"جهاد النساء" .. لماذا اخترن داعش؟

"جهاد النساء" .. لماذا اخترن داعش؟
8872
عدد القراءات

2019-04-29

لن ينتهي الاهتمام بدراسة وتحليل ظاهرة التحاق النساء في العالم الغربي بتنظيم داعش الإرهابي، والأسباب التي دفعتهنّ إلى ذلك؛ لأنّه ما يزال موضوعاً يستحق الدراسة والتحليل العلمي.

تسعى الدراسة إلى تقديم رؤية كليّة وتحليلاً لتشكل ظاهرة جهادية النساء والدوافع المفسرة لها

لا يمكن الحديث عن المرأة في السياسة المعاصرة دون العودة إلى الأصل، والعودُ الأبدي إلى البدايات، كما يقول عالم الأديان "مارسيا إلياد"؛ بدايات نشوء الكون والزمن الذي سيطرت فيه المرأة الآلهة والمدبرة للحياة على طول وعرض الحضارات القديمة (الرافدينية، المصرية، والهندية، والإغريقية) حتى العصر الثامن قبل الميلاد؛ حيث حصل التحوّل الذكوري وفقدت المرأة مكانتها في الحياة وتنظيم السياسة، وعبر سلسلة طويلة من الممارسات، تم الحط من شأنها وبالتدريج تم تحويلها إلى مجرد رمز للرذيلة والإغواء والضعف، وبالتالي تحويلها إلى تابع للرجل وفي حاجة إلى حمايته الدائمة لأهدافه الخاصة، وبشروطه المسبقة، ومن هناك أجبرت المرأة على لزوم البيت للرجل، بهدفٍ رئيس هو تربية الأطفال.

اقرأ أيضاً: النساء الجهاديات: المرأة صانعة للإرهاب أم ضحية له؟

ومن ضمن الدراسات العلميّة الحديثة الرصينة، التي اعتمدت "تكامل مناهج البحث" بين علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع الأنثروبولوجي، نقف على كتاب "جهاد النساء: لماذا اخترنَ داعش؟"؛ الذي صدر عن دار الساقي باللغة العربية، مترجماً عن الفرنسية، عام 2019، للمفكر والمحلل النفسي التونسي، فتحي بن سلامة، أستاذ علم النفس المرضي في جامعة باريس-ديدرو، بالاشتراك مع المُنظر الإيراني، فرهاد خسروخاور، مدير الدراسات في معهد الدراسات الاجتماعية في باريس، الذي  تركز أعماله حول الإسلام في أوروبا وفي الشرق الأوسط، وبوجه خاص في إيران.

غلاف الكتاب

قد يبدو العنوان مضللاً بعض الشيء، خاصة إذا علمنا أنّ الدراسة تركز أساساً على الفتيات الفرنسيات، أو لنقل التجربة الفرنسية تحديداً، لا ظاهرة جهاد النساء في داعش، أو حتى الأوروبيات في داعش بشكلٍ عام؛ لذلك فهو أقرب ما يكون إلى دراسة الحالة، وهي ظاهرة الفتيات الجهاديات الفرنسيات، ومن هنا تمكن الاستفادة منها لتحليل الظاهرة بشكلها العالمي وليس الفرنسي أو الأوروبي فقط.

عموماً؛ تسعى الدراسة إلى تقديم رؤية كليّة وتحليلاً لتشكل ظاهرة جهادية النساء والدوافع المفسرة لها وبواعث جاذبيتها ذات الطبيعة النفسية والاجتماعية؛ حيث ترتكز على ما يقارب (60) حالة من مصادر مختلفة تشمل: حالات من التحليل النفسي، وحالات من حقل العلوم الاجتماعية، وإفادات حية من الفتيات مباشرة، وتحقيقات معمقة أشرف عليها مختصون في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وأخرى أجراها صحفيون؛ كتلك التي قام بها  الصحفي "ديفيد تومسون"، ونشرت في كتابه "العائدون"، عام 2016، باللغة الفرنسية، والذي يعدّ من المراجع الرئيسة  التي اعتمدها الكتاب.

اقرأ أيضاً: الجهاديات في تونس
نذهب مباشرة إلى حيث انتهى الكتاب، عبر سؤاله المركزي: ما السبيل إلى فهم اختيار حوالي (500) فتاة أوروبية اللحاق بتنظيم إرهابي مثل داعش؟ وما هي دوافع وتطلعات هؤلاء الشابات والفتيات الصغار أحياناً؟

ما هي دوافع وتطلعات هؤلاء الشابات والفتيات الصغار أحياناً؟

حجم الظاهرة في لغة الأرقام

دون الإغراق في لغة الأرقام والبيانات والإحصائيات المتباينة لأعداد مقاتلي داعش، وعدد المقاتلين الأوروبيين، رجالاً ونساء، خاصة في فترة تضخم تنظيم داعش، بين عامَي 2014-2015، يشير الكتاب إلى أنّ عدد المقاتلين من أصل أوروبي بلغ، عام 2015، ما يقارب (5000) مقاتل، منهم (500) من النساء، من أصل العدد الإجمالي لمقاتلي تنظيم داعش البالغ (30000) مقاتل.

في كانون الأول 2015 بلغ عدد الجهاديات الفرنسيات 220 فتاة من أصل 600 فرنسي يشاركون في تنظيم داعش

وفي كانون الأول (ديسمبر) 2015؛ بلغ عدد الجهاديات الفرنسيات (220) فتاة، من أصل (600) فرنسي، يشاركون في تنظيم داعش؛ أي إنّه من كلّ ثلاثة جهاديين فرنسين توجد فتاة، وهؤلاء ثلثهنّ اعتنقن الإسلام، في مقابل رجل واحد من كلّ خمسة في الفترة نفسها.
وفي ملاحظة مهمة جداً؛ تنسف الادعاء الانطباعي المنتشر في وسائل الإعلام العربية، الذي يزعم أنّ المتطرفين في أوروبا، وفرنسا خاصة، يأتون من الطبقات الفقيرة والمُعدمة في الضواحي، جاء الكتاب ليؤكد أنّ غالبية النساء الفرنسيات ينحدرن من الطبقات الوسطى الصغيرة، والطبقات الوسطى، ولا ينتمين إلى سكان الضواحي، وهذا يشمل اللواتي اعتنقن الإسلام على وجه الخصوص، خلافاً لحال قسم كبير من الشباب المنخرطين في داعش، الذين ينتمي "ما يقارب ثلثهم أو ثلاثة أرباعهم إلى الضواحي"، وتنحدر أولئك النساء من خلفيات متنوعة؛ من أسر مسيحية، ويهودية (حالات نادرة)، وبوذية، أو لا إدرية، أو ملحدة، ويفوق عدد الفتيات القاصرات عدد الفتيان القاصرين.

اقرأ أيضاً: التقليد الديني.. الجهاديات والتطرف

وفي مجال محاكمة هؤلاء أمام المحاكم الفرنسية؛ تشير الإحصائيات إلى أنّه تمّت محاكمة 22 فتاة فقط، مقابل 230 رجلاً، واليوم هناك نحو 200 جهادي فرنسي عادوا من سوريا، وتمكّنت الأجهزة الاستخبارية الفرنسية من تحديد هوياتهم، وفي فرنسا، كما في أوروبا، لم تعد المشكلة في التحاق الجهاديين بتنظيم داعش؛ بل أصبحت تتمثل بعودة هؤلاء المقاتلين إلى بلادهم.

يؤكّد الكتاب أنّ رغبة الفتيات في الالتحاق بداعش يشكل مفارقة ولغزاً يستدعي التأمل

لماذا تذهب النساء إلى داعش؟

يحاجج الكتاب؛ بأنّ طموح الانضمام إلى داعش جاء، إما تلبية لرؤية رومانسية عن الحبّ والجنوح إلى الغرائبية والابتعاد، والتطلع إلى ما يجعل منهن نساءً، وهو ما تبلور في الزواج والإنجاب المبكر، وإما رغبة في الالتزام الإنساني أمام "الفظائع التي ارتكبها الأسد ضدّ شعبه، والتي تلقفتها حملة دعائية نادت بأنّ الأخوة في الدين (السّنّة)، هم في أمسّ الحاجة إلى النجدة من سلطة الأسد (العلوية) الهرطقية والشريرة، فبوصفه علوياً ينتمي إلى طائفة كافرة، فقد دانته داعش".

في أوروبا لم تعد المشكلة في التحاق الجهاديين بتنظيم داعش بل أصبحت تتمثل بعودة هؤلاء المقاتلين إلى بلادهم

لكنّ النقطة المحورية لهذه الفئة من الفتيات، كانت صورة "الرجل المثالي"، التي أُضفي عليها طابعاً مثالياً ورجولياً؛ وهو من يقف في وجهه الموت بقسمات رجولية وجدّية وصدوقة.

وقد كان من شأن هذه الصفات الثلاثة (الرجولة والجدية والصدق)، التي وردت في العديد من الإفادات التي أخذت لعدد من الفتيات، أن تعطي معنى لـ(الزوج المثالي) "القادر على إصلاح صورة الذكورة، مقارنة بالشبان ممن كانت الفتيات يلتقين بهم في حياتهم اليومية، ويرون فيهم رجالاً غير ناضجين وعاجزين عن الالتزام".

ردّ الفعل على الحداثة

عبر مقاربتين اجتماعية ونفسية تحليلية؛ يقدم الكتاب، بأسلوب سهل وممتع، ولغة مُكثّفة، معززة بالشهادات والاعترافات، تحليلات مستندة إلى معايير موضوعية؛ كالسنّ والطبقة الاجتماعية ومكان الإقامة والانتماء إلى ثقافة إسلامية، ويُسلّط الضوء على البواعث الذاتية وراء التحاق الفتيات بتنظيم داعش الإرهابي، الذي "ينكر عليهن مكتسبات تحرر المرأة، لكنّه في المقابل يمنحهن خلاصاً على هيئة شعورٍ بالوجود؛ كزوجة لمقاتل منذورٍ للموت، أو أمٍّ لأشبال منذورين للمعركة، وهذه العودة إلى الوراء إحدى أهم العلامات الفارقة لحداثتنا جهة أنّنا أمام إبراز لسردية مناهضة للسردية الكبرى للحداثة".

يؤكّد الكتاب أنّ توجّه أو رغبة الفتيات في الالتحاق بتنظيم داعش يشكل مفارقة ولغزاً يستدعي التأمل

يؤكّد الكتاب أنّ توجّه، أو رغبة، الفتيات في الالتحاق بتنظيم داعش، يشكل مفارقة ولغزاً يستدعي التأمل، جهة أنّ هذه الظاهرة غير مألوفة، بالتالي؛ لا وجود لتوصيف وحيد لها؛ فحالات الفتيات اللواتي التحقن بتنظيم داعش تتراوح ما بين السوي والمرضي، من دون أن يعني ذلك أنّ الحالات المرضية صريحة في معظمها؛ إذ إنّ كثيراً منهنّ عانى صدمات متنوعة من بينها أفعال جنسية عنيفة، ومنهنّ من شكلت أسرهنّ، وحوادث أخرى، عائقاً أمام مسعاهنّ الوجودي في الحياة، وعدد كبير منهنّ ينتمين إلى الطبقة الوسطى الصغيرة، والبعض الآخر إلى الطبقة الوسطى العليا، وعدد قليل فقط يعيش في الضواحي.

اقرأ أيضاً: النسائية الجهادية.. هل هي حقاً ظاهرة عابرة؟

هذا يعني أنّ هناك تفسيرات مختلفة ومتشابكة للظاهرة، منها أنّ معظم الفتيات اللواتي تحركن من أجل تنظيم داعش، كنّ يبحثن عن شيء آخر، وأصبحن جهاديات عرضاً، دون أن يعني ذلك أنّ الأمر حدث مصادفة، وهنا كان عرض داعش الجهادي يقترح المنفذ وطوق النجاة، في ظلّ حالة الفوضى الاجتماعية التي كانت مسيطرة في حياة بعض هؤلاء الفتيات في حقبة الحداثة الراهنة؛ لذلك فنحن "أمام إبراز لسردية مناهضة للسردية الكبرى للحداثة، قوامها أنماط تقديس بدائية دينية مقفرة، ويوتوبيا فاسدة، نموذجها المثالي قمعياً، تتسم بمجتمع من العائدين من أصول أسطورية، وباختصار هو منبع للذة قوامها الحرب والألم وإنزال الألم بالآخرين، ثم الموت، ليس بغية الزوال، إنما للانتقال إلى حياة من المفترض أنها كاملة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة

2020-02-25

تُمثّل كتابة دراسة استقصائية ممتازة، تستند إلى الأدبيات المتعلقة بالإرهاب، تحدياً حقيقياً في حقبة العولمة المعاصرة وعولمة الإرهاب، في ظلّ الانتشار الهائل للكتب والمقالات المتعلقة بهذا الموضوع والتطور المستمر والمتسارع لتهديد الإرهاب العالمي.

يتحدث الكتاب عن مختلف أنواع الإرهاب بما في ذلك الإرهاب العرقي والقومي والثوري والديني وإرهاب الدولة

وقد واجه البرفيسور الأمريكي  في علم الجريمة، وخبير الإرهاب في جامعة الينوي -شيكاغو؛ ماثيو روس ليبمان (Matthew Ross  Lippman)، هذا التحدي، حيث قام بمهمة صعبة ومفيدة للغاية، في الطبعة الأولى من كتابه؛ "الإرهاب ومكافحة الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة" Terrorism and Counterterrorism: Theory, History, and Contemporary Challenges، الصادر باللغة الإنجليزية عام 2019.
ويقول ليبمان في مقدمة كتابه، إنّ الأعوام التي تلت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، شهدت زيادة سريعة في المناهج والبرامج ومراكز البحوث والمجلات والكتب المتعلقة بالإرهاب، مُشيراً إلى أنّ كتابه "محاولة لتوحيد بعض هذه الرؤى والتطورات الفكرية، في مقدمة سهلة المنال وموجزة نسبياً، ومتعددة التخصصات لموضوع الإرهاب".

غلاف الكتاب
ويتكوّن الكتاب من 12 فصلاً، موزعة على 374 صفحة، وعدداً من الصور الفوتوغرافية التي تناولت مواضيع متعددة؛ حيث يبدأ بتعريف الإرهاب، ثمّ يتحدّث عن نظريات الإرهاب وإستراتيجيات وتكتيكات الجماعات الإرهابية وجذور الإرهاب المعاصر والإرهاب الثوري والقومي واليمين المتطرف والذئاب المنفردة وإرهاب الدولة والإرهاب الديني والأسس القانونية والتاريخية للأمن الوطني والإرهاب والإعلام المعاصر وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي ومكافحة الإرهاب، كما خصّص ليبمان الفصل الأخير للحديث عن الرئيس الأمريكي الحالي؛ دونالد ترامب والإرهاب المعاصر.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا
ويبدأ الكتاب بدراسة مختلف المناهج في تعريف الإرهاب، مُتحدثاً عن مشكلة التعريفات، كما يناقش تمويل العمليات الإرهابية والأسلحة، فضلاً عن التكتيكات والإستراتيجيات المشتركة، بما في ذلك الإرهاب السيبراني، ويتحدث عن الأسس التاريخية للإرهاب الحديث ومختلف أنواع الإرهاب، بما في ذلك الإرهاب العرقي والقومي والثوري والديني وإرهاب الدولة، والإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية، المحلي والدولي على حدّ سواء، كما يُشير إلى العلاقة بين وسائل الإعلام والإرهاب، والمؤسسات المعنية بالأمن الداخلي.

يناقش الكتاب عدداً من المواضيع الحساسة للأمن الأمريكي مثل دور اللجان العسكرية والحق في الخصوصية مقابل متطلبات المراقبة

لقد اتبع المؤلف نظاماً تنظيمياً قياسياً لفصول الكتاب بشكل متسلسل بما يسهل من عملية الدراسة؛ حيث يبدأ بمناقشة نظرية عامة، ثم فصول تاريخية، والجزء الأخير من الكتاب يهتم في المقام الأول بالإعلام والسياسة العامة.
وبشكل محدد ومختصر يستعرض الفصل الأول مفهوم الإرهاب حسب مختلف المناهج، ونقاط القوة والضعف في هذه التعريفات للمصطلح، ويستعرض بشكل سهل ومختصر، كافة التعريفات الرسمية الأمريكية المختلفة، منوهاً إلى صعوبة الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب، وهي مشكلة يعترف بها كافة باحثي ظاهرة الإرهاب.

ويقدم الفصل الثاني لمحة عامة عن التعريفات؛ النفسية والتاريخية والكلية للإرهاب، ويناقش ظاهرة إرهاب  "الذئاب المنفردة" ومشاركة المرأة في الإرهاب. وهي من الموضوعات المهمة والمعاصرة في أدبيات الإرهاب وتسجل إضافة مهمة للمؤلف في أنّه شمل هذه الموضوعات الحساسة اليوم في كتاب مدرسيّ واحد حول ظاهرة الإرهاب.
ويستعرض الفصل الثالث التكتيكات والاستراتيجيات الإرهابية؛ حيث يقدم المؤلف لمحة عامة عن عمليات تمويل الإرهاب، والأسلحة التي يستخدمها الإرهابيون، وتكتيكاتهم واستراتيجياتهم، بما في ذلك الإرهاب السيبراني، الذي يحظى اليوم بأهمية كبيرة لدى خبراء وباحثي ظاهرة الإرهاب وارتباطها بالتكنولوجيا.

يمكن استخدام كتاب ليبمان كنص أساسي أو تكميلي في عمليات دراسة الإرهاب لكافة مستويات القراء والمهتمين

وخصص المؤلف الفصل الرابع لاستعراض تاريخ الإرهاب؛ حيث يحدد أسس الإرهاب الحديث، بما في ذلك الإرهاب الديني، والثورات الفرنسية التي تعد حسب اتفاق الكثير من مؤرخي وباحثي الإرهاب البيئة التي خلفت الإرهاب العالمي المعاصر، والروسية، والأناركية، ومقدمة للإرهاب الإيرلندي، من خلال الحديث عن عمليات الجيش الجمهوري الإيرلندي.
وفي الفصل الخامس يعدد المؤلف أنواع الإرهاب؛ إذ يناقش الإرهاب العرقي؛ القومي والثوري، وفي الفصل السادس يغطي الإرهاب الديني، أما الفصل السابع فيحدد أنواع إرهاب الدولة.
وخصص المؤلف الفصل الثامن لمناقشة الإرهاب في الولايات المتحدة، وتحديداً إرهاب اليمين المتطرف واليساري في الولايات المتحدة والإرهاب الدولي في أمريكا، و يرى أنّ الإرهاب اليميني (اليمين المتطرف ) هو إرهاب الجماعات التي تدعم شكلاً استبدادياً من أشكال الحكم مع الالتزام بالنقاء العرقي أو القومي ومعارضة التنوع العرقي والهجرة. وهي تعبر عموماً عن قومية متطرفة وتعارض الالتزامات الدولية التي تحد من استقلال الأمة. ومن الأمثلة على ذلك مختلف جماعات النازيين الجدد في أوروبا وجماعة الإخوان الآريين في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: تركيا تجدد حيوية داعش وترعى انتقال الإرهابيين من سوريا والصومال إلى ليبيا
ويناقش الفصل التاسع قضية الإعلام والإرهاب؛ حيث ركز المؤلف على بحث العلاقة بين وسائل الإعلام والإرهاب والقضايا التي تنشأ في التغطية الإعلامية للإرهاب. في حين يستعرض الفصل العاشر قضية الأمن الداخلي من خلال مقدمة موجزة عن المؤسسات المعنية بالأمن الداخلي في الولايات المتحدة.

ونظراً لأهمية مسألة مكافحة الإرهاب في العالم خاصة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقد خصص المؤلف الفصل الحادي عشر لمكافحة الإرهاب من خلال مقدمة لقضايا السياسة العامة المعاصرة في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك الجدل حول معتقل غوانتنامو، واللجان العسكرية، والمحاكمات المحلية للإرهابيين، وتعزيز الاستجواب، والتنميط العنصري، والمراقبة.
ويصل المؤلف إلى الفصل الأخير، الذي يعتبر رسماً أولياً للتطورات التي حدثت في مجال متابعة الظاهرة منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: 2020... موجة إرهابية جديدة تجتاح العالم
إنّ  أحد أهم ميزات كتاب ليبمان هي تنظيمه المحكم وترتيبه للموضوعات وشموليتها لكافة القضايا والمباحث التي تهم المختصين والمهتمين بفهم ظاهرة الإرهاب. ولئن كان يركز على الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فذلك لأنها أكثر الدول المعاصرة اهتماماً بقضية الإرهاب ومكافحة الإرهاب بعد رعب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. 
كما يُقدّم الكتاب، تقييماً قوياً لدور وسائل الإعلام وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تنطوي على "الصراع المادي في ساحة المعركة والصراع الأيديولوجي على الفضاء الإلكتروني"؛ إذ يتناول التطورات التي غالباً ما تكون مفقودة من النصوص المبكرة حول الإرهاب.

اقرأ أيضاً: ما أسباب ارتفاع عدد الملفات القضائية المتعلقة بالإرهاب في إسبانيا؟
ولا يتناول الفصلان العاشر والحادي عشر؛ "الأساس القانوني والتاريخي للأمن الداخلي" و"مكافحة الإرهاب"، والمنظمات المسؤولة عن حماية البلاد من التهديدات المحلية والأجنبية والعابرة للحدود الوطنية فحسب، بل يثيران أيضاً، أسئلة أساسية مرتبطة بحاجة النظام الديمقراطي إلى التوفيق بين الأمن القومي والحقوق الفردية والإجراءات القانونية الواجبة.
ويناقش الكتاب عدداً من المواضيع الحساسة للأمن الأمريكي؛ مثل دور اللجان العسكرية، وقضايا كالحق في الخصوصية مقابل متطلبات المراقبة، مناقشة مقنعة، بالإضافة إلى مسائل ساخنة كالتدابير المرتبطة بالهجرة.
وفي الفصل الختامي؛ "دونالد ترامب والإرهاب المعاصر"، يشير المؤلف إلى أنّ الفصل يُقدّم لمحة موجزة بدلاً من مناقشة متعمقة، ويمكن أن يكون أساساً لدمج المواد من الفصول السابقة لتمكين الدارسين من إجراء تقييم نقدي وموضوعي للسياسات والإجراءات المتعلقة بمكافحة الإرهاب. 

ويزوّد الكتاب القراء، على مختلف مستوياتهم، خاصة الطلاب، بتغطية مكتوبة ومنظمة جيداً للمواضيع الرئيسية، التي تُشكّل مجموعة من الدراسات المتعلقة بالإرهاب؛ حيث يُقدّم المؤلف عرضاً ثاقباً ومناقشة موجزة لمواضيع تتراوح بين المهمة والمعقدة، تتمثّل في تحديد طبيعة التهديدات وأعمال الإرهاب ومختلف أنواع الإرهاب، لا سيما عندما يتحدث عن موضوعات إرهاب "اليمين المتطرف" في أمريكا وأوروبا الذي يعتبر اليوم من أخطر أنواع الإرهاب، كذلك عندما تحدث عن إشكاليه المقاومة والارهاب، والحرية والأمن، ومشاركة النساء في الإرهاب، وخطورة إرهاب "الذئاب المنفردة".
ويتميّز الكتاب بطابعه المدرسّي المنظم والشامل والسهل، من حيث وجود الصور والموجزات والأسئلة لكل فصل، كما يُركّز على النظرية والتاريخ بشأن ظاهرة الإرهاب، إلى جانب تغطية التطورات المعاصرة الملموسة وقضايا السياسة العامة، ولذلك يمكن استخدام الكتاب كنص أساسي أو تكميلي في عمليات دراسة الإرهاب لكافة مستويات القراء والمهتمين.
ورغم أنّ الكتاب هو في الأساس كتاب مدرسّي، إلّا أنّه يمكن أن يوفر أساساً متيناً لأولئك الذين سيدخلون مهنة الأمن، والممارسين، الذين يريدون لمحة عامة وببلوغرافيا واسعة ومفيدة حول الموضوع الذي قد يحتاجون إلى دراسته ومعرفته في ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصرة.
.

للمشاركة:

هل يساعد الدين المجتمعات في أداء رسالتها؟

2020-02-20

قدّم ماكس فيبر بين عامي 1903 و1920، مجموعة من الدراسات في سوسيولوجيا الدين؛ مثل "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، "المذاهب الدينية في أمريكا الشمالية"، "الأخلاق الاقتصادية للأديان الكبرى"، وجُمعت هذه الدراسات في مجلد واحد بعنوان؛ "الأعمال الكاملة لسوسيولوجيا الدين"، الذي تضمن  دراسات عن الكونفوشيوسية والتاوية واليهودية، وقد نشرت المنظمة العربية للترجمة، مجموعة من هذه الدراسات في كتاب بعنوان: "مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"، (2015) ترجمة منير الفندري.

لا ينظر فيبر إلى الدين باعتباره نظاماً من المعتقدات بل يراه نسقاً لتنظيم الحياة حيث اهتمّ بالسلوكيات العملية للأفراد

وينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي، ولا يعتبره نظاماً من المعتقدات، بل نسق لتنظيم الحياة، ولذلك فقد اهتمّ فيبر بالسلوكيات العملية للأفراد، والمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وبالنسبة إليه، فإنّ المسألة المطروحة هي لا عقلانية العالم، وبشكل خاص عدم التوافق بين ما هو مقدّر، وبين ما تصير إليه الأمور، بين واقع المعاناة الذي تعيشه، وحقيقة الموت الذي كان القوة الدافعة لتطوّر الأديان جميعها، وإذا أنشأت الأديان نظماً وترتيبات لاهوتية متعلقة بالعالم الآخر، فإنّ بعض الاتجاهات السلوكية للناس في الحياة القائمة  تحركها عوامل وبواعث دينية.

"مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"
ويرى فيبر أنّ السياسة بعكس الاقتصاد، يمكن أن تدخل في تنافس مباشر مع ما هو ديني؛ فالدين والسياسة، كما يقول فيبر، متمايزان بوضوح، لا يوحد بين المنطق الداخلي لكل منهما، ويلاحظ تجارب متنوعة في العلاقة بين السياسي والديني، امتدت عبر تاريخ من المعارضة الراديكالية للسياسة، إلى الاستيعاب الديني، لكن ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، أنّ الدين ينشئ نتائج ثورية حتى عندما لا يبالي بالسياسة، كما ينشئ علاقات حميمة بالمجال الجمالي؛ كالموسيقى والرقص والعمارة والتصميم والزخرفة، وبهذا المعنى فقد شجع الدين الفن بقوة.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي
ويهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان، ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين، ويعتبر كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الأكثر شهرة بين أعماله الفكرية، كما يلقى نظرة شمولية على علاقات ديانات أهم الحضارات بالاقتصاد والتركيبة الاجتماعية في محيطها، في كتابه "أخلاقيات الاقتصاد لديانات العالم الكبرى".

يهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين

ويلاحظ فيبر، في مقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، أنّ الإنسان الكاثوليكي أكثر سكوناً وأقل مغامرة من الإنسان البروتستانتي، حيث إنّ البروتستانتية، كما يقول فيبر، تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار، واستغلال الوقت أفضل استغلال في تحقيق المنفعة للذات والآخرين، حيث تأخذ الحرفة أو المهنة في الفهم البروتستانتي للإنجيل، بعداً دينياً غير موجود في المجتمعات الكاثوليكية، كما أنّ البروتستانتية تمنح العمل قداسة دينية، وقد كانت الحوافز والدوافع الدينية للعمل والإنتاج واحدة من أهم ملامح حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر بين عامي  1483 و 1546، وفي حين كان الصرافون والمرابون والاحتكاريون، حلفاء مقربين للملوك في بريطانيا وفرنسا، كانوا يتعرضون للنقد الحاد من قبل الإصلاحيين الكالفينيين. وفي حين استخدمت دعوات الزهد والتقشف لتكريس الخضوع للسلطة والرضا بالفروق الاقتصادية والاجتماعية لدى الكاثوليك؛ استخدمت لأجل العمل والإنتاج والتقدم الاقتصادي، وتكريس الموارد للأعمال المنتجة بدلاً من هدرها في مجالات لا تفيد الفرد والمجتمع في البروتستانتية.

ينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي
يختار فرويد نماذج أدبية تعتمد على المصادر الدينية، فيلاحظ أن القصة التقليدية لآدم وحواء وخروجهما من الجنة، تعرض في عالم الكاثوليكية كمسألة تراجيدية أقرب إلى اللعنة، لكنها في الأدب الإصلاحي تبدو أمراً إيجابياً، وفي ذلك يقارن بين دانتي في الكوميديا الإلهية؛ إذ يصمت اليغيري دانتي حيال الأسرار الإلهية لخاتمة القصة، لكن جون ميلتون في "الفردوس المفقود"، العمل الذي يسمى الكوميديا الإلهية للبيوريتانيين؛ يصف الخروج من الجنة على النحو التالي:

البروتستانتية بحسب فيبر تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار واستغلال الوقت في تحقيق المنفعة للذات والآخرين

التفتا إلى الخلف ولمحا الركن الشرقي من الجنة
الذي كان مقرهما الناعم الهانئ
يغمره لظى من النيران المستعرة
وعلى بابه حشود من المردة
في قبضاتهم أسلحة من اللهب
أحسّا بالدموع تتقاطر الهوينى
ولكن سرعان ما جففا الخدود
لقد ظهرت أمامهما الدنيا الفسيحة
التي لهما أن يختارا فيها موطناً مريحاً
تقودهما في ذلك عناية الرب
سارا بخطى وئيدة مترددة
مبتعدين، اليد في اليد عن جنة عدن
وفي موضع آخر من الملحمة يقول ميخائيل (ميكال) لآدم:
لا تنس أن تقرن المعرفة بالفعل
وأضف إلى ذلك الفضيلة والعقيدة والصبر
ثم الاعتدال وتلك المحبة
التي ستصبح يوماً تمجد بنعتها المسيحية
وتغدو المهجة لكل الفضائل
حينئذ لن تأسف على فراقك هذا الفردوس
ما دمت تحمل في نفسك ما هو أجمل بكثير

ومن الواضح أنه شعر يمتلئ بمحبة الحياة، وتثمينها كهدية، ويؤكد فيبر أنّ هذه الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت، ليست فروقاً قومية مردها إلى الاختلاف بين الأمم، لكنه يردها إلى اتجاهات ومذاهب كنسية، مع التأكيد على أنها ليست العامل الوحيد، لكن النتائج والآثار الاقتصادية والاجتماعية، لم تكن نتائج متوقعة أو مخططاً لها عند مؤسسيها على أي حال، بل هي عفوية وغير مستهدفة، جاءت في كثير من الحالات بعيدة عما تهيأ لخاطرهم، أو على نقيضة أحياناً.
ويؤكد ماكس فيبر هنا على أنّ الرأسمالية لم تكن نتاجاً حتمياً للبروتستانية، أو أنّ "الرأسمالية" لم تكن لتظهر بدونها، فالرأسمالية برأيه أعرق وأعمق من البروتستانتية، لكن فيبر يحاول أن يبحث ويفكر في الأثر الاقتصادي للحركات الدينية، وإلى أي مدى ساهمت في صياغة العقلية الرأسمالية، وماذا يعود إلى الحركات الدينية من جوانب محسوسة في الحضارة الرأسمالية.

للمشاركة:

هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:



وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

غيّب الموت الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 91 عاماً، وفق ما أعلن التلفزيون المصري.

وتدهورت صحة الرئيس الأسبق على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث نقل إلى العناية الحثيثة، حسبما ذكر نجله علاء.

وأكدت أسرة مبارك،  نبأ وفاته، وذكرت مصادر مقربة منها، لـ "العربية نت"؛ أنّه سيتم تشييع الجثمان من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس شرق القاهرة.

وبدأ مقربون من علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، في نشر برقيات العزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق، قد أعلن منذ عدة أيام أنّ والده يتواجد حالياً داخل غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات، نتيجة إصابته بوعكة صحية.

صحة مبارك تدهورت على مدار الأيام القليلة الماضية حيث نقل إلى العناية الحثيثة

وتنحى مبارك عن حكم مصر، في شباط (فبراير) 2011، على خلفية احتجاجات شعبية ضدّ حكمه.

وكانت محكمة النقض المصرية قد أصدرت، في 2 آذار (مارس) الماضي، حكماً نهائياً ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، من قضية قتل المتظاهرين عام 2011، وصدر الحكم بعد مثول مبارك أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة مرات عديدة.

وأمضى الرئيس المصري الأسبق قرابة ثلاثين عاماً في حكم مصر، وحفلت حياته بكثير من الأحداث.

ولد مبارك في الرابع من أيار (مايو) 1928 في قرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية، بمنطقة الدلتا شمال القاهرة.

وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية في مصر حصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية، عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية، عام 1950، من الكلية الجوية.

وتدرج في سلم القيادة العسكرية؛ فعيّن، عام 1964، قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونز" العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1967؛ عُيّن مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد لقيادات القوات المسلحة المصرية، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

ثم أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظلّ يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع، عام 1972.

وعام 1973؛ اشترك في التخطيط لحرب 6 تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل شبه جزيرة سيناء بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف ما كان له أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي، وتمّت ترقيته في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، نائباً له، عام 1975.

وقد اغتيل الرئيس السادات خلال عرض عسكري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان مبارك جالساً إلى جواره، خلال العرض العسكري، حين تعرضت المنصة الرئيسة للهجوم الذي قتل فيه السادات بينما نجا مبارك.

وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1981؛ أدّى محمد حسني مبارك اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.

وأعيد انتخابه رئيساً للبلاد في استفتاءات شعبية، كان المرشح الأوحد فيها في أعوام 1987 و1993و1999؛ حيث إنّ الدستور المصري يحدد فترة الرئاسة بستة أعوام دون حدّ أقصى.

وعام 2005؛ أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل انتخاب الرئيس بالاقتراع السرّي المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب، وأعيد انتخابه بتفوق كاسح على منافسيه، إلى أن تمّت الإطاحة به عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:



أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية