلام والتنوير وبناء البشر

إنّ التنوير الأول/ الدولتي قد يُشخِصُّ الأزمة بإلقاء اللومِ على "ثقافة تُنتج تطرفاً وإرهاباً". فيما التنوير الثاني/ تنوير المجتمعات، يَتَغيّا حضورَ التديّن، كمحفزٍ على الخيرية والرقي الروحي، من دون سلطة على المصادرة أو الاصطدام بالحرية وحقوق الإنسان. والثاني إذْ يشتغل على الثقافة والسياسة معاً، يحول دون أن يكون إلقاءُ الأولِ اللومَ على "الثقافة المتطرفة" باباً للتضييق على الحريات الفردية والعامة، وانتهاك القوانين، وتقوية السلطة بإضعاف المجتمع وكبح قدرته على التنوير.

المؤسف أنّ  ما نراه حتى اللحظة هو وعي ديني مأزوم ومرتبك ومشوش ومتردد أمام خيارات الحداثة والعصر

إنّ التنوير الديني الذي تقوده المجتمعات، ينطلق وهو يدرك جملة من الحقائق الأساسية، منها: أنّ السلطة الغاشمة والحكومات المستبدة تؤبّد أكثر المضامين سلبية وسواداً في ثقافة أيّ مجتمع، ومن هنا أثرُ السياسة في الثقافة وانعكاس ذلك على أنماط التديّن. زد على ذلك أنّ الأخلاق والفضيلة إنّما تتأسسان على الحرية، وأنها شرط شارط لهما. كما أنّ الإصلاح الديني الفاعل يَدمِجُ مفهوم الإيمان والتديّن بالتنمية بمفهومها الشامل، ومنها التنمية الروحية التي تتناغم مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعززها. بمعنى أنّ أيّ إيمانٍ أو تديّن لا يرتقي بشروط الحياة ولا يزيد التفاعل الإيجابي مع العالم والعصر والآخر، ولا يزيد التضامن مع الإنسان ويحرره، سيكون مثلُه مثل الفقر والبطالة والفساد والآداب الرديئة التي تُعطّل دورة الاقتصاد وتُهمّش تطور الاجتماع وتشوّه الذائقة وتُهدر الموارد والطاقات.

ثقافة عامة يحميها القانون

لن تتبلور فكرة الحرية ونبذ الاستخفاف بكرامة الإنسان وعدم إهانته بسبب لونه ودينه إذا لم تتحول إلى ثقافة عامة يحميها القانون والمؤسسات، ولن تنتشر الفكرة وتترسخ إذا لم نتفق في خطبة الجمعة على قول ذلك بذكر كلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" ونورد القصة المشهورة حول ذلك. ثم يقول الفكرة الناقد الفني حين ينتقد غناء السيدة فيروز: "رُدّي منديلك رُدّي.. بيضا والشمس حدي.. بُكره بيجي محبوبك وبيلاقيك مِسوَدّه"؛ بالقول إن ذلك قد يكون مظنة نفَس عنصري أو تمييزي يسيء، بدون قصد، إلى أصحاب البشرة السوداء. كما لن تكتمل الجهود بشأن حماية تلك الفكرة إذا لم يعتقد الأكاديمي والباحث الجامعي أنّ من المهم، مثلاً، أن يثير نقاشاً مع طلبته يحلل فيه قول سارتر: "أكره الضحايا الذين يحترمون جلاديهم"! يعقبه (النقاش) توّلد قناعة عامة وفهم مشترك بقيمة الحرية وأهمية مقاومة الاستبداد والتخلص من دور الضحية.

مطواعية النصوص للتشدد

إننا نضعف مطواعية النصوص الدينية للتشدد وشرعنة العنف ضد المختلف حين نخرجها (النصوص) من دائرة الالتباس والاحتمالات المتناقضة. فـ"داعش" ومن شابهها يشتغلون على هذا "الالتباس الديني"، وهو نفسه من يقنع كثيرين، ممن رأوا تدمير "داعش" لآثار مدينة تدمر بين عامي 2015 و 2017 وعلى رأسها تدمير "التترابليون" وواجهة المسرح الروماني وتدمير قوس النصر (الذي يبلغ عمره 1800 عام) ... يقنعهم بأنّ هذا قضاء على أصنام ينبغي أن يكون هذا مصيرها! وكأنما لم يمرّ مسلمون على هذه الديار منذ مئات السنين، ويتركوا تلك الآثار شاهدة على الإبداع الإنساني!

اقرأ أيضاً: التنوير- مفاهيم إشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر

"الالتباس الديني" يتبدى ونحن نقرأ، مثالاً لا حصراً، كتاب "فقه الدماء" للمصري أبي عبدالله المهاجر، أستاذ أبي مصعب الزرقاوي، فنكتشف كمية النصوص الدينية الكبيرة الموظَفة في الكتاب لشرعنة العنف والدموية وجعلهما جهاداً وجسراً إلى الجنّة. كلُّ هذا يدفعنا لأن ندرك مدى حاجتنا إلى تنوير تقوده المجتمعات والنخب التي تحظى بثقتها؛ لمعالجة دائرة "الالتباس الديني" التي تتيح إلباس عنفنا وبطشنا غطاءً دينياً مقدساً. ويبقى السؤال: كيف لنا أن نقضي على هذه الثغرة وإلى الأبد؟ تلك هي المهمة لتنوير دائم يحفظ للمقدس منزلته عبر منع قابلية تدنيسه.

نقترح على تقارير التنمية البشرية والإنسانية، الإقليمية منها والدولية، أن تضع مؤشر التنمية الروحية في صُلب تقاريرها المقبلة

لهذا كلّه يقترح هذا المقال على تقارير التنمية البشرية والإنسانية، الإقليمية منها والدولية، أن تضع مؤشر التنمية الروحية في صُلب تقاريرها المقبلة، بعدما صار التطرف الديني مشكلة عالمية تتكلف المجتمعات والدول والمنظمات جرّاءها مليارات الدولارات سنوياً.

لقد أقام تنظيم "داعش" الإرهابي (المستند في حكمه إلى مقولات إسلامية وتقليد تراثي، لم يتعرض للنقد الجذري المطلوب أوالرفض الكامل) طيلة حكمه الغابر في العراق وسوريا، على زعم نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وجعل في صُلب ذلك التقييد الصارم على النساء وعلى لباسهن وحركتهن وتصرفاتهن وحرمة معالجتهن من قبل أطباء رجال وسوى ذلك، وكذلك التضييق على هيئة الرجال وشكلهم ومحاسبتهم على أدق التفاصيل، مثل لبس الجينز وقص الشعر واستخدام الكريمات والتدخين، وسوى ذلك من أمور تُحيلنا إلى موضوع هذه المقالة التي تهجس بالحثّ على ضرورة أن تؤسس هذه التجربة المُرّة في العالم العربي لثقافة جديدة تُعيد تعريف الفضيلة، عبر الحسم الكامل بأنه لا فضيلة في ظل قمع حرية الإنسان وامتهان كرامته والنيل من حقوقه وذاتيته، ومن ذلك حرية جسده.

اقرأ أيضاً: لماذا خفتت روحانية المسجد وغُيّب دوره الإصلاحي؟

إنّ التحدي أمام إنتاج ثقافة دينية جديدة في مرحلة ما بعد القضاء العسكري على "داعش" (واستمرار خطره الأمني والفكري) تكمن في أن تكون حرية الإنسان وكرامته والاعتراف بحقوقه وذاتيته في صلب أي إصلاح ديني. والمؤسف أنّ  ما نراه حتى اللحظة هو وعي ديني مأزوم ومرتبك ومشوش ومتردد أمام خيارات الحداثة والعصر، ويحاول التعويض عن عدم اتساقه الذاتي أمامهما بالاتجاه إلى وعي ضِديّ أو تشدد ديني يُعنى بالشكل، وينهض على تشييء الإيمان، الأمر الذي يجعل الإيمان غير متصالح مع المعرفة، والتدين خالياً من الثقافة، وهي أصولية تنداح في خطّ العولمة والسوشال ميديا، وتستعين بتقنياتها وأدواتها في التوسع والانتشار والترويج لذاتها، وتكثير مناصريها الطامحين لمواجهة حداثة ليست من صنعهم وعالمٍ غريبٍ عليهم، لكنه يبقى يستهويهم ويجذبهم، وهذا مصدر الأزمة في وعيهم؛ أيْ مصدر تشددهم.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



4 أسباب تجعل أفق الحوار مع الإسلاميين مسدوداً

2020-02-17

ليس كلّ الإسلاميين، لكنهم حتماً الإسلاميون التقليديون، الذين نشأوا على أفكار منغلقة وسرديات خاصة، لا تقبل التعادل الموضوعي مع الأفكار الأخرى، عدا عن كونها لا تقبل أن تكون مغلوبة أو خاسرة، وعلى مدار تاريخ الجماعات الإسلامية بقيت تنحو منحى المغالبة لا المشاركة في السياقات الوطنية أو القومية أو العالمية، بمعنى أنّها كانت دائماً تعتمد هذه الإستراتيجية التي تلغي الخيارات وترتهن لخيارٍ واحد لا يقبل النقض أو النقد.

اقرأ أيضاً: الدخول إلى التيه: الإسلاموية كإخفاق تاريخي
هل أدرك الإسلاميون مثلاً، أنّ عصر الأحزاب والجماعات الدينية الأيديولوجية يذهب باتجاه الانحسار؟ وأنّ المغالبة لم تعد قادرة على الصمود أمام موجات الحرية ودعوات المشاركة والتشاركية داخل الدولة الواحدة أو بين دول متعددة؟
وقد يذهب البعض إلى أبعد من هذا التفكير، إلى حيث سيادة فكر المغالبة داخل الجماعة الدينية نفسها؛ حيث يبدو صوت الحوار خافتاً جداً، والمغالبة بين محور "القيادات العليا" و"القواعد الدنيا" من الأفراد على أشدها، تحت ذرائع شتى، ولافتات وشعارات نمطية؛ مثل الطاعة، والتجرد، الذي يعني في أحد معانيه داخل الجماعة؛ التخفف من عناء الطموح الزائد، غير المرغوب فيه، والذي لا أفق له بالنظر إلى ازدحام الطريق بطموحات قيادات الجماعة.

إفشال تجربة الإخوان في مصر لا يعطيهم الحق في التمترس خلف ترسانة فكر المغالبة ضاربين فكر المشاركة بعرض الحائط

ما هي إذن الأسباب الأربعة التي تجعل أفق الحوار مع الإسلاميين مسدوداً، والتي يمكن أن تضاف لها أسباب أخرى بحسب رؤية باحث ما أو كاتب آخر؟
أولاً: الأفكار المنغلقة؛ تلك التي أخضعت عقول المنتسبين للجماعة إلى منطق واحد، وهو "أنّنا أصحاب الأفكار العليا والسامية، التي تعتبر الجسر الوحيد بين الله تعالى والناس، وبين السماء والأرض، وأنّ الأفكار التي مصدرها السماء لا يمكن السماح بتلويثها بأفكار أخرى تحت ذريعة الحوار"، وكأنّ أحد منظري هذا الفكر يقول؛ "نحن لا نتحاور، نحن فقد نستمع لكم لا أكثر"، هذا تماماً ما يحدث؛ قد يدعون للحوار، لكنهم لا يتقمصونه أو يؤمنون به، بل يستمعون فقط حتّى يدفعوا عن أنفسهم تهمة الرفض والتطرف والانغلاق.

اقرأ أيضاً: آخر حيل "الإسلامويين"!
وأمام كتلة الأفكار المنغلقة، لم يكن هناك مجال للانفتاح على الأفكار الأخرى، فلدى الإسلاميين أوراقهم الخاصة ومؤلفاتهم الخاصة وكتبهم الخاصة، ولا يُعدّ الخروج من دائرة الكتب التي يؤلفها منظرو الجماعة لقواعدهم مقبولاً أو جائزاً أو مسموحاً، وتُعزّز المناهج هذا الأمر؛ حيث إنّ تثبت الأفكار الخاصة القادمة من السرديات التاريخية الخاصة، وفق قراءات وتفسيرات خاصة تنفي أو ترفض دخول أية مؤلفات أخرى للمناهج.
ثانياً: المغالبة؛ لقد كان على الإسلاميين دوماً إثبات أنّهم مع الحرية والتعددية، وفي الطريق إلى ذلك؛ اصطدموا كثيراً بالحواف الحادة للطموحات الخاصة، فلم يملكوا القدرة على تدوير الزوايا الحادة، بل انحصرت قدرتهم دائماً في توظيف رأس زواياهم الحادة في مواجهة الآخر والحوار معه، ولكي تتضح الصورة أكثر، دعونا نسأل؛ كيف يمكن للزاوية الحادة أن تحاور خطاً مستديراً قابلاً للاختراق لسبب متعلق بالقابلية للتفاعل والمشاركة؟

اقرأ أيضاً: من ضيق الأيديولوجية الإسلاموية إلى رحابة المشترك الإنساني
ولا يُمكن لتجارب الحكم الخاصة بالإسلاميين، على ندرتها، - وهذا اعتراف بعدم امتلاكهم تاريخاً في الحكم والسلطة - أن تكون سبباً مقنعاً لاستمرار فكر المغالبة، وإفشال تجربتهم في مصر لا يعطيهم الحق في التمترس خلف ترسانة فكر المغالبة، ضاربين فكر المشاركة بعرض الحائط، وقد يذهب التفكير إلى أبعد من ذلك؛ حيث إنّ قبول الإسلاميين بالمشاركة تعني خيانة فكرهم وسردياتهم الدينية التاريخية، على الأقل، لدى شريحة منهم، قبل أن تكون قناعة لدى خصومهم.
ثالثاً: المثالية ضد الواقعية السياسية؛ وهذا نظير تمسكهم بسيادة أفكارهم وعلوّها، وتصنيفها على أنّها أفكار علوية، فهم مثاليون إلى درجة يمكن لكلمة حوار أن تجرح مثالية وعلوية أفكارهم؛ إذ لا يؤمنون بالواقعية السياسية إلا بقدر ما يمكن أن يخرجهم من دائرة العنف والتطرف، ودائماً ما كانت نظرتهم للمجتمعات على أنّها متخلفة وفيها جاهلية، وطالما استندوا في ذلك إلى مصنفات ومؤلفات تضع المجتمع موضعاً أقل منهم إيماناً وأضعف منهم حجة، وأنّهم وُجِدوا لممارسة دور الهداية على هذا المجتمع، والوسيط بينه وبين الدين، وفي أحسن الأحوال كانت النظرة للمجتمع على أنّ أفراده مساكين يحتاجون دوماً لمن يأخذ بيدهم إلى الطريق الصحيح والأفكار الصحيحة، وقد يكون ذلك حقيقياً، ولكن ما ليس حقيقياً؛ أنّ المجتمع لا يحتاج إلّا لأفكارهم وجهودهم ودعوتهم، ولهذا نشأت الخلافات، ليس مع الخصوم التاريخيين للإسلاميين؛ من العلمانيين والقوميين فقط، بل نشأت خصومات مع تيارات إسلامية دعوية أخرى، ضاقت ذرعاً بمثالية الإخوان المسلمين الزائدة عن الحاجة.

لا يؤمن الإخوان بالواقعية السياسية إلا بالقدر الذي يمكن أن يخرجهم من دائرة العنف والتطرف

رابعاً: الوطنية؛ وذلك مفهوم غريب بالنسبة لهم، فهي ليست سوى مصطلح ضيق، لا ينسجم مع طموحاتهم العابرة للوطنيات والقوميات والأعراق والأجناس، وبما أنّهم يُصدّرون أفكارهم من الإسلام العالمي، فهم عالميون بالضرورة، وليكن ذلك؛ فالطموح إلى هذا الحد ليس عيباً ولا حراماً، لكن المشكلة تكمن في نظرتهم للوطنيات على اعتبار أنّها حالة عابرة، لا يمكن الاتكاء عليها كمنطلقات أو أسس لتأطير مشروعهم العالمي، وعليه فإنّ كل حوار يصدر عن هذا المصطلح أو من أجله أو اقتضاءً لمصلحته، لا يعول عليه إلا بقدر ما يمنحهم الصيغة الرسمية للعمل والنشاط.
وما يبرهن على انسداد أفق الحوار مع الإسلاميين دائماً، هو هذا التناول الكثيف للحوار بين الإسلاميين والعلمانيين على مدار عقود طويلة، على سبيل المثال، دون الوصول إلى صيغة مشتركة وأرض صلبة يقف عليها الجميع لبناء حوار حقيقي وناجز، فقد كتب الإسلاميون وكتب العلمانيون وكتب كذلك وسطاء بين التيارين حول ذلك، دون رصد أية بوادر إيجابية أو حالة حوار ناضجة يمكن الاتكاء عليها لتقرير أنّ حالة الحوار صحية وليست حرجة.
وأخيراً؛ لا يعني كل ما سبق أنّ انغلاق أفق الحوار مع الإسلاميين يعود لأسباب متعلقة بهم وحدهم، فثمة أيضاً قراءة في أسباب مشتركة وأسباب خارج دائرة الإسلاميين، لكنّ الرؤية الغالبة، هي تلك التي تقترب أكثر من الأسباب المتعلقة بوعي وأفكار وطموحات الإسلاميين القائمة على نفي الآخر أو إلغائه أو عزله أو تحييده.

للمشاركة:

هل سيعزز فوز المتشددين في الانتخابات الإيرانية احتمالات الصفقة مع أمريكا؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-17

من المقرر أن تفتح صناديق الاقتراع في المحافظات والمدن الإيرانية صباح يوم الجمعة المقبل أبوابها أمام حوالي 58 مليون إيراني ممن يحق لهم التصويت لاختيار ممثيلهم في البرلمان الإيراني الجديد "مجلس الشورى الإسلامي" الذي يضم في عضويته 290 نائباً يمثلون المحافظات الإيرانية، وبالتزامن ستجري انتخابات "مجلس خبراء القيادة" الذي يتولى الإشراف على تعيين القائد وعزله.

تبدو نتائج هذه الانتخابات غير مهمة في ظل قدرة البرلمان المحدودة أصلاً على التغيير

من المعروف أنّ النظام الإيراني قائم على ازدواجية مؤسسات الدولة بين الجمهورية ومؤسساتها والمرشد والمؤسسات الموازية التابعة له، التي تجعل من رئاسة الجمهورية، وحتى البرلمان، مجرد مؤسسات شكلية لا قيمة حقيقية لها ولا دور في صناعة القرار وإدارة الدولة، إلا بحدود اقترابها وابتعادها عن الخط العام للمرشد الأعلى ومؤسساته، وهو ما ثبت في محطات عديدة أبرزها مؤسسة الحرس الثوري الإيراني المعزولة تماماً عن رئاسة الجمهورية بحكم ارتباطها مع المرشد الأعلى، بالإضافة إلى العديد من المؤسسات الموازية التابعة للمرشد والمعزولة تماماً عن رئاسة الجمهورية، إلا في حدود المصادقة على ميزانياتها، وتقديم الدعم لها، دون أدنى اطلاع على مشاريعها ومخططاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن الصلح مع قطر وإيران؟
من هنا، تبدو نتائج هذه الانتخابات غير مهمة، في ظل قدرة البرلمان المحدودة أصلاً على التغيير، واقتصار مهمامه على المصادقة على القوانين الحكومية وعزل رئيس الجمهورية، فيما لا تطال تشريعات البرلمان صلاحيات المرشد الأعلى.
تشير المعطيات إلى أنّ انتخابات يوم الجمعة المقبل قد تم حسمها قبل إجرائها، من قبل تيار المرشد الأعلى، برفض قبول ترشيح أكثر من سبعة آلاف مرشح يتبعون التيار الإصلاحي، بحجة عدم انطباق شروط الترشح عليهم، وهو ما أثار احتجاجات من قبل رئيس الجمهورية، الذي يبدو أنّ فرص مرشّحيه من الإصلاحيين بالفوز تضيق أكثر لصالح المتشددين وأنّه بطريق فقدانه لأغلبيّته في البرلمان، من خلال سيطرة المتشددين عليه، واحتمالات تولّي محمد باقر قاليباف، أحد أبرز المقربين للحرس الثوري والذي اعتاد توجيه انتقادات حادة للرئيس حسن روحاني، رئاسة البرلمان.

اقرأ أيضاً: إيران و"تصدير الثورة"... أي مفهوم "ثوري"؟
وفيما يبدو أنّه يعكس مخاوف التيارين؛ الإصلاحي والمتشدد، من احتمال انخفاض نسب التصويت من قبل الكتلة الناخبة، وجّه كلٌّ من: المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية دعوات منفصلة للناخبين للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وكان لافتاً أن يقول المرشد الأعلى "حتى إن لم أعجبكم أنا، فشاركوا في الانتخابات من منطلق الحرص على إيران على الأقل"، فيما قال الرئيس روحاني "انتقدوا، لكن لا ينتابكم الانفعال، ولا يكون خصام بينكم وبين صنادق الاقتراع".
ويبدو أنّ تلك الدعوات تعكس إدراكاً لمزاج ومواقف الناخب الإيراني، الذي رفع شعارات؛ "الموت للشيطان، الموت لروحاني" منذ الانتفاضة التي شهدتها إيران في أواخر عام 2017، على خلفية الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، ويبدو أنّ ما أعقب تلك الانتفاضة من انتفاضات لاحقة تجددت في العامين التاليين، وما تخللها من عنف مفرط من قبل الأجهزة الحكومية والأجهزة التابعة للمرشد، وعلى رأسها الحرس الثوري، ستسهم في خفض نسب المقترعين، وهو ما سيصب في صالح التيار المتشدد.

اقرأ أيضاً: موقع "الخلافة الإسلامية" بين مشاريع إيران وتركيا وداعش
الانتخابات الإيرانية الجديدة تجري في سياقات محددين وهما: العقوبات الأمريكية المتصاعدة ضد القيادة الإيرانية، وانعكاساتها على المواطنين الإيرانيين، في ظل عدم قدرة التيارين؛ المتشدد والاصلاحي، على تقديم حلول مقبولة للشارع، ومواجهة تداعيات تلك العقوبات، باستثناء إجراءات بزيادات على الضرائب والأسعار ونمو وتوسع السوق السوداء، بالتزامن مع ضيق مساحات الأمل باحتمالات حدوث انفراجات قريبة، رغم خسارات القيادة الإيرانية لكثير من أوراقها الإقليمية، بعد الاحتجاجات على دورها في العراق وفي لبنان، وتراجع حضورها العسكري في سوريا، واحتمالات إنهاء هذا الدور.

تشير المعطيات إلى أنّ انتخابات يوم الجمعة المقبل تم حسمها قبل إجرائها من قبل تيار المرشد الأعلى

المتغير الأبرز بعد هذه الانتخابات سيكون في سياقات إيران تغيب في عناوينها الكبرى ثنائية أنّ هناك تيارين؛ إصلاحي ومتشدد، وأنّه يمكن أن تكون هناك تفاهمات مع تيار في إيران "الإصلاحي"، حيث سيقود التيار المتشدد إيران الجديدة، مما سيجعله بمواجهة مباشرة مع مجاميع الشارع الإيراني من جهة ومع العالم الخارجي، وتحديداً مستقبل التصعيد مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، هذا التصعيد الذي يتوقع أن يزداد مع احتمالات أن يستمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في فترة رئاسية ثانية، وهو ما يعني فشل الرهانات الإيرانية التي بنيت على أساس اللعب على عامل الوقت وامتصاص اندفاعات ترامب لحين إجراء الانتخابات الأمريكية الجديدة.
ورغم ذلك، فإنّه واستناداً لمقولات إنّ السلام والصفقات لم تكن إلا بين التيارات الأقوى في الدول، فإنّه لا يمكن تغييب احتمالات صفقة ايرانية- أمريكية في المدى المنظور، قد ترى النور مع بداية تسلّم ترامب لولايته الثانية في حال فوزه بالانتخابات التي ستجري نهاية العام الجاري، وستعزز مؤشرات تلك الصفقة التي بدأت، بعد تغييب قاسم سليماني عن المشهد الإيراني، مع ازدياد احتمالات فوز ترامب، وهو ما يدعو خصوم إيران وحلفاءها على السواء في الإقليم إلى الاستعداد لمفاجآت إيرانية بعد انتخاباتها المقبلة.

للمشاركة:

هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2020-02-16

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ السياسة تختطف الدين، وضرب مثلاً بالحروب الصليبية من ناحية، وبالتوظيف الصهيوني للتوراة في قيام "دولة اسرائيل"، ولكن الإمام لم يتطرق إلى هذا الأمر عبر تاريخ الإسلام بمباركة الفقهاء ومؤازرتهم، والسؤال: ألم يمارس الإمام -وهو صاحب سلطة روحية- السياسة؟ ألم يمارس أصحاب السلطة الروحية بالأزهر السياسة عبر تاريخهم؟ وكيف اختطفت السياسة الدين عبر التاريخ الحضاري للإسلام؟

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
في البدء نقول إنّ فضيلة الإمام منذ أن جاء إلى مشيخة الأزهر في العام 2010 لم يقف دوره على حدود سلطته الروحية، بل وقبل ذلك وأثناء تولّيه رئاسة جامعة الأزهر في العام 2006 وقف بحزم ضد طلاب الإخوان حين قاموا بعمل عرض عسكري في المدينة الجامعية رافضاً اختطاف الجماعة للجامعة، وتصدى لتوغل السلفيين داخل الأزهر، وكان الشيخ الطيب عضواً في لجنة السياسات في الحزب الوطني -وهو رئيس جامعة الأزهر- بما يعني مباركته للسلطة الزمنية في تلك الفترة، واستقال منها فور تولّيه مشيخة الأزهر.

قال فضيلة الإمام إنّ السياسة تختطف الدين، فماذا فعل الأزهر تجاه بعض رموزه حين نادوا بفصلهما؟

وبعد مرور عقد كامل على تولّيه مشيخة الأزهر، كان للإمام فيه دور مركزي في الأحداث التي عصفت بمصر منذ كانون الثاني (يناير) 2011، تعرض الشيخ لضغوط جعلته يقدم استقالته للمشير طنطاوي في شباط (فبراير) 2011 الذي رفضها بدوره مؤكداً له أنّ البلاد تمرّ بمرحلة صعبة.
ويقول الأستاذ حلمي النمنم في كتابه (الأزهر: الشيخ والمشيخة) إنّ التيارات العلمانية والليبرالية قد رَجَته التدخل في الجدل الدائر ليوقف جموح السلفيين، واتجه الجميع إلى الأزهر ابتداء من محمد بديع مرشد الإخوان حتى نجيب ساويرس رئيس حزب المصريين الأحرار، واجتمعت التيارات السياسية بالأزهر، والتي انتهت بإعلان شيخ الأزهر (وثيقة الأزهر) في حزيران (يونيو) 2011، وقد تخوّف بعض المثقفين من الدور السياسي الذي يلعبه الأزهر، وأنّ المؤسسات الدينية لا شأن لها بالسياسة، وأنّ الدور السياسي للأزهر يفتح الباب أمام قيام دولة دينية.
وخلال تولّي الإخوان حكم مصر كان الشيخ هو الشوكة التي تقف في حلق الإخوان ضد رغبتهم في اختطاف الأزهر والسيطرة عليه، وحين ثار الشعب على حكم الإخوان في 30 حزيران (يونيو) 2013، خرج الإمام ليطلب من سلطة الإخوان ضرورة إجراء انتخابات مبكرة درءاً للضرر، وحقناً للصراع الدائر.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
ولما لبي وزير الدفاع، آنذاك، عبد الفتاح السيسي رغبة الجماهير في بيان 3 تموز (يوليو) 2013، كان الإمام والبابا تواضرس في خلفية إلقاء وزير الدفاع للبيان، بما يعني مؤازرة السلطة الروحية لدى المسلمين والمسيحيين لقرار وزير الدفاع، نزولاً على رغبة حشود الشعب المصري التي نزلت تطالب بخلع الإخوان من السلطة، وقد أحبّه المصريون، وقدّروا دوره التاريخي الذي زاده مهابة في عيونهم في فترة عصيبة من تاريخ مصر المعاصر.

لعب الأزهر دور سياسياً مهماً خاصة في تاريخ مصر الحديث وهو تاريخ معادل للدور الروحي والديني له

لم يكن موقف الإمام منفصلاً عن الدور السياسي للأزهر عبر تاريخه الحديث، وخاصة في لحظات الخطر التي مرت بها مصر؛ فسيظل التاريخ يذكر للأزهر الدور التاريخي الذي قام به شيخه عبد الله الشرقاوي وعلماء الأزهر وطلابه في مواجهة الحملة الفرنسية علي مصر، حيث قتل ثلاثة عشر عالماً من علماء الأزهر والمئات من طلابه في مواجهة الفرنسيين، ويوثق عبدالعزيز الشناوي في كتابه (تاريخ الجامع الأزهر) هذا الدور الوطني، وبعد ذلك دورهم التاريخي في تنصيب محمد علي حكم مصر العام 1805.
ووقف علماء الأزهر بجانب ثورة عرابي على الخديوي توفيق، وساندوه ضد الإنجليز وكان من نتائج ذلك نفي الإمام محمد عبده إلى بيروت العام 1882، كما خرج علماء الأزهر وطلابه مشاركين جموع المصريين في ثورة 1919، فيحق لنا أن نكتب عن أهمية الدور السياسي الذي لعبه الأزهر خاصة في تاريخ مصر الحديث، وهو تاريخ معادل للدور الروحي والديني له.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ورداً على حديث الإمام عن اختطاف السياسة للدين، نقول له لقد تعلمنا أنّ الإسلام عقيدة وسياسة، وأنّ الإسلام دين لتدبير الجماعة، وليس مجرد دين للحياة الروحية الفردية، ولذا حق لنا أن نتحدث عن اختطاف السياسة للدين عبر تاريخه، فمنذ الصراع السياسي بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، في (الفتنة الكبرى) على السلطة، وُظّف الدين بين المتصارعين، واختطف كل فريق من المتنازعين الإسلام كدين كل برؤيته الخاصة فتفرق المسلمون فرقاً ومذاهب سياسية، ولكنها اصطبغت بالصبغة الدينية لتكسي وجودها قداسة خاصة.

كان لتوحد السلطة الدينية والزمنية آثار وخيمة من العنف والدماء عبر تاريخ الدولة الإسلامية

وحين تولي الأمويون مقاليد الحكم، وظّفوا الديني لاستمرار الحكم في نسل بني أمية، فكان معاوية يقول "لقد جئنا بقضاء الله وقدره، ولو رأى الله أننا لسنا أهلاً له ما ولّانا إياه"، وحين تحدث عن خلافة يزيد ابنه له كان يقول للمسلمين "إن أمر يزيد من قدر من الله"، فوظفت السياسة عقائد المسلمين في الإيمان بالقدر لتبرير مشروعية وجودها، وتبرير استمرار الخلافة في نسل بني أمية.
وأما عن استخدام الأمويين للسيف والعنف فهو تاريخ أسود في قتل حفيد الرسول الحسين بن علي، رضي الله عنهما، وفصل رأسه عن جسده، وقتل معظم نسل علي بن أبى طالب، رضي الله عنه، وقتل عبدالله بن الزبير، رضي الله عنه، وهُدمت الكعبة على يد الحجاج بن يوسف، وأخطر ما فعلته الدولة الأموية هو قتل المعارضين السياسيين لها من أتباع القدرية والجهمية الأوائل، من أمثال سعيد بن جبير، وغيلان الدمشقي، وعمر المقصوص، وجعد بن درهم، ولم تقل السلطة السياسية أنهم كانوا معارضين سياسيين لها، بل أفتى لهم فقهاء العصر بأنّ هؤلاء كَفَرة لأنهم يقولون بخلق القرآن الكريم، فحين خرج خالد بن عبد الله القسري على المنبر يوم عيد الأضحى قال للناس ضحّوا فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم الذي زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً وقتله، فكانت السياسة تقتل المعارضين بفتوى الفقهاء ورجال الدين، وكانت السياسة تحتمي بهم.

اقرأ أيضاً: هل أفرغ الفقهاء الشعائر الدينية من بعدها الروحي والاجتماعي؟
وحين سقطت الدولة الأموية على يد العباسيين كانوا يقتلون الأمويين ويُمثلون بجثثهم، وينبشون قبورهم، ومتى استقر الأمر للعباسيين تم اعتماد نمط خلافة جديد، وهو أنّ الخليفة ظلّ الله في الأرض، ودونت كتب الفقه السياسي في الإسلام أنّ "الإمامة هي خلافة رسول الله في سياسة الدنيا وحراسة الدين"، ليصبح لدينا خليفة للمسلمين في يده السلطتان؛ السياسية والروحية، فهو الواسطة بين السماء والأرض، وأضفى الفقهاء على السلطان خصائص السمات الإلهية، ليسود الحكم الثيوقراطي المستبد الذي لا يقبل المعارضة، واعتمد الفقهاء على الموروث الثقافي الفارسي في صياغته، ونَظروا لنمط الحكم الاستبدادي، وصوّروا الخليفة على أنّه من طينة غير طينة البشر، فحين كانت السياسة تختطف الدين لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وبشرائح من علماء الدين، فلم يكن ثمة انفصال بين إرادة السلطة الزمنية ومساندة السلطة الروحية في ترسيخ الاستبداد والعنف في تاريخ الإسلام.
واضطهدت السياسة العلماء والفلاسفة والمتصوفة وبعض المتكلمين وقتلت ابن المقفع والحلاج والسهروردي، وغيرهم وأحرقت كتب ابن رشد لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وفتاواهم ضد هؤلاء الذين رأى الفقهاء أنّهم يهددون سلطتهم في المجتمع.

حين كانت السياسة تختطف الدين لم تفعل ذلك إلا بمباركة الفقهاء وبشرائح من علماء الدين

ومن أبرز الوقائع شديدة الدلالة على اتحاد السلطة الزمنية بالسلطة الروحية في الإسلام ما يرويه عبد العزيز الشناوي في كتابه الذي ذكرناه، إذ يقول: في عام 1788 تمرد بعض المماليك بقيادة إبراهيم باشا ومراد باشا، فدعا عابدي باشا الوالي العثماني شيخ الأزهر الشيخ العروسي أن يصدر فتوى من علماء الأزهر تجيز قتل هؤلاء المماليك، فعُقد مجلس علماء الأزهر برئاسة الشيخ العروسي، وأصدروا الفتوى بأنه يجوز قتلهم ويجب على كل مسلم المساعدة"!
وختاماً نقول لفضيلة الإمام وأنت تقول إنّ السياسة تختطف الدين، فماذا فعل الأزهر في بعض رموزه حين نادوا بفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية؟ ألم تجتمع هيئة كبار العلماء برئاسة شيخ الأزهر لكي تخرج الشيخ علي عبدالرازق من زمرة العلماء، وماذا فعلتم مع خالد محمد خالد حين كتب (من هنا نبدأ) فتصدى بالرد عليه الشيخ محمد الغزالي الذي أفتى بِردّة فرج فودة عن الإسلام مما أحل دمه وقتله على يد أحد المتطرفين.
ومن ثم فحين يقول فضيلة الإمام إنّ السياسة اختطفت الدين نقول له علينا أن نرجع لتاريخ الإسلام حتى نرى كيف ساعد الفقهاء ورجال الدين على هذا الفعل، وكيف كان في توحد السلطة الدينية والزمنية آثار وخيمة من العنف والدماء عبر تاريخ الدولة الإسلامية.

للمشاركة:



الكشف عن موعد توقيع اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أعلنت حركة طالبان؛ أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتمّ توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري.

وقال أحد قادة طالبان البارزين وعضو اللجنة السياسية، الملا عبد السلام حنفي، في الدوحة: "الآن، اختتمت المفاوضات، وبدأ الجانبان المسودة النهائية لاتفاقية السلام"، وفق ما نقلت "الحرة".

وأضاف حنفي: "اتفق الجانبان على توقيع الاتفاقية بحلول نهاية هذا الشهر، بعد تهيئة بيئة مواتية قبل توقيع الاتفاقية".

ولم يعطِ أيّة تفاصيل أخرى حول ما تعنيه بيئة مواتية، كما أنّ المسؤولين الأمريكيين والأفغان لم يفصحوا عن تفاصيل كثيرة عن الاتفاقية.

حركة طالبان تعلن أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتم توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري

بدوره، قال المبعوث الأمريكي، زلماي خليل زاد، كبير المفاوضين مع طالبان: "أنا متفائل بحذر"، وأضاف: "لكنّني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة".

وأشار زاد إلى أنّه حصل على ضمانات أمنية من كلّ من الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بعد أشهر من المفاوضات.

وبمناسبة 40 عاماً من الصراع في أفغانستان، قال متحدثاً من إسلام أباد، أمس، في مؤتمر للأمم المتحدة حول اللاجئين: "أعتقد أن هذا الوقت ربما أفضل من أي وقت خلال العقدين الأخيرين، هناك فرصة للسلام".

وقال بعض المسؤولين الأفغان؛ إنّ "الحدّ من العنف سيكون في جميع أنحاء البلاد"، وإنّ جميع أطراف النزاع ستوقف عملياتها الهجومية، ورغم أنّهم لم يحددوا موعد وقف العنف، إلا أنّه من المتوقع أن يكون هذا الأسبوع، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

وبحسب وسائل إعلام أمريكية؛ فإنّه إذا استمر التراجع في العنف، فسيتبع ذلك توقيع اتفاقية أوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، والتي بموجبها تنسحب الآلاف من القوات الأمريكية، وتبدأ طالبان في مفاوضات مباشرة مع القادة الأفغان.

زاد: "أنا متفائل، لكنني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة

من جانبه، أشار حنفي إلى أنّ المفاوضات مع الحكومة الأفغانية لن تتم إلا بعد تبادل جماعي للأسرى، وأضاف: "سيتم تبادل 5000 أسير من طالبان مقابل 1000 من قوات الأمن الأفغانية".

لكنّ المسؤولين الأفغان قالوا في وقت سابق إنّ التبادل ستتمّ مناقشته خلال المحادثات الأفغانية وليس قبل ذلك.

وتتطابق اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان مع تلك التي تمّ التفاوض عليها في أيلول (سبتمبر) الماضي، وألغاها ترامب، قبل توقيعها، بعد هجوم لطالبان أسفر عن مقتل جندي أمريكي.

وتنصّ الاتفاقية على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مقابل تعهّد طالبان بعدم إيواء الجماعات الإرهابية بنية مهاجمة الغرب.

 

للمشاركة:

900 ألف لاجئ جديد في حاجة إلى المساعدة في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حذّرت الأمم المتحدة من أنّ جهود الإغاثة في شمال شرق سوريا "مستنزفة"؛ بسبب ارتفاع عدد النازحين مع استمرار هجوم القوات الحكومية في محافظة إدلب.

وأجبر 900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، على الفرار من منازلهم بسبب القتال الدائر، بحسب ما نقلت شبكة "بي بي سي".

وجاء التحذير الأممي في الوقت الذي تعهد فيه رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بمواصلة عمليات الجيش في شمالي البلاد.

وقال الأسد: "معركة تحرير ريف حلب وإدلب مستمرة"، بعد أن تقدمت قواته في مناطق جديدة في نهاية الأسبوع.

900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، فروا من منازلهم في إدلب بسبب القتال الدائر

وأكّد، أمس؛ أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها غداة استعادتها كامل محيط مدينة حلب في شمال البلاد وإبعاد الفصائل المعارضة عنها.

ويأتي إعلان الأسد بعيد أيام من تهديد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باستهداف القوات السورية إذا تعرض جندي تركي واحد للأذى في شمال سوريا حيث تنتشر القوات التركية وتقيم نقاط مراقبة وفق اتفاق سابق مع روسيا.

لكن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، حذّر في بيان، من أنّ "أكبر قصة رعب إنساني في القرن الحادي والعشرين" لا يمكن تجنبها إلا بوقف إطلاق النار.

وقال إن الرضع والأطفال يموتون بسبب البرد، إذ يضطر الناس للنوم في العراء في البرد الشديد مع اكتظاظ المخيمات بالنازحين.

ونبه لوكوك إلى أن العنف في المنطقة كان عشوائياً، مؤكداً أنّ "البنية التحتية الأساسية تعرضت لهجمات خلال المعارك".

وقال: "استُهدفت المرافق الصحية والمدارس والمناطق السكنية والمساجد والأسواق".

الأسد يؤكد أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها

كما تحدث عن تقارير تفيد بوقوع هجمات على مناطق يقيم بها النازحون، وهو ما أدّى إلى سقوط قتلى ومصابين.

وأضاف: "عملية الإغاثة الرئيسة التي تتمّ إدارتها عبر الحدود في تركيا تتخطى القدرة الاستيعابية لجهود الإغاثة".

وتعدّ محافظة إدلب آخر معقل رئيس تسيطر عليه المعارضة في سوريا، إلا أنّ تقدم قوات الحكومة، المدعومة من روسيا وميليشيات موالية لإيران، رفع من مستوى الضغوط على النازحين.

وأغلقت تركيا، التي تدعم العديد من الجماعات المعارضة في المحافظة، حدودها مع سوريا لمنع دخول مزيد من اللاجئين.

 

للمشاركة:

ميليشيا الحوثي الإرهابية تحرم أبناء صنعاء من مساجدهم.. بهذه الممارسات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

استهدفت ميليشيا الحوثية الإرهابية المساجد في العاصمة صنعاء، لكن هذه المرة ليس بالقذائف والصواريخ، كما فعلت سابقاً، بل فكرياً وعقائدياً؛ حيث حوّلت بعض منها لـ "حُسينيات".

وأكّد سكان محليين نقلت عنهم وكالات أنباء محلية؛ أنّه شوهد العشرات من العناصر الحوثية مؤخراً، وهم يرتدون عمائم وملابس سوداء في عدد من أحياء صنعاء، خصوصاً منذ مقتل قاسم سليماني، قائد مليشيا فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني المصنف إرهابياً، بضربة أمريكية في العراق، مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي.

وأشارت وسائل إعلام محلية إلى أنّ أبرز المساجد التي حولها الحوثيون إلى "حُسينيات"، هي "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"، وجميعها في منطقة "الجراف" التي تعدّ من أبرز معاقل الأسر الحوثية، شمال صنعاء.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تحوّل مساجد صنعاء لـ "حُسينيات" وثكنات وتقدّم فيها الدروس الطائفية

وتسبّبت الخطوة الحوثية في عزوف عدد من السكان عن مساجد صنعاء التي حولتها المليشيا الحوثية إلى "حوزات" طائفية هدفها طمس هوية المجتمع اليمني، ونسف التعايش في أوساط المجتمع.

وقال مصدر لـ "العين" الإخبارية: إن الميليشيا الحوثية بدأت خلال الأسابيع الماضية بإصدار تعميمات إلى وسائل الإعلام التابعة لها، أو التي ما تزال تعمل في صنعاء، ولا تتبعهم، بضرورة دعوة المجتمع إلى المشاركة في حضور الدروس الطائفية التي تشهدها مساجد صنعاء.

وأشار المصدر إلى أنّ قيادات حوثية تلقت دروساً في "قُم" بإيران، هي من تقوم حالياً بإدارة "الحُسينيات"، داخل صنعاء، فيما بدأت الميليشيا الحوثية بالمجاهرة برفع صور المرشد الإيراني، علي خامئني، وكذلك "حسن نصر الله" زعيم حزب الله اللبناني، وذلك إلى جانب صورة الإرهابي "عبد الملك الحوثي"، وشقيقه الذي قتل عام 2004، حسين الحوثي.

وأكد سكان أنّ مأمورَي المديريات الذين عينتهم الميليشيا الحوثية في صنعاء، يقومون بتنفيذ نزول ميداني في الأحياء السكنية لدعوة الناس إلى ضرورة حضور ما يطلقون عليها "الدورات الثقافية" في المساجد.

وتقوم الميليشيا بجلب الأطفال والشريحة الفقيرة بالمجتمع "إجبارياً" إلى حوزاتها الجديدة، وتلقينهم محاضرات تدعو الناس للانخراط بالقتال في صفوفهم ضد القوات الحكومية.

أبرز المساجد التي حوّلها الحوثيون إلى "حُسينيات": "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"

وأكدت مصادر أنّ الخطوات الحوثية لم تتوقف عند المساجد؛ حيث قامت خلال الأيام الماضية بتدشين فعاليات طائفية متضامنة مع إيران وحزب الله في ساحة كلية التربية بجامعة صنعاء.

ونصبت الميليشيا الحوثية لافتات عملاقة للمرشد الإيراني وحسن نصر الله وعبد الملك الحوثي داخل الحرم الجامعي، كما أجبرت الطلاب على ترديد الصرخة الإيرانية، في تمزيق غير مسبوق للنسيج الاجتماعي اليمني.

يذكر أنّ ميليشيا الحوثي تسعى بكل الوسائل إلى طمس الهوية، وذلك بفرض ومحاولة ترسيخ مناسبات وأنشطة طائفية إيرانية دخيلة على المجتمع اليمني في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية